=========
تَعْرِيفُ القَنَاعَةِ وَالرِّضَا
إِنَّ الرِّضَى لُغَةً هُوَ القَبُول، أَمَّا القَنَاعَةُ فَهِيَ مِنَ الأَضْدَاد: فَتَأَتي بِمَعْني الرِّضَى وَالتَّسْلِيم - وَمِنهُ أُخِذَ الاَقْتِنَاع - كَمَا تَأْتِي بِمَعْنيً آخَرَ مُنَافٍ لِلرِّضَى وَالتَّسْلِيم: تَأْتِي بِمَعْني المَسْأَلَة، فَالَّذِي يَرْضَى بِقِسْمَةِ اللهِ يُقَالُ لَهُ قَانِع، وَالَّذِي يَسْأَلُ النَّاسَ أَيْضًَا يُقَالُ لَهُ قَانِع؛ وَمِنهُ قَوْلُهُ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿وَأَطْعِمُواْ القَانِعَ وَالمُعْتَرّ﴾ [الحَجّ: ٣٦]
[ ٢٨٤٨ ]
فَالقَانِعُ هُنَا هُوَ السَّائِل، أَمَا المُعْتَرّ: فَهْوَ الْفَقِيرُ الَّذِي لاَ يَسْأَلُ النَّاسَ وَلَكِنْ يَعْتَرِيهِمْ، أَيْ: يَتَعَرَّضُ لَهُمْ حَتىَّ يَفْطِنُواْ إِلَيْهِ فَيُعْطُوه ٠ ﴿لِسَانُ العَرَب: ٢٩٧/ ٨﴾
أَحِبَّتي الكِرَام: كَمَا أَنَّ الغَنيَّ لاَ سَبِيلَ أَمَامَهُ لِلنَّجَاة؛ إِلاَّ بِالإِنْفَاقِ في سَبِيلِ الله؛ فَالفَقِيرُ أَيْضًَا لاَ سَبِيلَ أَمَامَهُ لِلنَّجَاة؛ إِلاَّ بِالصَّبرِ عَلَى قَضَاءِ الله ٠٠!!
[ ٢٨٤٩ ]
وَهَذَا مَا سَوْفَ نَتَعَرَّضُ لَهُ في هَذَا البَابِ إِنْ شَاءَ الله ٠
الرِّضَا بِالمَقْسُومِ عِبَادَة
عَن أُسَامَةَ بْنِ عُمَيرٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" إِنَّ اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ يَبْتَلِي عَبْدَهُ بمَا أَعْطَاه؛ فَمَنْ رَضِيَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَهُ؛ بَارَكَ لَهُ فِيهِ وَوَسَّعَه، وَمَنْ لَمْ يرْضَ؛ لَمْ يُبَارَكْ لَه " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: ١٨٦٩، ١٦٥٨، وَالأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٢٠٢٧٩]
[ ٢٨٥٠ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" يَا أَبَا هُرَيْرَة؛ كُنْ وَرِعًَا تَكُن أَعْبَدَ النَّاس، وَكُنْ قَنِعًَا تَكُن أَشْكَرَ النَّاس، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًَا، وَأَحْسِنْ مجَاوَرَةَ مَنْ جَاوَرَكَ تَكُنْ مُسْلِمًَا، وَأَقِلَّ الضَّحِك؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْب " ٠
[ ٢٨٥١ ]
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " الجَامِعِ " بِرَقْم: (٨٧٠٩)، أَخْرَجَهُ الإِمَامُ البَيْهَقِيُّ في " شُعَبِ الإِيمَانِ " بِرَقْم: ٥٧٥٠]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" اتَّقِ المحَارِمَ تَكُن أَعْبَدَ النَّاس، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُن أَغْنى النَّاس، وَأَحْسِنْ إِلى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًَا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًَا، وَلاَ تُكْثِرْ الضَّحِك؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْب " ٠
[حَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: ٢٣٠٥، وَفي الجَامِعِ بِرَقْم: ١٠٠، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ بِرَقْم: ٨٠٣٤]
[ ٢٨٥٢ ]
وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال:
" يَا مَعْشَرَ الفُقَرَاء؛ أَعْطُواْ اللهَ الرِّضَا مِن قُلُوبِكُمْ؛ تَظْفَرُواْ بِثَوَابِ فَقْرِكُمْ، وَإِلاَّ فَلاَ " ٠
[رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِهِ بِرَقْم: ٨٢١٦، وَالغَزَاليُّ في المُكَاشَفَةِ وَالإِحْيَاء: ١٥٥٥، وَهُوَ في الكَنْزِ بِرَقْم: ١٦٦٥٥]
فَعَلَى المُسْلِمِ أَنْ يحْمَدَ اللهَ عَلَى مَا أَعْطَاه، قَلَّ أَوْ كَثُر، وَقَدِيمًَا قَالُواْ في الأَمْثَال:
" الرِّضَا بِالمَقْسُومِ عِبَادَة " ٠
تُرِيدُ أَنْ يَرْضَى اللهُ عَنْكَ وَأَنْتَ غَيرُ رَاضٍ عَنِ الله ٠٠؟!
سَمِعَ سُفيَانُ الثَّوْرِيُّ ﵁ رَجُلًا يَقُول: " اللهُمَّ ارْضَ عَنيّ " ٠
فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا؛ لَوْ رَضِيتَ عَنِ الله؛ لَرَضِيَ عَنْكَ الله ٠٠!!
[ ٢٨٥٣ ]
فَقَالَ الرَّجُل: وَكَيْفَ أَرْضَى عَنِ اللهِ يَا إِمَام ٠٠؟!!
قَالَ لَهُ سُفيَانُ الثَّوْرِيّ: " يَوْمَ تُسَرُّ بِالضَّرَّاء؛ سُرُورَكَ بِالنَّعْمَاء؛ فَقَدْ رَضِيتَ عَنِ الله " ٠
وَفي أَخْبَارِ بَني إِسْرَائِيل: أَنَّهُمْ سَأَلُواْ نَبيَّ اللهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَم؛ فَقَالُواْ: سَلْ رَبَّكَ أَمْرًَا؛ إِذَا نحْنُ فَعَلْنَاهُ يَرْضَى بِهِ عَنَّا ٠٠؟
فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَم: إِلَهِي؛ قَدْ سَمِعْتَ مَا قَالُواْ ٠٠؟
فَقَالَ ﷾: " قُلْ لهُمْ يَا مُوسَى؛ يَرْضَوْنَ عَنيِّ حَتىَّ أَرْضَى عَنهُمْ " ٠
[أَبُو حَامِدٍ الغَزَاليُّ في " مُكَاشَفَةِ القُلُوب " بِالبَابِ الثَّالِثِ وَالسَّبْعُون ٠ ص: ٢٣١]
وَعَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
[ ٢٨٥٤ ]
" مَنْ رَضِيَ عَنِ الله؛ ﵁ " ٠
[ضَعَّفَهُ الأَلبَانيُّ في " الجَامِعِ " بِرَقْم: (٥٦٠٠)، أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِر ٠ وَفي الكَنْز: ٥٩٥٦، كَشْفُ الخَفَاءِ بِرَقْم: ٢٥٨٢]
وَقَالَ أَحَدُ الصَّالحِين: " مَنْ قَرَّتْ عَيْنُهُ بِاللهِ تَعَالى؛ قَرَّتْ بِهِ كُلُّ عَين، وَمَنْ لَمْ تَقَرَّ عَيْنُهُ بِالله؛ تَقَطَّعَ قَلْبُهُ عَلَى الدُّنيَا حَسَرَات " ٠٠
[ابْنُ القَيِّمِ في " إِغَاثَةِ اللهْفَان " بِالطَّبْعَةِ الثَّانِيَةِ لِدَارِ المَعْرِفَة ٠ بَيرُوت ٠ ص: ٧٢/ ١]
وَجَاءَ رَجُل إِلى يُونُسَ بن عُبَيْد؛ يَشْكُو إِلَيْهِ ضِيقَ حَالِه؛ فَقَالَ لَهُ يُونُس:
" أَيَسُرُّكَ أَنَّ بِبَصَرِكَ هَذَا - أَيْ تُعْطَى فِيه - مِائَةَ أَلفِ دِرْهَم ٠٠؟
قَالَ الرَّجُلُ لاَ، قَالَ فَبِيَدَيْك ٠٠؟
قَالَ لاَ، قَالَ فَبرِجْلَيْك ٠٠؟
[ ٢٨٥٥ ]
قَالَ لاَ، فَذَكَّرَهُ نِعَمَ اللهِ عَلَيْه، وَهُوَ يَقُولُ لاَ؛ فَقَالَ لَهُ يُونُس: أَرَى عِنْدَكَ مِئَاتِ الأُلُوفِ وَأَنْتَ تَشْكُو الحَاجَة " ٠
[ابْنُ القَيِّمِ في " عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِينَ " الشَّاكِرِينَ بِالبَابِ العِشْرِين]
مَنْ رَضِيَ بِالقَلِيلِ مِنَ الرِّزْق؛ رَضِيَ اللهُ مِنهُ القَلِيلَ مِنَ العَمَل
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" قَدْ أَفْلَحَ مَن أَسْلَمَ وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًَا وَقَنَّعَهُ الله " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ بِرَقْم: (١٢٩)، وَفي سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: ٢٣٤٨]
[ ٢٨٥٦ ]
وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" طُوبى لِمَن هُدِيَ إِلى الإسْلاَمِ وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافَا " ٠ [صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: ٢٣٤٩، في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَة بِرَقْمَيْ: ٣٩٣١، ٣٩٣١، وَفي مُشْكِلَةِ الفَقْر]
وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لاَبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ:
" يَا بُنيّ؛ إِذَا طَلَبْتَ الغِنى فَاطْلُبْهُ بِالقَنَاعَة؛ فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قَنَاعَة؛ لَمْ يُغْنِهِ مَال " ٠
[أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرْ ٠ وَهُوَ في " كَنْزِ الْعُمَّالِ " بِرَقْم: ٨٧٤٣]
وَصَدَقَ مَنْ قَال: " مَنْ لَمْ يُغْنِهِ مَا يَكْفِيه؛ أَعْيَاهُ مَا يُغْنِيه " ٠
[ ٢٨٥٧ ]
وَرَوَى الإِمَامُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَه؛ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " مَنْ رَضِيَ مِنَ اللهِ بِالقَلِيلِ مِنَ الرِّزْق؛ رَضِيَ اللهُ مِنهُ بِالْقَلِيلِ مِنَ العَمَل " ٠
[ضّعَّفَهُ الحَافِظُ العِرَاقِيُّ وَالذَّهَبيُّ في فَيْضِ القَدِير: ١٣٧/ ٦، الكَنْزِ بِرَقْم: ٦٥٠٨، شُعَبُ الإِيمَانِ بِرَقْم: ١٠٠٠٣]
عَن عُبَيْدِ اللهِ الخَطْمِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " مَن أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًَا في سِرْبِه - أَيْ في أَهْلِه - مُعَافىً في جَسَدِه، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِه: فَكَأَنمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنيَا بحَذَافِيرِهَا " ٠
[ ٢٨٥٨ ]
[حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنيِ ابْنِ مَاجَةَ وَالتِّرْمِذِيِّ بِرَقْمَيْ: (٤١٤١، ٢٣٤٦)، وَفي الأَدَبِ المُفْرَدِ بِرَقْم:٣٠٠]
[حَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ في ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: ٤١٤١، وَفي التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: ٢٣٤٦، وَفي الأَدَبِ المُفْرَدِ بِرَقْم: ٣٠٠، وَفي الجَامِعِ بِرَقْم: ١٠٩٨٦، الكَنْز: ٧٠٨٣]
السِّرْبُ أَيِ النَّفْسُ وَالأَهْلُ وَالمَال، فَيُقَال: آمِنُ السِّرْب وَآمِنٌ في سِرْبِه: أَيْ آمِنٌ في أَهْلِهِ وَمَالِه، وَتَأْتي أَيْضًَا بمَعْنى الصَّدْرِ فَيُقَال: آمِنُ السِّرْبِ أَيْ: طَيِّبٌ لاَ خُبْثَ فِيه ٠
[ ٢٨٥٩ ]
أَمَّا السَّرْب: فَهُوَ المَالُ وَالأَنعَام، فَيُقَال: آمِنُ السَّرْبِ وَآمِنٌ في سَرْبِهِ: أَيْ في مَالِهِ وَنَعَمِه: أَيْ لاَ يُغْزَى، وَالسَّرْبُ أَيْضًَا تَأْتي بِمَعْنى الطَّرِيقِ أَوِ المَسْلَك، وَتَأْتي أَيْضًَا بِمَعْنى القَطِيع، وَلاَ تَأْتي بمَعْنى النَّفْس ٠ ﴿لِسَانُ العَرَب: ٤٦٣، ٤٦٤/ ١﴾
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَن أَبي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ زَادَ قَوْلَه: " يَكْفِيكَ مِنهَا مَا سَدَّ جَوْعَتَك، وَوَارَى عَوْرَتَك، وَإِنْ كَانَ فَذَاك، وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةٌ تَرْكَبُهَا فَبَخٍ " ٠ [قَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ ": رِجَالُهُ وُثِّقُواْ عَلَى ضَعْفٍ فِيهِم ٠ ص: (٢٨٩/ ١٠)، أَخْرَجَهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيُّ]
[ ٢٨٦٠ ]
مَنْ رَضِيَ مِنَ الدُّنيَا بهَذَا لَمْ يحْتَجْ إِلى أَحَد
إِنَّ القَنَاعَةَ مَالٌ لاَ نَفَادَ لَهُ * تُغْنِيكَ عَنْ كُلِّ ذِي قُرْبى وَذِي رَحِمِ
وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تَتْرُكْهُ شَبَّ عَلَى * حُبِّ الرَّضَاعِ وَإِنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ
اصْبِرْ عَلَى مَا قَدْ بُلِيـ * ـتَ فَهَكَذَا شَاءَ القَدَرْ
فَالعُمْرُ يجْرِي كَالرَّحَى * وَالعَيْشُ سَاعَاتٌ تَمُرّ
فَاقْنَعْ بِعَيْشِكَ تَرْضَهُ * وَاتْرُكْ هَوَاكَ تَعِيشُ حُرّ
فَلَرُبَّ حَتْفٍ سَاقَهُ * ذَهَبٌ وَيَاقُوتٌ وَدُرّ
﴿أَبُو الْعَتَاهِيَة ٠ بِاسْتِثْنَاءِ الْبَيْتِ الأَوَّلِ فَهُوَ لِزَكِي قُنْصُل ٠ بِتَصَرُّف﴾
[ ٢٨٦١ ]
وَكَانَ محَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ؛ يخْرِجُ خُبْزًَا يَابِسًَا فَيَبُلُّهُ بِالماءِ وَيَأْكُلُ وَيَقُول:
" مَنْ رَضِيَ مِنَ الدُّنيَا بِهَذَا؛ لَمْ يحْتَجْ إِلى أَحَد " ٠ [الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ " طَبْعَةِ دَارِ الوَثَائِقِ في كِتَابِ " فَضِيلَةِ الفُقَرَاءِ الرَّاضِينَ القَانِعِين " ٠ ص: ١٥٥٧]
فَحَسْبُكَ مِن غِنىً شِبْعٌ وَرِيُّ
﴿عَمْرُو بْنُ قُمَيْئَة﴾
[ ٢٨٦٢ ]
قَلِيلٌ يَكْفِيك؛ خَيرٌ مِنْ كَثِيرٍ لاَ تَقْدِرُ عَلَى حِسَابِه
عَن أَبي طَلحَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِاْئَةً: كَتَبَ اللهُ لَهُ أَلْفَ حَسَنَةٍ وَأَرْبَعًَا وَعِشْرِينَ حَسَنَة " ٠
قَالُواْ: يَا رَسُولَ الله؛ إِذَنْ لاَ يَهْلِكُ مِنَّا أَحَد؛ قَالَ ﷺ:
" بَلَى إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَجِيءُ بِالحَسَنَاتِ لَوْ وُضِعَتْ عَلَى جَبَلٍ أَثْقَلَتْهُ ثُمَّ تَجِيءُ النِّعَمُ فَتَذْهَبُ بِتِلْكَ الحَسَنَات، ثُمَّ يَتَطَاوَلُ الرَّبُّ بَعْدَ ذَلِكَ بِرَحْمَتِه " ٠٠ أَيْ يَتَفَضَّلُ جَلَّ جَلاَلُهُ بَعْدَ ذَلِك
[صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٧٦٣٨]
[ ٢٨٦٣ ]
وَقَدْ وُجِدَ مَكْتُوبًَا في التَّوْرَاة: " يَا ابْنَ آدَم؛ إِنَّ الدُّنيَا كُلَّهَا لَوْ كَانَتْ لَك؛ لَمْ يَكُنْ لَكَ مِنهَا إِلاَّ القُوتُ الَّذِي تُقِيمُ بِهِ أَوَدَك، وَالثَّوبُ الَّذِي تَسْتُرُ بِهِ بَدَنَك؛ فَمَا بَالُكَ لاَ تَرْضَى بمَا يَكْفِيك، وَتُرِيدُ مَا لاَ تَقْدِرُ عَلَى حِسَابِه " ٠٠؟!
وَهَذَا المَعْني قَدْ وَرَدَ أَيْضًَا في حَدِيثٍ قُدُسِي، يَقُولُ فِيهِ رَبُ العِزَّةِ جَلَّ جَلاَلُه:
" يَا ابْنَ آدَم: إِنَّ الدُّنيَا كُلَّهَا لَوْ كَانَتْ لَك؛ لَمْ يَكُنْ لَكَ مِنهَا إِلاَّ القُوت، وَإِذَا أَنَا أَعْطَيْتُكَ مِنهَا القُوت، وَجَعَلْتُ حِسَابَهَا عَلَى غَيرِك؛ فَأَنَا إِلَيْكَ محْسِن " ٠٠!!
[الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ " طَبْعَةِ دَارِ الوَثَائِقِ في كِتَابِ " فَضِيلَةِ الفُقَرَاءِ الرَّاضِينَ القَانِعِين " ٠ ص: ١٥٥٧]
[ ٢٨٦٤ ]
وَعَن عَبْدِ اللهِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" مَا مِن أَحَدٍ؛ إِلاَّ وَهُوَ يَتَمَنى يَوْمَ القِيَامَةِ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ في الدُّنيَا قُوتًَا " ٠
[ابْنُ الخَطِيبِ، وَالحَدِيثُ في " الكَنْزِ " بِرَقْم: ٧١٣٤]
قَلِيلٌ يَكْفِيك؛ خَيرٌ مِنْ كَثِيرٍ يُطْغِيك
وَسُبْحَانَ اللهِ يَا ابْنَ آدَم؛ لِمَ لاَ تَكُونُ كَالنَّمْلَةِ الَّتي لاَ تجْمَعُ مِن حُطَامِ الدُّنيَا إِلاَّ قُوتَهَا، تَمْشِي عَلَى الذَّهَبِ كَمَا تمْشِي عَلَى التُّرَاب، هَلْ رَأَيْتَ نمْلَةً؛ تحْمِلُ قِطْعَةً مِنَ الذَّهَب؟!
[ ٢٨٦٥ ]
إِنمَا كُلُّ مَا تحْمِلُهُ المِسْكِينَة؛ قِطعَةٌ مِنَ الخبْزِ اليَابِسِ أَوْ حُبَيْبَةٌ مِنَ السُّكَّر ٠٠!!
هِيَ القَنَاعَةُ فَالْزَمْهَا تَكُنْ ملِكًَا * لَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلاَّ رَاحَةُ البَدَنِ
وَانْظُر لِمَنْ مَلَكَ الدُّنيَا بِأَجْمَعِهَا * هَلْ رَاحَ منهَا بِغَيرِ القَبرِ وَالكَفَنِ
وَمن أَجْمَلَ مَا قَالَهُ أَجْدَادُنَا في ذَلِكَ قَوْلهُمْ: " فَقْرٌ بِلاَ دَيْن؛ هُوَ الغِنى الكَامِل " ٠
وَعَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: " مَا مِنْ يَوْم؛ إِلاَّ وَمَلَكٌ يُنَادِي مِن تحْتِ العَرْش: يَا ابْنَ آدَم؛ قَلِيلٌ يَكْفِيك؛ خَيرٌ مِنْ كَثِيرٍ يُطْغِيك " ٠ [الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ " طَبْعَةِ دَارِ الوَثَائِقِ في بَابِ " فَضِيلَةِ الفُقَرَاءِ الرَّاضِينَ القَانِعِين " ٠ ص: ١٥٥٦]
[ ٢٨٦٦ ]
أَنْصِفْ نَفْسَكَ مِنْ نَفْسِك
وَعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُول: " مِسْكِينٌ ابْنُ آدَم؛ رَضِيَ بِدَارٍ حَلاَلُهَا حِسَاب، وَحَرَامُهَا عَذَاب، إِن أَخَذَهُ مِن حِلِّهِ؛ حُوسِبَ بِه، وَإِن أَخَذَهُ مِن حَرَام؛ عُذِّبَ بِه، يَسْتَقِلُّ مَالَهُ، وَلاَ يَسْتَقِلُّ عَمَلَه، يَفْرَحُ بمُصِيبَتِهِ في دِينِهِ، وَيجْزَعُ مِنْ مُصِيبَتِهِ في دُنيَاه "
[المَكَاشَفَة ٠ بَابُ تَرْكِ الدُّنيَا وَذَمِّهَا ٠ وَقِيلَ أَنَّهُ مِنْ كَلاَمِ الإِمَامِ عَلِيّ، وَرَفَعَهُ بَعْضُهُمْ لِسَيِّدِنَا النَّبيّ]
[ ٢٨٦٧ ]
دَعِ الحِرْصَ عَلَى الدُّنيَا * وَفي العَيْشِ فَلاَ تَطْمَعْ
وَلاَ تجْمَعْ مِنَ المَالِ * فَمَا تَدْرِي لِمَنْ تجْمَعْ
فَإِنَّ الرِّزْقَ مَقْسُومٌ * وَسُوءُ الظَّنِّ لاَ يَنْفَعْ
فَقِيرٌ كُلُّ ذِي حِرْصٍ * غَنيٌّ كُلُّ مَنْ يَقْنَعْ
﴿الإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِب﴾
[ ٢٨٦٨ ]
فَانهَ النَّفْسَ عَنِ الهَوَى ٠٠ ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوء﴾ ﴿يُوسُف/٥٣﴾
فَالنَّفْسُ رَاغِبَةٌ إِذَا رَغَّبْتَهَا * وَإِذَا تُرَدُّ إِلى قَلِيلٍ تَقْنَعُ
﴿أَبُو ذُؤَيْبٍ الهَذَليّ﴾
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفَقْرَ يُرْجَى لَهُ الغِنى * وَأَنَّ الغِنى يُخْشَى عَلَيْهِ مِنَ الفَقْرِ
﴿الإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِب﴾
[ ٢٨٦٩ ]
وَلاَ تَنْدَمْ عَلَى فَوْتِ مَا قَدْ فات، وَلاَ تَأْخِيرِ مَا تَأَخَّر ٠
فَلاَ تَغْتَمَّ أَوْ تَهْتَمّ * أَوْ تَنْدَمْ عَلَى مَا تَمّ
﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
وَكُنْ كَمَا قَالَ فَيْلَسُوفُ العَرَبِ المُتَنَبي:
لاَ أَشْرَئبُّ إِلى مَا لَمْ يَفُتْ طَمَعًَا * وَلاَ أَبِيتُ عَلَى مَا فَاتَ حَسْرَانَا
[ ٢٨٧٠ ]
وَحَسْبُكُمْ مَعْشَرَ الفُقَرَاء؛ أَنَّ الفَقْرَ مِنْ صِفَاتِ الأَنْبِيَاء ٠٠
عَن أَبي عَمْروٍ الشَّيْبَانيِّ ﵁؛ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ سَأَلَ رَبَّه ﷾: أَيُّ عِبَادِكَ أَغْنى ٠٠؟
قال: " أَقْنَعُهُمْ بِمَا أَعْطَيْتُه " ٠٠ قَال: فَأَيُّهُمْ أَعْدَل ٠٠؟
قال: " مَن أَنْصَفَ نَفْسَهُ مِنْ نَفْسِه " ٠
[صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ بِنَحْوِهِ في الصَّحِيحَة: ٣٣٥٠، الغَزَاليُّ في الإِحْيَاءِ بَابُ ذَمِّ الحِرْصِ وَالطَّمَع ٠ وَابْنُ هَنَّادٍ في الزُّهْد: ٤٨٩]
[ ٢٨٧١ ]
تَقَنَّعْ مِنَ الدُّنيَا بِزَادِ مُسَافِرٍ * فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أَتُصْبِحُ أَمْ تُمْسِي
عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبيَّ ﷺ فَقَالَ أَوْصِني وَأَوْجِزْ؛ فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ: " عَلَيْكَ بِالإِيَاس: مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاس، وَإِيَّاكَ وَالطَّمَع؛ فَإِنَّهُ الْفَقْرُ الحَاضِر، وَصَلِّ صَلاَتَكَ وَأَنْتَ مُوَدِّع، وَإِيَّاكَ وَمَا تَعْتَذِرُ مِنهُ "
[صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٧٩٢٨]
[ ٢٨٧٢ ]
الحُرُّ عَبْدٌ إِذَا طَمِعْ * وَالْعَبْدُ حُرٌّ إِذَا قَنِعْ
عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلا في غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِن حِرْصِ المَرْءِ عَلَى المَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَعِ وَشُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَد: إِسْنَادُهُ صَحِيح]
[ ٢٨٧٣ ]
المَعْرَكَةُ الَّتي خَسِرَهَا الإِسْكَنْدَرُ الأَكْبرُ بِسَبَبِ الطَّمَع
بَعَثَ الإِسْكَنْدَرُ الأَكْبرُ يَوْمًَا جَيْشَهُ غَازِيًَا، وَأَوْصَى جُنُودَهُ إِنْ ظَفِرُواْ بِعَدُوِّهِمْ أَنْ يَتْرُكُواْ جِهَةَ الجَنُوبِ خَالِيَة؛ لِيَفِرَّ مِنهَا العَدُوّ؛ فَيَسْهُلَ بِالتَّالي دُخُولُ أَرْضِه، بِأَقَلِّ خَسَائِرَ ممْكِنَة، دُونَ الدُّخُولِ مَعْهُ في مُوَاجَهَة، وَبِالفِعْل ٠٠ نجَحَتْ خُطَّةُ الإِسْكَنْدَر، وَكَادَتْ قُوَّاتُهُ أَنْ تَسْتَوْليَ عَلَى تِلْكَ البَلَد، لَوْلاَ الطَّمَع ٠٠!!
[ ٢٨٧٤ ]
لَمَّا رَأَى قَادَةُ الجَيْشِ سُهُولَةَ الاَسْتِيلاَء؛ قَرَّرُواْ غَلْقَ الجَنُوبِ حَتىَّ يجْهِزُواْ عَلَى عَدُوِّهِمْ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ، وَغَرَّتهُمْ كَثْرَتهُمْ فَفَعَلُوهَا، فَلَمَّا رَأَى أُوْلَئِكَ أَنهُمْ قَدْ أُحِيطَ بهِمْ؛ نَظَّمُواْ صُفُوفَهُمْ وَقَاتَلُواْ بِبَسَالَةٍ عَدُوَّهُمْ قِتَالًا شَدِيدًَا، وَأَبْلَواْ بَلاَءً حَسَنًَا حَتىَّ كُتِبَ لهُمُ النَّصْر، وَكَانَتْ تِلْكَ المَعْرَكَة؛ مِنَ المَعَارِكِ القَلِيلَةِ الَّتي هُزِمَ فِيهَا جَيْشُ الإِسْكَنْدَر ٠٠!!
وَقَدْ قِيلَ الأَمثَال: " إِيَّاك وَالطَّمَع؛ فَإِنَّه قَلَّمَا جَمَع، وَإِذَا مَا جَمَع؛ فَقَلَّمَا نَفَع " ٠
وَقَالُواْ أَيْضًَا: " مَنْ يُطَارِدْ عُصْفُورَيْنِ يَفْقِدْهُمَا " ٠
[ ٢٨٧٥ ]
مَصَارِعُ الرِّجَالِ تحْتَ بُرُوقِ الطَّمَع
قَالَ سُمَيْطُ بْنُ عُجْلاَن:
" إِنمَا بَطْنُكَ يَا ابْنَ آدَمَ شِبرٌ في شِبر؛ فَلِمَ يُدْخِلُكَ النَّار "؟!
[مَكَاشَفَةُ القُلُوب طَبْعَةِ الإِرْشَاد ٠ دَارُ البَيَان ٠ ص: ١١٣]
فَإِيَّاكَ وَالطَّمَع؛ فَمَصَارِعُ الرِّجَالِ تحْتَ بُرُوقِ الطَّمَع، وَاعْلَمْ أَنَّ قَلِيلًا يَكْفِي؛ خَيرٌ مِنْ كَثِيرٍ يُطْغِي
عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبيِّ صَلَّىاللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: " مَا قَلَّ وَكَفَى؛ خَيرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى " ٠
[صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في صَحِيحِ الجَامِعِ بِرَقْم: (٥٦٥٣/ ١٠٥٩٠)، وَوَثَّقَهُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَعِ ص: (٢٥٦/ ١٠)، أَبُو يَعْلَى]
وَذَلِكَ لأَنَّ المَالَ كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
كَالنُّورِ لِلمُسْتَبْصِرِينَ كَثِيرُهُ * فِيهِ العَمَى وَقَلِيلُهُ فِيهِ الشِّفَا
[ ٢٨٧٦ ]
أَيْ: مَثَلُهُ كَمَثَلِ البَرْق؛ يَكَادُ ضَوْءُ هُ يخْطَفُ بِالأَبْصَار، أَوْ كَضَوْءِ الشَّمْسِ الَّذِي إِن أَدْمَنْتَ النَّظَرَ إِلَيْه؛ أَضْعَفَ بَصَرَك ٠٠!!
تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَم
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الخَمِيصَة؛ إِن أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِط، تَعِسَ وَانْتَكَس، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَش " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٨٨٧ / فَتْح]
أَيْ: وَإِذَا أَصَابَتْهُ شَوْكَةٌ؛ فَلا أَخْرَجَهَا اللهُ مِنهُ ٠
[ ٢٨٧٧ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" لُعِنَ عَبْدُ الدِّينَارِ، لُعِنَ عَبْدُ الدِّرْهَم " ٠ [قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة: هَذَا حَدِيثٌ صَالِحُ الإِسْنَاد ٠ ص: ٣٠٢/ ٨]
وَمَا أَجْمَلَ قَوْلَ الشَّاعِر:
إِذَا مَا كَانَ عِنْدِي قُوتُ يَوْمِي * فَخَلِّ الهَمَّ عَنيِّ يَا سَعِيدُ
وَهَلْ تَأْتي هُمُومُ غَدٍ بِبَالي * وَكُلُّ غَدٍ لَهُ رِزْقٌ جَدِيدُ
﴿الْبَيْتَانِ الأَوَّلاَنِ لِلإِمَامِ الشَّافِعِيِّ بِتَصَرُّفٍ يَسِير، وَالآخَرَانِ لِلْحُطَيْئَة﴾
[ ٢٨٧٨ ]
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال:
" إِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ قَحْطًَا؛ نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاء: يَا أَمْعَاءُ اتَّسِعِي، وَيَا عَيْنُ لاَ تَشْبَعِي، وَيَا بَرَكَةُ ارْتَفِعِي " ٠
[ضَعَّفَهُ الأَلبَانيُّ في " صَحِيحِ الجَامِعِ " بِرَقْم: (٣٤٦)، الدَّيْلَمِيُّ وَابْنُ النَّجَّارِ وَأَبُو نُعَيْم، كَمَا في " الكَنْزِ " بِرَقْم: ٢١٥٩٤]
[ ٢٨٧٩ ]
الغِنى غِنى النَّفْس
وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَيْضًَا مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" لَيْسَ الغِنى عَنْ كَثْرَةِ العَرَض، وَلَكِنَّ الغِنى غِنى النَّفْس " ٠ [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في (فَتْحِ البَارِي) بِرَقْم: (٦٤٤٦)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ (فُؤَاد عَبْد البَاقِي) بِرَقْم: ١٠٥١]
وَالعَرَض: كُلُّ مَا يمْتَلِكُهُ الإِنسَانُ مِنْ مَتَاع ٠
[ ٢٨٨٠ ]
عَن أَبي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُ:
" يَا أَبَا ذَرّ؛ أَتَرَى كَثْرَةَ المَالِ هُوَ الْغِنىَ " ٠٠؟
قُلْتُ نَعَمْ، قَالَ ﷺ: " وَتَرَى أَنَّ قِلَّةَ المَالِ هُوَ الْفَقْر " ٠٠؟
قُلْتُ نَعَمْ يَا رَسُولَ الله، قَالَ ﷺ:
" لَيْسَ كَذَلِك، إِنَّمَا الْغِنىَ غِنىَ الْقَلْب، وَالْفَقْرُ فَقْرُ الْقَلْب " ٠
[قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيّ، وَقَالَ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في ابْنِ حِبَّان: عَلَى شَرْطِ الإِمَامِ مُسْلِم]
[ ٢٨٨١ ]
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: " إِنَّمَا الْغِنى غِنى الْقَلْب، وَالْفَقْرُ فَقْرُ الْقَلْب، مَنْ كَانَ الْغِنى في قَلْبِهِ فَلاَ يَضُرُّهُ مَا لَقِيَ مِنَ الدُّنيَا، وَمَنْ كَانَ الْفَقْرُ في قَلْبِهِ فَلاَ يُغْنِيهِ مَا أُكْثِرَ لَهُ في الدُّنيَا " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الجَامِع]
[ ٢٨٨٢ ]
قِيلَ لأَحَدِ الحُكَمَاء: مَا الْغِنى ٠٠؟
فَقَال: " هُوَ قِلَّةُ تَمَنِّيك، وَرِضَاكَ بِمَا يَكْفِيك " ٠
[مُكَاشَفَةُ القُلُوب ٠ بَابُ فَضْلِ الفُقَرَاء، فَيْضُ القَدِير ٠ المَكْتَبَةُ التِّجَارِيَّةِ ٠ ص: ٢٨٢/ ٤]
وَيَرْحَمُ اللهُ شَاعِرَ الفُقَهَاءِ وَفَقِيهَ الشُّعَرَاءِ الإِمَامَ الشَّافِعِيَّ حَيْثُ يَقُول:
أَعَزَّتْني القَنَاعَةُ كُلَّ عِزٍّ * وَأَيُّ غِنىً أَعَزُّ مِنَ القَنَاعَة
فَخُذْ مِنهَا لِنَفْسِكَ رَأْسَ مَالٍ * وَخُذْ مِنْ بَعْدِهَا التَّقْوَى بِضَاعَة
﴿الإِمَامُ الشَّافِعِيّ﴾
[ ٢٨٨٣ ]
وَهُوَ القَائِلُ أَيْضًَا:
أَمَتُّ مَطَامِعِي فَأَرَحْتُ نَفْسِي * فَإِنَّ النَّفْسَ مَا طمِعَتْ تَهُونُ
وَأَحْيَيْتُ القُنُوعَ وَكَانَ مَيْتًَا * فَفِي إِحْيَائِهِ عِرْضٌ مَصُونُ
إِذَا طَمَعٌ يحُلُّ بِقَلْبِ عَبْدٍ * كَسَتْهُ ذِلَّةٌ وَعَلاَهُ هُونُ
﴿الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ بِتَصَرُّف﴾
وَالطَّامِعُ مَثَلُهُ مَثَلُ الكَلْبِ الَّذِي مَرَّ عَلَى نَهْر، وَفي فَمِهِ ضِلْعُ شَاة، فَرَأَى خَيَالَهُ في المَاء؛ فَلَعِبَ بِرَأْسِهِ الطَّمَع؛ فَنَبَحَ عَلَى صُورَتِه؛ فَسَقَطَ مَا كَانَ بِفَمِه، وَلَمْ يجِدْ في المَاءِ شَيْئَا ٠٠!!
[ ٢٨٨٤ ]
حَتىَّ الغَنَمُ؛ فِيهَا مِثْلُ أَشْعَبَ في الطَّمَع
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال:
" كَانَ في بَني إِسْرَائِيلَ جَدْيٌ في غَنَمٍ كَثِيرَة، تُرْضِعُهُ أُمُّه، فَانْفَلَتَ - أَيْ بِيعَتْ أُمُّهُ أَوْ مَاتَتْ - فَرَضَعَ الغَنَمَ كُلَّهَا، ثُمَّ لَمْ يَشْبَعْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّهُمْ فَقَال: " إِنَّ هَذَا مِثْلُ قَوْمٍ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ، يُعْطَى الرَّجُلُ مِنهُمْ مَا يَكْفِي القَبِيلَةَ أَوِ الأُمَّة، ثمَّ لاَ يَشْبَع "
[قَالَ الهَيْثَمِيُّ رِجَالُهُ وُثِّقُواْ إِلاَّ عَطَاءَ بْنَ السَّائِبِ اخْتَلَطَ قَبْلَ مَوْتِه: ٢٤٣/ ١٠]
وَكَأَنَّهُ يَقُولُ ﷺ بِذَلِكَ لأُمَّتِه: فَلاَ تَكُونُنَّ هَذِهِ الأُمَّة ٠٠!!
[ ٢٨٨٥ ]
ابْنُ آدَمَ وَحُبُّهُ لِلمَال
عَنْ محْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " اثْنَتَانِ يَكْرَهُهُمَا ابْنُ آدَم: المَوْت، وَالمَوْتُ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الْفِتْنَة، وَيَكْرَهُ قِلَّةَ المَال، وَقِلَّةُ المَالِ أَقَلُّ لِلْحِسَاب " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَة، وَقَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيح ص: ٢٥٧/ ١٠، وَقَالَ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَد: إِسْنَادُهُ جَيِّد ٠ ح / ر: ٢٣٦٢٥]
[ ٢٨٨٦ ]
وَعَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال:
" يَكْبَرُ ابْنُ آدَمَ وَيَكْبَرُ مَعَهُ اثْنَان: حُبُّ المَال، وَطُولُ العُمُر " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٦٤٢١ / فَتْح، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ١٠٤٦ / عَبْد البَاقِي]
وَفي رِوَايَةٍ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَيْضًَا عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَتَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَان: الحِرْصُ عَلَى المَال، وَالحِرْصُ عَلَى العُمُر " ٠
[الإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ١٠٤٧]
[ ٢٨٨٧ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" لاَ يَزَالُ قَلْبُ الكَبِيرِ شَابًَّا في اثْنَتَيْن: في حُبِّ الدُّنْيَا، وَطُولِ الأَمَل " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: ٦٤٢٠]
وَعَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال:
" يَهْرَمُ ابنُ آدَمَ وَتَبْقَى مِنهُ اثْنَتَان: الحِرْص، وَطُولُ الأَمَل " ٠
[الشَّيْخَانِ بِنَحْوِهِ ٠ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانِيُّ في " الصَّحِيحَة " بِرَقْم: (١٩٠٦)، وَالحَدِيثُ في " الكَنْزِ " بِرَقْم: ٧٤٣٧]
[ ٢٨٨٨ ]
حَدَّثَ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْن: طُولُ الحَيَاة، وَحُبُّ المَال " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ١٠٤٦ / عَبْد البَاقِي]
[ ٢٨٨٩ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًَا؛ فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَب، وَفي رِوَايَةٍ رِجْلُ جَرَادٍ مِنْ ذَهَب، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يحْتَثِي في ثَوْبِه؛ فَنَادَاهُ رَبُّهُ يَا أَيُّوب؛ أَلَمْ أَكُن أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى ٠٠؟!
قَالَ بَلَى وَعِزَّتِك، وَلَكِنْ لاَ غِنى بي عَنْ بَرَكَتِك " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٢٧٩ / فَتْح)، أَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ رَوَاهَا بِرَقْم: ٣٣٩١ / فَتْح]
[ ٢٨٩٠ ]
طَمَعُ ابْنِ آدَم
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال: " لَوْ أَنَّ لاَبْنِ آدَمَ وَادِيًَا مِنْ ذَهَب؛ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَان، وَلَنْ يمْلأَ فَاهُ إِلاَّ التُّرَاب، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَاب " ٠ [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (٦٤٣٩)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ١٠٤٨]
[ ٢٨٩١ ]
وَفي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " لَوْ أَنَّ لاَبْنِ آدَمَ مِثْلَ وَادٍ مَالاَ؛ لأَحَبَّ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ مِثْلَه، وَلاَ يمْلأُ عَينَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَاب، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَاب " ٠ [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (٦٤٣٧)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ١٠٤٩]
[ ٢٨٩٢ ]
وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" لَوْ كَانَ لاَبْنِ آدَمَ وَادٍ مِنْ نَخْل؛ لَتَمَنىَّ مِثْلَه، ثُمَّ تَمَنىَّ مِثْلَه، حَتىَّ يَتَمَنىَّ أَوْدِيَةً، وَلاَ يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَاب " ٠ [صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في الجَامِعِ بِرَقْم: ٩٤٢٠، وَالعَلاَّمَةُ أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ١٤٦٠٠، وَهُوَ في الكَنْزِ بِرَقْم: ٧٤٣٥]
[ ٢٨٩٣ ]
عَن عَبْدِ اللهِ العَامِرِيِّ ﵁ قَال: " أَتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿أَلهَاكُمُ التَّكَاثُر﴾ قَال ﷺ: " يَقُولُ ابْنُ آدَم: مَالي مَالي، وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِك؛ إِلاَّ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْت، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْت، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْت " ٠٠؟! [الإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " في كِتَابِ الزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ بِرَقْم: ٢٩٥٨]
وَهَذَا هُوَ شَأْنُ الإِنْسَان؛ كَالحُوتِ الظَّمْآن؛ مَهْمَا أُعْطِيَ لاَ يَشْبَع ٠٠!!
نَرُوحُ وَنَمْضِي لِحَاجَاتِنَا * وَحَاجَةُ مَن عَاشَ لاَ تَنْقَضِيضِ
﴿الصَّلَتَانُ الْعَبْدِيّ﴾
[ ٢٨٩٤ ]
وَذَكَرَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ القُرْآن؛ فَقَالَ ﷾ في سُورَةِ فُصِّلَتْ:
﴿لاَ يَسْأَمُ الإِنسَانُ مِنْ دُعَاء الخَير، وَإِنْ مَسَّهُ الشَرُّ فَيئُوسٌ قَنُوط﴾ ﴿فُصِّلَتْ: ٤٩﴾
فَنَفْسُ المَرْءِ تَحْقِرُ مَا لَدَيْهَا * وَتَطْلُبُ كُلَّ مُمْتَنِعٍ عَلَيْهَا
فَلاَ تَجْعَلْكَ عَبْدًَا في يَدَيْهَا * لِكُلِّ نَقِيصَةٍ تَدْعُو إِلَيْهَا
[ ٢٨٩٥ ]
وقال أَحَدُ الحُكَمَاءِ: " مِسْكِينٌ ابْنُ آدَم؛ لَوْ خَافَ مِنَ النَّارِ كَمَا يخَافُ مِنَ الفَقْر؛ لَنَجَا مِنهُمَا جَمِيعَا، وَلَوْ رَغِبَ في الجَنَّةِ كَمَا يَرْغَب في الغِنى؛ لَفَازَ بهِمَا جَمِيعَا " ٠
[الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاء " ٠ الطَّبْعَةُ الأُولى لِدَارِ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة ٠ طَبْعَةِ الحَافِظِ العِرَاقِي: ١٥٥٥]
[ ٢٨٩٦ ]
نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَع
عَنْ كَعْبِ بْنِ عِيَاضٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَة، وَإِنَّ فِتْنَةَ أُمَّتي المَال " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " الجَامِعِ " بِرَقْم: (٣٩١١)، كَمَا صَحَّحَهُ في " سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ " بِرَقْم: ٢٣٣٦]
[ ٢٨٩٧ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَلاَ يَزْدَادُ النَّاسُ عَلَى الدُّنيَا إِلاَّ حِرْصًَا، وَلاَ يَزْدَادُونَ مِنَ اللهِ إِلاَّ بُعْدًَا " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: (١١٤٦، ١٥١٠)، وَلَكِنْ قَالَ فِيهِ الإِمَامُ الذَّهَبيّ: هَذَا مُنْكَر، رَوَاهُ الحَاكِم]
[ ٢٨٩٨ ]
عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ مَيْمُونَةَ ﵂ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا مَرِجَ الدِّين [أَيْ قَلَِّ بَينَ النَِّاس] وَظَهَرَتِ الرَّغْبَة، وَاخْتَلَفَتِ الإِخْوَان، وَحُرِّقَ البَيْتُ العَتِيق " ٠
[حَسَّنَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَدِ بِرَقْم: (٢٦٨٧٢)، وَوَثَّقَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَع، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَد]
[ ٢٨٩٩ ]
وَهَذِهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ مَيْمُونَةَ ﵂ إِلاَّ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ فِيهَا:
" مَا أَنْتُمْ إِذَا مَرِجَ الدِّين، وَسُفِكَ الدَّمُ، وَظَهَرَتِ الزِّينَة، وَشَرُفَ البُنْيَان، وَاخْتَلَفَ الأَخَوَان، وَحُرِّقَ البَيْتُ العَتِيق " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحَةِ بِرَقْم: (٢٧٤٤)، وَثَّقَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَع، رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيُّ في الْكَبِير]
[ ٢٩٠٠ ]
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُول: " اللهُمَّ إِنيِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَل، وَالجُبْنِ وَالبُخْل، وَالهَرَمِ وَعَذَابِ القَبْر، اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاَهَا، اللهُمَّ إِنيِّ أَعُوذُ بِكَ مِن عِلْمٍ لاَ يَنْفَع، وَمِنْ قَلْبٍ لاَ يخْشَع، وَمِنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَع، وَمِنْ دَعْوَةٍ لاَ يُسْتَجَابُ لَهَا " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٧٢٢ / عَبْد البَاقِي]
[ ٢٩٠١ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِن أَرْبَع: مِن عِلْمٍ لاَ يَنْفَع، وَمِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَع، وَدُعَاءٍ لاَ يُسْمَع، وَنَفْسٍ لاَ تَشْبَع " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ النَّسَائِيِّ بِرَقْم: ٥٤٤٢]
[ ٢٩٠٢ ]
حَدَّثَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ ﵁ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو فَيَقُول:
" اللَّهُمَّ قَنِّعْني بِمَا رَزَقْتَني، وَبَارِكْ لي فِيه " ٠ [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٣٣٦٠]
إِذَا أَعْطَشَتْكَ أَكُفُّ الوَرَى * كَفَتْكَ القَنَاعَةُ شِبْعًَا وَرِيَّا
وَكُنْ رَجُلًا رِجْلُهُ في الثَّرَى * وَهَامَةُ هِمَّتِهِ في الثُّرَيَّا
﴿أَبُو الحَسَنِ النُّعَيْمِيّ﴾
[ ٢٩٠٣ ]
تَسَلَّلَ أَشْعَبُ - كَعَادَتِهِ - إِلى إِحْدَى الوَلاَئِم، وَكَانَ عَلَى المَائِدَةِ جَدْيٌ مَشْوِيّ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ لاَ يَرْقُبُ فِيهِ إِلًاّ وَلاَ ذِمَّة، فَقَالَ لَهُ أَحَدُ المَدْعُوِّين: " لَكَ اللهُ يَا أَشْعَب؛ تَنْتَقِمُ مِنَ الجَدْي؛ كَأَنَّ أُمَّهُ قَدْ نَطَحَتْك ٠٠؟!
فَقَالَ لَهُ: وَأَنْتَ تَرْفُقُ بِهِ؛ كَأَنَّ أُمَّهُ قَدْ أَرْضَعَتْك " ٠٠؟!!
[الأَبْشِيهِيُّ في " المُسْتَطْرَفُ مِنْ كُلِّ فَنٍّ مُسْتَظْرَف " بِشَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّف ٠ بَابِ مَا جَاءَ في آدَابِ الأَكْل]
[ ٢٩٠٤ ]
وَلاَحِظ يَرْحَمُكَ اللهُ؛ أَنَّ المحْمُودَ مِنْ قِصَصِ أَشْعَبَ لَيْسَ طَمَعَه، إِنمَا خِفَّةُ ظِلِّهِ وَفُكَاهَتُهُ المَلِيحَة، وَقُدْرَتُهُ الفَائِقَةُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنَ المَوَاقِفِ الحرِجَة، بِالأَجْوِبَةِ المُسْكِتَة ٠ ﴿أَ ٠ هـ﴾
[ ٢٩٠٥ ]
ثُمَّ إِنَّ مَنْ لَمْ يرْضَ بحُكْمِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَم؛ رَضِيَ بحُكمِ فِرعَونَ عَلَيْهِ لَعْنَةُ الله - أَيْ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِالفَقْرِ بِاعْتِبَارِهِ قَدَرَ الله، وَالمُسْلِمُ مُطَالَبٌ بِالرِّضَا بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّه، حُلوِهِ وِمُرِّه؛ رَضِيَ بِهِ؛ لأَنَّ ظُرُوفهُ لاَ تَسْمَحُ بِغَيْرِ ذَلِك ٠٠!!
إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى
أَتَصْبرُ لِلبَلْوَى احْتِسَابًَا وَحِكْمَةً * فَتُؤْجَرَ أَمْ تَسْلُو سُلُوَّ الْبَهَائِمِ
﴿أَبُو تَمَّام ٠ بِتَصَرُّفٍ يَسِير﴾
اصْبِرْ عَلَى مَا قَدْ بُلِيتَ فَهَكَذَا شَاءَ القَدَرْ
﴿زَكِي قُنْصُل ٠ بِتَصَرُّف﴾
لِذَا اللهُ أَنْشَأَ في السَّمَوَاتِ جَنَّةً * وَمِن أَجْلِ هَذَا حَفَّهَا بِالمَكَارِهِ
وَفي الأَثَر: " عَجَبًَا لأَمْرِكَ يَا ابْنَ آدَم؛ لاَ بِاليَسِيَر تَقْنَع، وَلاَ بِالكَثِير تَشْبَع " ٠
[ ٢٩٠٦ ]
حَقًَّا وَاللهِ: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ ﴿العَلَق: ٦﴾
يَشْكو الضَّعِيفُ الْقَوِيَّ المسْتَبِدَّ وَإِنْ * يَقْوَ اسْتَبَدَّ وَمَا في ذَاكَ مِن عَجَبِ
فَالخَيرُ في البَعْضِ بِالتَّهْذِيبِ مُكْتَسَبٌ * وَالشَّرُّ في الكُلِّ طَبْعٌ غَيرُ مُكْتَسَبِ
لَمْ يخْلُقِ اللهُ أَنيَابًَا محَدَّدَةً * فَظَلَّ يسْعَى إِلَيْهَا المَرْءُ بِالطَّلَبِ
*********
طَلَبْتُ فِيهِمْ زَاهِدًَا * فَمَا أَصَبْتُ وَاحِدَا
مَا أَزْهَدَ مَنْ لَمْ يجِدْ * وَمَا أَبخَلَ الوَاجِدَا
[ ٢٩٠٧ ]
الفَقِيرُ القَنُوع
وَاسْتمِعْ مَعِي لاَبْنِ المُقَفَّعِ وَهُوَ يحْكِي عَنْ صَدِيقٍ لَهُ فَيَقُول:
" إِنِّي مخْبرُكَ عَنْ صَاحِبٍ لي؛ كَانَ أَعْظَمَ النَّاسِ في عَيْني؛ وَكَانَ رَأْسَ مَا عَظَّمَهُ في عَيْني؛ صِغَرُ الدُّنيَا في عَيْنَيْه، كَانَ خَارِجًَا منْ سُلْطَانِ بَطْنِه؛ فَلاَ يَشْتَهِي مَا لاَ يجِد، وَلاَ يكْثرُ إذَا وَجَد، وَكَانَ خَارجًَا منْ سلْطَانِ لِسَانِه؛ فَلاَ يَتَكَلَّم فِيمَا لاَ يَعْلَم، وَلاَ يمَارِي فِيمَا عَلِم - أَيْ لاَ يجَادِل - وَكَانَ خَارِجًَا مِنْ سُلطَانِ الجَهَالَة؛ فَلاَ يَتَقَدَّمُ إِلاَّ عَلَى ثِقَةٍ بمَنْفَعَة " ٠ [الأَدَبُ الصَّغِير لاَبْنِ المُقَفَّع]
[ ٢٩٠٨ ]
وَعَنْ شَقِيقٍ البَلْخِيِّ ﵁ قَال: " قَالَ النَّاسُ ثَلاَثَةَ أَقوَال، وَخَالَفُوهَا بِأَفْعَالِهِمْ:
" قَالُواْ: نحْنُ عَبِيدُ اللهِ؛ وَعَمِلُواْ عَمَلَ الأَحْرَار ٠٠!!
وَقَالُواْ: المَوْتُ حَقّ؛ وَهُمْ يَعْمَلُونَ أَعْمَالَ مَنْ لاَ يَظُنُّ أَنَّهُ سَيَمُوت ٠٠!!
وَقَالُواْ: إِنَّ اللهَ كَفِيلٌ بِأَرْزَاقِنَا؛ وَلَمْ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُهُمْ إِلاَّ بِالدُّنيَا وَحُطَامِهَا " ٠
[مُكَاشَفَةُ القُلُوبِ لِلإِمَامِ الغَزَّاليِّ بِتَصَرُّف ٠ بَابُ الغَفْلَة]
وَقَالَ ﷾ في حَدِيثٍ قُدُسِيّ: " مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي، وَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلاَئِي، وَلَمْ يَشْكُرْ عَلَى نَعْمَائِي، وَلَمْ يَقْنَعْ بِعَطَائِي: فَلْيَطلُبْ رَبًَّا سِوَاي " ٠
[ضَعَّفَهُ المَنَاوِيُّ وَالأَلبَانيُّ في " الضَّعِيفِ وَالضَّعِيفَة، مُكَاشَفَةُ القُلُوبِ ٠ بَابُ الغَفْلَة]
[ ٢٩٠٩ ]
النَّفْسُ تَجْزَعُ أَنْ تَكُونَ فَقِيرَةً * وَالفَقْرُ خَيرٌ مِن غِنىً يُطْغِيهَا
وَغِنى النُّفُوسِ هُوَ العَفَافُ فَإِن أَبَتْ * فَجَمِيعُ مَا في الأَرْضِ لاَ يَكْفِيهَا
﴿الإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِب﴾
حَتَّامَ تَشْكُو الضِّيقَ يَا هَذَا وَرِزْقُكَ وَاسِعُ
كَالتَّيْسِ يَثْغُو وَهْوَ في ظِلِّ الخَمَائِلِ رَاتِعُ
[ ٢٩١٠ ]
فِتْنَةُ المَال
عَنْ كَعْبِ بْنِ عِيَاضٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَة، وَإِنَّ فِتْنَةَ أُمَّتي المَال " ٠
[صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٧٨٩٦]
أَرَاكَ يَزِيدُكَ الإِثْرَاءُ حِرْصًَا * عَلَى الدُّنيَا كَأَنَّكَ لاَ تمُوتُ
فَهَلْ لَكَ غَايَةٌ إِنْ صِرْتَ يَوْمًَا * إِلَيْهَا قُلْتَ حَسْبيَ قَدْ رَضِيتُ
مَاذَا تُرِيدُ يَا ابْنَ آدَم؟ كَمَا يَقُولُون: " الطَّعَامُ مخْبُوز، وَالمَاءُ في الكُوز " وَللهِ دَرُّ مَنْ قَال:
[ ٢٩١١ ]
يُرِيدُ المَرْءُ أَنْ يُؤْتَى مُنَاهُ * وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ مَا أَرَادَا
يَقُولُ المَرْءُ أَمْلاَكِي وَمَالي * وَتَقْوَى اللهِ أَفْضَلُ مَا اسْتَزَادَا
﴿الْبَيْتُ الأَوَّلُ لِلشَّافِعِيّ، وَنُسِبَ أَيْضًَا لِقَيْسِ بْنِ الخَطِيم، وَالآخَرُ لِلشَّافِعِيِّ بِتَصَرُّف﴾
الشَّيْءُ الَّذِي يحْمَدُ فِيهِ الطَّمَع
إِنَّ الطَّمَعَ لاَ يحْمَدُ إِلاَّ في العِلْم؛ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
مِثْلُ النَّعِيمِ فَلَيْسَ فِيهِ قَنَاعَةٌ * بَلْ فِيهِ تحْمَدُ كَثْرَةُ الأَطْمَاعِ
[ ٢٩١٢ ]
وَعَن أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " مَنهُومَانِ لاَ يَشْبَعَان: طَالِبُ عِلْمٍ وَطَالِبُ مَال " ٠ [صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين٠كَذَا قَالَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَك، وَالذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في المِشْكَاةِ بِرَقْم: ٢٦٠]
وَتحْضُرُني في هَذَا قَوْلَةٌ جَمِيلةٌ لاَبْنِ عَبَّاسٍ ﵁ في الإِمَامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ يقُولُ فِيهَا: " العِلمُ عَشْرَةُ أَجْزَاء، اسْتَحْوَذَ مِنهَا ابْنُ أَبى طَالِبٍ عَلَى تِسْعَة، وَزَاحَمَنَا في العَاشِر " ٠
[ ٢٩١٣ ]
مَوْقِفٌ لِلفَارُوقِ عُمَرَ يُعَلِّمُنَا القَنَاعَة
وَقَدْ كَانَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁؛ مَثَلًا أَعلَى في التَّقَشُّفِ وَالزُّهْد ٠٠
فَكَانَ مِثَالَ الزُّهْدِ عَن غَيرِ فَاقَةٍ * إِذَا خرَّ بَعْضُ النَّاسِ لِلْمَالِ سُجَّدَا
اشْتَهَتِ امْرَأَتَهُ يَوْمًَا الحَلَوَى فَقَالَ لهَا - وَكَانَ أَمِيرًَا لِلمُؤْمِنِين: إِنَّ رَاتِبي لاَ يَكْفِي لِشِرَاءِ الحَلْوَى، فَادَّخَرَتْ مِنْ مَصْرُوفِ بَيْتِهَا كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمًَا، حَتىَّ اجْتَمَعَ لَدَيْهَا ثَمَنُ الحَلوَى فَاشْتَرَتْهَا، فَلَمَّا فُوجِئَ بِهَا عُمَرُ وَقَدِ اشْتَرَتْهَا، وَعَلِمَ أَنَّهَا ادَّخَرَتْ مِنْ مَصْرُوفِ بَيْتِهَا كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمًَا؛ قَلَّلَ مِنْ رَاتِبِهِ الشَّهْرِيِّ ثَلاَثِينَ دِرْهمًَا، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ بِلِسَانِ الحَالِ لَهَا: مَا دُمْنَا قَدِ اسْتَطَعْنَا العَيْشَ كُلَّ يَوْمٍ بِدُونِ هَذَا الدِّرْهَم؛ فَبَيْتُ مَالِ المُسْلِمِينَ أَوْلى بِهِ ٠٠!!
[ ٢٩١٤ ]
اسْمَعْ مَعِي لِمَا قَالَهُ حَافِظٌ إِبْرَاهِيم، مُعَلِّقًَا عَلَى هَذَا المَوْقِفِ العَظِيم:
جُوعُ الخَلِيفَةِ وَالدُّنيَا بِقَبْضَتِهِ * في الزُّهْدِ مَأْثُرَةٌ سُبْحَانَ مُولِيهَا
فَمَنْ يُبَارِي أَبَا حَفْصٍ وَسِيرَتَهُ * أَمْ مَنْ يُحَاوِلُ لِلْفَارُوقِ تَشْبِيهَا
إِذِ اشْتَهَتْ زَوْجُهُ الحَلوَى فَقَالَ لَهَا * مِن أَيْنَ لي ثَمَنُ الحَلْوَى فَأَشْرِيهَا
لاَ تَمْتَطِي شَهَوَاتِ النَّفْسِ جَامِحَةً * فَكَسْرَة الخُبْزِ عَن حَلْوَاكِ تَكْفِيهَا
وَهَلْ يَفِي بَيْتُ مَالِ المسْلِمِينَ بِما * تُوحِي إِلَيْكِ إِذَا طَاوَعْتِ مُوحِيهَا
[ ٢٩١٥ ]
قَالَتْ لَكَ اللهُ إِنِّي لَسْتُ أَرْزَؤُهُ * مَالًا لحَاجَةِ نَفْسٍ كُنْتُ أَبْغِيهَا
دَعْني أُدَبِّرُ شَيْئًَا مِنْ مَعِيشَتِنَا * وَكُلَّ يَوْمٍ عَلَى حَالٍ أُسَوِّيهَا
حَتىَّ إِذَا مَا مَلَكْنَا مَا يُقَيِّمُهَا * شَرَيْتُهَا ثُمَّ أَنِّي لاَ أُثَنِّيهَا
قَالَ اذْهَبي وَاعْلَمِي إِنْ كُنْتِ جَاهِلَةً * أَنَّ القَنَاعة تُغْني نَفْسَ أَهْلِيهَا
فَأَقْبَلَتْ بَعْدَ خَمْسٍ وَهْيَ حَامِلَةٌ * دُرَيْهِمَاتٍ لِتَقْضِيَ مِنْ تَشَهِّيهَا
[ ٢٩١٦ ]
فَقَالَ نَبَّهَتِ مِنيِّ غَافِلًا فَدَعِي * هَذِي الدَّرَاهِمَ إِذْ لاَ حَقَّ لي فِيهَا
مَا زَادَ عَنْ قُوتِنَا فَالمُسْلِمُونَ بِهِ * أَوْلي فَقُومِي لِبَيْتِ المَالِ رُدِّيها
كَذَاكَ أَخْلاَقُهُ كَانَتْ وَمَا عُهِدَتْ * بَعْدَ النُّبُوَّةِ أَخْلاَقٌ تُضَاهِيهَا
﴿دِيوَانُ الشَّاعِرِ العَظِيم / حَافِظ إِبْرَاهِيم﴾
[ ٢٩١٧ ]
وَانْظُرْ إِلى الصَّحَابَةِ كَيْفَ كَانُواْ ﵃ يَتَوَاصَوْنَ بِالْقَنَاعَةِ وَالرِّضَا:
وَعَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ﵁ قَال: " سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵁ يَقُول: أَلَسْتُمْ في طَعَامٍ وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ ٠٠؟
لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ وَمَا يجِدُ مِنَ الدَّقَلِ - أَيْ مِنْ رَدِيءِ التَّمْرِ - مَا يمْلأُ بِهِ بَطْنَه " ٠٠ وَزَادَ في رِوَايَةٍ: " وَمَا تَرْضَوْنَ دُونَ أَلْوَانِ التَّمْرِ وَالزُّبْد " ٠
[الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٩٧٧ / عَبْد البَاقِي]
[ ٢٩١٨ ]
عَن أَبي عَبْدِ الرَّحمَنِ العَدَوِيِّ ﵁ قَال: " سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵁ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَال: أَلَسْنَا مِنْ فُقَرَاءِ المُهَاجِرِين ٠٠؟
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الله ﵁: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا ٠٠؟
قَالَ نَعَمْ، قَالَ أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُه ٠٠؟
قَالَ نَعَمْ؛ قَالَ فَأَنْتَ مِنَ الأَغْنِيَاء، قَالَ فَإِنَّ لي خَادِمًَا؛ قَالَ فَأَنْتَ مِنَ المُلُوك " ٠
[الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٩٧٩ / عَبْد البَاقِي]
[ ٢٩١٩ ]
فَاقْنَعْ يَا أَخِي بِمَا قَسَمَ اللهُ لَك؛ تَكُن أَغْنى النَّاس ٠٠!!
لاَ تَنْشَغِلْ بِمَا خُلِقَ لَك؛ عَمَّا خُلِقْتَ لَه
وَعَنِ الإِمَامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ لَه: " يَا أَبَا الحَسَن، أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ؛ خَمْسُمِاْئَةِ شَاةٍ وَرِعَاؤُهَا، أَمْ خَمْسُ كَلِمَاتٍ أُعَلِّمُكَهُنَّ تَدْعُو بِهِنّ " ٠٠؟!
فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ، بَلِ الخَمْسُ كَلِمَات ٠٠!!
[ ٢٩٢٠ ]
فَقَالَ ﷺ: " تَقُول: اللهُمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبي، وَطَيِّبْ لي كَسْبي، وَوَسِّعْ لي في خُلُقِي، وَقَنِّعْني بِمَا قَضَيْت، وَلاَ تُذْهِبْ نَفْسِي إِلى شَيْءٍ صَرَفْتَهُ عَنيّ " ٠
[هَذَا الحَدِيثُ في " كَنْزِ الْعُمَّالِ " بِرَقْم: ٧١٤٦]
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًَا، ثمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِك، ثمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِك، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ مَلَكًَا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَات، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيد، ثمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوح " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٣٢٠٨ / فَتْح، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٦٤٣ / عَبْد البَاقِي]
[ ٢٩٢١ ]
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال: " وَكَّلَ اللهُ بِالرَّحِمِ مَلَكًَا فَيَقُول: أَيْ رَبّ؛ نُطْفَة - أَيَ يَا رَبّ؛ صَارَتْ نُطْفَة - أَيْ رَبّ؛ عَلَقَة، أَيْ رَبّ؛ مُضْغَة، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهَا؛ قَالَ أَيْ رَبّ؛ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى ٠٠؟
أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ٠٠؟ فَمَا الرِّزْقُ ٠٠؟ فَمَا الأَجَلُ ٠٠؟
فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ في بَطْنِ أُمِّه " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٦٥٩٥ / فَتْح، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٦٤٦ / عَبْد البَاقِي]
[ ٢٩٢٢ ]
عَن حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " يَدْخُلُ المَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ في الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَيَقُول: يَا رَبّ؛ أَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيد ٠٠؟
فَيُكْتَبَان، فَيَقُول: أَيْ رَبّ؛ أَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى ٠٠؟
فَيُكْتَبَان، وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَثَرُهُ وَأَجَلُهُ وَرِزْقُه، ثمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ فَلاَ يُزَادُ فِيهَا وَلاَ يُنْقَص "
[وَأَثَرُهُ: أَي خُطُوَاتُهُ في الدُّنيَا، أَوْ أَثَرُهُ فِيمَن حَوْلَهُ بِالسَّلْبِ أَوْ بِالإِيجَاب ٠ رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٦٤٤ / عَبْد البَاقِي]
[ ٢٩٢٣ ]
فَلاَ حِيلةَ في الرِّزق، وَلاَ شَفَاعَةَ في المَوْت ٠٠!!
إِنَّ العَبْدَ عِنْدَمَا يمُوتُ يَشْتَدُّ بِهِ العَطَش؛ فَيَقُولُ لَهُ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالأَرْزَاق: يَا ابْنَ آدَم؛ جُبْتُ لَكَ المَشَارِقَ وَالمغَارِبَ فَلَمْ أَجدْ لَكَ شَرْبةَ مَاء، يَا ابْنَ آدَم؛ جُبْتُ لَكَ المَشَارِقَ وَالمغَارِبَ فَلَمْ أَجِدْ لَكَ لُقْمَةً وَاحِدَة، لَقَدِ اسْتَنْفَذْتَ كُلَّ رِزْقِكَ عِنْدِي ٠٠!!
[ ٢٩٢٤ ]
وَفى الحَدِيثِ القُدُسِيِّ العَظِيم: " يَا ابْنَ آدم؛ لاَ تخَفْ مِنْ ذِي سُلطَانٍ مَا دَامَ سُلْطانِي بَاقِيَا، وَسُلْطَاني لاَ يَزُولُ أَبَدَا، يَا ابْنَ آدَم؛ لاَ تخْشَ مِنْ ضِيقِ الرِّزْقِ مَا دَامَتْ خِزائِني ملأَى، وَخَزَائِني لاَ تَنْفَدُ أَبَدَا، يَا ابْنَ آدَم؛ خَلَقْتُ الأَشْيَاءَ مِن أَجْلِك، وَخَلَقْتُكَ مِن أَجْلِي؛ فَلاَ تَنْشَغلْ بمَا خُلِقَ لَكَ عَمَّا خُلِقْتَ لَه، يَا ابْنَ آدَم؛ خَلَقْتُكَ لِعبَادَتي؛ فَلاَ تَلعَبْ، وَقَدَّرْتُ لَكَ رِزْقَك؛ فَلاَ تَتْعَبْ، وفي أَكْثَرَ مِنهُ؛ لاَ تَطْمَعْ، وَبِأَقَلَّ مِنه؛ لاَ تجْزَعْ، فَإِنْ رَضِيتَ بِمَا قَسَمْتُهُ لَك؛ أَرَحْتُ بَالَكَ وَكُنْتَ عِنْدِي محْمُودَا، وَإِن أَنْتَ لَمْ تَرْضَ بِمَا قَسَمْتُهُ لَك؛ فَوَعِزَّتِي وَجَلاَلي؛ لأُسَلِّطَنَّ عَلَيْكَ الدُّنيَا فَتَرْكْضَ فِيهَا رَكْضَ الوُحُوشِ في البرَارِي، وَلَنْ تأْخُذَ في النِّهَايَةِ مِنهَا؛ إِلاَّ مَا قَسَمْتُهُ لَك، وَكُنْتَ عِنْدِي مَذْمُومَا " ٠
[ ٢٩٢٥ ]
لَوْ كَانَ شَيْءٌ يَسْبقُ القَدَرَ لَسَبَقَتْهُ العَين
وَعَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " العَينُ حَقّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقًَا القَدَرَ سَبَقَتْهُ العَين " ٠ [الإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: (٢١٨٨)، وَالحَدِيثُ في " شُعَبِ الإِيمَانِ " بِرَقْم: ١١٢٢٢]
عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " اسْتَعِيذُواْ بِاللهِ تَعَالى مِنَ الْعَين؛ فَإِنَّ الْعَينَ حَقّ " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: ٩٣٨، ٧٣٧، وَقَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين]
[ ٢٩٢٦ ]
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " أَكْثَرُ مَنْ يَمُوتُ مِن أُمَّتي بَعْدَ قَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ؛ بِالعَين " ٠ [حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " الجَامِعِ " وَفي " ظِلاَلِ الجَنَّةِ " بِرَقْمَيْ: ٢٠٨٦، ٣١١، رَوَاهُ الإِمَامَانِ البَزَّارُ وَالطَّيَالِسِيّ]
عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " العَينُ تُدْخِلُ الرَّجُلَ القَبر، وَتُدْخِلُ الجَمَلَ القدْر " ٠ [ابْنُ عَدِيّ، وَالدَّيْلَمِيّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ في الحِليَة، وَحَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الجَامِعِ الصَّحِيحِ بِرَقْم: ٤١٤٤]
[ ٢٩٢٧ ]
وَعَن أَبى ذَر ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" إِنَّ العَينَ لَتُولِعُ الرَّجُلَ بِإِذْنِ الله؛ حَتىَّ يَصْعَدَ حَالِقًَا - أَيْ جَبَلًا - ثُمَّ يَتَرَدَّى مِنه " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في السِّلسِلةِ الصَّحِيحَةِ بِرَقْم: (٨٨٩)، وَفي الجَامِعِ الصَّحِيحِ بِرَقْم: (٢٥٦١)، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَد]
عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ قَالَتْ:
" كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُني أَنْ أَسْتَرْقِيَ مِنَ العَين " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢١٩٥ / عَبْد البَاقِي]
[ ٢٩٢٨ ]
عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَال:
" إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبيَّ ﷺ فَقَال: " يَا محَمَّد؛ اشْتَكَيْت ٠٠؟
قَالَ ﷺ: نَعَمْ؛ قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَم: بِسْمِ اللهِ أَرْقِيك، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيك: مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ وَعَيْنِ حَاسِد، بِسْمِ اللهِ أَرْقِيك، وَاللهُ يَشْفِيك " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: ٩٧٢]
عَن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّ جِبْرِيلَ ﷺ أَتَاهُ وَهُوَ يُوعَكُ فَقَال: " بِسْمِ اللهِ أَرْقِيك: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيك، مِنْ كُلِّ حَسَدٍ وَحَاسِد، وَكُلِّ غَمٍّ وَسُمٍّ: اللهُ يَشْفِيك " ٠ [قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٨٢٦٨]
[ ٢٩٢٩ ]
عَن عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيِّ عَن أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله؛ إِنَّ بَني جَعْفَرَ تُصِيبُهُمْ الْعَين؛ فَأَسْتَرْقِي لَهُمْ ٠٠؟
قَالَ ﷺ: " نَعَمْ؛ فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقًَا الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَين " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: ٣٥١٠، وَحَسَّنَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٢٧٤٧٠]
[ ٢٩٣٠ ]
عَن عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ مِن أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيَدْعُ لَهُ بِالْبَرَكَة؛ فَإِنَّ الْعَينَ حَقّ " ٠
[صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيصِ بِرَقْم: (٧٤٩٩)، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: ٥٥٦، ٢٥٧٢]
[ ٢٩٣١ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ غَفَرَ اللهُ لَهُ قَال: " خَرَجَ سَهْلُ بْنُ حُنَيفٍ وَمَعَهُ عَامِرُ بن رَبِيعَةَ ﵄ يُرِيدَانِ الْغُسْل؛ فَانْتَهَيَا إِلىَ غَدِير؛ فَخَرَجَ سَهْلٌ يُرِيدُ الخَمْر [يَعْني السَّتْر]؛ حَتىَّ إِذَا رَأَى [أَيْ رَبِيعَةُ] أَنَّهُ [أَيْ سَهْلٌ] قَدْ نَزَعَ جُبَّةً عَلَيْهِ مِنْ صُوفٍ فَوَضَعَهَا ثُمَّ دَخَلَ المَاء: قَالَ رَبِيعَةُ ﵁: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ فَأَصَبْتُهُ بِعَيْني؛ فَسَمِعْتُ لَهُ قَرْقَفَةً في الماء [أَيْ أَخَذَ يَنْتَفِضُ وَيَرْتَعِد]؛ فَأَتَيْتُهُ فَنَادَيْتُهُ ثَلاَثًَا فَلَمْ يُجِبْني؛ فَأَتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَجَاءَ يَمْشِي،
[ ٢٩٣٢ ]
فَخَاضَ المَاءَ حَتىَّ كَأَنيِّ أَنْظُرُ إِلىَ بَيَاضِ سَاقَيْهِ ﷺ، فَضَرَبَ ﷺ صَدْرَهُ ثمَّ قَال: " اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنهُ حَرَّهَا وَبَرْدَهَا، وَوَصَبَهَا " ٠
فَقَامَ ﵁؛ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ:
" إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَخِيهِ مَا يُحِبّ: فَلْيُبَرِّكْ؛ فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقّ " ٠
[صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٧٥٠٠]
[ ٢٩٣٣ ]
عَن أَسْعَدَ بنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيفٍ ﵁ قَال: " مَرَّ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ بِسَهْلِ بْنِ حُنَيفٍ وَهُوَ يَغْتَسل؛ فَقَال: لَمْ أَرَ كَاليَوْمِ وَلا جِلدَ مخَبَّأَة - أَيْ وَلا جِلْدَ الفَتَاةِ الغَضَّةِ البَضَّةِ، الَّتي يخَبِّؤُهَا أَهْلُهَا لِحُسْنِهَا وَبَيَاضِهَا - فَمَا لَبِثَ أَنْ لُبِطَ بِه: [أَيْ صُرِعَ وَسَقَطَ عَلَى الأَرْض]؛ فَأَتَوُاْ النَّبي ﷺ فَقَالُواْ: أَدْرِكْ سَهْلًا صَرِيعًَا ٠٠؟!
فَقَالَ ﷺ: " مَنْ تَتَّهِمُونَ بِه " ٠٠؟
[ ٢٩٣٤ ]
قَالُواْ: عَامِرَ بْنَ رَبِيعَة؛ قَالَ ﷺ: " عَلاَمَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاه ٠٠؟!
إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِن أَخِيهِ مَا يُعْجِبُه: فَليَدْعُ لَهُ بِالبرَكَة " ٠
ثُمَّ دَعَا ﷺ بِمَاءٍ؛ فَأَمَرَ عَامِرًَا أَنْ يَتَوَضَّأ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيهِ إِلىَ المِرْفَقَين، وَرُكْبَتَيْهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِه، وَأَمَرَهُ أَنْ يَصُبَّ عَلَيْه " ٠
[وَدَاخِلَةُ الإِزَار: الجُزْءُ الدَّاخِلِيُّ مِنهُ مِمَّا يَلِي الجَسَد، وَالَّذِي يُلَفُّ عَلَيْهِ سَائِرُ الإِزَار ٠ لِسَانُ العَرَب: ٢٤٠/ ١١، صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَة وَفي الجَامِعِ الصَّحِيحِ وَمِشْكَاةِ المَصَابِيحِ، وَالأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ الإِمَامِ ابْنِ حِبَّانَ وَفي المُسْنَد]
[ ٢٩٣٥ ]
وَعَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ:
" كَانَ العَائِنُ يُؤْمَرُ أَنْ يَتَوَضَّاَ فَيَغْتَسِلَ بِهِ المَعِين " ٠٠!!
[العَائِنُ هُوَ الحَاسِد، وَالمَعِينُ وَالمَعْيُونُ هُوَ المحْسُود ٠ لِسَانُ العَرَب: (٣٠١/ ١٣)، أَخْرَجَهُ الإِمَامُ البَيْهَقِيُّ في " الشُّعَب " بِرَقْم: (١١٢٢٤)، وَذَكَرَهُ وَشَرَحَهُ أَبُو المحَاسِنِ في " مُعْتَصَرُ المُخْتَصَرِ " عِنْدَ شَرْحِ هَذَا الحَدِيث ٠ بَيرُوت ٠ ص: ٢٢٢/ ٢]
[ ٢٩٣٦ ]
التَّعَاوِيذُ وَالرُّقَى
عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ النَّبيُّ ﷺ فَسَمِعَ صَوْتَ صَبيٍّ يَبْكِي؛ فَقَالَ ﷺ:
" مَا لِصَبِيِّكُمْ هَذَا يَبْكِي؛ فَهَلاَّ اسْتَرْقَيْتُمْ لَهُ مِنَ الْعَين " ٠
[حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الجَامِعِ بِرَقْم: (١٠٥٩٩)، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٢٣٩٢١ / إِحْيَاءُ التُّرَاث]
[ ٢٩٣٧ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَال: " كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُعَوِّذُ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ ﵄ وَيَقُول: " إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاق: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّة، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّة، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لاَمَّة " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٣٣٧١ / فَتْح]
[ ٢٩٣٨ ]
عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَال:
" كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنَ الجَانّ، وَعَينِ الإِنْسَان؛ حَتىَّ نَزَلَتِ المُعَوِّذَتَان؛ فَلَمَّا نَزَلَتَا: أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا " ٠ [حَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: ٢٠٥٨، وَفي الْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَفي الجَامِعِ بِرَقْمَيْ: ٢٤٧، ٩٠٣٣]
عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَال: " كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِن عَينِ الجَانّ، وَعَينِ الإِنْس؛ فَلَمَّا نَزَلَتِ المُعَوِّذَتَان؛ أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَى ذَلِك " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ النَّسَائِيِّ " بِرَقْم: (٥٤٩٤)، وَفي " سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ " بِرَقْم: ٣٥١١]
[ ٢٩٣٩ ]
وَكَانَ لِعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ ﵁ بُسْتَان؛ فَكَانَ يُرَدِّدُ إِذَا دَخَلَهُ قَوْلَهُ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِالله﴾ [الكَهْف: ٣٩]
[الإِمَامُ البَيْهَقِيُّ في " الشُّعَب " رَقْم: ١١٢٢٦]
وَتُقْيَةُ الحَسَدِ يَا إِخْوَتَاهُ لَيْسَ بِتَعْلِيقِ الْكَفِّ وَلاَ الأَحْذِيَة؛ فَإِنَّهَا تَمَائِم ٠٠
عَن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الجُهَنيَّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " مَن عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَك " ٠ [صَحَّحَهُ الأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: ٦٣٩٤، ٤٩٢، وَوَثَّقَهُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَع، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَد]
[ ٢٩٤٠ ]
عَن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الجُهَنيَّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" مَن عَلَّقَ تَمِيمَةً فَلاَ أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَن عَلَّقَ وَدَعَةً فَلاَ وَدَعَ اللهُ لَهُ " ٠ [أَيْ لاَ حَفِظَ اللهُ لَهُ]
[صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٧٥٠١]
إِنَّ لِنِعَمِ اللهِ أَعْدَاءً
وَلِذَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" اسْتَعِينُواْ عَلَى إِنجَاحِ الحَوَائِجِ بِالكِتْمَان، فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ محْسُود " ٠
[صَحَّحَهُ الأَلبَانِيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْم: (١٤٥٣)، وَرَوَاهُ البَيْهَقِيُّ وَابْنُ الخَطِيب، وَهُوَ في الكَنْزِ بِرَقْم: ١٦٨٠٠]
[ ٢٩٤١ ]
وَعَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ لِنِعَمِ اللهِ أَعْدَاءً " ٠٠ قِيل: وَمَن هُمْ يَا رَسُولَ الله ٠٠؟
قَالَ ﷺ: " الَّذِينَ يحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِه " ٠
[أَخْرَجَهُ الإِمَامُ الطَّبرِيُّ ٠ وَالقُرْطُبيُّ بِنَحْوِهِ في " تَفْسِيرِهِ " لِسُورَةِ النِّسَاء ٠ آيَة: ٥٤]
وَعَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَال:
" مَا مِنِ امْرِئٍ عَلَيْهِ مِنْ نِعَمِ الله؛ إِلاَّ وَلَهُ عَلَيْهَا مِنَ النَّاسِ حَاسِد " ٠
[أَبُو نُعَيْمٍ التُّرْسِيُّ في " أُنْسِ العَاقِلِ وَتَذْكِرَةُ الغَافِل " ٠ وَالحَدِيثُ في الكَنْزِ بِرَقْم: ٨٨٣٤]
[ ٢٩٤٢ ]
حُرْمَةُ الحَسَد
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " لاَ يَجْتَمِعُ في جَوْفِ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ غُبَارٌ في سَبِيلِ اللهِ وَفَيْحُ جَهَنَّم، وَلاَ يَجْتَمِعُ في جَوْفِ عَبْدٍ: الإِيمَانُ وَالحَسَد " ٠ [حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في صَحِيحِ التَّرْغِيب ح ٠ ر: (٢٨٨٦)، رَوَاهُ الإِمَامُ ابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِه]
عَن أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنّهُ قَال:
" الحَسَدُ يَأْكُلُ الحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الحَطَب، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَة، كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّار، وَالصَّلاَةُ نُور، وَالصِّيَامُ جُنَّة " ٠ [ضَعَّفَهُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ " بِرَقْم: (٤٢١٠)، وَالحَدِيثُ في " الكَنْزِ " بِرَقْم: ٧٤٣٨]
[ ٢٩٤٣ ]
وَعَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنّهُ قَال: " لاَ تَبَاغَضُواْ، وَلاَ تحَاسَدُواْ، وَلاَ تَدَابَرُواْ، وَكُونُواْ عِبَادَ اللهِ إِخْوَانَا، وَلاَ يَحِلُّ لمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّام " ٠ [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (٦٠٦٥)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ " نُسْخَةُ فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٢٥٥٩]
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنّهُ قَال: لاَ تحَاسَدُواْ، وَلاَ تَبَاغَضُواْ، وَلاَ تَقَاطَعُواْ، وَكُونُواْ عِبَادَ اللهِ إِخْوَانَا " ٠
[الإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ (فُؤَاد عَبْد البَاقِي) بِرَقْم: ٢٥٥٩]
[ ٢٩٤٤ ]
تَرْكُهُ لِلْحَسَدِ أَدْخَلَهُ الجَنَّة
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَال:
" كُنَّا جُلُوسًَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَال: " يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الآنَ رَجُلٌ مِن أَهْلِ الجَنَّة " ٠٠ فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَار، تَنْطِفُ لحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِه - أَيْ تَقْطُرُ مَاءً - قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ في يَدِهِ الشِّمَال، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبيُّ ﷺ مِثْلَ ذَلِك، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ المَرَّةِ الأُولى، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِث؛ قَالَ النَّبيُّ ﷺ مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًَا، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الأُولى، فَلَمَّا قَامَ النَّبيُّ ﷺ؛
[ ٢٩٤٥ ]
تَبِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاص، فَقَالَ ﵁: إِنِّي لاَحَيْتُ أَبي - أَيْ تَشَاجَرْتُ مَعَه - فَأَقْسَمْتُ أَنْ لاَ أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلاَثًَا؛ فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَني إِلَيْكَ حَتىَّ تَمْضِيَ فَعَلْت؟
قَالَ نَعَمْ، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالي الثَّلاَث، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ شَيْئَا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ - أَيِ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ - وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِه؛ ذَكَرَ اللهَ ﷿ وَكَبَّر، حَتىَّ يَقُومَ لِصَلاَةِ الفَجْر، غَيرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلاَّ خَيرًَا، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلاَثُ لَيَالٍ، وَكِدْتُ أَن أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ قُلْتُ: يَا عَبْدَ الله؛ إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْني وَبَينَ أَبي غَضَبٌ وَلاَ هَجْرٌ ثَمَّ - أَيْ هُنَالِك - وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ لَكَ ثَلاَثَ مِرَار: " يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الآنَ رَجُلٌ مِن أَهْلِ الجَنَّة " ٠
[ ٢٩٤٦ ]
فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلاَثَ مِرَار؛ فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ فَأَقْتَدِيَ بِه، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَل، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ٠٠؟!
فَقَال: مَا هُوَ إِلاَّ مَا رَأَيْت، فَلَمَّا وَلَّيْت؛ دَعَانِي فَقَال: مَا هُوَ إِلاَّ مَا رَأَيْت، غَيْرَ أَنِّي لاَ أَجِدُ في نَفْسِي لأَحَدٍ مِنْ المُسْلِمِينَ غِشًَّا، وَلاَ أَحْسُدُ أَحَدًَا عَلَى خَيرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاه، فَقَالَ عَبْدُ الله: هَذِهِ الَّتي بَلَغَتْ بِك، وَهِيَ الَّتي لاَ نُطِيق " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في بِدَايَةِ السِّلْسِلَةِ الضَّعِيفَةِ بِرَقْم: ١، وَقَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَع: رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيح، وَالحَدِيثُ رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِرَقْم: ١٢٧٢٠، وَقَالَ فِيهِ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين]
[ ٢٩٤٧ ]
وَفي رِوَايَةٍ لِلبَزَّارِ قَال:
" مَا هُوَ إِلاَّ مَا رَأَيْتَ يَا ابْنَ أَخِي، إِلاَّ أَني لَمْ أَبِتْ ضَاغِنًَا عَلَى مسْلِم، أَوْ كَلِمَةً نحْوَهَا " ٠
[وَقَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ ": رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، إِلاَّ وَاحِدًَا اخْتَلَفَ فِيه ٠ ص: (٧٨/ ٨)، رَوَاهُ البَزَّار]
[ ٢٩٤٨ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " لاَ يَجْتَمِعَانِ في النَّار: مُسْلِمٌ قَتَلَ كَافِرًَا ثُمَّ سَدَّدَ وَقَارَب، وَلاَ يَجْتَمِعَانِ في جَوْفِ مُؤْمِنٍ غُبَارٌ في سَبِيلِ اللهِ وَفَيْحُ جَهَنَّم، وَلاَ يَجْتَمِعَانِ في قَلْبِ عَبْدٍ الإِيمَانُ وَالحَسَد "
[حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ النَّسَائِيِّ " بِرَقْم: ٣١٠٩]
[ ٢٩٤٩ ]
وَرُوِيَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَمَّا تَعَجَّلَ إِلى رَبِّهِ ﷾؛ رَأَى في ظِلِّ العَرْشِ رَجُلًا، فَغَبَطَهُ بمَكَانِهِ وَقال: إِنَّ هَذَا لَكَرِيمٌ عَلَى رَبِّه؛ فَسَأَلَ رَبَّهُ ﷾ أَنْ يخْبرَهُ بِاسْمِهِ فَلَمْ يخبرْه، وَقَال: أُحَدِّثُكَ مِن عَمَلِهِ بِثَلاَث: " كَانَ لاَ يحْسُدُ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِه، وَكَانَ لاَ يَعُقُّ وَالِدَيْه، وَلاَ يمْشِي بِالنَّمِيمَة " ٠
[الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ " بَابُ ذَمِّ الحَسَد: (١٠٨٣)، ابْنُ أَبي عَاصِمٍ في " الزُّهْدِ " طَبْعَةِ الرَّيَّان ٠ ص: ٦٧/ ١]
الإِمَامُ ابْنُ سِيرِينَ وَفَلْسَفَةُ الرِّضَى
[ ٢٩٥٠ ]
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ سِيرِينَ ﵀: " مَا حَسَدْتُ أَحَدًَا عَلَى شَيْءٍ مِن أَمْرِ الدُّنيَا؛ لأَنَّهُ إِنْ كَانَ مِن أَهْلِ الجَنَّة؛ فَكَيْفَ أَحْسُدُهُ عَلَى مَا أَعْطَاهُ اللهُ وَهُوَ حَقِيرٌ بجَانِبِ الجَنَّة ٠٠؟!
وَإِنْ كانَ مِن أَهْلِ النَّار؛ فَكَيْفَ أَحْسُدُهُ عَلَى مَا أَعْطَاهُ اللهُ وَهْوَ يَصِير إِلى النَّار " ٠٠؟!
[الإِمَامُ البَيْهَقِيُّ في " الزُّهْدِ الكَبِيرِ " بِرَقْم: ٨٤٥]
[ ٢٩٥١ ]
الدُّنيَا أَهْوَنُ مِنْ تحَاسُدِ الحَاسِدِين
جمَعْتَ مَالًا فَقُلْ لي هَلْ جَمَعْتَ لَهُ * يَا جَامِعَ المَالِ أَيَّامًَا تُفَرِّقُهُ
المَالُ عِنْدَكَ مَخْزُونٌ لِوَارِثِهِ * مَا المَالُ مَالُكَ إِلاَّ حِينَ تُنْفِقُهُ
إِنَّ القَنَاعَةَ مَنْ يَحْلُلْ بِسَاحَتِهَا * لَمْ يَلْقَ في ظِلِّهَا هَمًَّا يُؤَرِّقُهُ
*********
[ ٢٩٥٢ ]
يُرِيدُ المَرْءُ أَنْ يُؤْتَى مُنَاهُ * وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ مَا يَشَاءُ
وَما مِنْ شِدَّةٍ نَزَلَتْ بِقَوْمٍ * وَإِلاَّ سَوْفَ يَتْبَعُهَا الرَّخَاءُ
﴿الْبَيْتُ الأَوَّلُ يُنْسَبُ لِلإِمَامِ الشَّافِعِيّ، كَمَا نُسِبَ لِقَيْسِ بْنِ الخَطِيم، وَالآخَرُ لأَبي تَمَّام﴾
فمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِنَاهُ * وَمَا يَدْرِي الغَنيُّ مَتى يجُوعُ
﴿أُحَيْحَةُ بْنُ الجَلاَّح ٠ ببِتَصَرُّف﴾
فَلاَ تحْسُدَنَّ الأَغْنِيَاءَ فَإِنَّهُمْ * عَلَى قَدْرِ مَا يُعْطِيهِمُ الدَّهْرُ يَسْلُبُ
﴿ابْنُ الرُّومِي ٠ بِتَصَرُّف﴾
وَقَدْ تَغْدِرُ الدُّنيَا فَيُمْسِي غَنِيُّهَا * فَقِيرًَا وَيَغْنى بَعْدَ بُؤْسٍ فَقِيرُهَا
[ ٢٩٥٣ ]
فَلاَ تَقْرَبِ المُتَعَ الحَرَامَ فَإِنَّمَا * حَلاَوَتُهَا تَفْنى وَيَبْقَى مَرِيرُهَا
﴿الحُسَينُ بْنُ مَطِير﴾
الحَسَدُ هُوَ الَّذِي وَلَّدَ الكِبرَ الَّذِي بِسَبَبِهِ طُرِدَ إِبْلِيسُ مِنَ الجَنَّة
كُلُّ العَدَاوَاتِ قَدْ تُرْجَى إِزَالَتُهَا * إِلاَّ عَدَاوَةَ مَن عَادَى عَنِ الحَسَدِ
﴿ابْنُ بِشْرٍ المَرْوَزِيّ﴾
عَنْ ضَمُرَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " لاَ يَزَالُ النَّاسُ بخَيْر؛ مَا لَمْ يَتَحَاسَدُواْ " ٠ [حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في التَّرْغِيبِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: (٢٨٨٧، ٣٣٨٦)، وَوَثَّقَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَع، رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيُّ في الْكَبِير]
[ ٢٩٥٤ ]
وَيَكْفِيكَ عَنِ الحَسَدِ يَا أَخِي: أَنَّهُ الَّذِي وَلَّدَ الكِبرَ الَّذِي بِسَبَبِهِ طُرِدَ إِبْلِيسُ مِن الجَنَّةِ وَلَعَنَهُ الله، فَهْوَ أَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللهُ بِهِ في السَّمَاء - عِنْدَمَا حَسَدَ إِبْلِيسُ آدَم - وَهُوَ أَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللهُ بِهِ في الأَرْض ٠٠ عِنْدَمَا حَسَدَ قَابِيلُ هَابِيل ٠٠!!
مَاذَا فَعَلَ الحَسَدُ بِنَبيِّ اللهِ يَعْقُوب
حَتىَّ نَبيُّ اللهِ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلاَم؛ كَانَ يخْشَى عَلَى بَنِيهِ مِن أَعْيُنِ النَّاس ٠٠!!
[ ٢٩٥٥ ]
وَذَلِكَ عِنْدَمَا قَالَ لهُمْ: ﴿يَا بَنيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِن أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَة، وَمَا أُغْني عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْء، إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ للهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُون ﴿٦٧﴾ وَلَمَّا دَخَلُواْ مِن حَيْثُ أَمَرَهُمْ أبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْني عَنهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا، وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون﴾ ﴿يُوسُف﴾
[ ٢٩٥٦ ]
إِلاَّ أَنَّ الحَسَدَ كَانَ أَسْرَعَ إِلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِمَّا يَظُنُّ بِكَثِير، فَاكْتَوَى بِنَارِهِ مِن هَؤُلاَءِ الأَبْنَاءِ مِنْ قَبْلُ في يُوسُف - عِنْدَمَا حَسَدُوه - وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ يخْشَى عَلَيْهِمْ مِن الحَسَد، لَكَ اللهُ يَا يَعْقُوب، إِنَّكَ لأَنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيد، تحْتَاطُ مِنَ الحَسَدِ وَتَنْظُرُ إِلى بَعِيد، وَلَقَدْ كَانَ الحَسَدُ أَقرَبَ إِلَيْكَ مِن حَبْلِ الوَرِيد ٠٠!!
فَبِسَبَبِهِ حُرِمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِنَ ابْنِهِ وَفِلْذَةِ كَبِدِهِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ وَبِنيَامِين:
هَلْ كَانَ ذَلِكَ إِلاَّ بِسَبَبِ الحَسَد ٠٠؟!
[ ٢٩٥٧ ]
﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينَا مِنَّا وَنحْنُ عُصْبَة، إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَل مُبِين ﴿٨﴾ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًَا يخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ، وَتَكُونُواْ مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًَا صَالحِين﴾
﴿يُوسُف﴾
مَاذَا فَعَلَ الحَسَدُ بِإِخْوَةِ يُوسُف
فَلَمَّا كَرِهُوا حُبَّ أَبِيهِمْ لَهُ وَسَاءهُم ذَلِكَ أَحَبُّوا زَوَالَهُ عَنه ٠٠!!
يَقُولُ الإِمَامُ الطَّبرِيُّ في تَفْسِيرِهِ لهَذِهِ الآيَات: " فَحَسَدَهُ إِخْوَتُهُ لَمَّا رَأَواْ حُبَّ أَبِيهِ لَه " حَتىَّ إِنَّهُمْ قَالُواْ في الرُّؤْيَةِ الَّتي رَآهَا: مَا رَضِيَ أَنْ يَسْجُدَ لَهُ إِخْوَتُهُ حَتىَّ سَجَدَ لَهُ أَبَوَاه ٠
[الإِمَامُ الطَّبرِيُّ في " تَفْسِيرِهِ " لِسُورَةِ يُوسُفَ بِاخْتِصَار ٠ الآيَة: ٥، ٦ - ١٥٣/ ١٢]
مَاذَا فَعَلَ الحَسَدُ بِكُفَّارِ قُرَيْش
[ ٢٩٥٨ ]
وَأَيْضًَا بِسَبَبِهِ جَحَدَ مُشرُكُواْ مَكَّةَ بِآيَاتِ اللهِ بَعْدَمَا اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًَا وَعُلُوًَّا فَقَالُواْ - لُعِنُواْ بمَا قَالُواْ - كَيْفَ يَتَقَدَّم عَلَيْنَا غُلاَمٌ يَتِيمٌ وَنُطَأْطِئُ رُءوسَنَا لَه ٠٠؟!
﴿وَقَالُواْ: لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا القُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَينِ عَظِيم﴾ [الزُّخْرُف: ٣١]
قَالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَة:
" لَوْ كَانَ مَا يَقُولُ محَمَّدٌ حَقًَّا؛ أُنْزِلَ عَلَيَّ هَذَا، أَوْ عَلَى أَبي مَسْعُودٍ الثَّقَفِيّ " ٠
[الإِمَامُ الطَّبرِيُّ في " تَفْسِيرِهِ " لِسُورَةِ الزُّخْرُف: ٣٣]
وَفي رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ أَنَّهُ قَال:
[ ٢٩٥٩ ]
" أَيَنزِلُ هَذَا عَلَى محَمَّدٍ وَأُتْرَكُ وَأَنَا كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيِّدُهَا، وَيُتْرَكُ أَبُو مَسْعُودٍ عَمْرُو بنُ عُمَيرٍ الثَّقَفِيّ - سَيِّدُ ثَقِيف - وَنحْنُ عَظِيمَا القَرْيَتَينِ ٠٠؟!!
فَأَنزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَة ٠٠!!
وَآفَةُ أُوْلَئِكَ المُغَفَّلِينَ أَنهُمْ نَسُواْ - أَوْ قُلْ تَنَاسَواْ - أَنَّ اخْتِيَارَ اللهِ ﷾ حَيْثُ يجْعَلُ رِسَالَتَهُ لاَ يَقُومُ عَلَى الفَقْرِ وَالغِنى، إِنما عَلَى مَعْدِنِ الشَّخْصِ وَمِقْدَارِ مَا في نَفْسِهِ مِن خَير ٠٠!!
وَصَدَقَ اللهُ ﷾: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهُمْ أَنْ يُؤتَى صُحُفًَا مُنَشَّرَة﴾ ﴿المُدَّثِّر: ٥٢﴾
وَممَّا يُؤَكِّدُ حَسَدَهُمُ الشَّدِيدَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَه؛ مَا أَخرَجَهُ الإِمَامُ البَيْهَقِيّ:
[ ٢٩٦٠ ]
[السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ لاَبْنِ هِشَام ٠ دَارُ الجِيل ٠ بَيرُوت ٠ ص: ٢٠٧/ ٨]
عَنِ المغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَال: " إِنَّ أَوَّلَ يَوْمٍ عَرَفْتُ فِيهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ: أَني كُنْتُ أَمْشِي أَنَا وَأَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَام، في بَعْضِ أَزِقَّةِ مَكَّة، إِذْ لَقِيَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ لأَبي جَهْل: " يَا أَبَا الحَكَم؛ هَلُمَّ إِلى اللهِ وَإِلى رَسُولِهِ أَدْعُوكَ إِلى الله " ٠٠؟
فَقَالَ أَبُو جَهْل: يَا محَمَّد، هَلْ أَنْتَ مُنْتَهٍ عَنْ سَبِّ آلهَتِنَا ٠٠؟
هَلْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ نَشْهَدَ أَنْ قَدْ بَلَّغْت ٠٠؟
فَنَحْن نَشْهَدُ أَنْ قَدْ بَلَّغْت؛ فَوَاللهِ لَوْ أَني أَعْلَمُ أَنَّ مَا تَقُولُ حَقٌّ لاَتَّبَعْتُك ٠٠!!
[ ٢٩٦١ ]
قَالَ المُغِيرَة: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ أَبُو جَهْلٍ فَقَال: وَاللهِ إِنِّي لأَعْلَمُ أنَّ مَا يَقُولُهُ حَقّ، وَلَكِنْ يَمْنَعُني شَيْء: أَنَّ بَني قُصَيٍّ قَالُواْ: فِينَا الحِجَابَة - أَيْ مَفَاتِيحُ الكَعْبَة - فَقُلنَا نَعَمْ، ثمَّ قَالُواْ: وَفِينَا السِّقايَة - أَيْ سِقَايَةُ الحَجِيج - فَقُلنَا نَعَمْ، ثُمَّ قَالُواْ: وَفِينَا النَّدْوَة - كَالعُمُدِيَّةِ في الرِّيف - فَقُلْنَا نَعَمْ، ثُمَّ قَالُواْ: وَفِينَا اللِّوَاء - أَيْ رَايَةُ الحَرْب - فَقُلْنَا نَعَمْ، ثُمَّ أَطْعَمُواْ فَأَطْعَمْنَا، حَتىَّ إِذَا تحَاكَّتِ الرُّكَب - أَيْ حَتىَّ إِذَا تَسَاوَيْنَا في الشَّرَفِ وَالسُّؤْدَد؛ قَالُواْ: مِنَّا نَبيٌّ يَأْتِيهِ الوَحْيُ مِنَ السَّمَاء؛ فَمَتى نُدْرِكُ هَذِه، وَاللهِ لاَ أَفْعَل
[ ٢٩٦٢ ]
» ٠
[البَيْهَقِيُّ وَابْنُ أَبي شَيْبَةَ في " مُصَنَّفِهِ " بِرَقْم: (٣٥٨٢٩)، حَيَاةُ الصَّحَابَةِ طَبْعَةُ دَارِ الحَدِيث ٠ مِصْر ٠ ص: ٧٠/ ١]
مَاذَا فَعَلَ الحَسَدُ بِاليَهُود
وَهْوَ الَّذِي بِسَبَبِهِ جَحَدَ اليَهُودُ بِآيَاتِ اللهِ حَسَدًَا مِن عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ٠٠
عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُبيِّ بْنِ أَخْطَبَ ﵁ أَنهَا قَالَتْ لِلنَّبيِّ ﷺ:
" جَاءَ أَبي وَعَمِّي مِن عِنْدِكَ يَوْمًَا - وَكَانَا مِنْ زُعَمَاءِ اليَهُود - فقالَ أَبي لِعَمِّي: ما تَقُولُ فِيه؟!
قَال: أَقُولُ إِنَّهُ النَّبيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ مُوسَى، قَال: فَمَا تَرَى؟
قَال: أَرَى مُعَادَاتَهُ أَيَّامَ الحَيَاة " ٠
[سِيرَةُ ابْنِ هِشَام ٠ بَابُ شَهَادَةِ صَفِيَّة ٠ ص: ١٢٦/ ١]
[ ٢٩٦٣ ]
لَقَدْ بَلَغَ حَسَدُ اليَهُودِ حَدَّ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَذْهَبُونَ إِلى أَبي جَهْلٍ وَأُمَيَّةَ ابْنِ خَلَفٍ وَيَقُولُونَ لهُمْ:
" أَنْتُمْ أَهْدَى مِنْ محَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ سَبِيلاَ؛ حَسَدًَا مِن عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ " ٠
[الإِمَامُ الطَّبرِيُّ بِنَحْوِهِ في تَفْسِيرِهِ لِهَذِهِ الآيَةِ بِسُورَةِ النِّسَاء ٠ طَبْعَةُ دَارِ الفِكْر ٠ بَيرُوت: ١٣٥/ ٥]
وَصَدَقَ اللهُ ﷾ إِذْ يَقُول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًَا مِنَ الكِتَابِ، يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ: هَؤُلاَءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاَ ﴿٥١﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ الله، وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًَا﴾ ﴿النِّسَاء﴾
[ ٢٩٦٤ ]
وَلَمْ يَكْتَفُواْ بِهَذَا حَتىَّ حَاوَلُواْ قَتلَهُ ﷺ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّة ٠٠!!
وَضْعُ السُّمِّ لِرَسُولِ اللهِ ** ﷺ **
[ ٢٩٦٥ ]
وَانْظُرْ إِلى حَسَدِهِمُ الَّذِي بَلَغَ حَدَّ أَنَّهُمْ تَآمَرُواْ عَلَى قَتْلِهِ مَعَ امْرَأَةٍ مِنْ بَني جِلْدَتِهِمْ، فَدَعَتِ النَّبيَّ ﷺ إِلى طَعَامٍ - وَهِيَ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا رَدَّ دَعْوَةَ أَحَدٍ قَطّ - فَأَجَابهَا ﷺ، فَوَضَعَتْ لَهُ الخَبِيثَةُ سُمًَّا في الطَّعَام، فَلَمَّا أَنْ كَشَفَ اللهُ سِتْرَهُمْ، وَأَبَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَمْرَهُمْ: سَأَلهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ لَهُ - وَانظُرْ إِلى مَكْرِ اليَهُود - مَا فَعَلْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ إِلاَّ لِنَتَبَيَّنَ صِدْقَكَ مِنْ كَذِبِك؛ فَإِنْ كُنْتَ نَبِيًَّا لَمْ يُصِبْكَ شَيْء، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًَا اسْتَرَحْنَا مِنْك،
[ ٢٩٦٦ ]
فَتَرَكَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ٠٠!!
عَن أَبي سَلَمَةَ ﵁ قَال: " كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَلاَ يَأْكُلُ الصَّدَقَة، فَأَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ بِخَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّة - أَيْ مَشْوِيَّة - سَمَّتْهَا، فَأَكَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهَا وَأَكَلَ الْقَوْم، فَقَالَ ﷺ: " ارْفَعُواْ أَيْدِيَكُمْ؛ فَإِنَّهَا أَخْبَرَتْني أَنَّهَا مَسْمُومَة " ٠٠ فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ الأَنْصَارِيّ، فَأَرْسَلَ إِلى الْيَهُودِيَّة: مَا حَمَلَكِ عَلَى الَّذِي صَنَعْتِ ٠٠؟!
[ ٢٩٦٧ ]
قَالَتْ: إِنْ كُنْتَ نَبِيًَّا لَمْ يَضُرَّكَ الَّذِي صَنَعْت، وَإِنْ كُنْتَ مَلِكًَا - أَيْ كَاذِبًَا في نُبُوَّتِكَ - أَرَحْتُ النَّاسَ مِنْك، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقُتِلَتْ - أَيْ قِصَاصًَا في بِشْر - ثُمَّ قَالَ في وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيه: " مَا زِلْتُ أَجِدُ مِنْ الأَكْلَةِ الَّتي أَكَلْتُ بِخَيْبَر، فَهَذَا أَوَانُ قَطَعَتْ أَبْهَرِي "
[حَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ " بِرَقْم: ٤٥١٢]
[ ٢٩٦٨ ]
وَعَن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ ﵁ قَال: " لَمَّا فَتَحَ اللهُ خَيْبرَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنهُمْ؛ أَهْدَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ الحَارِثِ اليَهُودِيَّةُ شَاةً مَصْلِيَّةً - أَيْ مَشْوِيَّةً - وَسَمَّتْهُ فِيهَا - أَيْ وَضَعَتْ لَهُ فِيهَا السُّمَّ لِتَنْتَقِمَ لِيَهُودِ خَيْبر - وَأَكْثَرَتْ في الكَتِفِ وَالذِّرَاع، حِينَ أُخْبِرَتْ أَنهُمَا أَحَبُّ أَعْضَاءِ الشَّاةِ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَعَه بِشْرُ بْنُ البرَاءِ بْنُ مَعْرُورٍ الأَنْصَارِيّ؛ قَدَّمَتْ إِلَيْهِ ﷺ، فَتَنَاوَل الكَتِفَ وَالذِّرَاعَ فَانْتَهَشَ مِنهُمَا، وَتَنَاوَلَ بِشرٌ عَظْمَا آخَرَ وَانْتَهَشَ منهُ،
[ ٢٩٦٩ ]
فَلَمَّا أَدْغَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا في فيهِ - أَيْ مَضَغَهُ - أَدْغَمَ بِشْرٌ مَا في فِيه، فَقَالَ رَسُول اللهِ ﷺ: " ارْفَعُواْ أَيْدِيَكُمْ؛ فَإِنَّ كَتِفَ الشَّاةِ تخْبرُني أَني قَدْ بُغِيتُ فِيهَا " - أَيْ غُدِرَ بِي فِيهَا - فَقَالَ بِشْرُ بْنُ البرَاء: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَقَدْ وَجَدْتُ ذَلِكَ في أَكْلَتي الَّتي أَكَلْت، وَإِنْ مَنَعَني - أَيْ مَا مَنَعَني - أَن أَلفِظَهَا إِلاَّ أَني كَرِهْتُ أَن أُنَغِّصَكَ طَعَامَك، فَلمَّا أَكَلْتَ مَا في فِيكَ لَمْ أَرْغَبْ بِنَفْسِيَ عَنْ نَفْسِك، وَرَجَوْتُ أَنْ لاَ تَكُونَ أَدْغَمْتَهَا وَفيهَا بَغْي، فَلَمْ يَقُمْ بِشْرٌ مِنْ مَكَانِهِ حَتىَّ عَادَ لَوْنُهُ كَالطَّيْلَسَان - أَيِ ازْرَقَّ - وَمَاطَلَهُ وَجَعُه؛ حَتىَّ كَانَ مَا يَتَحَوَّلُ إِلاَّ
[ ٢٩٧٠ ]
حُوِّل - أَيْ لاَ يَتحَرَّكُ إِلاَّ إِذَا حُرِّكَ بِمَسَاعَدَةِ آخَرِين - وَبَقِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُدَّةَ ثَلاَثَ سِنِين، حَتىَّ كَانَ وَجَعُهُ الَّذِي مَاتَ فِيه " ٠
[قَالَ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ ": فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ وَفِيهِ ضَعْف، وَحَدِيثُهُ حَسَن: (١٥٣/ ٦)، رَوَاهُ الطَّبرَانيّ، " الكَنْز ": ١٨٨٤٩]
سِرُّ الحَسَدِ عِنْدَ اليَهُود
لَكِنْ مَا السِّرُّ في حَسَدِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى عَلَى وَجْهِ الخُصُوصِ لِلمُسْلِمِينَ وَهُمْ أَهْلُ كِتَاب ٠٠؟!
السِّرُّ في ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلى أَمْرَين:
الأَمْرُ الأَوَّل: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ مِنَ العَرَبِ وَلَيْسَ مِنهُمْ، وَلَوْ خَرَجَ مِنهُمْ لَقَتَلُوهُ أَوْ صَلَبُوه، كَمَا فَعَلُواْ بِغَيرِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُل ٠٠!!
[ ٢٩٧١ ]
الأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ القُرْآنَ نَزَلَ عَلَى العَرَبِ وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ لحَرَّفُوهُ كَمَا حَرَّفُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيل ٠٠!!
عَنْ سَلَمَةَ بْنِ سَلاَمَةَ بْنِ وَقْشٍ ﵁ وَكَانَ مِن أَصْحَابِ بَدْرٍ قَال: " كَانَ لَنَا جَارٌ مِنْ يَهُودَ في بَني عَبْدِ الأَشْهَل، فَخَرَجَ عَلَيْنَا يَوْمًَا مِنْ بَيْتِهِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبيِّ ﷺ بِيَسِير، فَوَقَفَ عَلَى مجْلِسِ عَبْدِ الأَشْهَلِ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ أَحْدَثُ مَنْ فِيهِ سِنًَّا، عَلَيَّ بُرْدَة، مُضْطَجِعًَا فِيهَا بِفِنَاءِ أَهْلِي، فَذَكَرَ البَعْثَ وَالقِيَامَةَ وَالحِسَابَ وَالمِيزَانَ وَالجَنَّةَ وَالنَّار، فَقَالَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ أَهْلِ شِرْكٍ أَصْحَابِ أَوْثَان، لاَ يَرَوْنَ أَنَّ بَعْثًَا كَائِنٌ بَعْدَ المَوْت؛ فَقَالُواْ لَهُ: وَيْحَكَ يَا فُلاَن؛ تَرَى هَذَا كَائِنًَا؟ إِنَّ النَّاسَ يُبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ إِلى دَارٍ فِيهَا جَنَّةٌ وَنَار، يُجْزَوْنَ فِيهَا بِأَعْمَالِهِمْ ٠٠؟
قَالَ نَعَمْ وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، يَوَدَّ أَنَّ لَهُ بِحَظِّهِ مِنْ تِلْكَ النَّارِ أَعْظَمَ تَنُّورٍ في الدُّنْيَا يُحْمُونَهُ ثمَّ يُدْخِلُونَهُ إِيَّاهُ فَيُطْبَقُ بِهِ عَلَيْهِ وَأَنْ يَنْجُوَ مِنْ تِلْكَ النَّارِ غَدًَا؛ قَالُواْ لَهُ وَيْحَك، وَمَا آيَةُ ذَلِك ٠٠؟
قَال: نَبيٌّ يُبْعَثُ مِنْ نحْوِ هَذِهِ البِلاَد، وَأَشَارَ بِيَدِهِ نحْوَ مَكَّةَ وَاليَمَنِ [فَإِنَّهُمَا جِهَةِ الجَنُوبِ مِنَ المَدِينَة]؛ قَالُواْ: وَمَتىَ نَرَاه ٠٠؟
فَنَظَرَ إِلَيَّ وَأَنَا مِن أَحْدَثِهِمْ سِنًَّا فَقَال: إِنْ يَسْتَنْفِدْ هَذَا الغُلاَمُ عُمُرَهُ يُدْرِكْهُ، فَوَاللهِ مَا ذَهَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتىَّ بَعَثَ اللهُ جَلَّ وَعَلاَ رَسُولَهُ ﷺ وَهُوَ حَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؛ فَآمَنَّا بِهِ وَكَفَرَ بِهِ بَغْيًَا وَحَسَدًَا؛ فَقُلْنَا: وَيْلَكَ يَا فُلاَن؛ أَلَسْتَ بِالَّذِي قُلْتَ لَنَا فِيهِ مَا قُلْت ٠٠؟
قَالَ بَلَى، وَلَيْسَ بِهِ " ٠
[حَسَّنَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَدِ بِرَقْم: ١٥٨٧٩، وَقَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الإِمَامِ مُسْلِم]
وَسُبْحَانَ القَائِل:
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتىَّ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ ﴿البَقَرَة: ١٢٠﴾
[ ٢٩٧٢ ]
عَنْ ثَوْبَانَ الصَّحَابيِّ ﵁ قَال: " كُنْتُ قَائِمًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَجَاءَ حَبْرٌ مِن أَحْبَارِ الْيَهُودِ فَقَال: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا محَمَّد، فَدَفَعْتُهُ دَفْعَةً كَادَ يُصْرَعُ مِنْهَا، فَقَال:
لِمَ تَدْفَعُني ٠٠؟ فَقُلْتُ: أَلاَ تَقُولُ يَا رَسُولَ الله ٠٠؟
فَقَالَ اليَهُودِيّ: إِنمَا نَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " إِنَّ اسْمِي محَمَّد، الَّذِي سَمَّاني بِهِ أَهْلي " ٠٠ فَقَالَ اليَهُودِيّ: جِئْتُ أَسْأَلُك، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " أَيَنْفَعُكَ شَيْءٌ إِن حَدَّثْتُك " ٠٠؟
[ ٢٩٧٣ ]
قَالَ - أَيِ اليَهُودِيّ - أَسْمَعُ بِأُذْني، فَنَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِعُودٍ مَعَهُ فَقَالَ " سَلْ "؛ فَقَالَ اليَهُودِيّ: أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَات ٠٠؟
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " هُمْ في الظُّلْمَةِ دُونَ الجِسْر " ٠ قَال: فَمَن أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَة؟
قَالَ ﷺ: " فُقَرَاءُ المُهَاجِرِين " ٠٠ قَالَ اليَهُودِيّ: فَمَا تحْفَتُهُمْ حِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّة ٠٠؟
قَالَ ﷺ: " زِيَادَةُ كَبِدِ النُّون " ٠٠
[ ٢٩٧٤ ]
قَالَ - أَيِ اليَهُودِيّ: فَمَا غِذَاؤُهُمْ عَلَى إِثْرِهَا ٠٠؟
قَالَ ﷺ:
" يُنْحَرُ لهُمْ ثَوْرُ الجَنَّة، الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِن أَطْرَافِهَا " ٠
قَالَ فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْه ٠٠؟
قَالَ ﷺ: " مِن عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاَ " ٠٠ قَالَ صَدَقْت، وَجِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ لاَ يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِن أَهْلِ الأَرْضِ إِلاَّ نَبيّ، أَوْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلاَن، قَالَ ﷺ:
" يَنْفَعُكَ إِن حَدَّثْتُك " قَالَ أَسْمَعُ بِأُذْني، جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الوَلَد ٠٠؟
[ ٢٩٧٥ ]
قَالَ ﷺ:
" مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَض، وَمَاءُ المَرْأَةِ أَصْفَر، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلاَ مَنيُّ الرَّجُلِ مَنيَّ المَرْأَة؛ أَذْكَرَا بِإِذْنِ الله، وَإِذَا عَلاَ مَنيُّ المَرْأَةِ مَنيَّ الرَّجُل؛ آنَثَا بِإِذْنِ الله "
قَالَ اليَهُودِيّ: لَقَدْ صَدَقْتَ وَإِنَّكَ لَنَبيّ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَذَهَب، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " لَقَدْ سَأَلَني هَذَا عَنِ الَّذِي سَأَلَني عَنْهُ؛ وَمَا لي عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِنْهُ، حَتىَّ أَتَاني اللهُ بِه " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٣١٥ / عَبْد البَاقِي]
[ ٢٩٧٦ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَال:
" حَضَرَتْ عِصَابَةٌ مِنَ اليَهُودِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالُواْ: يَا أَبَا القَاسِم؛ حَدِّثْنَا عَن خِلاَلٍ نَسْأَلُكَ عَنْهُنَّ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ نَبيّ ٠٠؟
فَكَانَ فِيمَا سَأَلُوه: أَيُّ الطَّعَامِ حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاة ٠٠؟
[ ٢٩٧٧ ]
قَالَ ﷺ:
" فَأَنْشُدُكُمْ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إِسْرَائِيلَ يَعْقُوبَ ﵇ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا، فَطَالَ سَقَمُه؛ فَنَذَرَ للهِ نَذْرًا: لَئِنْ شَفَاهُ اللهُ مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ أَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ وَأَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْه؛ فَكَانَ أَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ لُحْمَانُ الإِبِل، وَأَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ أَلْبَانُهَا " ٠
فَقَالُواْ: اللَّهُمَّ نَعَمْ " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٢٤٧١، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَد]
[ ٢٩٧٨ ]
هَؤُلاَءِ هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ لُعِنُواْ في التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالقُرْآن، اللهُمَّ الْعَنهُمْ عَلَى كُلِّ لِسَان، اللهُمَّ عَلَيْكَ بِاليَهُودِ وَأَعْوَانِ اليَهُود، اللهُمَّ أَرِنَا فِيهِمْ آيَةً كَآيَةِ عَادٍ وَثَمُود ٠٠!!
[ ٢٩٧٩ ]
مَنْبَعُ الحَسَدِ هُوَ النَّظَرُ لِلآخَرِين
عَن أَبي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ ﵁ قَال: " أَمَرَني خَلِيلِي ﷺ بِسَبْع: أَمَرَني بحُبِّ المَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَني أَنْ أَنْظُرَ إِلىَ مَنْ هُوَ دُوني وَلا أَنْظُرَ إِلىَ مَنْ هُوَ فَوْقِي، وَأَمَرَني أَن أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَني أَنْ لا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئَا، " ٠ [صَحَّحَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٢١٤١٥، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في صَحِيحِ التَّرْغِيب ح ٠ ر: ٢٥٢٥]
وَفي رِوَايَةٍ: " أَرْحَمَ المَسَاكِينَ وَأُجَالِسَهُمْ " ٠
[صَحَّحَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٢١٥١٧]
[ ٢٩٨٠ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ في المَالِ وَالخَلْق؛ فَلْيَنْظُرْ إِلى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْه " ٠
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٦٤٩٠ / فَتْح، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٩٦٣ / عَبْد البَاقِي]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " انْظُرُواْ إِلى مَن أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلاَ تَنْظُرُواْ إِلى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لاَ تَزْدَرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ / عَبْد البَاقِي بِرَقْم: ٢٩٦٣]
[ ٢٩٨١ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَنْ فَوْقِهِ في المَالِ وَالحَسَب: فَلْيَنْظُرْ إِلىَ مَن هُوَ دُونَهُ في المَالِ وَالحَسَب "
[قَالَ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ الإِمَامِ ابْنِ حِبَّان: عَلَى شَرْطِ الإِمَامِ مُسْلِم ٠ ح / ر: ٧١٤]
عَن عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ ﵁ قَال: " صَحِبْتُ الأَغْنِيَاءَ فَلَمْ أَرَ أَحَدًَا أَكْبَرَ هَمًَّا مِنيِّ؛ أَرَى دَابَّةً خَيْرًَا مِنْ دَابَّتي، وَثَوْبًَا خَيْرًَا مِنْ ثَوْبي، وَصَحِبْتُ الفُقَرَاءَ فَاسْتَرَحْت "
[ضَعَّفَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ " بِرَقْم: ١٧٨٠]
[ ٢٩٨٢ ]
الحَسُودُ حَقُود
مِن حَقِّكَ أَنْ تحِبَّ الخَيرَ لِنَفْسِك؛ وَلَكِنْ لَيْسَ مِن حَقِّكَ أَنْ تَكْرَهَهُ لِلآخَرِين ٠
فَالفَقِيرُ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يحْقِدَ عَلَى الغَنيِّ كَمَا حَقَدَ قَابِيلُ عَلَى هَابِيل؛ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَه، وَالغَنيُّ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَالى عَلَى الفَقِير، كَمَا تَعَالى قَارُونُ عَلَى قَوْمِهِ فَقَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم ٠
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم:
﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّك، نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَات؛ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًَا سُخْرِيَّا، وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يجْمَعُونَ ﴿٣٢﴾
[ ٢٩٨٣ ]
وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَة؛ لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًَا مِن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴿٣٣﴾ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًَا وَسُرُرًَا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ﴿٣٤﴾ وَزُخْرُفًَا، وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَالآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الزُّخْرُف﴾
وَتَذَكَّرْ أَنَّ الفَقِيرَ وَالعُرْيَانَ الحَقِيقِيَّ هُوَ مَنْ فَقَدَ لِبَاسَ التَّقْوَى ٠٠
﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَير﴾ ﴿الأَعْرَاف: ٢٦﴾
ولِذَا قَالَ ﷾: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ ﴿البَقَرَة: ١٩٧﴾
وَكَمَا أُثِرَ في تَفْسِيرِ مَعْنى التَّقْوَى فَقِيل:
" هِيَ الخَوْفُ مِنَ الجَلِيل، وَالعَمَلُ بِالتَّنْزِيل، وَالرِّضَا بِالقَلِيل، وَالاَسْتِعْدَادُ لِيَوْمِ الرَّحِيل "
[ ٢٩٨٤ ]
إِنَّ اللهَ قَسَّمَ المَوَاهِبَ كَمَا قَسَّمَ الأَرْزَاق
إِنَّ اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ أَيُّهَا الرِّفَاق؛ قَسَّمَ المَوَاهِبَ كَمَا قَسَّمَ الأَرْزَاق، وَفي بَعْضِ صُحُفِ أَهْلِ الكِتَاب: إِنَّ اللهَ ﷾ قَسَّمَ أَرْزَاقَ العِبَادِ نهَارًَا؛ لِذَا فَكُلُّ وَاحِدٍ يَنْظُرُ إِلى نَصِيبِ غَيرِه، وَقَسَّمَ عُقُولَ العِبَادِ لَيْلًا فَلَمْ يَرَ كُلُّ وَاحِدٍ نَصِيبَ غَيرِهِ مِنَ العَقْل؛ لِذَا فَكُلُّ وَاحِدٍ مُعْجَبٌ بِعَقْلِهِ وَيَظُنُّ أَنَّهُ أَعْقَلُ النَّاس!!
فَلاَ تحْسُدِ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِه، واعْلَمْ أَنَّ غَثَّكَ خَيرٌ مِنْ سَمِين غَيرِك ٠٠!!
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم:
[ ٢٩٨٥ ]
﴿وَلاَ تَتَمَنَّواْ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكمْ عَلَى بَعْض﴾ ﴿النِّسَاء: ٣٢﴾
وَالجَدِيرُ بِالذِّكْرِ أَنَّ الحَسَدَ المَنهِيَّ عَنهُ في هَذِهِ الآيَةِ كَانَ في الدِّين؛ فَكَيْفَ بِالحَسَدِ في الدُّنيَا؟!
عَنْ مجَاهِدٍ عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ:
" يَغْزُو الرِّجَالُ وَلاَ تَغْزُو النِّسَاء، وَإِنَّمَا لَنَا نِصْفُ المِيرَاث، فَأَنْزَلَ اللهُ ﵎:
﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْض﴾ ﴿النِّسَاء/٣٢﴾
[ ٢٩٨٦ ]
قَالَ مجَاهِد: " وَأُنْزِلَ فِيهَا: ﴿إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَالقَانِتِينَ وَالقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالخَاشِعِينَ وَالخَاشِعَاتِ وَالمُتَصَدِّقِينَ وَالمُتَصَدِّقَاتِ والصَّائِمِينَ والصَّائِمَاتِ وَالحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًَا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًَا عَظِيمَا﴾ ﴿الأَحْزَاب/٣٥﴾
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ " بِرَقْم: ٣٠٢٢]
الحَسُودُ لاَ يَسُود
يَكْفِيكَ عَنَ الحَسُودِ اغْتِمَامُهُ عِنْدَ سُرُورِك ٠٠
[ ٢٩٨٧ ]
وَمِمَّا يُحْكَى في ذَلِكَ مِنَ الأَسَاطِيرِ أَنَّ فَقِيرًا مُعْدِمًَا كَانَ لَهُ جَارٌ مُؤْذٍ ظَلَّ يَتَحَرَّشُ بِهِ وَيَكِيدُ لَهُ حَتىَّ سَلَّطَ عَلَيْهِ الْوَالي فَطَرَدُوهُ مِنَ الْقَرْيَة؛ فَخَرَجَ عَلَى وَجْهِهِ يَهِيمُ في الأَرْضِ وَيَضْرِبُ في مَنَاكِبِهَا، يَبْحَث لَهُ عَن عَمَل، فَعَثَرَ بَيْنَمَا هُوَ يَمْشِي في طَرِيقِهِ؛ عَلَى قَصْعَةٍ جَمِيلَةٍ مِنَ الخَشَبِ العَاجِ فَأَعْجَبَتْهُ فَاقْتَنَاهَا، وَمَضَى في سَبِيلِهِ حَتىَّ وَجَدَ بحْرًَا وَمَرَاكِبَ تحْمِلُ النَّاس، فَأَدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ وَأَخْرَجَهَا بَيْضَاءَ مِن غَيرِ دِرْهَمٍ وَلاَ دِينَار، فَقَالَ في نَفْسِهِ: وَاللهِ لأَمْضينَّ مَعَ هَؤُلاَءِ ولْيَكُنْ مَا يَكُون، فَلَعَلَّ وَرَاءهَذَا البَحْرِ خَيرًَا كَثِيرًَا،
[ ٢٩٨٨ ]
وَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ظَهْرِ السَّفِينَةِ يُفَكِّرُ في أُجْرَةِ الرُّكُوب؛ إِذِ ابْتَلاَهُمُ اللهُ بِرِيحٍ عَاصِفٍ تُدَمِّرُ، كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبهَا، فَحَطَّمَتِ السَّفينَة، فَأَلهَمَهُ اللهُ حينَ أَدرَكَهُ الغَرَقُ أَنْ يَخْلَعَ بَعْضَ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ لِيَتَشبَّثَ بِه، وَوَضَعَ الْقَصْعَةَ عَلَى رَأْسِه، وَنجَا بِأُعْجوبَةٍ بَعْدَمَا وَاجَهَ أَمْوَاجًَا كَالجِبَال، فَأَسْلَمَتْهُ في النِّهَايَةِ إِلى جَزِيرَةٍ لَمْ تخْطُرْ لَهُ بِبَال، فِيهَا مخْلُوقَاتٌ غَرِيبَةٌ كَالَّتي يُحْكَى عَنهَا في عَالَمِ الخَيَال؛ فَأَوْجَسَ في نَفْسِهِ مِنهُمْ خِيفَةً وَقَال: أَسْتَعْملُ مَعَهُمُ الحِيلَة، وَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ أَنْ يَنْفَعَ مَعَهُمُ المِحَال، فَتَقَدَّمَ إِلى مَلِكِهِمْ وَقَالَ لَهُ:
[ ٢٩٨٩ ]
جِئْتُكَ أَيُّهَا المَلِكُ مِنْ بِلاَدٍ بَعِيدَةٍ بِلَطَائِفَ وَهَدَايَا، ذَهَبَتْ كُلُّهَا في البَحْرِ لَمْ يَبْقَ مِنهَا إِلاَّ هَذِهِ التُّحْفَةُ الثَّمِينَةُ النَّادِرَة - يَعْني القَصْعَة - فَأَخَذَهَا المَلِكُ وَقَلَّبَهَا ظَهْرًَا لبَطْنٍ ثمَّ وَضَعَهَا عَلَى رَأْسِه؛ فَإِذَا بِهَذِهِ المَخْلُوقَاتِ تُصَفِّقُ وَتُهَلِّلُ ابْتِهَاجًَا بِتَاجِ السَّلطَنَةِ الجَديد، فَأَرَادَ المَلِكُ مُكَافَأَتَه؛ فَأَعْطَاهُ مِلئَهَا مِنِ الأَحْجَارِ الكَرِيمةِ وَاليَاقُوتِ وَالمَرْجَان ـ
[ ٢٩٩٠ ]
وَهُوَ كَالحَصَى في بِلاَدِ الجَان - وَأَعَادَه إِلى بَلَدِهِ سَالِمًَا، سَمِعَ بِقِصَّتِهِ أَحَدُ الحَسَدَةِ الحَقَدَةِ وَمَا أَكْثَرَهُمْ في هَذَا الزَّمَان؛ فَبَاعَ دَارَهُ وَكلَّ مَا يمْلِكُ وَاشْتَرَى لَطَائِفَ وَهَدَايَا ثمِينَة، وَخَزَفًَا وَتحَفًَا أَثَريَّةً نَادِرَة، وَذَهَبَ بها إِلى هَذَا المَلِك، فَاسْتَقبَلَهُ بِالتَّرْحَابِ وَقَبِلَ مِنهُ هَدَايَاهُ وَفَرِحَ بهَا كَثِيرَا، بَلْ وَكَافَأَهُ بِشَيْءٍ لَمْ يخْطُرْ لَهُ عَلَى بَال؛ فَشَكَرَهُ عَلَى تِلكَ الهَدَايَا وَقَال:
[ ٢٩٩١ ]
إِني كُلَّمَا نَظَرْتُ إِلى شَيْءٍ أُقَدِّمُهُ لَك؛ وَجَدْتُهُ أَقَلَّ بِكَثِيرٍ ممَّا أَعْطَيْتَني؛ فَقَرَّرْتُ أَخِيرًَا بَعْدَمَا فَكَّرْتُ كَثِيرًَا؛ أَن أَمْنَحَكَ أَعْظَمَ شَيْءٍ عِنْدِي: إِنَّهُ تَاجُ السَّلْطَنَة: " القَصْعَة " ٠٠!!
[هَذِهِ القِصَّةُ كَتَبَهَا لِلإِذَاعَةِ المِصْرِيَّةِ الأُسْتَاذُ الْكَاتِب / عَبْدِ الفَتَّاح مُصْطَفَى، تحْتَ عِنوَان: قِسَم]
انْظُرْ إِلى مَا فَعَلَهُ بِهِ الحَسَد ٠٠ خَسِرَ غِنَاهُ وَعَادَ بِقَصْعَة ٠٠!!
مَلِكُ المُلُوكِ إِذَا وَهَبْ * لاَ تَسْأَلَنَّ عَنِ السَّبَبْ
[ ٢٩٩٢ ]
وَقَالَ بَكْرُ بنُ عَبْدِ الله: " كَانَ رَجُلٌ يَغْشَى بَعْضَ المُلُوك، فَكَانَ يَقُومُ بحِذَاء المَلِكِ فَيَقُول: أَحْسِن إِلى المحْسِنِ بِإِحْسَانِه؛ فَإِنَّ المُسِيءَ سَتَكْفِيكَهُ إِسَاءَ تُه، فَحَسَدَهُ رَجُلٌ عَلَى هَذَا المقَامِ وَهَذَا وَالكَلاَم؛ فَسَعَي بِهِ إِلى المَلِك - وَكُلُّنَا يَعْرِفُ أَنَّ المُلُوكَ تَغْضَبُ غَضَبَ الصَّبيّ، وَتَبْطِشُ بَطْشَ الأَسَد - فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا المَلِك؛ إِنَّ فُلاَنًَا هَذَا الَّذِي يَقُومُ بحِذَائِك، وَيَقُولُ مَا يَقُول؛ يَزْعُمُ أَنَّكَ أَبْخَر، فَقَالَ المَلِك: وَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ عِنْدِي ٠٠؟
[ ٢٩٩٣ ]
قَال: تَدْعُوهُ إِلَيْكَ وَتُدْنِيه، فَإِنَّهُ إِذَا دَنَا مِنْكَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى أَنْفِه ٠٠ فَقَالَ لَهُ المَلِك: انْصَرِفْ حَتىَّ أَنْظُرَ في أَمْرِه، فَخَرَجَ مِن عِنْدِ المَلِكِ فَدَعَا ذَلِكَ الرَّجُلَ الطَّيِّبَ إِلى مَنزِلِه،
[ ٢٩٩٤ ]
وَأَطْعَمَهُ طَعَامًَا أَكْثَرَ فِيهِ مِنَ الثَّوْم؛ فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِ وَقَامَ كَعَادَتِهِ بحِذَاءِ المَلِكِ فَقَال: أَيُّهَا المَلِك؛ أَحْسِن إِلى المحْسِنِ بِإِحْسَانِهِ فَإِنَّ المُسِيءَ سَتَكْفِيهِ إِسَاءَ تُه، فَقَالَ لَهُ المَلِك: ادْنُ مِنيِّ يَا فُلاَن، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ مخَافَةَ أَنْ يَشُمَّ المَلِكُ مِنهُ رَائِحَةَ الثَّوم؛ فَقَالَ المَلِكُ في نَفْسِه: مَا أَرَى فُلاَنًَا إِلاَّ قَدْ صَدَق؛ فَكَتَبَ لَهُ كِتَابًَا بخَطِّه، وَقَالَ اذْهَبْ بِهِ إِلى كَاتمِ السِّرّ، جَاءَ في الكِتَابِ أَن إِذَا أَتَاكَ حَامِلُ هَذَا الكِتَابِ فَاقْطَعْ عُنُقَهُ وَابْعَثْ بِهَا إِليّ، وَلاَ تَقْبَلْ مِنهُ صَرْفًَا وَلاَ عَدْلاَ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ الكِتَابَ وَخَرَج، فَلَقِيَهُ ذَلِكَ الحَاسِدُ الَّذِي سَعَى بِه؛ فَقَالَ لَه: مَا هَذَا الكِتَاب؟
[ ٢٩٩٥ ]
فَقَالَ الرَّجُلُ الطَّيِّب: خَطَّ لي المَلِكُ فِيهِ بِصِلَة - أَيْ بهَدِيَّة - فَقَالَ هَبْهُ لي؛ فَأَرَادَ مُكَافَأَتَهُ عَلَى تِلْكَ الدَّعْوَةِ فَوَهَبَهُ لَه، فَأَخَذَهُ وَمَضَى بِهِ إِلى كَاتِمِ السِّرّ، فَلَمَّا قَرَأَهُ كَاتِمُ السِّرِّ قَالَ لَهُ: إِنَّ المَلِكَ يَأْمُرُني في هَذَا الكِتَابِ أَن أَقْطَعَ رَقَبَتَكَ وَأَبْعَثَ بِهَا إِلَيْه، فَقَال: إِنَّ الكِتَابَ لَيْسَ لي؛ فَاللهَ اللهَ في أَمْرِي حَتىَّ تُرَاجِعَ المَلِك، فَلَمْ يُصَدِّقهُ كَاتمُ السِّرِ وَقَالَ لَهُ: إِنَّ كِتَابَ المَلِكِ لاَ يُرَاجَع، وَذَبحَهُ وَقَطَعَ رَقَبَتَهُ وَبَعَثَ بِهَا إِلى المَلِك، فَلَمَّا رَآهُ المَلِك؛ تَعَجَّبَ غَايَةَ العَجَب، وَبَعَثَ إِلى ذَلِكَ الرَّجُلِ الطَّيِّبِ وَسَأَلَه: مَا فَعَلَ الكِتَاب ٠٠؟!
[ ٢٩٩٦ ]
فَقَال: لَقِيَني فلاَنٌ فَاسَتَوْهَبَهُ مِنيِّ فَوَهَبْتُهُ لَه، فَأُلْقِيَ في رُوعِ المَلِكِ أَنَّ الأَمْرَ لاَ يجْرِي عَلَى هَذَا النَّحْوِ إِلاَّ بِتَدْبِيرٍ مِنَ الله؛ فَقَالَ المَلِك: إِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنِّي أَبخَر ٠٠؟!
فَقَالَ الرَّجُل: مَا قُلتُ ذَلِك، فَقَالَ المَلِك: فَلِمَ كُنْتَ تَضَعُ يَدَكَ عَلَى فَمِكَ وَأَنْتَ تحَدِّثُني ٠٠؟!
فَقَال: إِنَّهُ أَطْعَمَني في ذَلِكَ اليَوْمِ طَعَامًَا فِيهِ ثَوْم؛ فَكَرِهْتُ أَنْ يَشُمَّهُ مَوْلاَيَ المَلِك؛ هُنَا قَالَ المَلِك: الآنَ حَصْحَصَ الحَقّ، صَدَقْتَ وَاللهِ؛ فَقَدْ كَفَتِ المُسِيءَ إِسَاءَ تُهُ، فَأَعَادَهُ المَلِكُ إِلى مَكَانِه، وَرَفَعَ مَنزِلَتَهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاه ٠
[ ٢٩٩٧ ]
[الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاء " ٠ الطَبْعَة الأُولى لِدَارِ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة ٠ كِتَابُ ذَمُّ الحَسَد ٠ ص: ١٠٨٤]
وَهَكَذَا الحَسُودُ الحَقُود؛ فَإِنَّ الدَّائِرَةَ عَلَيْهِ تَعُود ٠٠!!
قَاتَلَ اللهُ الحَسَد؛ أَوَّلَ مَا يَفْتِكُ يَفْتِكُ بِصَاحِبِه ٠
وَصَدَقَ شَاعِرُ الفُقَهَاءِ وَفَقِيهُ الشُّعَرَاءِ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ عِنْدَمَا قَال:
اصْبرْ عَلَى كَيْدِ الحَسُودِ فَإِنَّ صَبرَكَ قَاتِلُه
فَالنَّارُ تَأْكُلُ بَعْضَهَا إِنْ لَمْ تجِدْ مَا تَأْكُلُهْ
﴿ابْنُ المُعْتَزّ، وَتُنْسَبُ أَيْضًَا اِلإِمَامِ الشَّافِعِيّ﴾
وَكَمَا قَدْ قَالُواْ في الأَمْثَال: " الحَسُودُ لاَ يَسُود " ٠
[ ٢٩٩٨ ]
وَتُعَلِّمُنَا هَذِهِ القِصَّةُ أَيْضًَا أَلاَ نَعْجَلَ في أَمْرِ الصِّحَاب، لمجَرَّدِ وِشَايَةٍ أَتَتْنَا مِنْ مُتَمَلِّقٍ كَذَّاب، وَلاَ بُدَّ أَنْ يَسْبِقَ العِتَابُ العِقَاب ٠٠!!
هَكَذَا يَصْنَعُ الحَسَدُ بِأَصْحَابِه
عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبي أُمَامَةَ ﵁، أَنَّهُ دَخَلَ هُوَ وَأَبُوهُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ بِالمَدِينَة، في زَمَانِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ ﵁ وَهُوَ أَمِيرُ المَدِينَة، فَإِذَا هُوَ يُصَلِّي صَلاَةً خَفِيفَةً دَقِيقَة، كَأَنَّهَا صَلاَةُ مُسَافِرٍ أَوْ قَرِيبًَا مِنْهَا؛ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ أَبي: يَرْحَمُكَ الله، أَرَأَيْتَ هَذِهِ ٠٠ الصَّلاَةُ المَكْتُوبَةُ أَوْ شَيْءٌ تَنَفَّلْتَهُ ٠٠؟!
[ ٢٩٩٩ ]
قَالَ إِنَّهَا المَكْتُوبَة، وَإِنَّهَا لَصَلاَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، مَا أَخْطَأْتُ إِلاَّ شَيْئًَا سَهَوْتُ عَنْهُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُول:
" لاَ تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ؛ فَإِنَّ قَوْمًَا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ في الصَّوَامِعِ وَالدِّيَار، وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ " ٠
ثُمَّ غَدَا مِنْ الغَدِ فَقَال: أَلاَ تَرْكَبُ لِتَنْظُرَ وَلِتَعْتَبِر ٠٠؟
قَالَ نَعَمْ، فَرَكِبُواْ جَمِيعًَا، فَإِذَا هُمْ بِدِيَارٍ بَادَ أَهْلُهَا وَانْقَضَوْا وَفَنَوا، خَاوِيَةٍ عَلَى عُرُوشِهَا؛ فَقَالَ أَتَعْرِفُ هَذِهِ الدِّيَار ٠٠؟
[ ٣٠٠٠ ]
فَقُلْتُ مَا أَعْرَفَني بِهَا وَبِأَهْلِهَا ٠٠ هَذِهِ دِيَارُ قَوْمٍ أَهْلَكَهُمْ البَغْيُ وَالحَسَد " ٠
[قَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ ": رِجَالُهُ رِجَالُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ ثِقَة ٠ ص: ٢٥٦/ ٦]
الشَّيْءُ الَّذِي يحْمَدُ فِيهِ الحَسَد
إِنَّ الحَسَدَ لاَ يحْمَدُ إِلاَّ في الدِّين، وَطَبْعًَا لاَبُدَّ أَنْ نُفَرِّقَ هُنَا بَينَ الحَسَدِ وَالغِبْطَة ٠٠
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " لاَ حَسَدَ إِلاَّ في اثْنَتَيْن: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ في الحَقّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا "
[ ٣٠٠١ ]
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (٧٣)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٨١٦]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" لاَ حَسَدَ إِلاَّ في اثْنَتَيْن: رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَار، فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ فَقَال: لَيْتَني أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتيَ فُلاَن؛ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَل، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَهُوَ يُهْلِكُهُ في الحَقّ؛ فَقَالَ رَجُلٌ لَيْتَني أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتيَ فُلاَن؛ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَل "
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (٥٠٢٦)، وَالحَدِيثُ في " المُسْنَدِ " بِرَقْم: ٩٨٥٧]
[ ٣٠٠٢ ]
عَن أَبي كَبْشَةَ الأَنْمَارِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " مَثَلُ هَذِهِ الأُمَّةِ كَمَثَلِ أَرْبَعَةِ نَفَر: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا وَعِلْمَا، فَهُوَ يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ في مَالِهِ يُنْفِقُهُ في حَقِّه، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ عِلْمًَا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا، فَهُوَ يَقُول: لَوْ كَانَ لي مِثْلُ هَذَا - أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ العَبْدِ الصَّالِح ـ
[ ٣٠٠٤ ]
عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَل؛ فَهُمَا في الأَجْرِ سَوَاء، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا وَلَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًَا؛ فَهُوَ يَخْبِطُ في مَالِهِ يُنْفِقُهُ في غَيرِ حَقِّه، وَرَجُلٌ لَمْ يُؤْتِهِ اللهُ عِلْمًا وَلاَ مَالًا؛ فَهُوَ يَقُول: لَوْ كَانَ لي مِثْلُ هَذَا - أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ العَبْدِ السُّوء - عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَل؛ فَهُمَا في الوِزْرِ سَوَاء " ٠
[صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ " بِرَقْم: (٤٢٢٨)، الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ ": ١٠٨٦]
[ ٣٠٠٥ ]
قَالَ الخُلْدِيّ: قَالَ لي أَبُو أَحْمَدَ الْقَلاَنِسِيّ:
" فَرَّقَ رَجُلٌ أَرْبَعِينَ أَلْفًَا عَلَى الْفُقَرَاء؛ فَقَالَ لي: أَمَا تَرَى مَا أَنْفَقَ هَذَا وَمَا قَدْ عَمِلَهُ ٠٠؟ وَنحْنُ لاَ نَرْجعُ إِلىَ شَيْءٍ نُنْفِقُه؛ فَامْضِ بِنَا إِلىَ مَوْضِع؛ فَذَهَبْنَا إِلىَ المَدَائِنِ فَصَلَّيْنَا أَرْبَعِينَ أَلْفَ رَكْعَة " ٠ [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ١٧٢/ ١٣]
[ ٣٠٠٦ ]
الثِّقَةُ فِيمَا عِنْدَ الله
وَيُرْوَى أَنَّ سَيِّدَنَا سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ رَأَى نَمْلَةً تحْمِلُ حُبَيْبَةَ قَمْح؛ فَأَشْفَقَ عَلَيْهَا مِنَ الحِمْل؛ فَسَأَلَهَا: كَمْ حَبَّةٍ تَكْفِيكِ في العَامِ يَا نَمْلَة ٠٠؟
قَالَتْ لَهُ: حَبَّتَان؛ فَأَخَذَهَا فَوَضَعَهَا في قُمْقُمٍ وَوَضَعَ لَهَا حَبَّتَينِ وَأَغْلَقَهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ انْشَغَلَ بِالجُيُوشِ وَالفُتُوحَاتِ فَلَمْ يَذْكُرْهَا إِلاَ بَعْدَ عَامَين؛ فَأَحَسَّ بِالذَّنْبِ وَهَرَعَ إِلَيْهَا فَزِعًَا، فَوَجَدَهَا حَيَّةً تُرْزَق؛ فَتَعَجَّبَ وَقَالَ لَهَا: أَلَمْ تَقُولي يَا نَمْلَة: إِنَّي آكُلُ في العَامِ حَبَّتين ٠٠؟!
[ ٣٠٠٧ ]
قَالَتْ: إِنَّي أَكَلْتُ في هَذِهِ السَّنَةِ حَبَّةً وَاحِدَة، وَادَّخَرْتُ الأُخْرَى، فَلَقَدْ كُنْتُ آكُلُ حَبَّتَينِ في السَّنَة؛ عِنْدَمَا كَانَ يَرْزُقُني مَنْ لاَ يَنْسَاني؛ وَلَكِن أَكَلْتُ هَذِهِ السَّنَةَ حَبَّةً وَاحِدَة؛ عِنْدَمَا صَارَ رِزْقِي عَلَى الإِنْسَانِ ٠٠!!
يَقُولُ ﷾: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾
﴿هود: ٦﴾
قِيلَ لأَبي أُسَيْد - وَكَانَ رَجُلًا صَالحًَا - مِن أَيْنَ تَأْكُلُ يَا أَبَا أُسَيْد ٠٠؟
فَقَال: سُبْحَانَ اللهِ ٠٠ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ الكَلْب؛ أَفَلاَ يَرْزُقُ أَبَا أُسَيْد " ٠؟
[الإِمَامُ القُرْطُبيُّ في " تَفْسِيرِهِ " لِلآيَةِ السَّابِقَةِ بِسُورَةِ هُود ٠ الطَّبْعَةُ الثَّانِيَةُ لِدَارِ الشَّعْب ٠ القَاهِرَة: ٧/ ٩]
[ ٣٠٠٨ ]
فَرِزْقُكَ عَلى اللهِ يَا ابْنَ آدَم؛ فَلِمَ تَنْشَغِلُ بمَا عَلَى اللهِ وَتَترُكُ مَا عَلَيْك ٠٠؟!
لِمَ تَنْشَغِلُ بمَا خُلِقَ لَكَ عَمَّا خُلِقْتَ لَه ٠٠؟!!
الرِّزْقُ أَشَدُّ طَلَبًَا لِلعَبْدِ مِنَ الأَجَل، وَلَكِنَّهُ خُلِقَ الإِنْسَانُ مِن عَجَل
عَن أَبي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ الرِّزْق لَيَطْلُبُ العَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُه " ٠ [وَثَّقَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَع، وَحَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ في الجَامِع، وَقَالَ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ ابْنِ حِبَّان: حَدِيثٌ قَوِيّ، رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيّ]
[ ٣٠٠٩ ]
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ هَرَبَ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَهْرَبُ مِنَ المَوْت؛ لأَدْرَكَهُ رِزْقُهُ كَمَا يُدْرِكُهُ المَوْت " ٠
[حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في صَحِيحِ الجَامِعِ بِرَقْم: ٩٣٧١/ ٥٢٤٠، أَبُو نُعَيْمٍ في الحِليَة]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" جَاءَ سَائِلٌ إِلىَ النَّبيِّ ﷺ، فَإِذَا تَمْرَةٌ عَائِرَةٌ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا وَقَالَ لَهُ ﷺ: " خُذْهَا، لَوْ لَمْ تَأْتِهَا لأَتَتْك " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في التَّرْغِيبِ وَفي الظِّلاَلِ بِرَقْم: ٢٦٥، وَقَالَ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ ابْنِ حِبَّان: إِسْنَادُهُ قَوِيّ]
[ ٣٠١٠ ]
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" أَيُّهَا النَّاس: إِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يَمُوتَ حَتىَّ يَسْتَكْمِلَ رِزْقَه؛ فَلاَ تَسْتَبْطِئُواْ الرِّزْق، وَاتَّقُواْ اللهَ أَيُّهَا النَّاسُ وَأَجْمِلُوا في الطَّلَب: خُذُواْ مَا حَلَّ وَدَعُواْ مَا حَرُم " ٠
[صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: ٧٣٢٣، ٢٦٠٧، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وَالبَيْهَقِيُّ في سُنَنِه]
[ ٣٠١١ ]
وَفي رِوَايَةٍ لِلإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَيْضًَا إِلاَّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِيهَا: " أَيُّهَا النَّاس؛ اتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُواْ في الطَّلَب؛ فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتىَّ تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، وَإِن أَبْطَأَ عَنْهَا؛ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُواْ في الطَّلَب، خُذُواْ مَا حَلَّ وَدَعُواْ مَا حَرُم "
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: ٢١٤٤]
[ ٣٠١٢ ]
عَن أَبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" أَجْمِلُواْ في الطَّلَب؛ فَإِنَّ كُلًا مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَه " ٠ [صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَينِ بِنَحْوِه ٠ المُسْتَدْرَكُ بِرَقْم: ٢١٣٣، صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في " الصَّحِيحَة " بِرَقْم: ٨٩٨]
عَن أَبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " أَجْمِلُواْ في طَلَبِ الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ كُلًاّ مُيَسَّرٌ لِمَا كُتِبَ لَهُ مِنهَا " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: ٢١٤٤، وَقَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين]
[ ٣٠١٣ ]
لَيْتَنَا نَطْلُبُ الدِّينَ كَمَا نَطْلُبُ الرِّزْق
وفي بَعْضِ الأَحَادِيثِ القُدُسِيِّة: " يَا ابْنَ آدَم؛ لاَ تُطَالِبْني بِرِزْقِ غَدٍ مَا لَمْ أُطَالِبْكَ بِعَمَل غَدٍ؛ فَإِني لاَ أَنْسَى مَن عَصَاني؛ فَكَيْفَ بمَن أَطَاعَني " ٠٠؟
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ عَنْ رَبِّ العِزَّةِ جَلَّ جَلاَلُهُ أَنَّهُ قَال: " يَا ابْنَ آدَم: تَفَرَّغْ لِعِبَادَتي؛ أَمْلأْ صَدْرَكَ غِنىً، وَأَسُدَّ فَقْرَك، وَإِلاَّ تَفْعَلْ: مَلأْتُ يَدَيْكَ شُغْلًا، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَك " ٠ [صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ وَفي سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: ٢٤٦٦، وَالْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٨٦٨١، وَالإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص]
فَرِزْقُكَ آتِيكَ آتِيك - لاَ محَالَةَ سَخطْتَ أَمْ رَضِيت - فَأَحْسِنِ الظَّنَّ باللهِ وَاصْبرْ صَبرًَا جمِيلًا ٠٠!!
[ ٣٠١٤ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ عَنْ رَبِّ العِزَّةِ ﷻ أَنَّهُ قَال:
" يَا ابْنَ آدَم؛ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي؛ أَمْلأْ قَلْبَكَ غِنىً، وَأَمْلأْ يَدَكَ رِزْقًَا، يَا ابْنَ آدَم؛ لاَ تَبَاعَدْ مِنيِّ؛ أَمْلأْ قَلْبَكَ فَقْرًَا، وَأمْلأْ يَدَكَ شُغُلًا " ٠
[صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في صَحِيحِ التَّرْغِيبِ ح ٠ ر: ٣١٦٥]
فَرِزْقُكَ آتِيكَ آتِيك - لاَ محَالَةَ سَخطْتَ أَمْ رَضِيت - فَأَحْسِنِ الظَّنَّ باللهِ وَاصْبرْ صَبرًَا جمِيلًا ٠٠!!
[ ٣٠١٥ ]
الأَمْرُ أَعْجَلُ مِن هَذَا
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قَال:
" مَرَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنحْنُ نُعَالجُ خُصًَّا لَنَا - أَيْ يُصْلِحُونَهُ - فَقَالَ ﷺ: " مَا هَذَا " ٠٠؟!
فَقُلْتُ: خُصٌّ لَنَا وَهَى - أَيْ ضَعُفَ تمَاسُكُه - نَحْنُ نُصْلِحُه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " مَا أُرَى الأَمْرَ إِلاَّ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِك " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الأَئِمَّةِ ابْنِ مَاجَةَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَأَبي دَاوُدَ بِأَرْقَام: ٤١٦٠، ٢٣٣٥، ٥٢٣٦، وَالْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَد، وَالأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ ابْنِ حِبَّان بِرَقْم: ٢٩٩٧]
فَلا تَشْغَلَنَّكَ يَا أَخِي الدُّنيَا عَنِ الدِّين ٠٠
[ ٣٠١٦ ]
مَوْقِفٌ لأَبي العَتَاهيَةِ يُعَلِّمُنَا القَنَاعَة
وَقَفَ أَبُو العَتَاهِيَةِ عَلَى أَعْرَابِيَّةٍ كَالقَمَر، تَبِيعُ الحِمَّصَ في طَرِيقِ الحَجِيجِ إِلى مَكَّة، حَيْثُ حَرَارَةُ الشَّمْسِ وَنُدْرَةُ المَاء، تَسْتَظِلُّ بِظِلُّ مِيلٍ رَكَزَتْهُ في الأَرْض، وَوَضَعَتْ عَلَيهِ شَمْلَتَهَا - أَيْ عَبَاءَ تَهَا، وَالمِيلُ هُوَ الغُصْنُ اليَابِسُ مِنَ الشَّجَر - فَقَالَ لَهَا: مَا الَّذِي أَقْعَدَكِ هُنَا يَا أَمَةَ اللهِ؟!
فَقَالَتْ لَهُ: يَا هَذَا؛ لَوْلاَ أَنْ قَنَّعَ اللهُ بَعْضَ العِبَادِ بِشَرِّ البِلاَد؛ لَمَا وَسِعَ خَيرُ البِلاَدِ كُلَّ العِبَاد!!
[ ٣٠١٧ ]
فَقَالَ لهَا: أَتَبِيعِينَ الحِمَّصَ وَلَكِ هَذَا الجَمَال ٠٠؟!
قَالَتْ: قَدَرُ الله ٠٠!!
فَسَأَلهَا: مِن أَيْنَ مَعَاشُكُمْ بَعْدَ انْقضَاءِ المَوْسِم ٠٠؟!!
فَأَطْرَقَتْ مَلِيًا ثُمَّ قَالَتْ: لاَ أَدْرِي، غَيرَ أَنَّا نُرْزَقُ مِن حَيْثُ لاَ نحْتَسِب؛ أَكْثَرَ ممَا نحْتَسِب ٠٠!!
فَقَالَ أَبُو العَتَاهِيَةِ قَصِيدَتَهُ الشَّهِيرَةَ الَّتي مَطْلَعُهَا:
هَبِ الدُّنيَا تُوَاتِيكَا أَلَيْسَ المَوْتُ يَأْتِيكَا
فَمَا تَرْجُو مِنَ الدُّنيَا وَظِلُّ المِيلِ يَكْفِيكَا
[الأَصْفَهَاني في كِتَابِ " الأَغَاني "، بِالطَّبْعَةِ الثَّانِيَةِ لِدَارِ الفِكْر ٠ بَيرُوت ٠ ص: ٨٦/ ٤]
لَيْتَنَا نَدَّخِرُ لِلآخِرَةِ كَمَا نَدَّخِرُ لِلدُّنيَا
[ ٣٠١٨ ]
عَنْ هِلاَلِ بْنِ سُوَيْدٍ أَنَّهُ قَال: " سَمِعْتُ أَنَسًَا ﵁ يَذْكُرُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أُهْدِيَ لَهُ ثَلاَثَةُ طَوَائِر، فَأَطْعَمَ خَادِمَهُ طَائِرًَا، فَلمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ أَتَاهُ بِه؛ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
" أَلَمْ أَنهَكَ أَنْ تخَبِّئَ شَيْئًَا لِغَد ٠٠؟ إِنَّ اللهَ يَأْتي برِزْقِ كُلِّ يَوْم " ٠
[حَسَّنَهُ العَلاَّمَةُ أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: (١٢٩٧٧)، وَالحَدِيثُ في " شُعَبِ الإِيمَانِ " بِرَقْم: ١٤٦٥]
[ ٣٠١٩ ]
وَفي رِوَايَةٍ عَن أَنَسٍ ﵁ أَيْضًَا عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ثَلاَثَةُ طَوَائِر، فَأَطْعَمَ خَادِمَهُ طَائِرًَا، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الغَدِ أَتَتْهُ بِهِ - أَيْ زَوْجَتُه - فَقَالَ لهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: " أَلَمْ أَنْهَكِ أَنْ تَرْفَعِي شَيْئًَا؟! فَإِنَّ اللهَ ﷿ يَأْتِي بِرِزْقِ كُلِّ غَدٍ "
[حَسَّنَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَع " ص: (٣٠٣/ ١٠)، وَحَسَّنَهُ العَلاَّمَةُ أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ١٢٩٧٧]
مَنْ كَانَ رِزْقُهُ عَلَى اللهِ فَلاَ يحْزَن
وَقَالَ أَحَدُ الصَّالحِين: مَرَرْتُ بِرَاهِبٍ فَقُلتُ لَهُ مِن أَيْنَ تَأْكُل ٠٠؟!
[ ٣٠٢٠ ]
فَقَال: مِنْ بَيْدَرِ اللَّطِيفِ الخَبِير؛ فَالَّذِي خَلَقَ الرَّحَى - وَأَشَارَ إِلى أَضْرَاسِهِ - يَأْتِيهَا بِالطَّحِين ٠
البَيْدَر: هُوَ المَطْحَن ٠
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ ﴿هُود: ٦﴾
[الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاء " ٠ الطَّبْعَةُ الأُولى لِدَارُ الوَثَائِق: ١١٤١]
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ﵁ أَنَّ الأَشْعَرِيِّينَ أَبَا مُوسَى وَأَبَا مَالِكٍ وَأَبَا عَامِرٍ في نَفَرٍ مِنهُمْ: لَمَّا هَاجَرُواْ قَدِمُواْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ في فُلْكٍ وَقَدْ أَرْمَلُواْ مِنَ الزَّاد - أَيْ نَفِدَ زَادُهُمْ ـ
[ ٣٠٢١ ]
فَأَرْسَلُواْ رَجُلًا مِنهُمْ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسْأَلُه، فَلَمَّا انْتَهَى إِلى بَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَمِعَهُ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَة: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ ﴿هود: ٦﴾
[ ٣٠٢٢ ]
فَقَالَ الرَّجُل: مَا الأَشْعَرِيُّونَ بِأَهْوَنِ الدَّوَابِّ عَلَى الله؛ فَرَجَعَ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: أَبْشِرُواْ، أَتَاكُمْ الغَوْث، وَلاَ يَظُنُّونَ إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ كَلَّمَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَوَعَدَهُ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَتَاهُمْ رَجُلاَنِ يحْمِلاَنِ قَصْعَةً بَيْنَهُمَا ممْلُوءةً خُبْزًَا وَلحْمًَا، فَأَكَلُواْ مِنهَا مَا شَاءواْ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض: لَوْ أَنَّا رَدَدْنَا هَذَا الطَّعَامَ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَقْضِيَ بِهِ حَاجَتَه ٠٠؟
[ ٣٠٢٣ ]
فَقَالُواْ لِلرَّجُلَين: اذْهَبَا بهَذَا الطَّعَامِ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَإِنَّا قَدْ قَضَيْنَا مِنهُ حَاجَتَنَا، ثمَّ إِنهُمْ أَتَواْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالُواْ: يَا رَسُولَ الله، فَمَا رَأَيْنَا طَعَامًَا أَكْثَرَ وَلاَ أَطْيَبَ مِنْ طَعَامٍ أَرْسَلْتَ بِه ٠
فَقَالَ ﷺ: " مَا أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ شَيْئَا " ٠
فَأَخْبرُوهُ أَنهُمْ أَرْسَلُواْ صَاحِبَهُمْ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ٠٠؟!
فَأَخْبرَهُ مَا صَنَعَ وَمَا قَالَ لهُمْ؛ فَقَالَ ﷺ:
" ذَلِكَ شَيْءٌ رَزَقَكُمُوهُ اللهُ سُبْحَانَه " ٠ [نَوَادِرُ الأُصُول ٠ الأَصْلُ رَقْم: (٢١٥)، الإِمَامُ القُرْطُبيُّ في تَفْسِيرِهِ لهَذِهِ الآيَة: ٧/ ٩]
[ ٣٠٢٤ ]
عَنْ مَالِكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ المُعَافِرِيِّ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ مَرَّ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَقَال:
" لاَ تُكْثِرْ هَمَّك، مَا قُدِّرَ يَكُن وَمَا تُرْزَقْ يَأْتِك " ٠
[ضَعَّفَهُ الأَلبَانيُّ في الضَّعِيفَةِ بِرَقْم: ٤٧٩٢، البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ بِرَقْم: ١١٨٨، وَالغَزَاليُّ في الإِحْيَاءِ ٠ ص: ١١٤١]
وَمِنْ مَأْثُورِ كَلاَمِ الإِمَامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ قَوْلُه: " اعْلَمْ؛ أَنَّكَ لَسْتَ بِسَابِقٍ أَجَلَك، وَلاَ مَرْزُوقًَا مَا لَيْسَ لَك، وَاعْلَمْ أَنَّ الدَّهْرَ يَوْمَان: يَوْمٌ لَكَ وَيَوْمٌ عَلَيْك، وَأَنَّ الدُّنيَا دَارُ دُوَل؛ فَمَا كَانَ مِنهَا لَكَ أَتَاكَ عَلَى ضَعْفِك، وَمَا كَانَ مِنهَا عَلَيْكَ فَلَنْ تَدْفَعَهُ بِقُوَّتِك " ٠
[انْظُرْ مِنهَاجَ البَلاَغَةِ لِلشَّرِيفِ الرَّضِيّ ٠ في خُطَبِ الإِمَامِ عَلِيّ]
[ ٣٠٢٥ ]
قَرَأَ الأَصْمَعِيُّ عَلَى أَعْرَابيٍّ سُورَةَ الذَّارِيَاتِ مِن أَوَّلِهَا، حَتىَّ أَتَى عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ جَلاَلُه:
﴿وفي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون﴾ ﴿الذَّارِيَات: ٢٢﴾
وَكَانَ لِلأَعْرَابيِّ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ شَأْن، فَلَمَّا أَنْ سَمِعَهَا صَاحَ قَائِلًا:
" قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقَّا، قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقَّا، ثُمَّ قَال: يَا أَصْمَعِيّ، هَذَا لِلرَّحْمَنِ كَلاَم ٠٠؟
قَالَ الأَصْمَعِيّ: نَعَمْ يَا أَعْرَابيّ، يَقُولُ اللهُ ﷿: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لحَقُّ مِثْلَمَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُون﴾ ﴿الذَّارِيَات: ٢٣﴾
فَصَاحَ الأَعْرَابيُّ عِنْدَهَا وَقَال: يَا سُبْحَانَ الله؛ مَنْ ذَا أَغْضَبَ الجَلِيلَ حَتىَّ حَلَف، أَلَمْ يُصَدِّقُوهُ بِقَوْلِهِ حَتىَّ أَلجَأُوهُ إِلى اليَمِين ٠٠ قَالهَا ثَلاَثًَا، وَخَرَجَتْ نَفْسُه " ٠ [الإِمَامُ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإِيمَانِ بِرَقْم: ١٣٣٧]
[ ٣٠٢٦ ]
فَلاَ بُدَّ أَنْ نَكُونَ عَلَى يَقِينٍ بِمَا عِنْدَ الله ٠٠
عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاس ﵁ أَنَّهُ فَارَقَ جَمِيلَةَ بِنْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبيٍّ ﵁ وَهِيَ حَامِلَةٌ بِمُحَمَّد؛ فَلَمَّا وَلَدَتْهُ حَلَفَتْ أَنْ لاَ تَلْبِنَهُ مِنْ لَبَنِهَا؛ فَدَعَا بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَبَزَقَ في فِيهِ وَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ عَجْوَةٍ وَسَمَّاهُ مُحَمَّدًَا، وَقَالَ ﷺ:
" اخْتُلِفَ بِهِ فَإِنَّ اللهَ رَازِقُه " ٠
فَأَتَيْتُهُ الْيَوْمَ الأَوَّلَ وَالثَّاني وَالثَّالِث؛ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ الْعَرَبِ تَسْأَلُ عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ ﵁؛ فَقُلْتُ: مَا تُرِيدِينَ مِنه، أَنَا ثَابِت ٠٠؟
فَقَالَتْ: أُرِيتُ في مَنَامِي كَأَنيَِّ أُرْضِعُ ابْنًَا لَهُ يُقَالُ لَهُ محَمَّد؛ فَقَالَ ﵁:
فَأَنَا ثَابِتٌ وَهَذَا ابْني محَمَّد، وَإِذْ دِرْعُهَا - أَيْ صَدْرُهَا - يَتَعَصَّرُ مِنْ لَبَنِهَا " ٠
[صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٢٨٣٨]
[ ٣٠٢٧ ]
الثِّقَةُ فِيمَا عِنْدَ الله؛ تَقْتَضِي اليَأْسَ مِمَّا عِنْدَ النَّاس
وَقَال أَعْرَابِيٌّ لاَبْنِهِ: أَلاَ أُوصِي بِكَ الأَمِيرَ زِيَاد ٠٠؟
فَقَالَ الاَبْن: يَا أَبَتِ؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلحَيِّ إِلاَّ الوَصِيَّة؛ فَهُوَ وَالميِّتُ سَوَاء
وقِيلَ لِصَالحِ بنِ مِسْمَار: أَلاَ تُوصِي بِابْنِكَ وَعِيَالِك ٠٠؟!
فَقَال: إِني لأَسْتَحْيِي مِنَ اللهِ أَن أُوصِيَ بهِمْ غَيرَه ٠٠!!
[الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاء " ٠ دَارُ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة ٠ طَبْعَةِ الحَافِظِ العِرَاقِيّ ٠ وَفَاةُ الصَّالحِين: ١٨٧٧]
[ ٣٠٢٨ ]
وَقِيلَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ قَبْلَ مَوْتِه: أَلاَ تَتْرُكُ لأَوْلاَدِكَ شَيْئَا ٠٠؟
فَقَالَ ﵀: " إِنْ كَانُواْ صَالحِين؛ فَاللهُ يَتَوَلىَّ الصَّالحِين، وَإِنْ كَانُواْ غَيرَ ذَلِك؛ فَلاَ أَترُكُ لهُمْ مَا يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى مَعْصِيَةِ الله " ٠
[الإِمَامُ السُّيُوطِيُّ بِنَحْوِهِ في " شَرْحِ سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ " عِنْدَ الحَدِيثِ رَقْم: ٣٦٦٦]
[ ٣٠٢٩ ]
كَانَ لِلْقُرَظِيِّ بْنِ كَعْبٍ أَمْلاَكٌ بِالمَدِينَة، فَبَاعَهَا فَحَصَّلَ مِنهَا مَالًا وَفِيرَا؛ فَقِيلَ لَهُ: ادَّخِرْ لِوَلَدِك؛ فَقَالَ ﵀: لاَ، وَلَكِن أَدَّخِرُهُ لِنَفْسِي عِنْدَ رَبِّي، وَأَدَّخِرُ رَبِّي لِوَلَدِي " ٠ [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ٦٩/ ٥]
احْتَضَرَ أَعْرَابيٌّ فَبَكَى؛ فَقِيلَ لَهُ: أَتخَافُ ذُنُوبَك ٠٠؟
فَقَالَ أَمَّا ذُنُوبي؛ فَأَرْجُو اللهَ لَهَا، وَلَكِن أَخَافُ عَلَى بَنَاتي؛ فَقَالَ لَهُ أَحَدُ الصَّالحِين: الَّذِي تَرْجُوهُ لِذُنُوبِكَ ارْجُهُ لِبَنَاتِك ٠٠ ﴿اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿الشُّورَى/٦﴾
[ ٣٠٣٠ ]
الَّذِينَ يُسَافِرُونَ بحُجَّةِ لُقْمَةِ العَيْشِ وَيَتْرُكُونَ
أَوْلاَدَهُمْ عُرْضَةً لِلاَنحِرَاف
إِنَّ السَّفَر مِن أَجْلِ لُقمَةِ العَيْشِ لاَ شِيَةَ فِيه؛ فَرَسُولُ اللهِ ﷺ سَافَرَ مِن أَجْلِهَا، أَمَّا الَّذِين يُسَافِرونَ وَيَتْرُكُونَ أَوْلاَدَهُمْ عُرْضَةً لِلفَسَادِ وَالاَنْحِرَاف؛ بِحُجَّةِ لُقْمَةِ العَيْش؛ فَقَدْ ضَلُّواْ ضَلاَلًا بَعِيدَا؛
الحَمْدُ للهِ القَائِل: ﴿وفي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون﴾ ﴿الذَّارِيَات/٢٢﴾
[ ٣٠٣١ ]
وَلَمْ يَقُل: وَفي الأَرْضِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون؛ وَإِلاَّ قَالَ قَوْم: الرِّزْقُ في السُّعُودِيَّة، وَقَالَ آخَرُون: الرِّزْقُ في الكُوَيْت، وَقَالَ آخَرُون: الرِّزْقُ في أُورُوبَّا، وَلَتَنَازَعُواْ فِيمَا بَيْنَهُمْ ٠٠!!
فَسَفَرُكَ لَنْ يَزِيدَ في رِزْقِكَ قَيْدَ أُنمُلَة، فَالرَّازِقُ هُنَا؛ هُوَ الرَّازِقُ هُنَاك ٠٠
تَعَدَّدَتِ الأَسْبَابُ وَالرِّزْقُ وَاحِدُ
صَحِيحٌ أَنَّكَ سَتَجِدُ هُنَاكَ المالَ الكَثِير؛ وَلَكِنَّ الرِّزقَ لَيْسَ مَالًا فَقَطْ ٠٠
فَالتَّرْبِيَة الحَسَنَةُ رِزْق؛ مَنْ سَيرَبى أَوْلاَدَكَ إِنْ سَافَرْت ٠٠؟!!
وَمُكْثُكَ وَسْطَ أَهْلِكَ رِزْق؛ مَنْ لَكَ في غَيْبَتِهِمْ وَمَنْ لهُمْ في غَيْبَتِك ٠٠؟!
﴿ءَاللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُون﴾ ﴿يُونُس: ٥٩﴾
[ ٣٠٣٢ ]
سَتَأْتِيهِمْ بِالمالِ إِنْ سَافَرْت، لكِنْ مِن أَيْنَ تَأْتِيهِمْ بِالأَخْلاَقِ الحَمِيدَة ٠٠؟!!
بَلَغَكَ ضِيقُ العَيْشِ في بِلاَدِنَا؛ وَلَمْ يَبْلُغْكَ أَنَّ الاَنحِرَافَ أَقْرَبُ إِلَيْهِمْ مِن حَبْلِ الوَرِيد، إِنَّكَ لأَنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيد ٠٠!!!
رِجَالُ الأَعْمَال، وَانْشِغَالُهُمْ بِالمَال، وَإِهْمَالُهُمْ لِلزَّوْجَةِ وَالعِيَال
لَقَدْ حَكَى أَحَدُهُمْ يَوْمًَا فَقَال: " إِنِّي لاَ أَرَى أَوْلاَدِيَ بِالشَّهْر " ٠
قَالُواْ: وَكَيْفَ ذَلِك ٠٠؟!
قَال: لأَنِّي أَعُودُ إِلى المَنْزِلِ وَهُمْ نَائِمُون، وَيَذْهَبُونَ إِلى المَدْرَسَةِ وَأَنَا نَائِم ٠٠!!
وَإِنْ لَمْ تخَفْ عَلَى أَوْلاَدِكَ فَخَفْ عَلَى زَوْجَتِك؛ مِنْ فِتنِ هَذِهِ الأَيَّامِ الَّتي عَمَّ فِيهَا مِنَ الخَبَث؟!
[ ٣٠٣٣ ]
إِنَّهَا حَقًَّا مَأْسَاة؛ وَذَلِكَ أَنَّ اعْتِقَادَنا في الأَسْبَابِ أَصْبَحَ أَقْوَى منَ اعْتِقَادِنَا في الله ٠٠!!
وَاللهِ لَقَدْ سَمِعْنَا عَنْ مَآسٍ يَنْدَى لَهَا الجَبِين؛ عَنِ الفِتنِ الَّتي تَتَعَرَّضُ لَهَا زَوْجَاتُ الغَائِبِين؛ وَذَلِكَ أَنَّ المَرْأَةَ المُتَزَوِّجَةَ مِنَ الصَّعْبِ عَلَيْهَا جِدًَّا أَنْ تجِدَ نَفْسَهَا بِغَيرِ زَوْج ٠٠!!
نَعُوذُ بِكَ اللهُمَّ مِنَ الفَوَاحِشِ أَنْ تَقَعَ فِينَا أَوْ نَقَعَ فِيهَا ٠٠ اللهُمَّ آمِين
،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،؛،
[ ٣٠٣٤ ]