========
أَوَّلًا: مَنْزِلَةُ الفَقِيرِ عِنْدَ النَّاس
إِنَّ الفَقِيرَ هُوَ الفَقِيرُ في كُلِّ زَمَان، كُتِبَتْ عَليْهِ المَذَلَّةُ وَالهَوَان
إِنْ كَانَ ذَا أَدَبٍ وَظُرْفٍ قِيلَ عَنهُ أَخُو ضَلاَلْ
أَوْ كَانَ ذَا نُسُكٍ وَدِينٍ قِيلَ عَنهُ مِنَ الثِّقَالْ
﴿محَمَّدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ عَمْرٍو البَاهِلِيّ﴾
فَإِذَا كَانَ كَرِيمًَا قالُواْ مُسْرِف، وَإِذَا كَانَ حَكِيمًَا قالُوا مُتَفَلْسِف، وَإِذَا كَانَ مُتَدَيِّنًَا قَالُواْ مُتَطَرِّف ٠٠!!
مَتى يَتَكَلَّمْ يَهْزَئُواْ بِكَلاَمهِ * وَإِنْ لَمْ يَقُلْ قَالُواْ عَدِيمُ بَيَانِ
﴿محَمَّدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ عَمْرٍو البَاهِلِيُّ بِتَصَرُّف﴾
[ ٢٤٠٨ ]
وَلَمْ يَزَالُواْ بِهِ لاَ يَدَعُونَه وَشُؤُونَه حَتىَّ إِنَّهُ لَيَتَمَنى أَنْ يجِدَ نَفَقًَا في الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًَا في السَّمَاء؛ لِيَنْجُوَ بِهِ مِن هَذَا العَنَاء، وَلَوِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَضَعَ إِصْبَعَهُ بِفَمِ الحَيَّةِ فيُخرِجَهَا سُمًَّا فيَبْتَلِعَهُ؛ كَانَ ذَلِكَ أَهْوَنَ عَلَيهِ مِن بعْضِ مَا يَسْمَعُ وَيَرَى، وَإِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعَى٠٠!!
فَالفَقِيرُ لَيْسَ لَهُ مَكَان، في هَذَا الزَّمَان؛ مُصَافَحَتُهُ تُنْقِضُ الوُضُوء، وَالقُرْبُ مِنهُ عَدوَى، وَالبُعْدُ عَنهُ غَنِيمَة ٠٠!!
إِذَا سَأَلَ الْقُوتَ قَالُواْ أَسَاءَ * وَإِنْ وَصَفَ الْفَقْرَ قَالُواْ كَذَبْ
وَإِنْ قَالَ قَدْ بَادَ عَهْدُ الْكِرَامِ * يُقَالُ لَهُ قَدْ أَسَأْتَ الأَدَبْ
﴿أَحْمَد محَرَّم بِتَصَرُّف﴾
عَن أَبي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَال:
[ ٢٤٠٩ ]
" لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَة: كُنَّا نُحَامِلُ - أَيْ نَتَحَامَلُ عَلَى أَنْفُسِنَا - فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِير، فَقَالُواْ مُرَاءٍ، وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ فَقَالُواْ: إِنَّ اللهَ لَغَنيٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا؛ فَنَزَلَت:
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقَات، وَالَّذِينَ لاَ يجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ؛ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ الآيَةَ﴾ ﴿التَّوْبَة/٧٩﴾ " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (١٤١٥)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ١٠١٨]
وَهَكَذَا الفَقِير: فَإِن أَحْسَنَ قِيلَ مُرَاءٍ كَذَّاب، وَإِن أَسَاءَ ضُوعِفَ لَهُ العَذَاب ٠٠
[ ٢٤١٠ ]
وَحَسْبُ الفُقَرَاءِ أَنَّهُمْ فُقَرَاء، أَلاَ صَدَقَ أَحَدُ الشُّعَرَاء:
الفَقْرُ مَوْتٌ غَيْرَ أَنَّ صَرِيعَهُ * يَبْقَى وَأَمَّا نَفْسُهُ فَتَزُولُ
﴿إِيلِيَّا أَبُو مَاضِي﴾
وَهَكَذَا الفَقْرُ مُذْ كَانَ وَهُوَ مَوْتُ الأَحْيَاء؛ فَيَا مَنْ رَأَى مَوْتَى عَلَى قَيْدِ الحَيَاة ٠٠؟!!
وَالنَّاسُ صِنْفَانِ مَوْتَي في حَيَاتِهِمُ * وَآخَرُونَ بِبَطْنِ الأَرْضِ أَحْيَاءُ
﴿أَمِيرُ الشُّعَرَاء / أَحْمَد شَوْقِي﴾
لَوْ لَمْ يَكُ في الفَقْرِ إِلاَّ أَنَّهُ يُلْجِئُ الكِرَامَ إِلى اللِّئَامِ لَكَفَى؛ وَلِذَا جَاءَ ذَمُّهُ عَلَى لِسَانِ النَّاسِ كَافَّة؛ أَلَيْسَ هُوَ الَّذِي يجْعَلُ العَفِيفَ يَسْرِق ٠٠؟! وَالأَمِينَ يخُون ٠٠؟! وَالكَرِيمَ يَبْخَل ٠٠؟!
نَزَلَ قَوْمٌ ضُيُوفًَا عَلَى رَجُل، فَلَمْ يجِدْ في بَيْتِهِ مَا يَقْرِيهِمْ بِهِ؛ فَبَخَّلُوه، فَقَالَ لَهُمْ:
[ ٢٤١١ ]
" بَيْتي يَبْخَلُ لاَ أَنَا " ٠
مَسَاكِينُ أَهْلُ الفَقْرِ حَتىَّ قُبُورُهُمْ * عَلَيْهَا تُرَابُ الذُّلِّ بَينَ المَقَابِرِ
حَتىَّ الكِلاَبُ تَرْفَعُ أَذْيَالَهَا لِلغَنيِّ وَتَنْبَحُ عَلَى الفَقِير
يمْشِي الفَقِير مُطَأْطِئًَا مِن رَأْسِهِ * وَالنَّاسُ تُغْلِقُ دُونَهُ أَبْوَابَهَا
وَتَرَاهُ مجْفُوًَّا بِغَيرِ جِنَايَةٍ * وَيَرَى العَدَاوَةَ لاَ يَرَى أَسْبَابَهَا
حَتىَّ الكِلاَبُ إِذَا رَأَتْ أَهْلَ الغِنى * رَفَعَتْ لَهُمْ بِتَحِيَّةٍ أَذْنَابَهَا
وَإِذَا رَأَتْ يَوْمًَا فَقِيرًَا مَاشِيًَا * نَبَحَتْ عَلَيْهِ وَكَشَّرَتْ أَنيَابَهَا
﴿تُنْسَبُ لِلْعَبَّاسِ بْنِ الأَحْنَف ٠ بِشَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّف﴾
[ ٢٤١٢ ]
وَهَذَا هُوَ حَالُ الْفَقِيرِ في كُلِّ زَمَان: إِن خَرَجَ لِلْعَمَلِ عَانى مِنَ الظُّلْمِ وَالطُّغْيَان، وَإِنْ قَعَدَ في بَيْتِهِ عَانى مِنَ الجُوعِ وَالحِرْمَان؛ فَلاَ تُفَارِقُهُ الأَحْزَان، وَكَأَنَّ بَيْنَهُ وَبَينَ السَّعَادَةِ مَا بَينَ المِطْرَقَةِ وَالسِّنْدَان
فَالغَنيُّ فَقَطْ: هُوَ الَّذِي مِن حَقِّهِ أَنْ يَقْطِفَ مَا شَاءَ مِنَ الوُرُود، أَمَّا الفَقِيرُ فَلَوْ شَمَّ وَرْدَةً؛ لَقِيلَ لَهُ قَدْ جَاوَزْتَ الحُدُود!!
فَهْوَ أَضْيَعُ مِنَ الأَيْتَام في مَأْدُبَةِ اللِّئَام، وَمَهْمَا قُلْنَا مِنَ الكَلاَم؛ فَلَنْ يُعَبِّرَ عَمَّا يَنْتَابُهُ مِن آلاَم ٠٠!!
وَمَنْ يَكُ ذَا فَقْرٍ يَعِشْ طُولَ عُمْرِهِ * ذَلِيلًا وَلَنْ يَلْقَى مِنَ النَّاسِ رَاحِمَا
فَإِمَّا يُقِيمُ عَلَى المَذَلَّةِ رَاضِيًَا * وَإِمَّا يُقِيمُ عَلَى المَذَلَّةِ رَاغِمَا
[ ٢٤١٣ ]
﴿يَاسِرٌ الحَمَدَانيّ﴾
ظُلْمُ المجْتَمَعِ لِلفَقِير
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إِلاَّ ثَلاَثَة: عِيسَى ابْنُ مَرْيم، وَصَاحِبُ جُرَيْج، وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلًا عَابِدًَا، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً فَكَانَ فِيهَا، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ يَا جُرَيْج، فَقَالَ يَا رَبّ، أُمِّي وَصَلاَتي ٠٠؟!
فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاَتِهِ فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ يَا جُرَيْج، فَقَالَ يَا رَبّ، أُمِّي وَصَلاَتي ٠٠؟! فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاَتِه، فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ يَا جُرَيْج، فَقَالَ أَيْ رَبّ، أُمِّي وَصَلاَتي؟!
[ ٢٤١٤ ]
فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاَتِهِ فَقَالَت: اللهُمَّ لاَ تُمِتْهُ حَتىَّ يَنْظُرَ إِلى وُجُوهِ المُومِسَات - وَفي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ:
وَلَوْ دَعَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتَنَ لَفُتِن - فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًَا وَعِبَادَتَه، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بحُسْنِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ ٠٠ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأَتَتْ رَاعِيًَا كَانَ يَأْوِي إِلى صَوْمَعَتِهِ - أَيْ صَوْمَعَةِ جُرَيْجٍ - فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ؛ فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُواْ صَوْمَعَتَه، وَجَعَلُواْ يَضْرِبُونَهُ؛ فَقَالَ مَا شَأْنُكُمْ ٠٠؟!
قَالُواْ زَنَيْتَ بهَذِهِ البَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنْك، فَقَالَ أَيْنَ الصَّبيُّ ٠٠؟
[ ٢٤١٥ ]
فَجَاءواْ بِهِ، فَقَالَ - أَيْ جُرَيْج - دَعُوني حَتىَّ أُصَلِّي، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبيَّ، فَطَعَنَ في بَطْنِهِ وَقَال: يَا غُلاَمُ مَن أَبُوك ٠٠؟
قَالَ فُلاَنٌ الرَّاعِي؛ فَأَقْبَلُواْ عَلَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ وَقَالُواْ: نَبْني لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَب، قَالَ لاَ، أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ فَفَعَلُواْ، وَبَيْنَا صَبِيٌّ يَرْضَعُ مِن أُمِّه، فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ وَشَارَةٍ - أَيْ هَيْئَةٍ - حَسَنَة؛ فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللهُمَّ اجْعَلِ ابْني مِثْلَ هَذَا، فَتَرَكَ الثَّدْيَ وَأَقْبَلَ إِلَيْه، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَال: اللهُمَّ لاَ تَجْعَلْني مِثْلَه،
[ ٢٤١٦ ]
ثمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهِ فَجَعَلَ يَرْتَضِع " ٠٠ قَالَ - أَيْ أَبُو هُرَيْرَة: فَكَأَنيِّ أَنْظُرُ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يحْكِي ارْتِضَاعَهُ بِإِصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ في فَمِه، فَجَعَلَ يَمُصُّهَا، قَالَ ﷺ: " وَمَرُّواْ بجَارِيَةٍ وَهُمْ يَضْرِبُونهَا وَيَقُولُون: زَنَيْتِ، سَرَقْتِ، وَهِيَ تَقُول: حَسْبيَ اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيل؛ فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللهُمَّ لاَ تَجْعَلِ ابْني مِثْلَهَا، فَتَرَكَ الرَّضَاعَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَال: اللهُمَّ اجْعَلْني مِثْلَهَا، فَهُنَاكَ تَرَاجَعَا الحَدِيثَ - أَيِ الأُمُّ وَوَلَدُهَا - فَقَالَتْ: حَلْقَى - أَيْ أَوْجَعَ اللهُ حَلقَكَ - مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ فَقُلْتُ اللهُمَّ اجْعَلِ ابْني مِثْلَه، فَقُلْتَ اللهُمَّ لاَ تَجْعَلْني
[ ٢٤١٧ ]
مِثْلَه، وَمَرُّواْ بِهَذِهِ الأَمَةِ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا، وَيَقُولُونَ زَنَيْتِ، سَرَقْتِ؛ فَقُلْتُ اللهُمَّ لاَ تَجْعَلِ ابْني مِثْلَهَا، فَقُلْتَ اللهُمَّ اجْعَلْني مِثْلَهَا ٠٠؟!
قَالَ - أَيِ الغُلاَم - إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ جَبَّارًَا؛ فَقُلْتُ اللهُمَّ لاَ تَجْعَلْني مِثْلَهُ، وَإِنَّ هَذِهِ يَقُولُونَ لَهَا زَنَيْتِ وَلَمْ تَزْنِ، وَسَرَقْتِ وَلَمْ تَسْرِقْ؛ فَقُلْتُ اللهُمَّ اجْعَلْني مِثْلَهَا " ٠ [رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ نَحْوَهُ بِرَقْم: (٣٤٣٦ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ بِنَصِّهِ نُسْخَةِ فُؤَاد عَبْد البَاقِي بِرَقْم: ٢٥٥٠]
خُلِقَ الفَقِيرُ لخِدْمَةِ الأَغْنى وَلَيْسَ لَهُ اخْتِيَارْ
مَا لاِبْنِ آدَمَ زَادَ في جَبَرُوتِهِ فَطَغَى وَجَارْ
﴿محْمُود غُنَيْم﴾
[ ٢٤١٨ ]
فَكَمْ غَفَرَ النَّاسُ ذَنْبَ الغَنيِّ * وَكَمْ أَلْصَقُواْ بِالفَقِيرِ التُّهَمْ
وَأَقْسِمُ لَنْ يَتَسَاوَى الأَنَامُ * فَمَا هُمْ سِوَى سَادَةٍ أَوْ خَدَمْ
﴿محْمُود غُنَيْم﴾
وَأَحْوَالُ الفُقَرَاء؛ هِيَ الَّتي جَعَلَتِ النَّاسَ يَطْلُبُونَ الأَغْنِيَاء؛ انْظُرْ إِلى عُرْوَةَ بْنِ الوَرْدِ وَهُوَ يَقُول:
ذَرُونِي لِلْغِنى أَسْعَى فَإِنيِّ * رَأَيْتُ النَّاسَ شَرُّهُمُ الفَقِيرُ
وَمِنهُ يَسْخَرُونَ إِذَا رَأَوْهُ * أَتَى وَلَوَ انَّهُ رَجُلٌ قَدِيرُ
فَيُقْصِيهِ الدَّنِيءوَتَزْدَرِيهِ * أَقَارِبُهُ وَيَنهَرُهُ الصَّغِيرُ
وَتَلْقَى ذَا الْغِنى وَلَهُ جَلاَلٌ * يَكَادُ فُؤَادُ صَاحِبِهِ يَطِيرُ
﴿عُرْوَةُ بْنُ الْوَرْد﴾
حَقًَّا وَاللهِ صَدَقَ مَنْ قَال: " الدَّرَاهِمُ مَرَاهِم " ٠٠!!
عَدْوَى الفَقْر
[ ٢٤١٩ ]
عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَيْمَنَ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يحدِّثُ أَصْحَابهُ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الفُقَرَاء، فَجَلَسَ إِلى جَنْبِ رَجُلٍ مِنَ الأَغْنِيَاء، فَكَأَنَّهُ قَبَضَ مِنْ ثِيَابِهِ عَنه؛ فَتَغَيرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَال:
" أَخَشِيتَ يَا فُلاَنُ أَنْ يَعْدُوَ غِنَاكَ عَلَيْه، أَوْ أَنْ يَعْدُوَ فَقْرُهُ عَلَيْك "؟!
قَال: يَا رَسُولَ الله، أَوَشَرٌّ الغِنى ٠٠؟
قَالَ ﷺ: " نَعَمْ؛ إِنَّ غِنَاكَ يَدْعُوكَ إِلى النَّار، وَإِنَّ فَقْرَه يَدْعوهُ إِلى الجنَّة " ٠
قَالَ - أَيِ الغَنيّ: فَمَا ينْجِيني مِنهُ ٠٠؟
قَالَ ﷺ: " تُوَاسِيه " ٠٠ قَالَ إِذَن أَفْعَل " ٠
[ابْنُ القَيِّمِ في عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِينَ بِالبَابِ الثَّالِثِ وَالعِشْرِين]
[ ٢٤٢٠ ]
وَسِيروا في الأَرْضِ وَانظرُواْ:
مَنْ كَانَ يملِكُ ثَرْوَةً أَوْ مَالاَ * مَلَكَ الرِّقَابَ بمَالِهِ وَتَعَالى
وَعَلاَ رُءوسَ القَوْمِ وَاسْتَمَعُواْ لَهُ * وَرَأَيْتَهُ بَيْنَ الْوَرَى مخْتَالاَ
لَوْلاَ دَرَاهِمُهُ الَّتي في جَيْبِهِ * لَرَأَيْتَهُ شَرَّ البَريَّةِ حَالاَ
فَإِذَا تَكَلَّمَ كَاذِبًَا قَالُواْ لَهُ * لاَ فُضَّ فُوكَ لَقَدْ صَدَقْتَ مَقَالاَ
وَإِذَا الفَقِيرُ أَصَابَ قَالُواْ لَمْ تُصِبْ * وَكَذَبْتَ يَا هَذَا وَقُلْتَ ضَلاَلاَ
إِنَّ الدَّرَاهِمَ في البِلاَدِ بِأَسْرِهَا * تَكْسُو الرِّجَالَ مَهَابَةً وَجَلاَلاَ
فَهِيَ اللِّسَانُ لِمَن أَرَادَ فَصَاحَةً * وَهِيَ السِّلاَحُ لِمَن أَرَادَ قِتَالاَ
﴿محَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الهَاشمي﴾
[ ٢٤٢١ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَات، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِب، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِق، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الخَائِن، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِين، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَة " ٠٠ قِيلَ وَمَا الرُّوَيْبِضَة ٠٠؟
قَالَ ﷺ: " الرَّجُلُ التَّافِهُ في أَمْرِ الْعَامَّة " ٠
[صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: ٤٠٣٦، وَالْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَد]
[ ٢٤٢٢ ]
أَثَرُ الغِنى وَالإِفْلاَس؛ في الحُبِّ بَينَ النَّاس
فَأَنْطَقَتِ الدَّرَاهِمُ بَعْدَ صَمْتٍ * أُنَاسًَا بَعْدَمَا كَانُواْ سُكُوتَا
فَمَا عَطَفُواْ عَلَى أَحَدٍ بِفَضْلٍ * وَلاَ عَرَفُواْ لمَكْرُمَةٍ ثُبُوتَا
﴿الإِمَامُ الشَّافِعِيّ﴾
[ ٢٤٢٣ ]
وَللهِ مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ وَقَدِ اغْتَنى عَنهُ؛ فَبَدَأَ يَتَهَرَّبُ مِنهُ؛ فَقَالَ لَهُ وَكَانَ شَاعِرًَا:
تَرَاني مُقْبِلًا فَتَصُدَّ عَنيِّ * وَتمْضِي مُسْرِعًَا كَيْ لاَ أَرَاكَا
سَيُغْنِيني الَّذِي أَغْنَاكَ عَنيِّ * فَلاَ فَقْرِي يَدُومُ وَلاَ غِنَاكَا
وَلِذَا قَالَ الآخَرُ بمُجَرَّدِ أَنْ رَأَى الدُّنيَا تجْرِي في يَدِ صَاحِبِه:
لَمَّا صَدِيقي صَارَ مِن أَهْلِ الغِنى * أَيْقَنْتُ أَنِّي صِرتُ دُونَ صَدِيق
﴿إِيلِيَّا أَبُو مَاضِي؟﴾
وَقَالَ الآخَر:
إِذَا لَمْ يَكُن بِيَدَيَّ مَالٌ هَجَرْتَني * وَإِنْ كَانَ لي مَالٌ فَأَنْتَ صَدِيقِي
﴿أَصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ بَيْتٍ لِلْبُحْتُرِيّ﴾
أَلاَ صَدَقَ مَنْ قَال:
﴿إِنَّ الحَبِيبَ إِلى الإِخْوَانِ ذُو المَالِ﴾
﴿أُحَيْحَةُ بْنُ الجَلاَّح ٠ بِتَصَرُّفٍ يَسِير﴾
[ ٢٤٢٤ ]
فَصَاحَةُ بَشَّارٍ وَخَطُّ ابْنِ مُقْلَةٍ * وَحِكْمَةُ لُقْمَانٍ وَزُهْدُ ابْنِ أَدْهَمِ
لَوِ اجْتَمَعُواْ في المَرْءِ وَالمَرْءُ مُفْلِسٌ * وَنَادَواْ عَلَيْهِ لاَ يُبَاعُ بِدِرْهَمِ
*********
فَالنَّاسُ إِخْوَانُ مَنْ دَامَتْ لَهْ النِّعَمُ * وَالوَيْلُ لِلْمَرْءِ لَوْ زَلَّتْ بِهِ القَدَمُ
فَالمَالُ كَالرُّوحِ مَنْ قَلَّتْ دَرَاهِمُهُ * حَيٌّ كَمَنْ مَاتَ إِلاَّ أَنَّهُ صَنَمُ
لَمَّا رَأَيْتُ أَخِلاَئِي وَحَاشِيَتي * وَالْكُلُّ محْتَجِبُ عَنيِّ وَمحتَشِمُ
أَبْدَواْ جَفَاءً وَهَجْرًَا لي فَقُلتُ لهُمُ * أَذْنبْتُ ذَنْبًَا فَقَالُواْ ذنْبُكَ الْعَدَمُ
﴿ابْنُ كَثِير بِتَصَرُّف، وَرَدَتْ في كِتَابِ المُسْتَطْرَف﴾
ثَانِيًَا: مَنْزِلَةُ الفَقِيرِ عِنْدَ الله
عَن أَبي ذَرٍّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُ:
[ ٢٤٢٥ ]
" يَا أَبَا ذَرّ: انْظُرْ إِلى أَرْفَعِ - أَيْ أَشْرَفِ - رَجُلٍ في المسْجِدِ في عَيْنَيْك " ٠٠؟
فَنَظَرْتُ فَإذَا رَجُلٌ عَليْهِ حُلَّةٌ - أَيْ عَبَاءةٌ - فَقُلتُ هَذَا يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ ﷺ: " انْظُرْ إِلى أَوْضَعِ رجُلٍ في المَسْجِد " ٠
فَنَظَرْتُ فَإِذَا رَجُلٌ عَليْهِ أَخْلاَق - أَيْ ثِيَابٌ بَالِيَة - فَقُلتُ هَذَا يَا رَسُولَ الله، قَالَ ﷺ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه: لهَذَا عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَة؛ خَيرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِن هَذَا " ٠
[قَالَ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَعِ: رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيح ٠ ص: ٢٥٨، ٢٦٥/ ١٠، وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في التَّرْغِيبِ بِرَقْم: ٣٢٠٤]
[ ٢٤٢٦ ]
عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" لَيْسَ شَيْءٌ خَيْرٌ مِن أَلْفٍ مِثْلِهِ إِلاَّ الإِنْسَان " ٠
[حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: (٥٣٩٤، ٢١٨٣)، رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيُّ في الْكَبِير]
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَال:
" مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَال: " مَا تَقُولُونَ في هَذَا " ٠٠؟
قَالُواْ: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَح، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّع، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَع، ثمَّ سَكَتَ فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ فَقَالَ ﷺ: " مَا تَقُولُونَ في هَذَا " ٠٠؟
[ ٢٤٢٧ ]
قَالُواْ: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لاَ يُنْكَح، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لاَ يُشَفَّع، وَإِنْ قَالَ أَنْ لاَ يُسْتَمَع؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
" هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِتَرْقِيمِ فَتْحِ البَارِي بِرَقْم: ٥٠٩١]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" سَيَأْتي أُنَاسٌ مِن أُمَّتي يَوْمَ القِيَامَة: نُورُهُمْ كَضَوْءِ الشَّمْس " ٠
قُلْنَا: مَن أُولَئِكَ يَا رَسُولَ الله ٠٠؟!
فَقَالَ ﷺ: " فُقَرَاءُ المُهَاجِرِين، وَالَّذِينَ تُتَّقَى بِهِمُ المَكَارِه، يَمُوتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ في صَدْرِه " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٦٦٥٠، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِه]
عَنِ الإِمَامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" أَحَبُّ العِبَادِ إِلى اللهِ ﷺ: الفَقِيرُ القَانِعُ بِرِزْقِهِ، الرَّاضِي عَنِ اللهِ ﷿ " ٠
[الإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الغَزَاليُّ في " مُكَاشَفَةُ القُلُوب " بَابِ فَضْلِ الفُقَرَاء]
[ ٢٤٢٨ ]
البَطَرُ في بَعْضِ الأَغْنِيَاء
عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ ﵁ قَال:
" كُنْتُ في أَصْحابِ الصُّفَّة، فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا مِنَّا إِنْسَان عَلَيْهِ ثَوْبٌ تَامّ، وَأَخَذَ العَرَقُ في جُلُودِنَا طُرُقَا؛ مِن الغُبَارِ وَالوَسَخ، إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَال:
" ليُبْشِرْ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِين " ٠٠ إِذ أَقْبَلَ رَجُلٌ عَلَيْهِ شَارَةٌ حَسَنَة، فَجَعَلَ النَّبيُّ ﷺ لاَ يَتَكَلَّمُ بِكَلاَمٍ إِلاَّ كَلَّفَتْهُ نَفْسُهُ أَنْ يَأْتي بِكَلاَمٍ يَعْلُو كَلاَمَ النَّبيِّ ﷺ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ ﷺ:
[ ٢٤٢٩ ]
" إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ هَذَا وَضَرْبَه - أَيْ وَشَاكِلَتَهُ - يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ كَلَيِّ البَقَرِ بِلِسَانهَا المَرْعَى - أَيِ العُشْبَ - كَذَلِكَ يَلْوِي اللهُ ﷾ أَلْسِنَتَهُمْ وَوُجُوهَهُمْ في النَّار " ٠
[قَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ " رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيح ٠ ص: (٢٦١/ ١٠)، أَخْرَجَهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيّ]
مَنزِلَةُ الفَقِيرِ القَانِع
وَأَوحَى اللهُ إِلى سَيِّدِنَا إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَنِ اطلُبْني عِنْدَ المنْكَسِرَةِ قُلُوبهُمْ ٠٠!!
قالَ وَمَن هُمْ ٠٠؟
قَالَ جَلَّ جَلاَلُه: " الفُقَرَاءُ الصَّادِقُون " ٠
[الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ " طَبْعَةِ دَارِ الوَثَائِقِ في كِتَابِ " فَضِيلَةِ الفُقَرَاءِ الرَّاضِينَ القَانِعِين " ٠ ص: ١٥٥٦]
[ ٢٤٣٠ ]
وَقَالَ أَيْضًَا ﷺ: " يَقُولُ اللهُ يَومَ القِيَامَة: أَينَ صَفْوتي مِن خَلقِي ٠٠؟
فَتَقُولُ المَلاَئِكَة: وَمَن هُمْ يَا رَبَّنَا ٠٠؟
فَيَقُولُ جَلَّ جَلاَلُه: " فُقَرَاءُ المُسْلِمِين، القَانِعُون بِعَطَائِي، الرَّاضُونَ بِقَدَرِي، أَدْخِلُوهُمُ الجنَّة، فَيَدْخُلُونهَا فَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُون، وَالنَّاسُ في الحِسَابِ يَتَرَدَّدُون " ٠
[الغَزَاليُّ في الإِحْيَاء: (١٥٥٦)، وَفي المُكَاشَفَة ٠ ص: (١٢٠)، وَالقَزْوِينيُّ بِنَحْوِهِ في أَخْبَارِ قَزْوِينَ ٠ ص: ٣٢٦/ ٢]
[ ٢٤٣١ ]
عَن أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " أَغْبَطُ أَوْلِيَائِي عِنْدِي لمُؤْمِنٌ خَفِيفُ الحَاذ - أَيْ قَلِيلُ المَتَاع - ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلاَة، أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَأَطَاعَهُ في السِّرّ، وَكَانَ غَامِضًَا في النَّاسِ لاَ يُشَارُ إِلَيْهِ بِالأَصَابِع، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًَا فَصَبرَ عَلَى ذَلِك، ثمَّ نَقَدَ بِيَدِهِ - أَيْ حَفَرَ بِيَدِهِ في الأَرْضِ - فَقَال: عُجِّلَتْ مَنِيَّتُه، قَلَّتْ بَوَاكِيه، قَلَّ تُرَاثُه " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " المِشْكَاةِ " بِرَقْم: (٥١٨٩)، وَالحَدِيثُ في " المُسْنَدِ " بِرَقْم: ٢١٦٦٣، ٢١٦٩٣]
الفُقَرَاءُ المُسْتَضْعَفُونَ
وَهَذِهِ بُشْرَى لِلْفُقَرَاءِ المُسْتَضْعَفِينَ وَالمَظْلُومِين:
[ ٢٤٣٢ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَاب؛ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّه " ٠ [الإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْمَي: ٢٦٢٢، ٢٨٥٤]
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال:
" كَمْ مِن أَشْعَثَ أَغْبرَ ذِي طِمْرَيْنِ لاَ يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّه، مِنْهُمْ البَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ "
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ " بِرَقْم: (٣٨٥٤)، وَفي " صَحِيحِ الجَامِعِ " بِرَقْم: ٤٥٧٣]
أَهْلُ الجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّار
[ ٢٤٣٣ ]
عَن حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الجَنَّة ٠٠؟
كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعَّف، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّه، أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّار؟
كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِر " ٠٠ وَالجَوَّاظ: هُوَ عَظِيمُ الجِسْم ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (٤٩١٨)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٢٨٥٣]
[ ٢٤٣٤ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ أَهْلَ النَّار: كُلُّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِر، جَمَّاعٍ مَنَّاع [أَيْ صَاحِبُ ثَرْوَةٍ بخِيل] وَأَهْلُ الجَنَّة: الضُّعَفَاءُ المَغْلُوبُون "
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٧٠١٠، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في التَّرْغِيبِ وَالجَامِع، وَحَسَّنَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَع، [وَقَالَ فِيهِ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِم]
الجَعْظَرِيّ: هُوَ الفَظُّ الغَلِيظ، وَالجَوَّاظ: هُوَ عَظِيمُ الجِسْم ٠
[ ٢٤٣٥ ]
شَرُّ عِبَادِ اللهِ وَخَيْرُ عِبَادِ الله
عَن حُذَيْفَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ عِبَادِ الله ٠٠؟
الفَظُّ المُسْتَكْبِر، أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بخَيْرِ عِبَادِ الله ٠٠؟
الضَّعِيفُ المُسْتَضْعَفُ ذُو الطِّمْرَيْن - أَيْ مَنْ لاَ يَمْلُكُ إِلاَ ثَوْبَينِ قَدِيمَينِ - لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّ اللهُ قَسَمَه " ٠ [صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في التَّرْغِيب بِرَقْم: (٣١٩٨)، وَهُوَ في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٢٢٣٦٠]
[ ٢٤٣٦ ]
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال:
" أَلاَ أُخْبِرُكَ عَنْ مُلُوكِ الجَنَّة " ٠٠؟
قُلْتُ بَلَى، قَالَ ﷺ: " رَجُلٌ ضَعِيفٌ مُسْتَضْعَف، ذُو طِمْرَيْنِ لاَ يُؤْبَهُ لَه - أَيْ لاَ يَمْلُكُ إِلاَّ ثَوْبَينِ قَدِيمَينِ لاَ أَحَدَ يَهْتَمُّ بِه - لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّه " ٠ [ضَعَّفَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " صَحِيحِ الجَامِعِ " وَفي " سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ " بِرَقْم: ٤١١٥]
[ ٢٤٣٧ ]
وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ لَيْسَتْ دَعْوَةً لِلضَّعْفِ كَمَا يُفَسِّرُهَا العِلمَانِيُّونَ وَالمُسْتَشْرِقُون، وَلَكِنَّهَا دِفَاعٌ عَنِ الضُّعَفَاء، وَبمَثَابَةِ العَزَاءِ لَهُمْ عَمَّا ابْتَلاَهُمُ اللهُ بِهِ مِنَ الضَّعْف ٠
كَرَامَةُ الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ يَوْمَ القِيَامَة
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" تجْتَمِعُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُقَال: أَيْنَ فُقَرَاءُ هَذِهِ الأُمَّةُ وَمَسَاكِينُهَا ٠٠؟
فَيَقُومُون، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا عَمِلْتُمْ ٠٠؟
[ ٢٤٣٨ ]
فَيَقُولُون: رَبَّنَا، ابْتَلَيْتَنَا فَصَبرْنَا، وَوَلَّيْتَ الأَمْوَالَ وَالسُّلْطَانَ غَيرَنَا، فَيُقُولُ اللهُ ﷿: صَدَقْتُمْ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ النَّاس، وَتَبْقَى شِدَّةُ الحِسَابِ عَلَى ذَوِي الأَمْوَالِ وَالسُّلْطَان "
قَالُواْ: فَأَيْنَ المُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ ٠٠؟
قَالَ ﷺ: " تُوضَعُ لَهُمْ كَرَاسِيُّ مِنْ نُور، وَيُظَلَّلُ عَلَيْهِمُ الغَمَام، يَكُونُ ذَلِكَ اليَوْمُ أَقْصَرَ عَلَى المُؤْمِنِينَ مِنْ سَاعَةٍ مِنْ نَهَار " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " التَّرْغِيب " بِرَقْم: (٣٥٩٠)، أَخْرَجَهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيُّ وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِه]
[ ٢٤٣٩ ]
عَن سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ الجُمَحِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: " إِنَّ فُقَرَاءَ المسْلِمِينَ يَزِفُّون كَمَا يَزُفُّ الحَمَام، فَيُقَالُ لَهُمْ قِفُواْ للحِسَاب، فَيَقُولُون: وَاللهِ مَا تَرَكْنَا شَيْئًَا نحَاسَبُ بِه؛ فَيَقُولُ اللهُ جَلَّ جَلاَلُه: صَدَقَ عبَادي؛ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ النَّاسِ بِسَبْعِينَ عَامَا ٠٠!!
[قَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ ": رِجَالُهُ ثِقَاتٌ بِاسْتِثْنَاءِ يَزِيدَ بْنِ أَبي زِيَاد، وَقَدْ وُثِّقَ عَلَى ضَعْفِه ٠ ص: (٢٦١/ ١٠)، أَخْرَجَهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيُّ في " الكَبِيرِ " بِرَقْم: (٥٥٠٨)، وَالحَدِيثُ في " الكَنْزِ " بِرَقْم: ١٦٦١٥]
[ ٢٤٤٠ ]
وَقَوْلُهُ ﷺ: " يَزُفُّون كَمَا يَزِفُّ الحَمَام " ٠٠ أَيْ يُسْرِعُونَ في جَمَاعَات؛ وَمِنهُ قَوْلُهُ جَلَّ جَلاَلُه:
﴿فَأَقبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفُّون﴾ ﴿الصَّافات: ٩٤﴾
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " طُوبى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ في سَبِيلِ اللهِ أَشْعَثَ رَأْسُه، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاه، إِنْ كَانَ في الحِرَاسَةِ كَانَ في الحِرَاسَة، وَإِنْ كَانَ في السَّاقَةِ كَانَ في السَّاقَة، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَه، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: ٢٨٨٧]
[ ٢٤٤١ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قَال:
" كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهُ ﷺ وَطَلَعَتِ الشَّمْس؛ فَقَالَ ﷺ: " يَأْتي اللهَ قَوْمٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُورُهُمْ كَنُورِ الشَّمْس " ٠٠ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَحْنُ هُمْ يَا رَسُولَ الله؟
قَالَ ﷺ: " لا وَلَكُمْ خَيْرٌ كَثِير، وَلَكِنَّهُمْ الفُقَرَاءُ وَالمُهَاجِرُونَ، الَّذِينَ يحْشَرُونَ مِن أَقْطَارِ الأَرْض، طُوبى لِلْغُرَبَاء، طُوبى لِلْغُرَبَاء، طُوبى لِلْغُرَبَاء " ٠٠ فَقِيل: مَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ الله ٠٠؟
قَالَ ﷺ: " نَاسٌ صَالحُونَ في نَاسِ سَوْءٍ كَثِير، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٧٠٧٢، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في التَّرْغِيب: ٣١٨٨، وَقَالَ الهَيْثَمِيُّ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيح]
[ ٢٤٤٢ ]
حَتىَّ أَهْلُ الجَنَّة لاَ يُسَوَّى بَينَ فُقَرَائِهِمْ وَأَغْنِيَائِهِمْ
عَن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" قُمْتُ عَلَى بَابِ الجَنَّة، فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا المَسَاكِين، وَأَصْحَابُ الجَدِّ - أَيِ الغِنى - محْبُوسُون، غَيرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلى النَّار - أَيْ أَنَّ المحْبُوسِينَ مِن أَهْلِ الجَنَّةِ فَقَطْ، الَّذِينَ كَانُواْ فُقَرَاءَ في الدُّنيَا - وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّار، فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (٦٥٤٧)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٢٧٣٦]
[ ٢٤٤٣ ]
حَدَّثَ محَمَّدُ بْنُ محَمَّدِ بْنِ أَبي الْوَرْدِ عَنْ مُؤَذِّنِ بِشْرِ بْنِ الحَارِثِ قَال:
" رَأَيْتُ بِشْرًَا رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ في المَنَامِ فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِك ٠٠؟
قَال: غَفَرَ لي؛ قُلْتُ: فَمَا فُعِلَ بِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَل ٠٠؟
قَال: غُفِرَ لَهُ؛ فَقُلْتُ: مَا فُعِلَ بِأَبي نَصْرٍ التَّمَّار؟
[وَكَانَ قَدْ ضَعُفَ في محْنَةِ خَلْقِ الْقُرْآنِ فَوَافَقَهُمْ]
قَال: هَيْهَاتَ، ذَاكَ في عِلِّيِّين؛ فَقُلْتُ: بِمَاذَا نَالَ مَا لَمْ يَنَالاِه ٠٠؟
فَقَال: بِفَقْرِهِ وَصَبْرِهِ عَلَى بُنَيَّاتِه " ٠ [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ٥٧٤/ ١٠]
[ ٢٤٤٤ ]
يَوْمَ يَقُولُ الغَنيُّ يَا لَيْتَني كُنْتُ فَقِيرَا
عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ عَن أَحَدِ الصَّحَابَةِ ﵃ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " يَدْخُلُ فُقَرَاءُ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِمِائَةِ عَام؛ حَتىَّ يَقُولَ الغَنيّ: يَا ليْتَني كُنْتُ عَيْلًا - أَيْ فَقِيرًَا - فَقَالَ الصَّحَابَة: يَا رَسُولَ اللهِ، سَمِّهِمْ لَنَا بِأَسْمَائِهِمْ ٠٠؟
قَالَ ﷺ: " هُمُ الَّذِينَ إِذَا كَانَ مَكْرُوهٌ بُعِثُوا لَه، وَإِذَا كَانَ مَغْنَم؛ بُعِثَ إِلَيْهِ سِوَاهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ يحْجَبُونَ عَنِ الأَبْوَاب " ٠ [حَسَّنَهُ حَمْزَةُ الزَّيْنُ في " المُسْنَدِ " بِرَقْم: (٢٢٩٩٧)، وَقَالَ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَعِ: رِجَالُهُ رِجَالُ أَبي زَيْدٍ الحُوَارِيّ، وَقَدْ وُثِّقَ عَلَى ضَعْفِه ٠ ص: (٢٦٠/ ١٠)، وَفي الكَنْز: ١٦٦٢٨]
[ ٢٤٤٥ ]
وَعَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبيِّ صَلَّىاللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: " يَدْخُلُ فُقَرَاءُ المُسْلِمِينَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغنِيَائِهِمْ بخَمْسِمِاْئَةِ عَام " ٠٠ قُلْنَا وَمَن هُمْ يَا رَسُولَ الله ٠٠؟
[ ٢٤٤٦ ]
قَالَ ﷺ: " هُمُ الَّذِينَ إِذَا كَانَ مَهْلَكٌ بُعِثُوا لَه، وَإِذَا كَانَ مَغْنَمٌ بُعِثَ إِلَيْهِ غَيرُهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ يحْجَبُونَ عَلَى أَبْوَابِ السُّلْطَان " ٠ [قَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ ": فِيهِ مَنْ لَمْ أَعْرِفْهُ، وَمَنْ وُثِّقَ عَلَى ضَعْفِه ٠ ص: (٢٦٠/ ١٠)، أَخْرَجَهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيّ]
أَيْ كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
يَا إِخْوَتي مَا لي أُذَادُ عَنِ الَّذِي * أَبْغِي وَأُسْعَطُ بِالَّذِي لاَ يُحْمَدُ
أَإِذَا تَكُونُ كَريهَةٌ أُدْعَى لَهَا * وَإِذَا الغَنَائِمُ قُسِّمَتْ أُسْتَبْعَدُ
[ ٢٤٤٧ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" يَدْخُلُ فُقَرَاءُ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاء؛ بِخَمْسِمِائَةِ عَام " ٠
[صحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: ٢٣٥٣، وَالْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: (٧٩٣٣)، وَحَسَّنَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ الإِمَامِ ابْنِ حِبَّان]
[ ٢٤٤٨ ]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم: ﴿وَإِنَّ يَوْمًَا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّون﴾ ﴿الحَجّ: ٤٧﴾
عَن ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَال: " اشْتَكَى فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ عَلَيْهِمْ أَغْنِيَاءَهُمْ؛ فَقَالَ ﷺ: " يَا مَعْشَرَ الْفُقَرَاء؛ أَلا أُبَشِّرُكُمْ ٠٠؟
أَنَّ فُقَرَاءَ المُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِنِصْفِ يَوْم: خَمْسِمِائَةِ عَام " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " الجَامِعِ " بِرَقْم: (٧٩٧٦/ ١٣٩٣٦)، رَوَاهُ الإِمَامُ ابْنُ مَاجَة]
[ ٢٤٤٩ ]
الفُقَرَاءُ هُمْ أَوَلُ النَّاسِ دُخُولًا الجَنَّةَ يَوْمَ القِيَامَةِ
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " هَلْ تَدْرُونَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن خَلْقِ الله "؟!
قَالُواْ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَم؛ قَالَ ﷺ:
" أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن خَلْقِ الله: الفُقَرَاءُ وَالمُهَاجِرُون، الَّذِينَ تُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُور، وَيُتَّقَى بِهِمُ المَكَارِه، وَيَمُوتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ في صَدْرِهِ لاَ يَسْتَطِيعُ لَهَا قَضَاءً؛ فَيَقُولُ اللهُ ﷿ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ مَلاَئِكَتِه: إِيتُوهُمْ فَحَيُّوهُمْ؛ فَتَقُولُ المَلاَئِكَة: نَحْنُ سُكَّانُ سَمَائِكَ وَخِيرَتُكَ مِن خَلْقِك؛ أَفَتَأْمُرُنَا أَنْ نَأْتِيَ هَؤُلاَءِ فَنُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ ٠٠؟!
[ ٢٤٥٠ ]
قَالَ ﵎: إِنَّهُمْ كَانُواْ عِبَادًَا يَعْبُدُونَني لاَ يُشْرِكُونَ بي شَيْئَا، وَتُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُور، وَيُتَّقَى بِهِمُ المَكَارِه، وَيَمُوتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ في صَدْرِهِ لاَ يَسْتَطِيعُ لَهَا قَضَاءً؛ فَتَأْتِيهِمُ المَلاَئِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدَّار " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٦٥٧٠، وَالإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، وَالْعَلاَّمَة الأَلبَانيُّ في التَّرْغِيبِ وَالصَّحِيحَة]
[ ٢٤٥١ ]
قَدْ يَقُولُ قَائِل: أَمَّا " الفُقَرَاء " فَتَنْطَبِقُ عَلَيْنَا وَالحَمْدُ لله، وَأَمَّا " المُهَاجِرُون " فَأَنىَّ لَنَا بهَا؟!
غَفَرَ اللهُ لَكَ يَا أَخِي؛ أَمَا سَمِعْتَ قَطُّ قَوْلَهُ ﷺ:
وَعَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو بْنِ العَاصِ ﵁ أَيْضًَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَال: " المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِه، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نهَى اللهُ عَنْه " ٠ [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (١٠)، وَأَصْحَابُ السُّنَن، وَالحَدِيثُ في " المُسْنَدِ " بِرَقْم: ٦٧٦٧]
[ ٢٤٥٢ ]
عَنْ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" المُؤْمِنُ مَن أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الخَطَايَا وَالذُّنُوب " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ " بِرَقْم: ٣٩٣٤]
[ ٢٤٥٣ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنَ عَمْرٍو ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ أَوَّلَ ثُلَّةٍ - أَيْ جَمَاعَةٍ - تَدْخُلُ الجَنَّةَ الفُقَرَاءُ المُهَاجِرُون: الَّذِينَ تُتَّقَى بِهِمُ المَكَارِه، وَإِذَا أُمِرُواْ سَمِعُواْ وَأَطَاعُواْ، وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ حَاجَةٌ إِلى السُّلْطَان؛ لَمْ تُقْضَ لَهُ، حَتىَّ يمُوتَ وَهِيَ في صَدْرِه، وَإِنَّ اللهَ ﷿ يَدْعُو يَوْمَ القِيَامَةِ الجَنَّةَ فَتَأْتِي بِزُخْرُفِهَا وَزِينَتِهَا، فَيَقُول: أَيْ عِبَادِيَ الَّذِينَ قَاتَلُواْ في سَبِيلِي وَقُتِلُوا، وَأُوذُواْ في سَبِيلِي وَجَاهَدُواْ في سَبِيلِي؛ ادْخُلُواْ الجَنَّة، فَيَدْخُلُونَهَا بِغَيرِ حِسَابٍ وَلاَ عَذَاب، وَتَأْتي المَلاَئِكَةُ فَيَسْجُدُونَ فَيَقُولُون: رَبَّنَا، نحْنُ نُسَبِّحُ بحَمْدِكَ الليْلَ وَالنَّهَارَ وَنُقَدِّسُ لَك؛ مَن هَؤُلاَءِ الَّذِينَ آثَرْتهُمْ عَلَيْنَا ٠٠؟!
فَيَقُولُ الرَّبُّ ﷿: هَؤُلاَءِ عِبَادِي الَّذِينَ قَاتَلواْ في سَبِيلِي وَأُوذُواْ في سَبِيلِي؛ فَتَدْخُلُ عَلَيْهِم المَلاَئِكَةُ مِنْ كُلِّ بَاب، سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بمَا صَبرْتمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدَّار " ٠
[صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في الصَّحِيحَةِ وَالتَّرْغِيب بِرَقْم: ١٣٧٣، وَوَثَّقَهُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَعِ ص: ٢٥٩/ ١٠، رَوَاهُ الطَّبرَانيُّ، وَأَحْمَد]
[ ٢٤٥٤ ]
وَعَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: " أَتَعْلَمُ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتي ٠٠؟
قَال: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَم؛ فَقَالَ ﷺ: " المُهَاجِرُونَ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلىَ بَابِ الجَنَّةِ وَيَسْتَفْتِحُون؛ فَيَقُولُ لَهُمُ الخَزَنَة - أَيْ خَزَنَةُ الجَنَّة - أَوَ قَدْ حُوسِبْتُمْ ٠٠؟
فَيَقُولُون: بِأَيِّ شَيْءٍ نُحَاسَب؛ وَإِنَّمَا كَانَتْ أَسْيَافُنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا في سَبِيلِ اللهِ حَتىَّ مِتْنَا عَلَى ذَلِك؛ فَيُفْتَحُ لَهُمْ، فَيَقِيلُونَ فِيهِ أَرْبَعِينَ عَامًَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا النَّاس " ٠ [قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٢٣٨٩]
[ ٢٤٥٥ ]
وَعَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ أَيْضًَا: " تَدْخُلُ فُقَرَاءُ أُمَّتي الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا " ٠٠ فَقِيلَ صِفْهُمْ لَنَا ٠٠؟
فَقَالَ ﷺ: " الدَّنِسَةُ ثِيَابهُمْ، الشَّعِثَةُ رُءُوسُهُمْ، الَّذِينَ لاَ يُؤْذَنُ لهُمْ عَلَى السُّدَّات - أَيْ لاَ تُفْتَحُ لهُمُ الأَبْوَاب - وَلاَ يَنْكِحُونَ الْمُتَنَعِّمَات، تُوكَلُ بهِمْ مَشَارِقُ الأَرْضِ وَمَغَارِبهَا - أَيْ تَعْرِفُهُمْ وَتحِبُّهُمْ - يُعْطُونَ كُلَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ، وَلاَ يُعْطَونَ الَّذِي لَهُمْ "
[وَثَّقَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَعِ ص: ٢٦٠/ ١٠، وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في الجَامِعِ بِرَقْم: ٣٨٢٣، رَوَاهُ الطَّبرَانيُّ في الأَوْسَط]
[ ٢٤٥٦ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " حَوْضِي: كَمَا بَيْنَ عَدَنَ وَعَمَّان، أَبْرَدُ مِنَ الثَّلْج، وَأَحْلَى مِنَ العَسَل، وَأَطْيَبُ رِيحًَا مِنَ المِسْك، أَكْوَابُهُ مِثْلُ نُجُومِ السَّمَاء، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًَا، أَوَّلُ النَّاسِ عَلَيْهِ وُرُودًَا: صَعَالِيكُ المُهَاجِرِين " ٠
قَالَ قَائِل: وَمَن هُمْ يَا رَسُولَ الله ٠٠؟
قَالَ ﷺ: " الشَّعِثَةُ رُءوسُهُمْ، الشَّحِبَةُ وُجُوهُهُمْ، الدَّنِسَةُ ثِيَابُهُمْ، لاَ يُفْتَحُ لَهُمُ السُّدَد، وَلاَ يَنْكِحُونَ المُتَنَعِّمَات، الَّذِينَ يُعْطُونَ كُلَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ، وَلاَ يَأْخُذُونَ الَّذِي لَهُمْ " [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٦١٦٢، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِه]
[ ٢٤٥٧ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال:
" تَدْخُلُ فُقَرَاءُ أُمَّتي الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًَا " ٠٠ فَقِيلَ صِفْهُمْ لَنَا ٠٠؟
فَقَالَ ﷺ: " الدَّنِسَةُ ثِيَابُهُمْ، الشَّعِثَةُ رُءوسُهُمْ، الَّذِينَ لاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ عَلَى السُّدَّات - أَيْ لاَ تُفْتَحُ لهُمُ الأَبْوَاب - وَلاَ يَنْكِحُونَ الْمُتَنَعِّمَات، تُوكَلُ بهِمْ مَشَارِقُ الأَرْضِ وَمَغَارِبهَا - أَيْ تَعْرِفُهُمْ وَتحِبُّهُمْ - يُعْطُونَ كُلَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ، وَلاَ يُعْطَونَ الَّذِي لَهُمْ "
[وَثَّقَهُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَعِ ص: ٢٦٠/ ١٠، وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في الجَامِعِ بِرَقْم: (٣٨٢٣)، رَوَاهُ الطَّبرَانيُّ في الأَوْسَط]
[ ٢٤٥٨ ]
الفُقَرَاءُ هُمْ أَوَلُ النَّاسِ وُرُودًَا عَلَى الحَوْضِ يَوْمَ القِيَامَة
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " حَوْضِي: كَمَا بَيْنَ عَدَنَ وَعَمَّان، أَبْرَدُ مِنَ الثَّلْج، وَأَحْلَى مِنَ العَسَل، وَأَطْيَبُ رِيحًَا مِنَ المِسْك، أَكْوَابُهُ مِثْلُ نُجُومِ السَّمَاء، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًَا، أَوَّلُ النَّاسِ عَلَيْهِ وُرُودًَا: صَعَالِيكُ المُهَاجِرِين "، قَالَ قَائِل: وَمَن هُمْ يَا رَسُولَ الله ٠٠؟
[ ٢٤٥٩ ]
قَالَ ﷺ: " الشَّعِثَةُ رُءوسُهُمْ، الشَّحِبَةُ وُجُوهُهُمْ، الدَّنِسَةُ ثِيَابُهُمْ، لاَ يُفْتَحُ لَهُمُ السُّدَد، وَلاَ يَنْكِحُونَ المُتَنَعِّمَات، الَّذِينَ يُعْطُونَ كُلَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ، وَلاَ يَأْخُذُونَ الَّذِي لَهُمْ " ٠ [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيصِ بِرَقْم: ٧٣٧٤، وَالْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٦١٦٢، وَالْعَلاَّمَة الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: ٤٣٠٣]
[ ٢٤٦٠ ]
أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ ﵂ وَحُبُّهَا لِلمَسَاكِين
عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا كَانَتْ تُفَرِّقُ في اليَوْمِ الوَاحِد؛ مِاْئَةَ أَلفِ دِرْهَمٍ يُوَجِّهُهَا إِلَيْهَا مُعَاوِيَة، وَإِنَّ ثَوْبَهَا لمَرْقُوع، فَتَقُولُ لهَا الجَارِيَة: لَوِ اشْتَرَيْتِ لَكِ بِدِرْهَمٍ لحْمَا تُفْطِرِينَ عَلَيْه ٠٠؟
فتَقُولُ ﵂: لَوْ ذَكَّرْتِني لَفَعَلْت " ٠ [الإِمَامُ الغَزَاليُّ في الإِحْيَاءِ الطَّبْعَةُ الأُولى لِدَارِ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة: ١٥٥٥، أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٦٧٤٥]
[ ٢٤٦١ ]
وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ قَد أَوصَاهَا قَائِلًا: عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
" قَالَ لي رَسُولُ اللهِ ﷺ: " إِن أَرَدتِ اللُّحُوقَ بي؛ فَليَكْفِكِ مِنَ الدُّنيَا كَزَادِ الرَّاكِب، وَإِيَّاكِ وَمجَالسَةَ الأَغْنِيَاء، وَلاَ تَنْزِعِي دِرْعَكِ [أَيْ ثَوْبَكِ] حَتىَّ تَرْقَعِيه " ٠
[صَحَّحَهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٧٨٦٧، وَالحَدِيثُ في الكَنْزِ بِرَقْم: ٧٠٩٤، وَفي شُعَبِ الإِيمَانِ بِرَقْم: ٦١٨١]
[ ٢٤٦٢ ]
مَكَانَةُ الفُقَرَاءِ وَالضُّعَفَاءِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ** ﷺ **
عَن أَبي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُول: " ابْغُوني الضُّعَفَاءَ - أَيِ اخْلُفُوني فِيهِمْ بخَير - فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ " ٠
[صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ أَبي دَاوُدَ بِرَقْم: ٢٥٩٤، وَفي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: ١٧٠٢، وَهُوَ في الكَنْزِ بِرَقْم: ١٧١٠٧]
[ ٢٤٦٣ ]
عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيفٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: " كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْتي ضُعَفَاءَ المُسْلِمِينَ وَيَزُورُهُمْ، وَيَعُودُ مَرْضَاهُمْ وَيَشْهَدُ جَنَائِزَهُمْ " ٠
[صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٣٧٣٥]
وَعَن أُمَيَّةَ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَيْدٍ ﵁ قَال:
" كَانَ رَسُولُ اللهِ جَلَّ جَلاَلُهُ يَسْتَفْتِحُ - أَيْ يَلْتَمِسُ البرَكَةَ - بِصَعَالِيكِ المُسْلِمِين " ٠
[قَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ " رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيح ٠ ص: (٢٦٢/ ١٠)، رَوَاهُ الطَّبَرَانيّ]
[ ٢٤٦٤ ]
يَقُولُ المَنَاوِيُّ ﵀ في كِتَابِهِ الشَّهِير / فَيْضِ القَدِير:
" أَيْ بِدُعَاءِ فُقَرَائِهِمُ الَّذِينَ لاَ مَالَ لهُمْ وَلاَ جَاه، تَيَمُّنَا بهِمْ، وَلأَنهُمْ لاَنْكِسَارِ خَوَاطِرِهِمْ؛ يَكُونُ دُعَاؤُهُمْ أَقْربَ للإِجَابَة، وَالصُّعْلُوكُ مَنْ لاَ مَالَ لَه " ٠ [المَنَاوِيُّ في فَيْضِ القَدِيرِ ص: ٢١٩/ ٥]
[ ٢٤٦٥ ]
وَصِيَّةُ الإِسْلاَمِ بِالفَقِير
وَكَانَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵁ يَقُول:
" مَلْعُونٌ مَن أَكْرَمَ بِالغِنى وَأَهَانَ بِالفَقْر " ٠٠!!
[الغَزَاليُّ في الإِحْيَاءِ طَبْعَةِ دَارُ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة ٠ ص: ١٥٥٥، وَهُوَ في الكَنْزِ بِرَقْم: ٧٠٩١، نَوَادِرُ الأُصُول ٠ بِرَقْم: ٨٤]
[ ٢٤٦٦ ]
وَقَالَ يحيى بْنُ مُعَاذ: " حُبُّكَ الفُقَرَاءَ مِن أَخْلاَقِ المُرْسَلِين، وَإِيثَارُكَ مُجَالَسَتَهُمْ مِن عَلاَمَةِ الصَّالحِين، وَفِرَارُكَ مِنْ صُحْبَتِهِمْ مِن عَلاَمَةِ المُنَافِقِين " ٠
[الإِمَامُ الغَزَاليُّ في الإِحْيَاءِ ٠ ص: ١٥٥٥، مُكَاشَفَةُ القُلُوبِ ٠ بَابُ فَضْلِ الفُقَرَاء، فَيْضُ القَدِيرِ لِلمَنَاوِيّ: ٢٠٨/ ٢]
[ ٢٤٦٧ ]
بِضُعَفَائِكُمْ تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُون
عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلاَّ بِضُعَفَائِكُمْ " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٨٩٦ / فَتْح]
عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" إِنَّمَا يَنْصُرُ اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا: بِدَعَوَتِهِمْ وَصَلاَتِهِمْ وَإِخْلاَصِهِمْ " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانِيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ النَّسَائِيِّ " بِرَقْم: ٣١٧٨]
[ ٢٤٦٨ ]
مَكَانَةُ الفُقَرَاءِ عِنْدَ التَّابِعِين
جَاءَ فَقِيرٌ إلى مجْلِسِ سُفْيَانَ الثَّوْريِّ ﵀ فَقَالَ لَهُ تخطَّ - أَيْ تخَطَّ الرِّقَابَ - لَوْ كُنْتَ غَنِيًَّا لَمَا قَرَّبتُك، وَكَانَ الأَغْنِيَاءُ مِن أَصْحَابِهِ يَوَدُّونَ أَنهُمْ كَانُواْ فُقَرَاءَ لِكَثْرَةِ تَقْرِيبِهِ لِلفُقَرَاءِ وإِعْرَاضِهِ عَنِ الأَغْنِيَاء؛ حَتىَّ أَنَّ أَحَدَهُمْ قَال: مَا رَأَيْتُ الغَنيَّ في مجْلِسٍ أَذَلَّ وَلاَ أَحْقَرَ مِنه في مجْلِسِ الثَّوْرِيّ، وَلاَ رَأَيْتُ الفَقِيرَ في مجْلِسٍ أَعَزَّ مِنهُ في مجْلِسِه " ٠٠ [الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ " دَارِ الوَثَائِق: ١٥٥٥، الجَرْحُ وَالتَّعْدِيل ٠ دَار إِحْيَاءِ التُّرَاثِ العَرَبي: ١٠٠/ ١]
[ ٢٤٦٩ ]
ثَرْوَةُ الفَقِيرِ هِيَ أَخْلاَقُه
وَحَسْبُكُمْ عَنْ فَضْلِ الفَقْرِ عَلَى الغِنى أَيْضًَا؛ أَنَّ الفَقِيرَ إِذَا أَحَبَّهُ النَّاسُ فَإِنهُمْ يحِبُّونَهُ لِذَاتِهِ وَصفَاتِهِ، وَجَمِيلِ خِصَالِهِ، أَمَّا الغَنيُّ فَأَكثَرُ مَنْ يحِبُّونَهُ يحِبُّونَهُ مِن أَجْلِ مَالِه ٠٠!!
فَالفَقِيرُ يَرَى النَّاسَ عَلَى حَقَائِقِهَا، أَمَّا الغَنيُّ فَيَلبَسُونَ لَهُ أَلْفَ قِنَاعٍ وَقِنَاع ٠٠!!
وَحَسْبُكُمْ عَنْ فَضْلِ الفَقِيرِ أَيْضًَا مَا وَضَعَهُ اللهُ في نَفسِهِ مِنَ الطِّيبَةِ وَحُبِّ الخَيرِ لِلغَير؛ حتى أَنَّ الأَمْثَالَ العَامِّيةَ صَوَّرَتْ هَذَا؛ فجَاءَ فِيهَا مَثَلٌ سَائِرٌ في ذَلِكَ يَقُولُونَ فِيه:
" طَلَبَ الغَنيُّ شَقْفَةً؛ كَسَرَ الفَقِيرُ لَهُ زِيرَه " ٠
[ ٢٤٧٠ ]
عِنْدَمَا يَكُونُ وَالي المُسْلِمِينَ أَفْقَرَهُمْ
نَزَلَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ بَلْدَةَ حِمْصٍ بِالشَّام، فَقَالَ اكْتُبُواْ لي فُقَرَاءَكُمْ؟
فَرَفَعُواْ إِلَيْهِ رُقْعَةً فِيهَا اسْمُ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ الوَالي؛ فَتَعَجَّبَ عُمَرُ وَسَأَلهُمْ: كَيْفَ يَكُونُ أَمِيرُكُمْ فَقِيرًَا ٠٠؟!
قَالُواْ إِنَّهُ لاَ يمْسِكُ مَالًا - أَيْ يُنْفِقُ كُلَّ مَا يحْصُلُ عَلَيْهِ أَوَّلًا بِأَوَّل عَلَى الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِين - فَبَكَى عُمَرُ ثمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ بِأَلفِ دِينَار؛ فَجَاءَ مكْتَئِبًَا حَزينًَا؛ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أَحَدَثَ أَمْر ٠٠؟!
[ ٢٤٧١ ]
قَالَ أَشَدُّ مِنْ ذَلك، ثُمَّ جَعَلَهَا صُرَرًَا وَفَرَّقَهَا وَقَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقُول: " يَدْخُلُ فُقَراءُ المُسْلِمينَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ، بخَمْسِمِائَةِ سَنَة، حَتىَّ إِنَّ الرَّجُلَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ لَيَدْخُلُ في غُمَارِهِمْ - أَيْ في جُمُوعِهِمْ - فَيُؤْخَذُ بِيَدِهِ فيُسْتَخْرَج " ٠
[صَحَّحَ الأَلبَانيُّ الْعِبَارَةَ الأُولى مِنهُ في سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: ٢٣٥١، ذَكَرَهُ الغَزَاليُّ في الإِحْيَاء: ١٥٥٤، الكَنْز: ١٦٦٢٥]
[ ٢٤٧٢ ]
أَكْثَرُ أَهْلِ الجَنَّةِ مِنَ الفُقَرَاء، وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ مِنَ الأَغْنِيَاءِ وَالنِّسَاء
عَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " اطَّلَعْتُ في الجَنَّةِ - أَيِ اطَّلَعْتُ في رِحْلَةِ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ - فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الفُقَرَاء، وَاطَّلَعْتُ في النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاء " ٠ [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (٦٤٤٩)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٢٧٣٧]
[ ٢٤٧٣ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " اطَّلَعْتُ في الجَنَّة - أَيْ في رِحْلَةِ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاج - فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الفُقَرَاء، وَاطَّلَعْتُ في النَّار؛ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الأَغْنِيَاءَ وَالنِّسَاء " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٦٦١١، قَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَع: إِسْنَادُهُ جَيِّد٠ص: ٢٦١/ ١٠]
[ ٢٤٧٤ ]
غَنيٌّ وَفَقِيرٌ عَلَى بَابِ الجَنَّة
وَعَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " الْتَقَى مُؤْمِنَانِ عَلَى بَابِ الجَنَّة: مُؤْمِنٌ غَنيٌّ وَمُؤْمِنٌ فَقِير، كَانَا في الدُّنيَا، فأُدْخِلَ الفَقِيرُ الجَنَّةَ وَحُبِسَ الغَنيُّ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يحْبَس، ثمَّ أُدْخِلَ الجَنَّة، فَلَقِيَهُ الفَقِيرُ فَيَقُول: أَيْ أَخِي: مَاذَا حَبَسَك؛ وَاللهِ لَقَدْ احْتُبِسْتَ حَتىَّ خِفْتُ عَلَيْك ٠٠؟!
[ ٢٤٧٥ ]
الحَمَاسَةُ الحَمَدَانِيَّة [مَنهُوكُ الرَّجَز ٠ لحْنُ مُونُولُوج أُهُو أَنَا أُهُو أَنَا]:
=======================================
طَالَتْ بِنَا التَّوَسُّلاَتْ * يَا هَيْئَةَ المُوَاصَلاَتْ
كَمْ قَدْ شَكَوْنَا لَمْ نجِدْ * مِنْكُمْ سِوَى المُمَاطَلاَتْ
مَتى يَكُونُ بَيْنَنَا * وَبَيْنَكُمْ تَفَاعُلاَتْ
مَتى سَتَبْحَثُونَ مَا * يُصِيبُنَا مِنْ مُشْكِلاَتْ
مَتى نَرَى قَرَارَكُمْ * يَخْلُو مِنَ المجَامَلاَتْ
﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°
سَنَعْبُرُ المُضَايَقَاتِ كَيْفَمَا تَكُون
﴿عِصَام الْغَزَالي بِتَصَرُّف﴾
°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°
﴿أَفْعَلُ/يَفْعَلُ/﴾
لي جَدَّةٌ تَرْأَفُ بي أَحْنى عَلَيَّ مِن أَبي
وَكُلُّ شَيْءٍ سَرَّني تَذْهَبُ فِيهِ مَذْهَبي
إِن غَضِبَ الأَهْلُ عَلَيَّ كُلُّهُمْ لَمْ تَغْضَبِ
مَشَى أَبي يَوْمًَا إِليَّ مِشْيَةَ المُؤَدِّبِ
غَضْبَانَ قَدْ هَدَّدَ بِالضَّرْبِ وَإِنْ لَمْ يَضْرِبِ
فَلَمْ أَجِدْ لي مِنه غَيْرَ جَدَّتي مِنْ مَهْرَبِ
فَأَوْقَفَتْني خَلْفَهَا أَنْجُو بِهَا وَأَخْتَبي
وَهْيَ تَقُولُ لأَبي بِلَهْجَةِ المُؤَنِّبِ
وَيْحٌ لَهُ وَيْحٌ لَهُ ذَا الْوَلَدِ المُعَذَّبِ
أَلَمْ تَكُنْ تَصْنَعُ مَا يَصْنَعُ إِذْ أَنْتَ صَبي
﴿أَمِيرُ الشُّعَرَاء / أَحْمَد شَوْقِي بِتَصَرُّف﴾
°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°
[ ٢٤٧٦ ]
أَهْلُ الشِّبَعِ في الدُّنيَا
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ قَال:
" تَجَشَّأَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ فَقَال: " كُفَّ جُشَاءَكَ عَنَّا؛ فَإِنَّ أَطْوَلَكُمْ جُوعًَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ أَكْثَرُكُمْ شِبْعًَا في دَارِ الدُّنْيَا " ٠
[حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنيِ الإِمَامَينِ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَةَ بِرَقْمَيْ: ٢٤٨٧، ٣٣٥٠، وَفي الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: ٤٤٩١، ٣٤٣]
[ ٢٤٧٧ ]
عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " أَطْوَلُ النَّاسِ شِبْعًَا في الدُّنيَا: يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ أَكْثَرُكُمْ جُوعًَا في دَارِ الدُّنْيَا " ٠ [قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: غَرِيبٌ صَحِيحُ الإِسْنَاد، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٦٥٤٥]
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ سَلْمَانَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " أَكْثَرُ النَّاسِ شِبْعًَا في الدُّنْيَا؛ أَطْوَلُهُمْ جُوعًَا في الآخِرَة " ٠
[حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: ١١٩٩، ٣٤٣، رَوَاهُ أَبُو نُعَيْم، وَفي " كَنْزِ العُمَّالِ " بِرَقْم: ١٦٥٧٨]
[ ٢٤٧٨ ]
الرَّجُلُ الَّذِي طَلَبَ مِنهُ سَيِّدُنَا مُوسَى أَنْ يَدْعُوَ لَه
وَعَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَان، مَرَّ بِرَجُلٍ وَهُوَ يَضْطَرِب؛ فَقَامَ يَدْعُو اللهَ لَهُ أَنْ يُعَافِيَهُ، فَقَالَ لَهُ يَا مُوسَى: إِنَّهُ لَيْسَ الَّذِي يُصِيبُهُ خَبْطٌ مِن إِبْلِيس، وَلَكنَّهُ جَوَّعَ نَفْسَهُ لي فَهُوَ الَّذِي تَرَى، أَنْظُرُ إِلَيْهِ في كُلِّ يَوْمٍ مَرَّاتٍ أَتَعَجَّبُ مِنْ طَاعَتِه؛ فَمُرْهُ فَليَدْعُ لَك؛ فَإِنَّ لَهُ عِنْدِي كُلَّ يَوْمٍ دَعْوَة " ٠ [وَثَّقَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ " ص: (٢٦٦/ ١٠)، أَخْرَجَهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيّ]
[ ٢٤٧٩ ]
عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ مِن أُمَّتي مَنْ لَوْ جَاءَ أَحَدَكُمْ يَسْأَلُهُ دِينَارًَا لَمْ يُعْطِهِ، وَلَوْ سَأَلَهُ دِرْهَمًَا لَمْ يُعْطِهِ، وَلَوْ سَأَلَهُ فِلْسًَا لَمْ يُعْطِهِ، وَلَوْ سَأَلَ اللهَ الجَنَّةَ أَعْطَاهُ إِيَّاهَا، ذُو الطِّمْرَيْن - أَيْ لاَ يَمْلُكُ إِلاَ ثَوْبَينِ قَدِيمَينِ - لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّه " ٠
[قَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ " رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيح ٠ ص: (٢٦٤/ ١٠)، أَخْرَجَهُ الطَّبرَانيُّ في الأَوْسَطِ]
[ ٢٤٨٠ ]
قَالَ خَالِدٌ الفَزْر: " كَانَ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ مِنَ البَكَّائِين، وَكَانَ ضَيِّقَ الحَالِ جِدًَّا - أَيْ كَانَ فَقِيرًَا مِسْكِينًَا - فَجَلَسْتُ وَهُوَ مُتَخَلٍّ يَدْعُو فَقُلْتُ: لَوْ دَعَوتَ اللهَ أَنْ يُوسِّعَ عَلَيْك ٠٠؟!
فَالْتَفَتَ يَمِينًَا وَشِمَالًا، فَلَمْ يَرَ أَحَدًَا، فَأَخَذَ حَصَاةً، فَرَمَى بِهَا إِلَيّ؛ فَإِذَا هِيَ تِبرَةٌ في كَفِّي - أَيْ قِطْعَةٌ مِنْ ذَهَب - وَاللهِ مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ مِنهَا، ثمَّ قَالَ ﵀: هُوَ أَعْلَمُ بِمَا يُصْلِحُ عِبَادَه؛ فَقُلْتُ: مَا أَصْنَعُ بِهَذِهِ ٠٠؟
قَالَ ﵀: اسْتَنْفِقْهَا " ٠٠ أَيْ أَنْفِقْهَا عَلَى نَفْسِك ٠ [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ٤٠٦/ ٦]
[ ٢٤٨١ ]
يَرَاهُ النَّاسُ هَيِّنًَا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ المُزَنيّ: " ثَلاَثَةٌ يحِبُّهُمُ الله: رَجُلٌ قَلِيلُ النَّوْم - أَيْ كَثِيرُ القِيَام - قَلِيلُ الطَّعَام، قَلِيلُ الكَلاَم " ٠
[الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ " بِتَصَرُّف طَبْعَةِ الحَافِظِ العِرَاقِي ٠ لِدَارِ الوَثَائِقْ المِصْرِيَّةِ بَابُ فَضِيلَةِ الجُوع: ٩٦٤]
[ ٢٤٨٢ ]
حَقِيرٌ عِنْدَ النَّاسِ عَظِيمٌ عِنْدَ المَلاَئِكَة
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ مَرَّ في بَعْضِ سِكَكِ المَدينَة، فَرَأَى رَجُلًا أَسْوَدَ مَيِّتًَا قَدْ رَمَواْ بِهِ في الطَّرِيق؛ فَسَأَلَ بَعْضَ مَنْ ثَمَّ عَنهُ - أَيْ سَأَلَ مَنْ كَانَ هُنَاكَ عَنهُ - فَقَالَ ﷺ:
" مَمْلُوكُ مَن هَذَا " ٠٠؟
قَالُواْ ممْلُوكٌ لآلِ فُلاَن، فَقَالَ ﷺ:
" أَكُنْتُم تَرَوْنَهُ يُصَلِّي " ٠٠؟
[ ٢٤٨٣ ]
قَالُواْ كُنَّا نَرَاهُ أَحْيَانَا يُصَلِّي وَأَحْيَانَا لاَ يُصَلِّي، فَقَالَ ﷺ: " قُومُواْ فَاغْسِلُوهُ وَكَفِّنُوه " فَقَامُواْ فَغَسَّلُوهُ وَكَفَّنُوه، وَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّى عَلَيْه، فَلَمَّا كَبَّرَ قَالَ ﷺ:
" سُبْحَانَ الله، سُبْحَانَ الله " ٠٠ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلاَتَه؛ قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ:
يَا رَسُولَ الله، سَمِعْنَاكَ لَمَّا كَبَّرتَ تَقُول: " سُبْحَانَ اللهِ سُبْحَانَ الله " ٠٠ فَلِمَ قُلْتَ " سُبْحَانَ اللهِ سُبْحَانَ الله "؟!
قَالَ ﷺ: " كَادَتِ المَلاَئِكَةُ أَنْ تحُولَ بَيْني وَبَيْنَه؛ مِنْ كَثْرَةِ مَا صَلُّواْ عَلَيْه " ٠
[ ٢٤٨٤ ]
[قَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ " إِسْنَادُهُ جَيِّد ٠ ص: (٢٦٦/ ١٠)، أَخْرَجَهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيُّ في الأَوْسَطِ]
وَعَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: " ثَلاَثَةٌ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بغَيرِ حِسَاب: رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَغْسِلَ ثَوْبَهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَلَقٌ يَلْبِسُه - أَيْ ثَوْبٌ آخَرُ يُغَيِّرُ فِيه - وَرَجُلٌ لَمْ يَنْصُبْ عَلَى مُسْتَوْقَدٍ قِدْرَيْن - أَيْ مَا وَضَعَ قِدْرَيْنِ عَلَى النَّارِ لِفَقْرِهِ وَقِلَّةِ طَعَامِه - وَرَجُلٌ دَعَا بِشَرَابٍ فَمَا قِيلَ لَهُ أَيُّهَا تُرِيد " ٠٠ أَيْ: لَمْ يخَيِّرُوهُ لِهَوَانِهِ عَلَيْهِمْ ٠ [الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ " ص: ١٥٥٥]
حَتىَّ الصَّحَابَةُ يَدْخُلُ فُقَرَاؤُهُمْ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ
[ ٢٤٨٥ ]
حَتىَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ - وَكَانَ مِن أَغْنِيَاءِ الصَّحَابَة - رَغْمَ كَوْنِهِ مِنَ العَشَرَةِ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ مَالِهِ وَغِنَاه:
عَن أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" دَخَلْتُ الجَنَّةَ فَسَمِعْتُ فِيهَا خَشْفَةً بَينَ يَدَيَّ - أَيْ صَوْتَ مِشْيَةٍ - فَقُلْتُ مَا هَذَا ٠٠؟
قَالَ بِلاَل، فَمَضَيْتُ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِ الجَنَّةِ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ وَذَرَارِيُّ المُسْلِمِين - أَيْ أَوْلاَدُهُمْ وَأَهْلُوهُمْ - وَلَمْ أَرَ أَحَدًَا أَقَلَّ مِنْ الأَغْنِيَاءِ وَالنِّسَاء ٠٠؟!!
[ ٢٤٨٦ ]
قِيلَ لي: أَمَّا الأَغْنِيَاء؛ فَهُمْ هَاهُنَا بِالبَابِ يُحَاسَبُونَ وَيُمَحَّصُون - أَيْ يُطَهَّرُونَ وَيخَلَّصُونَ مِنْ ذُنُوبهِمْ - وَأَمَّا النِّسَاء: فَأَلْهَاهُنَّ الأَحْمَرَان: الذَّهَبُ وَالحَرِير، ثُمَّ خَرَجْنَا مِن أَحَدِ أَبْوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَة، فَلَمَّا كُنْتُ عِنْدَ الْبَابِ أُتِيتُ بِكِفَّة، فَوُضِعْتُ فِيهَا وَوُضِعَتْ أُمَّتي في كِفَّة، فَرَجَحْتُ بِهَا، ثُمَّ أُتيَ بِأَبي بَكْرٍ ﵁ فَوُضِعَ في كِفَّة، وَجِيءَ بجَمِيعِ أُمَّتي في كِفَّةٍ فَوُضِعُواْ، فَرَجَحَ أَبُو بَكْرٍ، وَجِيءَ بِعُمَرَ فَوُضِعَ في كِفَّة، وَجِيءَ بجَمِيعِ أُمَّتي فَوُضِعُواْ، فَرَجَحَ عُمَر، وَعُرِضَتْ أُمَّتي رَجُلًا رَجُلًا، فَجَعَلُوا يَمُرُّون، فَاسْتَبْطَأْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْف، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ الإِيَاس؛ فَقُلْتُ:
[ ٢٤٨٧ ]
عَبْدُ الرَّحْمَن ٠٠؟!
فَقَال: بِأَبي وَأُمِّي يَا رَسُولَ الله - أَيْ أَفْدِيكَ بِأَبي وَأُمِّي يَا رَسُولَ الله - وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقّ؛ مَا خَلَصْتُ إِلَيْكَ حَتىَّ ظَنَنْتُ أَنِّي لاَ أَنْظُرُ إِلَيْكَ أَبَدَا، إِلاَّ بَعْدَ المُشَيِّبَات - أَيْ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُؤْمَرُ بي إِلى النَّارِ مِنْ شِدَّةِ الحِسَاب - قَالَ ﷺ: وَمَا ذَاك " ٠٠؟!
قَالَ مِنْ كَثْرَةِ مَالي ٠٠ أُحَاسَبُ وَأُمحَّص " ٠
وَفي بَعْضِ الأَثَر: " رَأَيْتُهُ - أَيْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْف - يَدْخُلُ الجَنَّةَ زَحْفًَا " ٠ [صَحَّحَهُ حَمْزَةُ الزَّيْنُ بِالمُسْنَد: ٢٤٧٢٣، الإِحْيَاء: ١٥٥٣، وَالزِّيَادَةُ لِلسِّيُوطِيِّ في تَدْرِيبِ الرَّاوِي ٠ الرِّيَاض: ١٧٣/ ١]
[ ٢٤٨٨ ]
فَانْظُرْ إِلى عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَهُوَ أَحَدُ العَشْرَةِ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّة: كَيْفَ شُدِّدَ عَلَيْهِ الحِسَابُ لاَ لِمَكْرُوهٍ بَيْدَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الأَغْنِيَاء ٠٠!!
وَقَدْ تُكُلِّمَ في هَذَا الحَدِيثِ الأَخِير؛ فَإِنْ كَانَ الكَلاَمُ في سَنَدِهِ فَمَرَدُّ الأَمْرِ في ذَلِكَ إِلى عُلَمَاءِ الأُصُول، بَيْدَ أَني لَمْ أَقْرَأْ لأَحَدٍ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ عِنْدِي كَالهَيْثَمِيِّ وَالأَلبَانيِّ أَنَّهُ كَذَّبَهُ أَوْ أَنْكَرَهُ، لاَ هُوَ وَلاَ الَّذِي بَعْدَه؛ وَإِلاَّ لَحَذَفْتُهُ كَغَيرِه، وَهُوَ قَيْدُ البَحْثِ وَالمُرَاجَعَة ٠
[ ٢٤٨٩ ]
أَمَّا إِنْ كَانَ الكَلاَمُ في مَعْنَاه؛ فَقَدْ تَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلَى ذَلِك: فَأَيٌّ مِنَ الحَدِيثَيْنِ لَمْ يَقُلْ بِعَدَمِ دُخُولِهِ الجَنَّة، بَيْدَ أَنهُمَا نَصَّا فَقَطْ عَلَى شِدَّةِ الحِسَابِ وَصُعُوبَةِ الوُصُول، وَاللهُ جَلَّ جَلاَلُهُ أَعْلَى وَأَعْلَم ٠
حَتىَّ الأَنْبِيَاءُ يَدْخُلُ فُقَرَاؤُهُمُ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال:
[ ٢٤٩٠ ]
" الأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِأَرْبَعِينَ عَامًَا، وَإِنَّ فُقَرَاءَ المُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ عَامَا " ٠ [وَافَقَهُ الذَّهَبيُّ وَابْنُ يُونُس، وَقَالَ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَع ": رِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَفي بَعْضِهِمْ خِلاَف، وَفِيهِ رَاوٍ لَيِّن: ١٠٥/ ٨، ٢٦٢/ ١٠، رَوَاهُ الطَّبرَانيُّ، وَهُوَ في " الكَنْزِ ": ١٦٦٢٢]
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ ﷺ: " آخِرُ الأَنْبِيَاءِ دُخُولًا الجَنَّةَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَم؛ لمَكَانِ مُلكِه، وَآخِرُ أَصْحَابي دُخُولًا الجَنَّةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْف؛ لأَجْلِ غِنَاه " ٠
[ ٢٤٩١ ]
وَلاَ غَضَاضَةَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى هَذَا النَّبيِّ الكَرِيم، وَلاَ يَتَعَارَضُ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ جَلَّ جَلاَلُه:
﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ﴿ص/٢٥﴾
[الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ " طَبْعَةِ دَارِ الوَثَائِقِ في كِتَابِ " الفَقْرِ وَالزُّهْدِ بَابِ فَضِيلَةِ الفَقْرِ مُطْلَقًَا " ٠ ص: ١٥٥١]
[ ٢٤٩٢ ]
أَحَجَّاجُ إِمَّا أَنْ تَمُنَّ بِرَدِّهِ * عَلَيَّ وَإِلاَّ الآنَ فَاقْتُلْني مَعَهْ
أَحَجَّاجُ لاَ تَفْجَعْ بِهِ إِنْ قَتَلْتَهُ * أَبَاهُ وَزَوْجَتَهُ وَأَبْنَاءَ أَرْبَعَة
أَحَجَّاجُ لاَ تَتْرُكْ عَلَيْهِ جَمَاعَةً * مِنَ الأَهْلِ وَالجِيرَانِ يَبْكُونَ مَصْرَعَه
﴿بِنْتُ عَبَّادِ بْنِ أَسْلَمَ البَكْرِيّ﴾
°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°
مَهْلًا أَبَيْتَ اللَّعْنَ لاَ تَأْكُلْ مَعَهْ * إِنَّ اسْتَهُ مِنْ بَرَصٍ مُلَمَّعَهْ
وَإِنَّهُ يُدْخِلُ فِيهَا إِصْبَعَهْ * يُدْخِلُهَا حَتىَّ يُوَارِي أَشْجَعَهْ
وَكَأَنَّمَا يَطْلُبُ شَيْئًَا ضَيَّعَهْ
﴿لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَة﴾
°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°
مَتى يَبْلُغُ البُنيَانُ يَوْمًَا تَمَامَهُ * إِذَا كُنْتَ تَبْنِيهِ وَغَيْرُكَ يَهْدِمُه
﴿صَالِحُ بْنُ عَبْدِ القُدُّوس؟﴾
[ ٢٤٩٣ ]
بَل وَحَتى أَغْنِيَاءُ الكُفَّارِ يَدْخُلونَ النَّارَ قَبْلَ فُقَرَائِهِمْ:
عَن أَبي بَرْذَةَ الأَسْلَمِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ فُقَرَاءَ المُسْلِمِينَ لَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِمِقْدَارِ أَرْبَعِينَ عَامَا؛ حَتىَّ يَتَمَنىَّ أَغْنِيَاءُ المُسْلِمِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَوْ كَانُواْ فُقَرَاءَ في الدُّنيَا، وَإِنَّ أَغْنِيَاء الكُفَّارِ لَيَدْخُلُونَ النَّارَ قَبْلَ فُقَرَائِهِم بِمِقْدَارِ أَرْبَعِينَ عَامَا؛ حَتىَّ يَتَمَنىَّ أَغْنِيَاءُ الكُفَّارِ لَوْ كَانُواْ فُقَرَاءَ في الدُّنيَا " ٠
[الرَّوْيَانيُّ وَالدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِهِمَا بِرَقْمَيْ: (٧٧٠، ٨٨٣)، الكَنْزُ بِرَقْم: ١٦٦٢٠]
[ ٢٤٩٤ ]
وَعَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " يُؤْتَى بِالعَبْدِ يَوْمَ القِيَامَة، فَيَعْتَذِرُ اللهُ جَلَّ جَلاَلُهُ إِليْهِ كَمَا يَعْتَذِرُ الرَّجُلُ للرَّجُلِ في الدُّنيَا: فَيَقُول: وَعِزَّتي وَجَلاَلي، مَا زَوَيْتُ عَنْكَ الدُّنيَا لهَوَانِك عَليّ، وَلكِنْ لِمَا أَعْدَدْتُ لَكَ مِنَ الكَرَامَةِ وَالفَضِيلَة، اخْرُجْ يَا عَبْدِي إِلي هَذِهِ الصُّفُوف:
فَمَن أَطْعَمَكَ فيَّ أَوْ كَسَاكَ فيَّ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهِي؛ فَخُذْ بِيَدِهِ فَهُوَ لَك، وَالنَّاسُ يَوْمَئِذٍ قَدْ أَلجَمَهُمُ العَرَق، فَيَتَخَلَّلُ الصُّفُوفَ وَيَنْظُرُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ؛ فَيَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيُدْخِلُهُ الجَنَّة " ٠
[ ٢٤٩٥ ]
[قَالَ الزَّرْعِيُّ في نَقْدِ المَنْقُولِ لاَ أَصْلَ لَهُ: (٢٢٣)، وَفي كَشْفِ الخَفَاءِ بِرَقْم: (٦٨)، ذَكَرَهُ الغَزَاليُّ في الإِحْيَاء: ١٥٥٢]
وَعَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " أَكْثِرُواْ مَعْرِفَةَ الفُقَرَاءِ وَاتخِذُواْ عِنْدَهُمْ الأَيَادِيَ؛ فَإِنًّ لَهُمْ دَوْلَةً يَوْمَ القِيَامَة " ٠٠
قَالواْ: وَمَا دَوْلتُهُمْ يَا رَسُولَ الله ٠٠؟!!
قَالَ ﷺ: " إِذَا كَان يَوْم القِيَامَةِ قِيلَ لهُم: انْظُرُواْ مَن أَطْعَمَكُمْ كِسْرَة أَوْ سَقَاكُمْ شَرْبَةً أَوْ كَسَاكُمْ ثَوْبًا؛ فخُذُواْ بِيَدِهِ ثُمَّ امْضُواْ بِهِ إِلي الجَنَّة " ٠
[ ٢٤٩٦ ]
[أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ ٠ " الكَنْزُ " بِرَقْم: (١٦٥٨٢)، وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في لِسَانِ المِيزَانِ هَذَا مَوْضُوع: (١٢٨/ ٦)، وَكَذَلِكَ قَالَ الزَّرْعِيُّ في " نَقْدِ المَنْقُولِ " بِرَقْم: (٢٢٣)، وَقَالَ الحَافِظُ العِرَاقِيُّ في " الإِحْيَاءِ " ضَعِيف: ١٥٥٣]
وَرَوَى حُجَّةُ الإِسْلاَمِ أَبُو حَامِدٍ الغَزَاليُّ في الإِحْيَاءِ بَابِ فَضِيلَةِ الفَقْرِ وَالجُوعِ حَدِيثًَا عَظِيمًَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ في ذَلِك، وَهَذَا الحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ كَلاَمٌ كَثِير ٠٠
﴿وَقِيلَتْ أَقَاوِيلُ في ضَعْفِهِ﴾
إِلاَّ أَنيِّ ذَكَرْتُهُ لأَنَّهُ حِكْمَةٌ بَالِغَة، وَالحِكْمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ حَيْثُمَا وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا:
[ ٢٤٩٧ ]
عَن سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ أَنَّهُ أَقْبَلَ عَلَى أُسَامَةَ يَوْمًَا فَقَال:
[ ٢٤٩٨ ]
" إِنَّ أَقَرَبَ النَّاسِ مِنَ اللهِ جَلَّ جَلاَلُهُ يَومَ القِيَامَة مَنْ طَالَ جُوعُهُ وَعَطَشُهُ وَحُزْنُهُ في الدُّنيَا، الأَحْفيَاءُ الأَتْقِيَاء الَّذِينَ إِنْ شُهِدُواْ لَمْ يُعْرَفُواْ، وَإِن غَابُواْ لَمْ يُفْتَقَدُواْ، تَعْرِفُهُمْ بِقَاعُ الأَرْض، وَتحُفُّ بِهِمْ مَلاَئِكَةُ السَّمَاء، نَعِمَ النَّاسُ بِالدُّنيَا وَنَعِمُواْ بِطَاعَةِ اللهِ ﷿، افْتَرَشَ النَّاسُ الفُرُشَ الوَثِيرَةَ وَافْتَرَشُواْ الجِبَاهَ وَالرُّكَب - كِنَايَةً عَنْ كَثرَةِ قِيَامِهِمُ اللَّيْل - ضَيَّعَ النَّاسُ فِعْلَ النَّبيّينَ وَأَخْلاَقَهُمْ وَحَفِظُوهَا هُمْ، تَبْكِي الأَرْضُ إِذَا فُقِدُواْ، وَيَسْخَطُ الجَبَّارُ عَلَى كُلِّ بَلْدَةٍ لَيْسَ فِيهَا مِنهُمْ أَحَد، لَمْ يَتَكَالَبُواْ عَلَى الدُّنيَا تَكَالُبَ الكِلاَبِ عَلَى الجِيف، أَكَلُواْ العَلَق،
[ ٢٤٩٩ ]
وَلَبِسُواْ الخِرَق، شُعْثًا غُبرًَا، يَرَاهُمُ النَّاسُ فَيَظُنُّونَ أَنَّ بِهِمْ دَاءً وَمَا بِهِمْ دَاء، وَيُقَالُ قَدْ خُولِطُواْ فَذَهَبَتْ عُقُولهُمْ، وَمَا ذَهَبَتْ عُقُولهُمْ، وَلَكِنْ نَظَرَ القَوْمُ بِقُلُوبِهِمْ إِلى أَمْرِ اللهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنهُمْ الدُّنيَا؛ فَهُمْ عِنْدَ أَهْلِ الدُّنيَا يَمْشُونَ بِلاَ عُقُول، عَقَلُواْ حِينَ ذَهَبَتْ عُقُولُ النَّاس، لَهُمُ الشَّرَفُ في الآخِرَة، يَا أُسَامَة: إِذَا رَأَيتَهُمْ في بَلْدَةٍ فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ أَمَانٌ لأَهْلِ تِلكَ البَلْدَة، وَلاَ يُعَذِّبُ اللهُ قَوْمًَا هُمْ فِيهِمْ، الأَرْضُ بِهِمْ فَرِحَة، وَالجبَّارُ عَنهُمْ رَاضٍ، اتخِذْهُمْ لنَفْسِكَ إِخْوَانًَا عَسَى أَنْ تَنجُوَ بِهِمْ " ٠
وَيُؤَيِّدُ قَوْلَهُ: " فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ أَمَانٌ لأَهلِ تِلْكَ البَلْدَة " هَذَا الحَدِيثُ الشَّرِبف: [الحَارِثُ في " مُسْنَدِهِ " بِرَقْم: ٣٤٧]
[ ٢٥٠٠ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" إِذَا أَرَادَ اللهُ بِأَهْلِ الأَرْضِ عَذَابًَا، فَنَظَرَ إِلى مَا بِهِمْ مِنَ الجُوعِ وَالعَطَش؛ صَرَفَ عَنهُم العَذَاب " ٠ [الدَّيْلَمِيُّ في " الفِرْدَوْسِ " في الحَدِيثِ الَّذِي بِرَقْم: (٨٣٩٢)، وَالحَدِيثُ في " الكَنْزِ " بِرَقْم: ١٦٦٤١]
[ ٢٥٠١ ]
الفُقَرَاءُ عَاتَبَ اللهُ فِيهِمْ نَبِيَّهُ مَرَّتَيْن
عَن خَبَّابٍ ﵁ قَال:
" جَاءَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيّ؛ فَوَجَدَا رَسُولَ اللهِ ﷺ مَعَ صُهَيْبٍ وَبِلالٍ وَعَمَّارٍ وَخَبَّابٍ ﵁ قَاعِدًَا في نَاسٍ مِنَ الضُّعَفَاءِ مِنَ المُؤْمِنِين، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ حَوْلَ النَّبيِّ ﷺ حَقَرُوهُمْ؛ فَأَتَوْهُ فَخَلَوْا بِهِ وَقَالُواْ: إِنَّا نُرِيدُ أَنْ تجْعَلَ لَنَا مِنْكَ مجْلِسًَا تَعْرِفُ لَنَا بِهِ العَرَبُ فَضْلَنَا؛ فَإِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ تَأْتِيكَ فَنَسْتَحْيِي أَنْ تَرَانَا الْعَرَبُ مَعَ هَذِهِ الأَعْبُد؛ فَإِذَا نحْنُ جِئْنَاكَ فَأَقِمْهُمْ عَنْكَ فَإِذَا نحْنُ فَرَغْنَا فَاقْعُدْ مَعَهُمْ إِنْ شِئْت؛ قَالَ ﷺ " نَعَمْ "؛ قَالُواْ:
[ ٢٥٠٢ ]
فَاكْتُبْ لَنَا عَلَيْكَ كِتَابًَا؛ فَدَعَا بِصَحِيفَةٍ وَدَعَا عَلِيًَّا كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ لِيَكْتُبَ وَنحْنُ قُعُودٌ في نَاحِيَةٍ؛ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَال: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِن حِسَابِهِمْ مِن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٥٢﴾ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولُواْ أَهَؤُلاَءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ﴿٥٣﴾ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة﴾ ﴿الأَنعَام﴾
[ ٢٥٠٣ ]
فَدَنَوْنَا مِنْهُ حَتىَّ وَضَعْنَا رُكَبَنَا عَلَى رُكْبَتِه، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يجْلِسُ مَعَنَا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ قَامَ وَتَرَكَنَا؛ فَأَنْزَلَ اللهُ جَلَّ وَعَلاَ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أَيْ وَلاَ تجَالِسِ الأَشْرَاف ٠
﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾
يَعْني عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وَالأَقْرَعَ بْنَ حَابِس ٠
[ ٢٥٠٤ ]
﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطَا﴾ ﴿الكَهْف/٢٨﴾
أَيْ هَلاكًَا ٠٠ أَمْرُ عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَع، ثمَّ ضَرَبَ لهُمْ مَثَلَ الرَّجُلَيْنِ وَمَثَلَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ يَقُولُ خَبَّاب:
" فَكُنَّا نَقْعُدُ مَعَ النَّبيِّ ﷺ، فَإِذَا بَلَغْنَا السَّاعَةَ الَّتي يَقُومُ فِيهَا؛ قُمْنَا وَتَرَكْنَاهُ حَتىَّ يَقُوم "
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: ٤١٢٧]
[ ٢٥٠٥ ]
هَكَذَا كَانَتْ نَظْرَةُ الغَنيِّ الكَافِرِ إِلى فُقَرَاءِ المُسْلِمِين، وَلاَ عَجَبَ أَنْ يُفَكِّرَ الكَافِرُونَ بِهَذِهِ العَقْلِيَّة؛ فَكَمَا قِيل: " لَيْسَ بَعْدَ الكُفرِ ذَنْب " ٠٠ فَلَقَدْ قَالُواْ - لُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ - قَالُواْ أَكْبرَ مِنْ ذَلِك ٠٠ قَالُواْ: كَيْفَ يَتَقَدَّمُ عَلَيْنَا غُلاَمٌ يَتِيمٌ وَنُطَأْطِئُ رُءوسَنَا لَه ٠٠؟!!
وَقَالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَة: " أَيُنزَلُ عَلَى محَمَّدٍ وَأُتْرَكُ وَأَنَا كَبِيرُ قُرَيشٍ وَسَيِّدُهَا ٠٠؟!
وَيُترَكُ أَبُو مَسْعُودٍ عَمْرُو بنُ عُمَيرٍ الثَّقَفِيّ، سَيِّدُ ثَقِيف؛ وَنحْنُ عُظَمَاءُ القَرْيَتَين ٠٠؟!
[ ٢٥٠٦ ]
فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَة: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴿٣١﴾ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ، نحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَات؛ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًَا سُخْرِيًَّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يجْمَعُونَ﴾ ﴿الزُّخْرُف﴾
[ابْنُ هِشَامٍ في سِيرَتِهِ ٠ دَارُ الجِيل ٠ بَيْرُوت: ٢٠٧/ ٢]
ـ وَالفُقَرَاءُ أَيْضًَا؛ عَاتَبَ النَّبيُّ ﷺ فِيهِمْ أَبَا بَكْر ٠٠
[ ٢٥٠٧ ]
عَن عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو المُزَنيِّ ﵁ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبِلاَلٍ ﵃ في نَفَرٍ فَقَالُواْ: وَاللهِ مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللهِ مِن عُنُقِ عَدُوِّ اللهِ مَأْخَذَهَا؛ فَقَالَ أَبُو بَكْر: أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ ٠٠؟
فَأَتَى النَّبيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ؛ فَقَالَ ﷺ:
" يَا أَبَا بَكْر، لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ ٠٠ لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّك " ٠٠ فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ فَقَال: يَا إِخْوَتَاه، أَغْضَبْتُكُمْ ٠٠؟
قَالُواْ لاَ، يَغْفِرُ اللهُ لَكَ يَا أَخِي " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٥٠٤ / عَبْد البَاقِي]
[ ٢٥٠٨ ]
وَكُلُّنَا يَعْرِفُ مَا حَكَاهُ القُرْآنُ في شَأْنِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الصَّحَابيِّ الأَعْمَى، حَيْثُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبيِّ ﷺ وَعِنْدَهُ نَفَرٌ مِن أَشْرَافِ قُرَيْشٍ يَدْعُوهُمْ إِلى الإِسْلاَم، فَشَقَّ ذَلكَ عَلَى النَّبيِّ ﷺ، فَتَرَكَهُ بِالبَابِ بُرْهَةً؛ حَتىَّ يَفْرُغَ مِمَّا في يَدَيْه؛ فَعَاتَبَهُ اللهُ في ذَلِكَ وَأَنْزَلَ قَوْلَهُ جَلَّ جَلاَلُه:
﴿عَبَسَ وَتَوَلي ﴿١﴾ أَنْ جَاءهُ الأَعْمَى ﴿٢﴾ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ﴿٣﴾ أَو يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكرَى ﴿٤﴾ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ﴿٥﴾ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ﴿٦﴾ وَمَا عَلَيْكَ أَلاَ يَزَّكَّى ﴿٧﴾ وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ﴿٨﴾ وَهُوَ يخْشَى ﴿٩﴾ فَأَنْتَ عَنهُ تَلَهَّى ﴿١٠﴾ كَلاَّ إِنهَا تَذْكِرَة ﴿١١﴾ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَه﴾ ﴿عَبَسَ﴾
[ ٢٥٠٩ ]
عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " أُنْزِلَ عَبَسَ وَتَوَلى في ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى؛ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَجَعَلَ يَقُول: يَا رَسُولَ اللهِ أَرْشِدْني، وَعِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ المُشْرِكِين؛ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْرِضُ عَنهُ وَيُقْبِلُ عَلَى الآخَرِ وَيَقُول:
" أَتَرَى بِمَا أَقُولُ بَأْسًَا " ٠٠؟
فَيَقُولُ لاَ ٠٠ فَفِي هَذَا أُنْزِل " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: ٣٣٣١، وَقَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين]
[ ٢٥١٠ ]
إِنَّ اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ لاَ يَصْرِفُ الدُّنيَا عَنِ العَبْدِ إِلاَّ إِذَا كَانَ يحِبُّه
عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًَا حَمَاهُ الدُّنيَا، كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يحْمِي سَقِيمَهُ المَاء " ٠
[صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في النَّلْخِيصِ بِرَقْم: (٧٤٦٤)، وَحَسَّنَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَع، وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: ٢٠٣٦]
[ ٢٥١١ ]
عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" إِنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلاَ لَيَحْمِي عَبْدَهُ المُؤْمِنَ الدُّنْيَا وَهُوَ يُحِبُّه؛ كَمَا تَحْمُونَ مَرِيضَكُمْ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ تَخَافُونَ عَلَيْه " ٠ [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في النَّلْخِيصِ بِرَقْم: (٧٤٦٥)، وَالأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٢٣٦٢٢، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في صَحِيحِ الجَامِعِ وَفي التَّرْغِيب]
وَعَن حُذَيْفَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" إِنَّ اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ يحْمِي عَبْدَهُ المُؤْمِن؛ كَمَا يحْمِي الرَّاعِي الشَّفِيقُ غَنَمَهُ عَنْ مَرَاتِعِ الهَلَكَة " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: ٢٠٣٦، وَهُوَ في الشُّعَب بِرَقْم: ١٠٤٥١، وَفي الكَنْزِ بِرَقْم: ٦٨٢٦]
[ ٢٥١٢ ]
لَوْ يَعْلَمُ الفُقَرَاءُ مَا في الفَقْرِ مِنَ الأَجْر ٠٠!!
عَنِ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" لَوْ تَعْلَمُونَ مَا ادُّخِرَ لَكُمْ: مَا حَزِنْتُمْ عَلَى مَا زُوِيَ عَنْكُمْ " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في التَّرْغِيبِ وَالجَامِعِ بِرَقْمَيْ: ٣٢٠٨، ٩٣٩٢، رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيُّ في مُسْنَدِ الشَّامِيِّين]
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ المُؤْمِنَ حَسَنَةً؛ يُثَابُ عَلَيْهَا الرِّزْقَ في الدُّنيَا، وَيُجْزَى بِهَا في الآخِرَة، فَأَمَّا الْكَافِر: فَيُطْعَمُ بحَسَنَاتِهِ في الدُّنيَا، فَإِذَا أَفْضَى إِلىَ الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْطَى بهَا خَيْرًَا " [قَالَ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ وَفي المُسْنَد: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين]
[ ٢٥١٣ ]
وَعَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ قَال: " لاَ يُصِيبُ عبْدٌ مِنَ الدُّنيَا شَيْئًا؛ إِلاَّ نَقَصَ مِنْ دَرَجَاتِهِ ثَمَّ الله - أَيْ عِنْدَ الله - وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ كَرِيمَا " ٠ [صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في " التَّرْغِيب " بِرَقم: (٣٢٢٠)، ابْنُ أَبي الدُّنيَا وَالبَيْهَقِيُّ في " الشُّعَبِ " بِرَقْم: ١٠٦٧٦]
عَن عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " لَوْ أَنَّ رَجُلًا يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلىَ يَوْمِ يَمُوتُ هَرِمًَا، في مَرْضَاةِ اللهِ ﷿؛ لَحَقَرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَة " ٠
[صَحَّحهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الصَّحِيحِ الصَّحِيحَة، قَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَع، وَالأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَد: إِسْنَادُهُ جَيِّد]
[ ٢٥١٤ ]
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَن محَمَّدِ بْنِ أَبي عُمَيرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " لَوْ أَنَّ عَبْدًَا خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلى يَوْمِ يمُوتُ هَرِمًَا، في طَاعَةِ اللهِ ﷿؛ لحَقَّرَهُ ذَلِكَ اليَوْم، وَلَوَدَّ أَنَّهُ يُرَدُّ إِلى الدُّنيَا كَيْمَا يَزْدَادَ مِنَ الأَجْرِ وَالثَّوَاب " ٠
[رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيح ٠ المجْمَع: ٢٢٥/ ١٠، وَصَحَّحهُ الأَلبَانيُّ في التَّرْغِيب: ٣٥٩٧، الكَنْز: ٤٣١٢٠، المُسْنَد: ١٧١٩٨]
وَعَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبيِّ صَلَّىاللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: " إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَال: أَيْ رَبّ، عَبْدُكَ المُؤْمِنُ مُقَتَّرٌ عَلَيْهِ في الدُّنْيَا ٠٠؟!
[ ٢٥١٥ ]
فَيُفْتَحُ لَهُ بَابُ الجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا؛ قَالَ جَلَّ جَلاَلُه: يَا مُوسَى، هَذَا مَا أَعْدَدْتُ لَهُ؛ فَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَم: أَيْ رَبّ، وَعِزَّتِكَ وَجَلاَلِك؛ لَوْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْن، يُسْحَبُ عَلَى وَجْهِهِ مُنْذُ يَوْمِ خَلَقْتَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَة، وَكَانَ هَذَا مَصِيرَهُ؛ لَمْ يَرَ بُؤْسًَا قَطّ، ثُمَّ قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَم: أَيْ رَبّ، عَبْدُكَ الْكَافِرُ تُوَسِّعُ عَلَيْهِ في الدُّنْيَا ٠٠؟!
[ ٢٥١٦ ]
فَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنَ النَّارِ فَيُقَال: يَا مُوسَى، هَذَا مَا أَعْدَدْتُ لَهُ؛ فَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَم: أَيْ رَبّ، وَعِزَّتِكَ وَجَلاَلِك؛ لَوْ كَانَتْ لَهُ الدُّنْيَا مُنْذُ يَوْمِ خَلَقْتَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَة، وَكَانَ هَذَا مَصِيرَه؛ كَأَنْ لَمْ يَرَ خَيرًَا قَطّ " ٠ [قَالَ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ ": فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ وَدَرَّاجٌ وَقَدْ وُثِّقَا عَلَى ضَعْفِهِمَا ٠ ص: (٢٦٦/ ١٠)، وَهُوَ في " المُسْنَدِ " بِرَقْم: (١١٣٥٨)، وَفي " الكَنْزِ " بِرَقْم: ١٦٦٦٦]
وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" تَقُولُ المَلاَئِكَةُ يَا رَبّ: عَبْدُكَ المؤْمِنُ تَزْوِي عَنهُ الدُّنيَا وَتعَرِّضُهُ للبَلاَء وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِكَ؟!
[ ٢٥١٧ ]
فَيَقُول: اكْشِفُواْ عَنْ ثَوَابِه؛ فَإِذَا رَأَواْ ثَوَابَهُ تَقُولُ المَلاَئِكَةُ يَا رَبّ؛ مَا يَضُرُّهُ مَا أَصَابَهُ في الدُّنيَا، وَتَقُولُ المَلاَئِكَةُ يَا رَبّ: عَبْدُكَ الكَافِرُ تَبْسُطُ لَهُ الدُّنيَا وَتَزْوِي عَنهُ البَلاَءَ وَقَدْ كَفَرَ بِك؟!
[الحِليَةُ لأَبي نُعَيْم، جَامِعُ الأَحَادِيثِ القُدُسِيَّةِ بِرَقْم: (٣١٨)، وَالحَدِيثُ في " الكَنْزِ " بِرَقْم: ١٦٦٦٧]
فَيَقُولُ اكْشِفُواْ عَن عِقَابه؛ فَإِذَا رَأَواْ عِقَابَهُ قَالُواْ يَا رَبّ، مَا يَنْفَعُهُ مَا أَصَابَهُ في الدُّنيَا "؟
وَعَن عَطَاءٍ الخُرَاسَانِيِّ أَنَّهُ قَال: " مَرَّ نَبيٌّ مِنَ الأَنْبيَاءِ بِسَاحِلٍ، فَإِذَا هُوَ برَجُلٍ يَصْطَاد، فَقَالَ بِسْمِ اللهِ وَأَلقَى الشَّبَك، فَلَمْ يخْرجْ فِيهِ شَيْء ٠٠!!
[ ٢٥١٨ ]
ثمَّ مَرَّ بِآخَرَ فَوَجَدَهُ يَقُولُ باسْمِ الشَّيْطَانِ وَيُلْقي بِالشَّبَك، فَيَخْرُجُ وَبِهِ مِنَ السَّمَك: مَا كَانَ يَتَقَاعَسُ مِنْ كَثْرَتِه ٠٠!!
فَقَالَ هَذَا النَّبيُّ عَلَيْهِ السَّلاَم: يَا رَبّ، مَا هَذَا وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ بِيَدِك ٠٠؟!
فَقَالَ جَلَّ جَلاَلُهُ لمَلاَئِكَتِهِ: " اكْشِفُواْ لِعَبْدي عَنْ مَنْزِلَتَيْهِمَا، فَلَمَّا رَأَى مَا أَعَدَّ اللهُ لِهَذَا منَ الكَرَامَة، وَلِذَاكَ مِنَ الهَوَان؛ قَالَ رَضِيتُ يَا رَبّ " ٠
[الزُّهْدُ لاَبْنِ المُبَارَكِ بِرَقْم: (٦٢١)، الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ " طَبْعَةُ دَارِ الوَثَائِقْ ٠ بَابُ فَضِيلَةِ الفَقر: ١٥٥٥]
[ ٢٥١٩ ]
أَيُّهُمَا أَفْضَل: الغَنيُّ الشَّاكِرُ أَمِ الفَقِيرُ الصَّابِر ٠٠؟!
وَاللهِ يَا أَخِي مِنْ قَدِيمٍ وَالنَّاسُ مخْتَلِفُونَ حَوْلَ هَذَا الأَمْر - أَعْني المُفَاضَلَةَ بَينَ الشُّكْرِ وَالصَّبر - فَمِنهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ الشَّاكِرَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الصَّابِر، وَمِنهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ الصَّابِرَ أَعْظَمُ دَرَجَة ٠
أُمُورٌ قَبْلَنَا اختَلَفُواْ عَلَيْهَا * وَطَالَ البَحثُ وَاتَّصَلَ الحِوَارُ
﴿محْمُود غُنَيْم﴾
[ ٢٥٢٠ ]
نَعَمْ يَا أَخِي، كِلاَهُمَا نِصْفُ الإِيمَان - كَمَا نَصَّتْ عَلَى ذَلِكَ الأَحَادِيثُ في مَوَاطِنَ كَثِيرَة - لَكِنْ نَاهِيكَ في ذَلِكَ أَنَّ كَلِمَةَ الصَّبْر [بِدُونِ مُشْتَقَّاتِهَا]: ذَكَرَهَا القُرْآنُ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّة، أَمَّا كَلِمَةُ الشُّكْر: فَلَمْ تَرِدْ في القُرْآنِ الكَرِيمِ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَة، وَجَاءتْ نَكِرَة ٠٠!!
لَكَ اللهُ يَا أَخِي، أَفَمَنْ يَصْبِرُ وَهُوَ مُضْطَرّ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ مَفَرَّ مِنَ الصَّبْر: كَمَنْ يُسَلِّكُ أَسْنَانَهُ بِالشُّكْر ٠٠؟! إِنَّكَ لأَنتَ الحَلِيمُ الرَّشِيد ٠٠!!
أَفَشُكْرُ الشَّبْعَانِ * يَسْتَوِي في المِيزَانِ
مَعَ صَبْرِ الجَوْعَانِ
[ ٢٥٢١ ]
فَقُدْرَةُ الغَنيِّ عَلَى الشُّكْر: أَيْسَرُ بِكَثِيرٍ مِنْ قُدْرَةِ الفَقِيرِ عَلَى الصَّبر ٠
عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لأَصْحَابِهِ يَوْمًَا: " أَيُّ النَّاسِ خَير " ٠٠؟
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مُوسِرٌ غَنيٌّ يُعْطِي حَقَّ نَفْسِهِ وَمَالِه، فَقالَ النَّبيُّ ﷺ: " نِعْمَ الرَّجُلُ هَذَا وَلَيْسَ بِه، وَلَكِن خَيرُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ؛ وَالحَاصِلُ - أَيْ وَقَعَدَ - يُعْطِي جُهْدَه " ٠ [ابْنُ عَدِيٍّ في " الضُّعَفَاءِ " طَبْعَةِ دَارِ الفِكْر ٠ بَيرُوت ٠ ص: ٢٣٨/ ٤]
وَجُهْدُ الفَقِيرِ المُقِلِّ هَذَا لاَ يُسْتَهَانُ بِه؛ فَهْوَ عِنْدَ اللهِ خَيرٌ مِنَ الأُلُوفِ المُؤَلَّفَة، الَّتي قَدْ لاَ تُسَاوِي شَيْئًَا بِالنِّسْبَةِ إِلى ثَرْوَةِ صَاحِبِهَا ٠٠!!
[ ٢٥٢٢ ]
وَعَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْف " ٠
قَالُواْ: يَا رَسُولَ الله؛ وَكَيْف ٠٠؟!
قَالَ ﷺ: " رَجُلٌ لَهُ دِرْهَمَان، فَأَخَذَ أَحَدَهُمَا فَتَصَدَّقَ بِه، وَرَجُلٌ لَهُ مَالٌ كَثِير، فَأَخَذَ مِن عُرْضِ مَالِهِ مِائَةَ أَلْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا " ٠
[حَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ النَّسَائِيِّ بِرَقْم: ٢٥٢٨، وَفي مُشْكِلَةِ الْفَقْرِ بِرَقْم: (١١٩)، وَفي الجَامِعِ بِرَقْم: ٥٩١٩، وَالأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ الإِمَامِ ابْنِ حِبَّان]
[ ٢٥٢٣ ]
سُئِلَ المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَنْ رَجُلَيْنِ مَرَّا بِلَبِنَةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَيُّهُمَا أَفْضَل ٠٠ أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَتَخَطَّاهَا وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَخَذَهَا وَأَنْفَقَهَا في طَاعَةِ الله ٠٠؟!
فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَم: الَّذِي تخَطَّاهُ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْه " ٠
[ابْنُ القَيِّمِ في " عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِينَ " بِالبَابِ العِشْرِين]
[ ٢٥٢٤ ]
وَيَقُولُ ابْنُ القَيِّمِ في كِتَابِهِ القَيِّمِ " عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِين " مَا مخْتَصَرُه:
" وَلَقَدْ رَأَيْنَا كَيْفَ كَانَتِ الدُّنيَا تُعْرَضُ عَلَيْهِ ﷺ وَلَوْ قَبِلَهَا لأَنْفَقَهَا كُلَّهَا في سَبِيلِ الله، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُؤْثِرُ ﷺ أَنْ يَعِيشَ عِيشَةَ الفُقَرَاء؛ لِمَا في الصَّبْرِ عَلَيْهَا مِنَ المَثُوبَةِ وَالجَزَاء، وَلَوْ كَانَ الشُّكْرُ أَعْظَمَ أَجْرًَا لَفَعَل " ٠
[ابْنُ القَيِّمِ في " عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِينَ " بِتَصَرُّف ٠ البَابُ العِشْرُون]
[ ٢٥٢٥ ]
وَبِالطَّبْعِ أَنَا لاَ يخْفَى عَلَيَّ أَنَّ هُنَاكَ فِئَةً مِمَّنْ تَنَاوَلُواْ المَسْأَلَة؛ الفَضْلُ عِنْدَهَا لَيْسَ بِالفَقْرِ وَلاَ الغِنى، إِنمَا هُوَ بحَسَبَ التَّقْوَى وَالإِيمَان، وَطَاقَةِ كُلِّ إِنْسَان، وَهَذِهِ الفِئَةُ - مَعَ احْترَامِنَا لهَا الشَّدِيد - لَمْ تَأْتِنَا بجَدِيد، ثمَّ أَنهَا احْتَجَّتْ عَلَى كَلاَمِهَا بِشَاهِدٍ بَعِيد؛ إِذْ أَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ التَّقْوَى مِقْيَاسُ التَّفَاضُلِ بَينَ النَّاسِ عُمُومًَا، وَلَيْسَ بَينَ الفُقَرَاءِ وَالأَغْنِيَاءِ فَقَطْ؛ يَقُولُ جَلَّ جَلاَلُه:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ﴿الحُجُرَات/١٣﴾
فَنُقْطَةُ الخِلاَفِ هِيَ: إِذَا اسْتَوَى فَقِيرٌ وَغَنيٌّ في التَّقْوَى وَالعِبَادَات؛ أَيُّهُمَا أَفْضَل ٠٠؟
[ ٢٥٢٦ ]
وَلَن أُجِيبَ أَنَا، لَكِنْ سَيُجِيبُ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" يَدْخُلُ الفُقَرَاءُ الجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاء؛ بخَمْسِمِائَةِ عَام ٠٠ نِصْفِ يَوْمٍ " ٠
[صحَّحَهُ الأَلبَانِيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ " بِرَقْم: (٢٣٥٣)، وَالحَدِيثُ في " الكَنْزِ " بِرَقْم: ١٦٥٩٢]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم:
﴿وَإِنَّ يَوْمًَا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ ﴿الحَجّ: ٤٧﴾
[ ٢٥٢٧ ]
هَذَا ٠٠ وَكُلُّ الأَحَادِيثِ الَّتي قَدَّمْنَاهَا سَالِفًَا يُسْتَشْهَدُ بهَا في ذَلِك؛ لإِثْبَاتِ فَضْلِ أَهْلِ الفَقْرِ عَلَى أَهْلِ الغِنى، إِنَّ الأَحَادِيثَ الَّتي ثَوَّبَتْ فَضْلَ فَقْرِ الفَقِيرِ أَكْثَرُ مِن أَنْ تحْصَى، وَأَكْثَرُهَا لَمْ يجْعَلْ صَبرَهُ شَرْطًَا، وَإِنمَا جَاءَ التَّثْوِيبُ لِمَا يخْتَصُّ بِهِ الفَقْرُ مِنَ البَلاَء، في حِينِ أَنَّهُ لاَ تُوجَدُ أَحَادِيثُ عَلَى الإِطْلاَقِ مَدَحَتْ غِنى الغَنيّ - اللهُمَّ إِلاَ مَشْرُوطًَا بِالإِنْفَاقِ في سَبِيلِ الله ـ
بَلْ عَلَى العَكْس تَمَامًَا؛ ذَمَّتِ الغِنى وَحَذَّرَتْ مِنهُ ٠
[ ٢٥٢٨ ]
ثمَّ إِنَّهُمْ لَمَّا أَعْيَتْهُمُ الحِيلَةُ في الرَّدّ؛ بَدَأُواْ يَبْحَثُونَ عَنْ كُلِّ مَا ثَوَّبَ الشُّكْرَ وَقَدَّمُوهُ لَنَا، وَهَذَا خَلطٌ آخَر، فَالشَّاكِرُ لاَ غُبَارَ عَلَيْه، لَكِنَّ الَّذِي يَعْنِينَا هُنَا كَمَا نَقُول: هُوَ الفَضْلُ بَينَ الفَقْرِ وَالغِنى وَفي أَيِّهِمَا الأَجْر، وَلَيْسَ عَنْ فَضْلِ الشُّكْرِ وَالصَّبر ٠
وَمِمَّا قَدْ قَالُوهُ: إِنَّ الصَّبرَ دَرَجَاتٌ وَالشُّكْرَ دَرَجَات؛ وَفَضْلُ كُلِّ صَابِرٍ أَوْ شَاكِرٍ بحَسْبِ دَرَجَتِه، وَهَذَا كَلاَمٌ لاَ يُعَدُّ تَأْوِيلًا وَلاَ يَسُدُّ غَلِيلًا: فَكُلُّ عِبَادَةٍ يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا هَذَا الكَلاَم، وَلَيْسَ الصَّبرُ وَالشُّكْرُ فَقَطْ: فَالذَّاكِرُونَ دَرَجَات، وَالمُصَلُّونَ دَرَجَات، وَالصَّائِمُونَ دَرَجَات، وَكَذَا كُلُّ العِبَادَات ٠٠!!
[ ٢٥٢٩ ]
وَاسْتَشْهَدَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿إِنْ يَكُن غَنِيًَّا أَوْ فَقِيرًَا فَاللهُ أَوْلى بهِمَا﴾ ﴿النِّسَاء: ١٣٥﴾
وَقَالُواْ: إِنَّ الآيَةَ لَمْ تُفَرِّقْ بَينَ فَقِيرٍ وَغَنيّ ٠
وَنَسُواْ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ جَاءتْ في مَعْرِضِ الكَلاَمِ عَنِ القَضَاء، حَيْثُ أَمَرَتْ بِالتَّسْوِيَةِ بَينَ الفَقِيرِ وَالغَنيّ: فَلاَ نجَامِلُ الغَنيَّ لأَجْلِ غِنَاه، وَلاَ نحْكُمُ لِلْفَقِيرِ شَفَقَةً عَلَيْه ٠٠
[ ٢٥٣٠ ]
يَقُولُ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقرَبِين، إِنْ يَكُن غَنِيًَّا أَوْ فَقِيرًَا فَاللهُ أَوْلى بِهِمَا؛ فَلاَ تَتَّبِعُواْ الهَوَى أَنْ تَعْدِلُواْ، وَإِنْ تَلوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرَا﴾ [النِّسَاء: ١٣٥] ﴿أَ: هـ﴾
[الإِمَامُ القُرْطُبيُّ في " تَفْسِيرِهِ " طَبْعَةِ دَارُ الشَّعْبِ ٠ القَاهِرَة: ٤١٣/ ٥]
وَأَقُول: إِنَّهُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ القَضِيَّةِ نِزَاعًَا بَينَ الفَقِيرِ وَالغَنيّ؛ إِلاَ أَنَّ البَصِيرَ لاَ يخْفَى عَلَيْهِ أَنَّ بَاطِنَهَا نِزَاعٌ بَينَ الفَقْرِ وَالغِنى، وَالبَحْثُ عَن أَيِّهُمَا أَفْضَل ٠٠؟
وَمِمَّا لاَ شَكَّ فِيهِ أَنَّ الفَقْرَ أَفْضَلُ لِسَبَبَين:
[ ٢٥٣١ ]
أَوَّلُهُمَا: أَنَّ الفَقْرَ لاَ يُعَرِّضُ صَاحِبَهُ لِفِتْنَةِ الدُّنيَا كَالغِنى ٠٠
عَن عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَال: حِينَ قَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالِ البَحْرَيْنِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَوَافَاهُ الأَنْصَارُ لِيَأْخُذُواْ مِنهُ - تَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ رَآهُمْ ثُمَّ قَال:
" أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ " ٠٠؟
[ ٢٥٣٢ ]
قَالُواْ أَجَلْ يَا رَسُولَ الله، قَالَ ﷺ: " فَأَبْشِرُواْ وَأَمِّلُواْ مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِني أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا؛ وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: ٤٠١٥]
وَعَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَال:
" ابْتُلِينَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالضَّرَّاءِ فَصَبَرْنَا، ثُمَّ ابْتُلِينَا بِالسَّرَّاءِ بَعْدَهُ فَلَمْ نَصْبِرْ " ٠٠!!
[حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ " بِرَقْم: ٢٤٦٤]
[ ٢٥٣٣ ]
ثَانِيهِمَا: أَنَّ الفَقْرَ قَاسٍ لاَ يُطَاقُ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُس، بخِلاَفِ الغِنى، وَالأَجْرُ عَلَى قَدْرِ المَشَقَّة؛ وَلِذَا كَانَتْ لِلفَقِيرِ الفَاقِدِ في الإِسْلاَمِ خُصُوصِيَّةٌ لَيْسَتْ لِلغَنيِّ الوَاجِد ٠٠
رَأْيٌ قَيِّم لاَبْنِ القَيِّم
يَقُولُ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ في كِتَابِهِ القَيِّم / عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِين:
" شَرَعَ اللهُ سُبْحَانَهُ قِتَالَ الكُفَّار، وَشَرَعَ الكَفَّ عَنِ الرُّهْبَان؛ لاَعْتِزَالهِمْ عَنِ الدُّنيَا وَزُهْدِهِمْ فِيهَا، فَمَضَتِ السُّنَّةُ بِأَن لاَ يُقَاتَلواْ وَلاَ تُضْرَبَ عَلَيْهِمُ الجِزْيَة ٠٠
[ ٢٥٣٤ ]
هذا ٠٠ وَهُمْ أَعْدَاؤُهُ وَأَعْدَاءُ رَسُولِهِ وَدِينِهِ؛ فَاعْلَم أَنَّ الزُّهْدَ فِيهَا عِنْدَ اللهِ بمَكَان، وَكَذَلِكَ اسْتَقَرَّت حِكْمَتُهُ في شَرْعِهِ عَلَى أَنَّ عُقُوبَةَ الوَاجِدِ أَعْظَمُ مِن عُقُوبَةِ الفَاقِد: فَهَذَا الزَّاني المحْصَنُ عُقُوبَتُهُ الرَجْم، وَعُقُوبَةُ مَنْ لَمْ يُحْصَنِ الجَلْدُ وَالتَّغْرِيب ٠٠ وَهَكَذَا يَكُونُ ثَوَابُ الفَاقِدِ أَعْظَمَ مِنْ ثَوَابِ الوَاجِد " ٠
[الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ في " عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِينَ " بِالبَابِ الثَّالِثِ وَالعِشْرِين]
عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ ﵁ قَال:
" خَرَجَ رَسُولُ اللهِ في أَصْحَابِهِ إِلى بَقِيعِ الغَرقَد - أَيِ المَقَابِر - فَقَال ﷺ:
[ ٢٥٣٥ ]
" السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ القُبُور، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نجَّاكُمُ اللهُ مِنهُ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ " ٠٠؟!
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَال: " هَؤُلاَءِ خَيرٌ لي مِنْكُمْ " ٠٠ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ إِخوَانُنَا، أَسلَمْنَا كَمَا أَسْلَمُوا، وَهَاجَرْنَا كَمَا هَاجَرُواْ، وَجَاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُواْ، وَأَتَواْ عَلَى آجَالهِمْ، فَمَضَواْ فِيهَا وَبَقِينَا في آجَالِنَا؛ فَمَا بجْعَلُهُمْ خَيرَا مِنَّا ٠٠؟!
قَالَ ﷺ: " إِنَّ هَؤُلاَءِ خَرَجُواْ مِنَ الدُّنيَا وَلَمْ يَأْكُلُواْ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئَا، وَخَرَجُواْ وَأَنَا الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ - أَيْ شَهِيدٌ عَلَى حُسْنِ خَاتِمَتِهِمْ - وَإِنَّكُمْ قَدْ أَكَلتُمْ مِن أُجُورِكُمْ، وَلاَ أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي " ٠
[ ٢٥٣٦ ]
فَلَمَّا سَمِعَهَا القَوْمُ وَاللهِ عَقَلُوهَا وَانْتَفَعُواْ بِهَا، قَالواْ: وَإِنَا لمحَاسَبُونَ بِمَا أَصَبْنَا مِنَ الدُّنيَا، وَإِنَهُ لَيُنْقِصُ بِهِ مِن أُجُورِنَا ٠٠؟!
فَأَكَلُواْ وَاللهِ طَيِّبًَا، وَأَنْفَقُواْ قَصْدًَا، وَقَدَّمُواْ فَضْلاَ " ٠
[ابْنُ القَيِّمِ في " عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِينَ " بِالبَابِ رَقم: (٢٣)، وَابْنِ المُبَارَكِ في " الزُّهْد " بِرَقم: ٤٩٨]
انْظُرْ مَا جَرَّتْهُ كَثْرَةُ الأَمْوَالِ عَلَى أَهْلِ الغِنى: حَمَلَهُمْ حُبُّ المَالِ عَلَى أَنْ قَطَعُواْ أَرْحَامَهُمْ، وَأَكَلُواْ الحُقُوقَ وَظَلَمُواْ العِبَاد ٠٠!!
[ ٢٥٣٧ ]
أَلاَ تَرَى كَيْفَ رَبَطَ اللهُ جَلَّ جَلاَلُهُ بَينَ البَغْيِ وَالغِنى فَقَالَ ﷾: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَواْ في الأَرْض، وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاء، إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِير﴾ ﴿الشُّورَى: ٢٧﴾
رَأْيٌ لِشَيْخِ الإِسْلاَمِ ابْنِ تَيْمِيَة
وَقَالَ أَيْضًَا شَيْخُ الإِسْلاَمِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في الفَتَاوَى الكُبرَى:
[ ٢٥٣٨ ]
" إِنَّ الصَّلاَحَ في الفُقَرَاءِ أَكْثَرُ مِنهُ في الأَغْنِيَاء، كَمَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ في الأَغْنِيَاءِ فَهُوَ أَكْمَلُ مِنهُ في الفُقَرَاء، فَهَذَا في هَؤُلاَءِ أَكْثَر، وَفي هَؤُلاَءِ أَكْثَر - أَيْ كَثِيرٌ أَيْضًَا - لأَنَّ فِتْنَةَ الغِنى أَعْظَمُ مِنْ فِتْنَةِ الفَقْر؛ فَالسَّالِمُ مِنهَا أَقَلّ، وَمَنْ سَلِمَ مِنهَا: كَانَ أَفْضَلَ مِمَّنْ سَلِمَ مِنْ فِتْنَةِ الفَقْرِ فَقَطْ؛ وَلِهَذَا صَارَ النَّاسُ يَطْلُبُونَ الصَّلاَحَ في الفُقَرَاء؛ لأَنَّ المَظَنَّةَ فِيهِمْ أَكْثَر، وَاللهُ أَعْلَم " ٠
[شَيْخُ الإِسْلاَمِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في " الفَتَاوَى الكُبرَى " ٠ ص: ١٣١ - ١٣٢/ ١١]
هَذَا ٠٠
وَلَطَالَمَا كَانَ الهَلاَكُ مِنَ الغِنى * وَسَلاَمَةُ الإِنْسَانِ في إِمْلاَقِهِ
﴿الشَّاعِرُ الْقَرَوِيّ / رَشِيد سَلِيمٌ الخُورِي﴾
[ ٢٥٣٩ ]
إِذَا مَا أَرَادَ اللهُ إِهْلاَكَ نَمْلَةٍ * سَمَتْ بجَنَاحَيْهَا إِلى الجَوِّ تَصْعَدُ
إِنَّ الصَّحَابَةَ مَا فَتَحُواْ الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا إِلاَّ بِالجُوع، ولاَ طُوِيَتْ لهُمُ الأَرْضُ إِلاَّ بِالجُوع، وَلاَ اجْتَبَاهُمُ اللهُ جَلَّ جَلاَلُهُ إِلاَّ بِه ٠
فَضْلُ الجُوعِ وَالحِرْمَانِ يَوْمَ القِيَامَة
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ في قَولِهِ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَات، وَبَشِّرِ الصَّابِرِين﴾ ﴿البَقَرَة/١٥٥﴾
[ ٢٥٤٠ ]
قَال ﵁: " أَخْبَرَ جَلَّ جَلاَلُهُ المُؤْمِنينَ أَنَّ الدُّنيَا دَارُ بَلاَء، وَأَنَّهُ مُبْتَلِيهِمْ فِيهَا، وَأَمَرَهُمْ بِالصَّبر، وَبَشَّرَهُمْ فَقَالَ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِين﴾ ﴿البَقَرَة/١٥٥﴾
ثمَّ أَخْبرَهمْ أَنَّهُ هَكَذَا فَعَلَ بِأَنْبِيَائِهِ وَصَفْوَتهِ؛ يُطَيِّبُ نُفُوسَهُمْ، فَقَالَ ﷾:
﴿مَسَّتْهُمُ البَأْسَاءوَالضَّرَّاءوَزُلْزِلواْ﴾ ﴿البَقَرَة/٢١٤﴾
أَمَّا البَأْسَاءُ فَالفَقْر، وَأَمَّا الضَّرَّاءُ فالسَّقَم، وَزُلْزِلْواْ بِالفِتنِ وَأَذَى النَّاسِ إِيَّاهُمْ " ٠
[الإِمَامُ البَيْهَقِيُّ في " شُعَبِ الإِيمَانِ " بِرَقْم: (٩٦٨٧)، وَالطَّبرِيُّ في تَفْسِيرِهِ ٠ طَبْعَةُ دَارِ الفِكْر ٠ ص: ٦١/ ٢٦]
[ ٢٥٤١ ]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَواْ مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْسَاءوَالضَّرَّاءوَزُلزِلواْ حَتىَّ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتى نَصْرُ الله، أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيب﴾ ﴿البَقَرَة: ٢١٤﴾
[ ٢٥٤٢ ]
دَعْوَةُ الفَقِيرِ المُضْطَرّ
قَالَ رَجُلٌ لِبِشْرِ بْنِ الحَارِثِ ﵁ ادْعُ اللهَ لي فَقَدْ أَضَرَّ بي العِيَال ٠٠؟
فَقَالَ لَهُ بِشْر: إِذَا قَالَ لَكَ عِيَالُكَ لَيْسَ عِنْدَنَا دَقِيقٌ وَلاَ خُبز؛ فَادْعُ اللهَ لي أَنْتَ عِنْدَئِذٍ؛ فَإِنَّ دُعَاءَكَ أَفْضَلُ مِنْ دُعَائي ٠٠!!
[الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ " الطَبْعَةِ الأُولى لِدَارِ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة ٠ ص: ١٥٦١]
ذَلِكَ لأَنَّهُ مُضْطَرّ، وَاللهُ يجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاه ٠
[ ٢٥٤٣ ]
بُشْرَاهُ ﷺ لِلفُقَرَاء
عَن عِمْرَانَ بْنِ الحُصَين ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ اللهَ يحِبُّ عَبْدَهُ المُؤْمِنَ الفَقِيرَ المُتَعَفِّفَ أَبَا العِيَال " ٠
[ضَعَّفَهُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: (٤١٢١)، ذَكَرَهُ الغَزَاليُّ في الإِحْيَاء: (١٥٤٨)، وَهُوَ في الكَنْزِ بِرَقْم: ٧٠٩١]
[ ٢٥٤٤ ]
فُقَرَاءُ الصُّفَّة
[الصُّفَّةُ: ظُلَّةٌ كَالخَيْمَةِ كَانَتْ في المَسْجِدِ النَّبَوِيّ، يَأْوِي إِلَيْهَا مَنْ لاَ مَأْوَى لَهُ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِين]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَال: " لَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ سَبْعِينَ رَجُلًا " ٠
[قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٤٢٩٢]
[ ٢٥٤٥ ]
عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرو النَّضْرِيِّ ﵁ وَذَكَرَ قُدُومَهُ لِلمَدِينَةِ فَقِيرًَا فَقَال:
" فَنَزَلتُ في الصُّفةِ مَعَ رَجُل، فَكَانَ بَيْني وَبَيْنَه كُلَّ يَومٍ مُدٌّ مِنَ التَّمْر، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ بَعْضَ الصَّلوات، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَجُلٌ مِن أَهْلِ الصِّفَّة: يَا رَسُولَ الله، أَحْرَقَ بُطُونَنَا التَّمْرُ وَتخَرَّقَتْ عَنَّا الخُنُف - أَيْ جَمْعُ خَنِيف: وَهُوَ رِدَاءٌ رَدِيءٌ غَلِيظ - فَصَعَدَ ﷺ المِنْبرَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنى عَلَيْه، وَذَكَرَ مَا لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ مِنَ الشِّدَّةِ وَالأَذَى، حَتىَّ قَال ﷺ:
[ ٢٥٤٦ ]
" لَقَدْ مَكَثْتُ أَنَا وَصَاحِبي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًَا وَلَيْلَة، وَمَا طَعَامُنا إِلاَّ البرِير - أَيْ ثَمَرُ شَجَرِ الآرَاك: أَيِ السِّوَاك، وَقِيلَ الآرَاكُ نَفْسُه - حَتىَّ قَدِمْنَا المَدِينَةَ عَلَى إِخْوَانِنَا مِنَ الأَنْصَار، فَوَاسَوْنَا في طَعَامِهِمْ، وَعِظَمُ طَعَامِهِمْ هَذَا - أَيْ وَمُعْظَمُه - التَّمْر، وَاللهِ لَوْ وَجَدْتُ اللَّحْمَ وَالخبْزَ لأَطْعَمْتُكُمُوه، وَلَكِنْ لَعَلَّكُمْ أَنْ تُدْرِكُواْ زَمَانًَا تَلْبِسُونَ فِيهِ مِثْلَ أَسْتَارِ الكَعْبة، وَيُغْدَى عَلَيْكُمْ وَيُرَاحُ بِالجِفَان، أَنْتُمْ - أَيِ اليَوْمَ - خَيرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ؛ أَنْتُمُ اليَوْمَ إِخْوَان، وَأَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْض " ٠ [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيصِ بِرَقْم: ٤٢٩٠، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحَةِ بِرَقْم: ٢٤٨٦]
[ ٢٥٤٧ ]
الجفان: جَمْعُ جَفنَة، وَهِيَ القَصْعَةُ الَّتي يُوضَعُ فِيهَا الطَّعَام ٠
بِأَبي أَنْتَ وَأُمِّي يَا سَيِّدِي رَسُولَ الله؛ كَأَنَّكَ تَنْظُرُ بِعَينِ النُّبُوَّةِ إِلى حَالِ أُمَّتِكَ مِنْ بَعْدِك ٠٠!!
وَسُبْحَانَ القَائِل: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إِن هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ﴿النَّجْم: ٣﴾
[ ٢٥٤٨ ]
الحَالُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ المَسْجِدُ النَّبَوِيّ
عَن أَبي سَلَمَةَ بِنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵃ أَنَّهُ قَال: " جَاءتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ؛ حَتىَّ سَالَ السَّقْف - وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْل - فَأُقِيمَتِ الصَّلاَة؛ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْجُدُ في المَاءِ وَالطِّين؛ حَتىَّ رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ في جَبْهَتِهِ ﷺ " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٦٦٩ / فَتْح]
[ ٢٥٤٩ ]
فَقْرُ النَّبيِّ ﷺ وَضِيقُ بَيْتِه
وَعَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " كُنْتُ أَمُدُّ رِجْلي في قِبْلَةِ النَّبيِّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَني فَرَفَعْتُهَا، فَإِذَا قَامَ مَدَدْتُهَا " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ١٢٠٩ / فَتْح]
[ ٢٥٥٠ ]
عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرِجْلاَيَ في قِبْلَتِه، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَني فَقَبَضْتُ رِجْلَيّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا، وَالبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيح " ٠ [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (٥١٣)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٥١٢]
[ ٢٥٥١ ]
رَوَى حُرَيْثُ بْنُ السَّائِب عَنِ الحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵁ قَال: " كُنْتُ أَدْخُلُ بُيُوتَ أَزْوَاجِ النَّبيِّ ﷺ في خِلاَفَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَأَتَنَاوَلُ سُقُفَهَا بِيَدِي " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الأَدَبِ المُفْرَدِ بِرَقْم: ٤٥٠]
انْظُرْ إِلى ضِيقِ بَيْتِهِ ﷺ وَقَارِنهُ بِسَعَةِ بُيُوتِ أُمَّتِه، وَمَعَ ذَلِكَ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ٠٠!!
[ ٢٥٥٢ ]
الإِضَاءةُ في بَيْتِ النَّبيِّ ** ﷺ **
يَا مَنْ لاَ يَسْتَطِيعُ الحَيَاةَ بِدُونِ كَهْرَبَاء: هَلاَّ ذَكَرْتَ بُيُوتَ الأَنْبِيَاء ٠٠؟!
هَلاَّ تَفَكَّرْتَ في بَيْتِ النَّبيِّ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَم، وَكَيْفَ كَانَتْ تَمُرُّ عَلَيْهِ اللَّيَالي وَالأَيَّام، وَهُوَ يخَيِّمُ في جَنَبَاتِهِ الظَّلاَم ٠٠؟!
تَقُولُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ ﵂: " لَوْ كَانَ عِنْدَنَا دُهْنُ مِصْبَاحٍ لأَكَلْنَاه " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " التَّرْغِيب " بِرَقْم: ٣٢٧٦]
[ ٢٥٥٣ ]
حَدَّثَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ ﵁ عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ:
" كَانَتْ تَأْتي عَلَيْنَا أَرْبَعُونَ لَيْلَةً؛ مَا يُوقَدُ في بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِصْبَاحٌ وَلاَ غَيْرُه " [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٧٠٨٠]
[ ٢٥٥٤ ]
عَن أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ أَتَى فَاطِمَةَ بِعَبْدٍ كَانَ قَدْ وَهَبَهُ لَهَا، وَعَلَى فَاطِمَةَ ﵂ ثَوْبٌ إِذَا قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَهَا لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْهَا، وَإِذَا غَطَّتْ بِهِ رِجْلَيْهَا لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَهَا؛ فَلَمَّا رَأَى النَّبيُّ ﷺ مَا تَلْقَى قَالَ ﷺ: " إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْس؛ إِنَّمَا هُوَ أَبُوكِ وَغُلاَمُك " ٠٠ أَيْ لاَ تَتَكَلَّفِي الحِجَابَ مِنهُ
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ وَفي الإِرْوَاءِ بِرَقْمَيْ: ٤١٠٦، ١٧٩٩]
عَن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الجُهَنيَّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَمْنَعُ أَهْلَهُ الحِلْيَةَ وَالحَرِيرَ وَيَقُول: " إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ حِلْيَةَ الجَنَّةِ وَحَرِيرَهَا فَلاَ تَلْبَسُوهَا في الدُّنيَا " ٠
[صَحَّحَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ الإِمَامِ ابْنِ حِبَّانَ بِرَقْم: ٥٤٨٦]
[ ٢٥٥٥ ]
**كَيْفَ كَانَ ﷺ أَحْيَانًَا**
**يُصَلِّي جَالِسًَا مِنْ شِدَّةِ الجُوع**
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَال: " دَخَلتُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي جَالِسًَا؛ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله، أَرَاكَ تُصَلِّي جَالسًَا فَمَا أَصَابَك ٠٠؟!
قَالَ ﷺ: " الجُوعُ يَا أَبَا هُرَيْرَة " ٠٠ فَبَكَيْت، فَقَالَ " لاَ تَبْكِ يَا أَبَا هُرَيْرَة؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الحِسَابِ يَوْمَ القِيَامَة، لاَ تُصِيبُ الجَائِعَ إِذَا احْتَسَبَ في دَارِ الدُّنيَا " ٠
[احْتَسَبَ: أَيْ وَثِقَ في أَجْرِهِ وَحِسَابِه، وَحُسْنِ ثَوَابِه ٠ رَوَاه ابْنُ الخَطِيبِ وَأَبُو نُعَيمٍ وَالبَيْهَقِيُّ في " الشُّعَب " بِرَقْم: (١٠٤٢٥)، وَهُوَ في " الكَنْزِ " بِرَقْم: ١٨٦٢٨]
[ ٢٥٥٦ ]
وَكانَت أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ ﵂ تَقُول: " إِنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمْ يَمْتَلِئْ قَطُّ شِبْعًَا، وَرُبمَا بَكَيْتُ رَحْمَةً مِمَّا أَرَى بِهِ مِنَ الجُوع؛ فَأَمْسَحُ بَطْنَهُ بِيَدِي وَأَقُول: نَفْسِي لَكَ الفِدَاء، لَوْ تَبَلَّغْتَ مِنَ الدُّنيَا بقَدْرِ مَا يُقَوِّيكَ وَيَمْنَعُكَ مِنَ الجُوع ٠٠؟!
فَيَقُولُ ﷺ: " يَا عَائِشَة: إِخْوَاني مِن أُولي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ قَدْ صَبرُواْ عَلَى مَا هُوَ أَشَدُّ مِن هَذَا، مَضَواْ عَلَى حَالهِمْ فَقَدِمُواْ عَلَى رَبِّهِمْ فَأَكْرَمَ مَآبَهُمْ وَأَجْزَلَ ثَوَابَهُم؛
[ ٢٥٥٧ ]
فَأَجِدُنِي أَسْتَحِيي إِنْ تَرَفَّهْتُ في مَعِيشَتي أَنْ يُقَصِّرَ بي غَدًَا دُونَهُمْ، فَالَّصَّبرُ أَيَّامًَا يَسِيرَة: أَحَبُّ إِليَّ مِن أَنْ يَنْقُصَ حَظِّي غَدًَا في الآخِرَة، وَمَا مِنْ شَيْء أَحَبُّ إِليَّ مِنَ اللُّحُوقِ بِأَصْحَابي وَإِخْوَاني "؛ قَالتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَة:
فَوَاللهِ مَا اسْتَكمَلَ بَعْدَ ذَلِكَ جُمُعَةً حَتىَّ قَبَضَهُ اللهُ إِلَيْه " ٠ [أَخرَجَه أَبُو مُوسَى المدَنِي: أَحَدُ شُيُوخِ الإِمَامِ البُخَارِيّ، الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ ": ٩٦٢]
[ ٢٥٥٨ ]
عَنْ مَسْرُوقٍ الهَمَدَانيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " يَا عَائِشَة: إِنَّ اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ لَمْ يَرْضَ مِن أُولي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ إِلاَّ بِالصَّبرِ عَلَى مَكْرُوهِهَا، وَالصَّبرِ عَنْ محْبوبِهَا، ثُمَّ لَمْ يَرْضَ مِنيِّ إِلاَّ أَنْ يُكَلِّفَني ما كَلَّفَهُمْ؛ فَقَالَ جَلَّ جَلاَلُه:
﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُل﴾ ﴿الأَحْقَاف: ٣٥﴾ " ٠
[ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِه ٠ طَبْعَةُ دَارِ الفِكْر ٠ بَيرُوت ٠ ص: ١٧٣/ ٤]
[ ٢٥٥٩ ]
جُوعُ النَّبيِّ ﷺ بِاليَوْمَينِ وَالثَّلاَثَة
عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَال:
" أَتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ فَرَأَيْتُهُ مُتَغَيرًَا؛ فَقُلْتُ بِأَبي أَنْتَ مَا لي أَرَاكَ مُتَغَيرًَا ٠٠؟!
قَالَ ﷺ: " مَا دَخَلَ جَوْفي مَا يَدْخُلُ جَوْفَ ذَاتِ كَبِدٍ مُنْذُ ثَلاَث " فَذَهَبْتُ فَإِذَا يَهُودِيٌّ يَسْقِي إِبِلًا لَهُ، فَسَقَيْتُ لَهُ عَلَى كُلِّ دَلْوٍ بِتَمْرَة، فَجَمَعْتُ تَمْرًَا، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبيَّ ﷺ فَقَال:
" مِن أَيْنَ لَكَ يَا كَعْب " ٠٠؟
[ ٢٥٦٠ ]
فَأَخْبرْتُهُ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ: " أَتحِبُّني يَا كَعْب " ٠٠؟
قُلْتُ بِأَبي أَنْتَ نَعَمْ، قَالَ ﷺ: " إِنَّ الفَقْرَ أَسْرَعُ إِلى مَنْ يُحِبُّني مِنَ السَّيْلِ إِلى مَعَادِنِهِ - أَيْ إِلى مُسْتَقَرِّه - وَإِنَّهُ سَيُصِيبُكَ بَلاَء؛ فَأَعِدَّ لَهُ تجْفَافًَا " ٠٠ أَيْ عُدَّةً ٠
فَفَقَدَهُ النَّبيُّ ﷺ فَقَال: " مَا فَعَلَ كَعْب " ٠٠؟
[ ٢٥٦١ ]
قَالُواْ مَرِيض؛ فَخَرَجَ يَمْشِي حَتىَّ دَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَه:
" أَبْشِرْ يَا كَعْب " ٠٠ فَقَالَتْ أُمُّه: هَنِيئًَا لَكَ الجَنَّةُ يَا كَعْب؛ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ: " مَن هَذِهِ المُتَأَلِّيَةُ عَلَى اللهِ ﷿ " ٠٠؟
قُلتُ هِيَ أُمِّي يَا رَسُولَ الله، قَالَ ﷺ: " مَا يُدْرِيكِ يَا أُمَّ كَعْب ٠٠؟ لَعَلَّ كَعْبًَا قَالَ مَا لاَ يَنْفَعُه، وَمَنَعَ مَا لاَ يُغْنِيه " ٠
[قَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَع: إِسْنَادُهُ جَيِّد، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحَةِ بِرَقْم: ٣١٠٣، رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيُّ في الأَوْسَط]
[ ٢٥٦٢ ]
وَعَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ جَاءتْ بِكِسْرَةٍ إِلى النَّبيِّ ﷺ فَقَال: " مَا هَذَا " ٠٠؟
قَالَتْ قُرْصٌ خَبَزْتُهُ فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتىَّ آتِيَكَ بهَذِهِ الكِسْرَة، قَالَ ﷺ: " أَمَا إِنَّهُ أَوَّلُ طَعَامٍ دَخَلَ فَمَ أَبِيكِ مِنْ ثَلاَثَةِ أَيَّام " ٠
[وَثَّقَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ " ص: (٣١٢/ ١٠)، وَصَحَّحَهُ حَمْزَةُ الزَّيْنُ في " المُسْنَدِ " بِرَقْم: ١٣١٥٦، رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيُّ في " الكَبِيرِ " بِرَقْم: ٧٥٠، وَهُوَ في الإِحْيَاء: (٩٦٣)، وَفي " الشُّعَب " بِرَقْم: ١٠٤٣٠]
[ ٢٥٦٣ ]
وَعَن عِمْرَانَ بنِ الحُصَينِ ﵁ قَال: " كَانَتْ لي منْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَنْزِلَةٌ وَجَاه؛ فَقَالَ ﷺ: " يَا عِمْرَان، إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا مَنزِلَةً وَجَاهًَا؛ فَهَلْ لَكَ في عِيَادةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ " ٠٠؟
قُلْتُ نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ الله، فَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ حَتىَّ وَقَفَ بِبَاب فَاطِمَة، فَقَرَعَ ﷺ البَابَ وَقَال: " السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُل " ٠٠؟
قَالَتِ ادْخُلْ يَا رَسُولَ الله، قَالَ ﷺ: " أَنَا وَمَنْ مَعِي " ٠٠؟
قالتْ ﵂: ومنْ مَعَكَ يَا رَسولَ الله ٠٠؟
[ ٢٥٦٤ ]
قَالَ عِمْرَان؛ فَارْتَدَتْ حِجَابَهَا ثُم أَذِنَتْ لَه، فَدَخَلَ ﷺ فَقَال:
" السَّلاَمُ عَليْكمْ يا ابْنَتَاه، كَيْفَ أَصْبَحْت " ٠٠؟
قَالَتْ: أَصبَحْتُ وَاللهِ وَجِعَةً يَا رَسُولَ الله، وَزَادَني وَجَعًَا عَلى مَا بي؛ أَنِّي لَسْتُ أَقْدِر عَلي طَعَامٍ آكُلُه، فَقَدْ أَضَرَّ بيَ الجوع؛ فَبَكَى ﷺ وَقَال: " لاَ تجْزَعِي يَا ابْنَتَاه؛ فَوَاللهِ ما ذُقْتُ طعَامًَا مُنْذُ ثَلاَثٍ وَإِني لأَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْكِ، وَلوْ سَأَلْتُ رَبي لأَطْعَمَني، وَلَكِني آثَرْتُ الآخِرَةَ عَلَى الدُّنيَا، ثمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى مَنْكِبِهَا وَقَالَ لهَا: أَبْشِرِي؛ فَوَاللهِ إِنَّكَ لَسَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّة " ٠
[الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ " بَابُ فَضِيلَةِ الفَقْر: ١٥٥٤]
[ ٢٥٦٥ ]
وَعَنِ أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
" مَا شَبِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًَا مِنْ خُبْزِ بُرّ، حَتىَّ مَضَى لِسَبِيلِه "
[الإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: (٢٩٧٠)، وَرَوَاهُ البَيْهَقِيُّ في " شُعَبِ الإِيمَانِ " بِرَقْم: ٥٦٣٧]
وَعَنِ أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: " مَا شَبِعَ آلُ محَمَّدٍ ﷺ مِنْ خُبْزِ البرِّ - أَيِ القَمْحِ - ثَلاَثًَا، حَتىَّ مَضَى لِسَبِيلِه " ٠
[الإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٢٩٧٠]
[ ٢٥٦٦ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال:
" مَا شَبِعَ آلُ محًمَّدٍ ﷺ مِنْ طَعَامٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ حَتىَّ قُبِض " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (٥٣٧٤)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٢٩٧٠]
عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: " مَا شَبِعَ آلُ محَمَّدٍ ﷺ مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتىَّ قُبِض " ٠
[الإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٢٩٧٠]
مَعَ العِلْمِ أَنَّ خُبْزَ الشَّعِير: أَقَلُّ في الجَوْدَةِ مِن خُبْزٍ القَمْحِ بِكَثِير ٠٠!!
[ ٢٥٦٧ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَبِيتُ اللَّيَاليَ المُتَتَابِعَةَ طَاوِيًَا وَأَهْلُهُ لاَ يَجِدُونَ عَشَاءً " ٠
[صَحَّحَهُ أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٢٣٠٣، وَالأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ وَفي مُخْتَصَرِ الشَّمَائِلِ بِرَقْمَيْ: ٢٣٦٠، ١٢٦]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَال: " وَالَّذِي نَفْسُ أَبي هُرَيْرَةَ بِيَدِه: مَا أَشْبَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًَا مِنْ خُبْزِ حِنْطَةٍ - أَيْ قَمْحٍ - حَتىَّ فَارَقَ الدُّنْيَا "
[الإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٢٩٧٦]
[ ٢٥٦٨ ]
عَن أَبي حَازِمٍ ﵀ قال: " سَأَلْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدِ السَّاعِدِيَّ ﵁ فَقُلْتُ:
هَلْ أَكَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّقِيَّ ٠٠؟ [الدَّقِيقُ المَنخُولُ جَيِّدًَا ٠ الْفَاخِر]
قَالَ سَهْلٌ ﵁: مَا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّقِيَّ مِن حِينِ ابْتَعَثَهُ اللهُ جَلَّ وَعَلاَ حَتىَّ قَبَضَهُ، فَقُلْتُ: هَلْ كَانَ لَكُمْ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَنَاخِل ٠٠؟
قَالَ ﵁: مَا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنخُلًا مِن حِينِ ابْتَعَثَهُ حَتىَّ قَبَضَهُ؛ فَقُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنخُول ٠٠؟!
قَالَ ﵁: كُنَّا نَطْحَنُهُ " ٠
[قَالَ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ الإِمَامِ ابْنِ حِبَّان: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين ٠ ح / ر: ٦٣٤٧]
[ ٢٥٦٩ ]
حَتىَّ الخُبزُ وَالزَّيْتُ لَمْ يَشْبَعْ ﷺ مِنهُمَا
عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
" لَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَا شَبِعَ مِنْ خُبْزٍ وَزَيْتٍ في يَوْمٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْن "
[الإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ (فُؤَاد عَبْد البَاقِي) بِرَقْم: ٢٩٧٤]
عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَشْبَعْ شِبْعَتَيْنِ في يَوْمٍ حَتىَّ مَاتَ ﷺ " ٠
[حَسَّنَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ الإِمَامِ ابْنِ حِبَّانَ بِرَقْم: ٦٣٧١]
[ ٢٥٧٠ ]
حَدَّثَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ ﵁ عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ:
" مَا أَكَلَ محَمَّدٌ ﷺ في يَوْمٍ أَكْلَتَيْنِ إِلاَّ إِحْدَاهُمَا تَمْر " ٠
[صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٧٠٧٨]
وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَينَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّة - أَيْ مَشْوِيَّة - فَدَعَوْهُ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ ﵁ وَقَال: " خَرَجَ رَسولُ اللهِ ﷺ مِنَ الدُّنيَا وَلَمْ يَشْبَع مِن خُبزِ الشَّعِير " ٠ [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: ٥٤١٤]
[ ٢٥٧١ ]
فَيَا مَنْ لاَ تَنْفَدُ مِنْ بَيْتِكَ اللَّحْمَة؛ انْظُرْ إِلى الْفَقِيرِ بِعَينِ الرَّحْمَة، وَتَذَكَّرْ مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ الله؛ مِنَ الْفَقْرِ وَالحِرْمَانِ وَالمُعَانَاة: عَنْ قَتَادَةَ ﵁ قَال: " كُنَّا نَأْتي أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ وَخَبَّازُهُ قَائِم، قَالَ ﵁: كُلُواْ؛ فَمَا أَعْلَمُ النَّبيَّ ﷺ رَأَى رَغِيفًَا مُرَقَّقًَا حَتىَّ لَحِقَ بِالله، وَلاَ رَأَى شَاةً سَمِيطًَا بِعَيْنِهِ قَطّ " ٠
[سَمِيطًَا: أَيْ مَشْوِيَّةً ٠ رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٥٤٢١ / فَتْح]
[ ٢٥٧٢ ]
حَتىَّ التَّمْرُ الرَّدِيءُ لَمْ يجِدْهُ ﷺ لِيَسُدَّ بِهِ جُوعَهُ
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁ قَال: ذَكَرَ عُمَرُ ﵁ مَا أَصَابَ النَّاسَ مِنَ الدُّنيَا فَقَالَ ﵁: " لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَظَلُّ اليَوْمَ يَتَلَوَّى؛ مَا يجِدُ دَقَلًا - أَيْ تَمْرًَا رَدِيئًَا - يمْلأُ بِهِ بَطنَه " ٠
[الإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ (فُؤَاد عَبْد البَاقِي) بِرَقْم: ٢٩٧٨]
[ ٢٥٧٣ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" إِنيِّ لأَنْقَلِبُ إِلى أَهْلي؛ فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي، فَأَرْفَعُهَا لآكُلَهَا ثمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلْقِيهَا " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٢٤٣٢ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ١٠٧٠ / عَبْد البَاقِي]
[ ٢٥٧٤ ]
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنْ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " لَقَدْ أُخِفْتُ في اللهِ وَمَا يخَافُ أَحَد، وَلَقَدْ أُوذِيتُ في اللهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَد، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلاَثُونَ مِنْ بَينِ يَوْمٍ وَلَيْلَة؛ وَمَا لي وَلِبِلاَلٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ؛ إِلاَّ شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلاَل " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الجَامِعِ بِرَقْم: ٩٢٥٦، وَصَحَّحَهُ في سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: ٢٤٧٢، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ]
وَقَوْلُهُ ﷺ: " إِلاَّ شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلاَل ":
أَيْ إِلاَّ مَا يُهْدِيهِ لَنَا الجِيرَان ٠٠!!
[ ٢٥٧٥ ]
هَذَا هُوَ طَعَامُ النَّبيِّ ﷺ في أَكْثَرِ أَيَّامِه
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ أَكَلَ خَشِنًَا، وَلَبِسَ خَشِنًَا " ٠
[صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٧٩٢٥]
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَال: " كُنْتُ جَالِسًَا في دَارِي، فَمَرَّ بي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَشَارَ إِليّ، فَقُمْتُ إِلَيْه، فَأَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْنَا، حَتىَّ أَتَى بَعْضَ حُجَرِ نِسَائِهِ فَدَخَل، ثمَّ أَذِنَ لي، فَدَخَلْتُ الحِجَابَ عَلَيْهَا فَقَال: " هَلْ مِنْ غَدَاء " ٠٠؟!
[ ٢٥٧٦ ]
فَقَالُواْ نَعَمْ، فَأُتيَ بِثَلاَثَةِ أَقْرِصَةٍ فَوُضِعْنَ عَلَى نَبيٍّ - أَيْ عَلَى صَحْنٍ - فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قُرْصًَا فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْه، وَأَخَذَ قُرْصًَا آخَرَ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيّ، ثُمَّ أَخَذَ الثَّالِثَ فَكَسَرَهُ بِاثْنَيْن، فَجَعَلَ نِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَنِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيّ، ثمَّ قَال: " هَلْ مِن أُدْم "؟
قَالُواْ لا، إِلاَّ شَيْءٌ مِنْ خَلّ، قَالَ ﷺ: «هَاتُوه، فَنِعْمَ الأُدْمُ هُوَ» ٠٠!!
[وَالأُدْمُ: هُوَ مَا يُغْمَسُ بِالخُبز ٠ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٠٥٢ / عَبْد البَاقِي]
[ ٢٥٧٧ ]
عَنْ قَتَادَةَ عَن أَنَسٍ ﵁ قَال:
" مَا عَلِمْتُ النَّبيَّ ﷺ أَكَلَ عَلَى سُكُرُّجَةٍ قَطّ - أَيْ لَمْ يَأْكُلْ مخَلَّلًا قَطّ - وَلاَ خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ قَطّ - أَيِ رُقَاقٌ - وَلاَ أَكَلَ عَلَى خِوَانٍ قَطّ " ٠٠!!
[وَالخِوَانُ أَيِ المِنْضَدَة، أَيْ مَا كَانَ يَأْكُلُ ﷺ إِلاَّ عَلَى الأَرْض ٠ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: ٥٣٨٦]
[ ٢٥٧٨ ]
كَيْفَ كَانَ ﷺ لاَ يجِدُ حَتىَّ ثمَنَ الثَّوْبِ الَّذِي يحْتَاجُ إِلَيْه
عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " كَانَ عَلَى رَسولِ اللهِ ﷺ ثَوْبَانِ قِطْرِيَّانِ غَلِيظَانِ - أَيْ بُرْدَتَانِ غَلِيظَتَان - فَكَانَ ﷺ إِذَا قَعَدَ فَعَرِقَ ثَقُلاَ عَلَيه؛ فَقدِمَ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ لِفُلاَنٍ الْيَهُودِيّ - أَيْ قَافِلَةٌ لَهُ فِيهَا ثِيَاب - فَقُلْتُ: لَوْ بَعَثْتَ إِليْهِ فَاشْتَرَيْتَ مِنهُ ثَوْبَينِ إِلى المَيْسَرَة؛ فَأَرْسَلَ ﷺ إِلَيْه؛ فَقَالَ - أَيِ الْيَهُودِيّ: قَدْ عَلِمْتُ مَا يُرِيد، إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِمَالي أَوْ بِدَرَاهِمِي؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " كَذَبَ ٠٠ قَدْ عَلِمَ أَنيِّ مِن أَتْقَاهُمْ للهِ وَآدَاهُمْ لِلأَمَانَة " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنيِ الإِمَامَينِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ بِرَقْمَيْ: ١٢١٣، ٤٦٢٨]
[ ٢٥٧٩ ]
عَاشَ وَمَاتَ ﷺ فَقِيرًَا
عَن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " مَا مَرَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ثَلاَثٌ مِنَ الدَّهْر: إِلاَّ وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنَ الَّذِي لَهُ " ٠
[صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٧٨٨١]
عَن عَمْرِو بنِ الحَارِثِ الخُزَاعِيِّ أَخِي أُمِّ المؤْمِنِينَ جُويرِيَةَ ﵂ قَالَتْ: " مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دِينَارًَا وَلاَ دِرْهَمًَا، وَلاَ عَبْدًَا وَلاَ أَمَةً، إِلاَّ بَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ الَّتي كَانَ يَرْكَبُهَا وَسِلاَحَه، وَأَرْضًَا جَعَلَهَا لاَبْنِ السَّبِيلِ صَدَقَة "
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: ٤٤٦١]
[ ٢٥٨٠ ]
وَفي رِوَايَةٍ: " مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًَا وَلاَ دِينَارًَا، وَلاَ عَبْدًَا وَلاَ أَمَةً، وَلاَ شَيْئًَا، إِلاَّ بَغْلتَهُ البَيْضَاءَ وَسِلاَحَه، وَأَرْضًَا جَعَلَهَا صَدَقَة " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: ٢٧٣٩]
[ ٢٥٨١ ]
عَن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبيرِ ﵁ عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ إِلى أَبي بَكْرٍ يَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنّ؛ فَقَالَتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ ﵂: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٦٧٣٠ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ١٧٥٨ / عَبْد البَاقِي]
[ ٢٥٨٢ ]
وَعَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَا في بَيْتي مِنْ شَيْءٍ يأْكُلُهُ ذُو كَبِد، إِلاَّ شَطْرُ شَعِيرٍ في رَفٍّ لي - أَيْ إِلاَّ نِصْفُ وَسَقٍ في كُوَّةٍ لَنَا - فَأَكَلْتُ مِنهُ حَتىَّ طَالَ عَلَيّ - أَيْ حَتىَّ اسْتَطَلْتُ بَقَاءهُ - فَكِلْتُهُ فَفَني " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (٣٠٩٧)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٢٩٧٣]
[ ٢٥٨٣ ]
عَن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبيرِ ﵁ عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ:
" تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعِنْدَنَا شَطْرٌ مِنْ شَعِير، فَأَكَلْنَا مِنْهُ مَا شَاءَ الله، ثُمَّ قُلْتُ لِلْجَارِيَةِ كِيلِيهِ فَكَالَتْهُ؛ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ فَنيَ؛ قَالَتْ: فَلَوْ كُنَّا تَرَكْنَاهُ لأَكَلْنَا مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِك " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ " بِرَقْم: ٢٤٦٧]
وَهَذَا هُوَ كَنْزُ الفُقَرَاءِ الَّذِي لاَ يَعْرِفُهُ الأَغْنِيَاء: إِنَّهُ البَرَكَة ٠٠
انْظُرْ يَرْحَمُكَ الله؛ ظَلَّتْ تَأْكُلُ مِنهُ زَمَانًَا، حَتىَّ طَالَ ذَلِكَ عَليْهَا؛ فَتَعَجَّبَتُ مِن عَدَمِ نَفَادِه فَكَالَتهُ - أَيْ وَزَنَتهُ - فَنَفَد ٠٠!!
[ ٢٥٨٤ ]
مَاتَ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ في ثَلاَثِينَ صَاعًَا مِنْ شَعِير
عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشةَ ﵂ قالتْ: " تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلاَثِينَ صَاعًَا مِنْ شَعِير " ٠ [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٢٩١٦ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ١٦٠٣ / عَبْد البَاقِي]
حَدَّثَ قَتَادَةُ ﵀ عَن أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: " رَهَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دِرْعًَا لَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِدِينَار؛ فَمَا وَجَدَ مَا يَفْتَكُّهَا بِهِ حَتىَّ مَات " ٠
[صَحَّحَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ الإِمَامِ ابْنِ حِبَّانَ بِرَقْم: ٥٩٣٧]
[ ٢٥٨٥ ]
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَال:
" قُبِضَ النَّبيُّ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ يَهُودَ عَلَى ثَلاثِينَ صَاعًَا مِنْ شَعِير؛ أَخَذَهَا رِزْقًَا لِعِيَالِه " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٢١٠٩، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَد]
وَرَوَى الإِمَامُ الطَّبَرَانيُّ عَن أَبي رَافِعٍ ﵁ خَادِمِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" جَاءَ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ ضَيْف، فَلَمْ يجِدْ عِنْدَهُ مَا يُصْلحُه؛ فَأَرْسَلَني إلى رَجُلٍ منْ يَهُودِ خَيْبر، قَالَ ﷺ:
" قُلْ لهُ: يَقُولُ لَكَ محَمَّد: أَسْلِفْني أَوْ بِعْني دَقِيقًَا إِلي هِلاَلِ رَجَب " ٠٠
[ ٢٥٨٦ ]
فَأَتَيْتُهُ فَقَال: لاَ وَاللهِ إِلاَّ بِرَهْن، فَأَخْبرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ فَقَال:
" أَمَا وَاللهِ إِنيِّ لأَمِينٌ في أَهلِ السَّمَاء، أَمِينٌ في أَهْلِ الأَرْض، وَلوْ بَاعَني أَوْ أَسْلَفَني لأَدَّيْت إِلَيْه، اذْهَبْ بِدِرْعِي هَذَا فَارْهِنه " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانِي في " صَحِيحِ الجَامِعِ " بِرَقْم: (١٣٣٧)، الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ ": ١٥٥٠]
فَحَسْبُكَ أَخِي الفَقِيرَ أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الجَنَّةِ مِنَ الفُقَرَاء، وَأَنَّ الفَقْرَ مِنْ صِفَاتِ الأَنْبِيَاء ٠٠!!
[ ٢٥٨٧ ]
مَاتَ الرَّسُولُ وَلَمْ يُوَرِّثْ دِرْهَمَا
﴿إِيلِيَّا أَبُو مَاضِي﴾
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" لاَ يَقْتَسِمُ وَرَثَتي دِينَارًَا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَئُونَةِ عَامِلي؛ فَهُوَ صَدَقَةٌ " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٦٧٢٩ / فَتْح]
يَا أُمَّةَ الإِسْلاَمِ هَذَا دِينُكُمْ * وَنَبِيُّكُمْ فَتَمَسَّكُواْ وَتَوَحَّدُواْ
[ ٢٥٨٨ ]
إِحْسَاسُ جِيرَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بحَالِهِ في بَيْتِه
عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ أَنهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ ﵁: " ابْنَ أُخْتي: إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلى الهِلاَلِ ثمَّ الهِلاَل، ثَلاَثَةِ أَهِلَّةٍ في شَهْرَيْن، وَمَا أُوقِدَتْ في أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَار: [أَيْ لَمْ نَطْبُخْ فِيهَا]؛ فَقُلْتُ يَا خَالَة، مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ ٠٠؟!
قَالَتِ الأَسْوَدَان: التَّمْرُ وَالمَاء، إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَار، كَانَتْ لهُمْ مَنَائِح - أَيْ إِبِل - وَكَانُواْ يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِن أَلْبَانِهِمْ فَيَسْقِينَا " ٠ [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (٢٥٦٧)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٢٩٧٣]
[ ٢٥٨٩ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال:
" جَاءَ رَجُلٌ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَال: إِنيِّ مجْهُود - أَيْ جَائِعٌ في غَايَةِ الإِعْيَاء - فَأَرْسَلَ إِلى بَعْضِ نِسَائِهِ فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقّ؛ مَا عِنْدِي إِلاَّ مَاء، ثمَّ أَرْسَلَ إِلى أُخْرَى فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِك، حَتىَّ قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِك: لاَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا عِنْدِي إِلاَ مَاء؛ فَقَالَ ﷺ: " مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ ﵀ " ٠٠؟
[ ٢٥٩٠ ]
فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ أَنَا يَا رَسُولَ الله؛ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلى رَحْلِهِ فَقَالَ لاَمْرَأَتِهِ هَلْ عِنْدَكِ شَيْء ٠٠؟
قَالَتْ لاَ إِلاَّ قُوتُ صِبْيَاني؛ قَالَ ﵁: فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْء، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُل، فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ فَقُومِي إِلى السِّرَاجِ حَتىَّ تُطْفِئِيه، فَقَعَدُواْ وَأَكَلَ الضَّيْف، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبيِّ ﷺ؛ فَقَالَ ﷺ:
" قَدْ عَجِبَ اللهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَة " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٤٨٨٩ / فَتْح، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ وَاللَّفْظُ لَهُ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٠٥٤ / عَبْد البَاقِي]
[ ٢٥٩١ ]
غَيرَ أَنَّ الإِمَامَ الْبُخَارِيَّ ﵁ قَالَ رِوَايَتِه: " فَبَاتَا طَاوِيَين " ٠٠ وَأَجْمَعَتِ الرِّوَايَتَانِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الحَادِثَةَ هِيَ الَّتي نَزَلَ فِيهَا قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿الحَشْر/٩﴾ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٣٧٩٨ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٠٥٤ / عَبْد البَاقِي]
[ ٢٥٩٢ ]
آلُ البَيْت: وَقَدْ أَخْرَجَهُمُ الجُوعُ مِنَ البَيْت
أَتَى رَسُولَ الله ﷺ فَاطِمَةَ يَوْمَا فَقَال:
" أَيْنَ أَبْنَائِي " ٠٠ يَعْني حَسَنًَا وَحُسَيْنَا ٠٠؟
قَالَتْ: أَصْبَحْنَا وَلَيْسَ في بَيْتِنَا شَيْءٌ يَذُوقُهُ ذَائِق؛ فَقَالَ عَلِيٌّ: أَذْهَبُ بهِمَا؛ فَإِني أَتخَوَّف أَنْ يَبْكِيَا عَلَيْكِ وَليْسَ عِنْدَكِ شَيْء، فَذَهَبَ إِلى فُلاَنٍ اليَهُودِيّ، فَتَوَجَّهَ إِلَيهِ النَّبي ﷺ فَوَجَدَهمَا يَلْعَبَان في مَشْرَبَة - أَيْ في حَوْضِ مَاءٍ صَغِير - بَينَ أَيْدِيهِمَا فَضْلٌ مِنْ تَمْر،
[ ٢٥٩٣ ]
فَقَالَ ﷺ: " يَا عَليّ: أَلاَ تَقْلِبُ ابْنيَّ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ الحَرّ - أَيْ أَلاَ تَنْقَلِبُ بِهِمَا إِلى البَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ الحَرّ " ٠٠ قَالَ عَلِيّ: أَصْبَحْنَا وَلَيْسَ في بَيْتِنَا شَيْء؛ فَلَوْ جَلَسْتَ يَا رَسُولَ اللهِ حَتىَّ أَجْمَعَ لِفَاطِمَةَ تَمَرَات، وَالحَاصِلُ - أَيْ وَقَعَدَ - النَّبيُّ ﷺ حَتىَّ اجْتَمَعَ لِفَاطِمَةَ شَيْءٌ مِنْ تمْر، فَجَعَلَهُ في صُرَّتِهِ ثُمَّ أَقْبَل، فَحَمَلَ النَّبيُّ ﷺ أَحَدَهمَا وَعَليٌّ الآخَرَ حَتىَّ أَقْلَبَهُمَا " ٠ [حَسَّنَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ " ص: (٣١٦/ ١٠)، أَخْرَجَهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيُّ في " الكَبِيرِ " بِرَقْم: ١٠٤٠]
[ ٢٥٩٤ ]
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ يَتَذَكَّرُ جُوعَ أَصْحَابِهِ وَيَبْكِي
عَن إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁ أُتيَ بِطَعَام، وَكَانَ صَائِمًَا فَقَال: " قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَكَانَ خَيْرًَا مِنيِّ؛ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلاَّ بُرْدَة، وَقُتِلَ حَمْزَةُ أَوْ رَجُلٌ آخَرُ خَيْرٌ مِنيِّ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلاَ بُرْدَة، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا في حَيَاتِنَا الدُّنْيَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الجَنَائِزِ بَابِ الكَفَنُ مِنْ جَمِيعِ المَال بِرَقْم: ١٢٧٤]
[ ٢٥٩٥ ]
وَفي رِوَايَةٍ: " ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ، أَوْ قَالَ ﵁: أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتىَّ تَرَكَ الطَّعَام " ٠ [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الجَنَائِزِ بَابِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ إِلاَ ثَوْبٌ وَاحِد بِرَقْم: ١٢٧٥]
عَن أَبي إِسْحَقَ الْفَزَارِيِّ عَن حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ ﵁ عَن خَبَّابُ بْنُ الأَرَتِّ أَنَّهُ قال: " لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ بِأُجُورِنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا أَصَبْنَا بَعْدَهُ مِنَ الدُّنيَا " ٠ [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٥٦٤٤]
[ ٢٥٩٦ ]
الحِرْمَانُ الَّذِي رَآهُ الرَسُولُ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَر
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: " خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ فَإِذَا هُوَ بِأَبي بَكْرٍ وَعُمَر؛ فَقَالَ ﷺ: " مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَة " ٠٠؟!
[ ٢٥٩٧ ]
قَالاَ الجُوعُ يَا رَسُولَ الله، قَالَ ﷺ: " وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه: لأَخْرَجَني الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُومُواْ " ٠٠ فَقَامُواْ مَعَه، فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ في بَيْتِه، فَلَمَّا رَأَتْهُ المَرْأَةُ قَالَتْ: مَرْحَبًَا وَأَهْلًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: " أَيْنَ فُلاَن " ٠٠؟
[ ٢٥٩٨ ]
قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ المَاء - أَيْ يَبْحَثُ لَنَا عَنْ مَاءٍ عَذْب - إِذْ جَاءَ الأَنْصَارِيّ، فَنَظَرَ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ ثُمَّ قَال: الحَمْدُ للهِ؛ مَا أَحَدٌ اليَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًَا مِنيِّ، فَانْطَلَقَ فَجَاءهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَب - وَالبُسْرُ هُوَ التَّمْرُ الأَخْضَرُ أَوَّلَ مَا يُؤْكَل - فَقَالَ كُلُواْ مِنْ هَذِه، وَأَخَذَ المُدْيَةَ - أَيِ السِّكِّينَ - فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " إِيَّاكَ وَالحَلُوب " فَذَبَحَ لهُمْ، فَأَكَلُواْ مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ العِذْقِ وَشَرِبُواْ، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُواْ وَرَوُواْ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَبي بَكْرٍ وَعُمَر: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه:
[ ٢٥٩٩ ]
لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ القِيَامَة؛ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الجُوع، ثمَّ لَمْ تَرْجِعُواْ حَتىَّ أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيم " ٠ [الإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٢٠٣٨]
انْظُرْ - يَرْحَمُكَ اللهُ - كَيْفَ عَدَّ ﷺ هَذَا الوَجْبَهَ المُشْبِعَةَ نَعِيمًَا يُسْأَلُ عَنهُ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَة؛ كَمْ أَكَلْنَا مِنْ وَجْبَاتٍ مُشْبِعَاتٍ لَمْ نُؤَدِّ شُكْرَهَا ٠٠؟!!
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى مُطَوَّلَةٍ عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: " خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ في سَاعَةٍ لاَ يخْرُجُ فِيهَا وَلاَ يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَد، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْر، فَقَال ﷺ: " مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا بَكْر " ٠٠؟
[ ٢٦٠٠ ]
فَقَالَ ﵁: خَرَجْتُ أَلْقَى رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَنْظُرُ في وَجْهِهِ وَالتَّسْلِيمَ عَلَيْه - أَيْ وَرَجَاءَ التَّسْلِيمَ عَلَيْه - فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ ﵁، فَقَالَ ﷺ: " مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَر " ٠٠؟
قَالَ الجُوعُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِك " ٠٠
فَانْطَلَقُواْ إِلى مَنْزِلِ أَبي الهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ الأَنْصَارِيّ، وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشَّاء، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَدَم - أَيْ يَرْعَوْنَ ذَلِك - فَلَمْ يجِدُوه، فَقَالُواْ لاَمْرَأَتِهِ: أَيْنَ صَاحِبُك ٠٠؟
[ ٢٦٠١ ]
فَقَالَت: انْطَلَقَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا المَاء، فَلَمْ يَلْبَثُواْ أَنْ جَاءَ أَبُو الهَيْثَمِ بِقِرْبَةٍ يَزْعَبُهَا - أَيْ يحْمِلُهَا - فَوَضَعَهَا ثُمَّ جَاءَ يَلْتَزِمُ النَّبيَّ ﷺ أَيْ يُعَانِقُهُ - وَيُفَدِّيهِ بِأَبِيهِ وَأُمِّه، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِمْ إِلى حَدِيقَتِهِ فَبَسَطَ لَهُمْ بِسَاطًَا - أَيْ يجْلِسُونَ عَلَيْه - ثمَّ انْطَلَقَ إِلى نَخْلَةٍ فَجَاءَ بِقِنْوٍ فَوَضَعَهُ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ: " أَفَلاَ تَنَقَّيْتَ لَنَا مِنْ رُطَبِه " ٠٠؟!
[ ٢٦٠٢ ]
فَقَالَ يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَخْتَارُواْ أَوْ قَالَ تَخَيَّرُواْ، مِنْ رُطَبِهِ وَبُسْرِه، فَأَكَلُواْ وَشَرِبُواْ مِنْ ذَلِكَ المَاء، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " هَذَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ: مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَة؛ ظِلٌّ بَارِد، وَرُطَبٌ طَيِّب، وَمَاءٌ بَارِد " ٠٠ فَانْطَلَقَ أَبُو الهَيْثَمِ لِيَصْنَعَ لَهُمْ طَعَامًَا، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ: لاَ تَذْبَحَنَّ ذَاتَ دَرٍّ - أَيِ الَّتي تُرْضِع - فَذَبَحَ لَهُمْ عَنَاقًَا - أَيْ نَاقَةً - أَوْ جَدْيًَا، فَأَتَاهُمْ بِهَا فَأَكَلُواْ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ: " هَلْ لَكَ خَادِم " ٠٠؟
[ ٢٦٠٣ ]
قَالَ ﵁ لاَ، قَالَ ﷺ: " فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌ فَأْتِنَا " ٠٠ فَأُتيَ النَّبيُّ ﷺ بِرَأْسَيْنِ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِث، فَأَتَاهُ أَبُو الهَيْثَم، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ اخْتَرْ مِنْهُمَا، فَقَالَ يَا نَبيَّ اللهِ اخْتَرْ لي، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ:
" إِنَّ المُسْتَشَارَ مُؤْتَمَن، خُذْ هَذَا؛ فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي، وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفَا " ٠٠
[ ٢٦٠٤ ]
فَانْطَلَقَ أَبُو الهَيْثَمِ إِلى امْرَأَتِه، فَأَخْبرَهَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَتِ امْرَأَتُه: مَا أَنْتَ بِبَالِغٍ مَا قَالَ فِيهِ النَّبيُّ ﷺ إِلاَّ أَنْ تَعْتِقَه؛ قَالَ ﵁: فَهُوَ عَتِيق، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ أَيْ حِينَ بَلَغَهُ ذَلِك: " إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًَّا وَلاَ خَلِيفَةً إِلاَ وَلَهُ بِطَانَتَان: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنِ المُنْكَر - أَيْ إِشَارَةً إِلى زَوْجَتِهِ الصَّالحَة - وَبِطَانَةٌ لاَ تَأْلُوهُ خَبَالًا - أَيْ لاَ تُقَصِّرُ في إِهْلاَكِه - وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ السَّوءِ فَقَدْ وُقِي " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: ٢٣٦٩]
[ ٢٦٠٥ ]
وَفي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ عَن أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَال:
" فَاتَني العِشَاءُ ذَاتَ لَيْلَة؛ فَأَتَيْتُ أَهْلِي، فَقُلْتُ هَلْ عِنْدَكُمْ عَشَاء ٠٠؟
قَالُواْ لاَ وَاللهِ مَا عِنْدَنا عَشَاء؛ فَاضْطَجَعتُ عَلَى فِرَاشِي فَلَمْ يَأْتِني النَّومُ مِنَ الجُوع؛ فَقُلتُ لَوْ خَرَجْتُ إِلى المَسْجِدِ فَصَليْتُ وَتَعَلَّلتُ حَتىَّ أُصْبَح، فَخَرَجْتُ إِلى المَسْجِدِ فَصَليْتُ مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ تَسَانَدْتُ إِلى نَاحِيَةٍ بِالمَسْجِد، فَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ طَلَعَ عُمَرُ فَقَالَ مَن هَذَا ٠٠؟!
قُلْتُ أَبُو بَكْر؛ قَالَ مَا أَخْرَجَكَ هَذِهِ السَّاعَة ٠٠؟!
[ ٢٦٠٦ ]
فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ القِصَّةَ فَقَال: وَاللهِ مَا أَخْرَجَني إِلاَّ الَّذِي أَخْرَجَك، وَجَلَسَ إِلى جَنْبي، فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذلِكَ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُول اللهِ ﷺ فَأَنْكَرَنَا؛ فَقَالَ " مَن هَذَا " ٠٠؟!
فَبَادَرَني عُمَرُ فَقَال: هَذَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَر؛ فَقَالَ ﷺ: " مَا أَخْرَجَكُمَا هَذِهِ السَّاعَة " ٠٠؟!
فَذَكَرَ عُمَرُ الَّذِي كَان، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ: " وَأَنَا وَاللهِ مَا أَخْرَجَني إِلاَّ الَّذِي أَخْرَجَكُمَا؛ فَانْطَلِقُواْ بِنَا إِلى الوَافِفِيِّ أَبي الهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ فَعَلَّنَا نجِدُ عِنْدَهُ شَيْئًَا يُطْعِمُنَا "
[ ٢٦٠٧ ]
فَخَرَجْنَا نمْشِي، وَانْطَلقْنَا إِلى الحَائِطِ في القَمَر - أَيْ إِلى البُسْتَانِ في ضَوْءِ القَمَر - فَقَرَعْنَا البَابَ فَقَالَتِ المَرأَةُ مَن هَذَا ٠٠؟!
فَقَالَ عُمَر: هَذَا رَسُولُ اللهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَر؛ فَفَتَحَتِ البَابَ فَدَخَلْنَا، فَقَالَ ﷺ: " أَيْنَ زَوْجُك "؟
[ ٢٦٠٨ ]
قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعذبُ لنَا مِنَ المَاء، مِن حُشِّ - أَيْ بِئْرِ - بَني حَارِثَة، الآنَ يَأْتِيكُمْ، فَجَاءَ يحْمِلُ قِرْبَة، حَتىَّ أَتَى بِهَا نخْلة، وَعَلَّقَهَا عَلَى كِرْنَافَةٍ مِنْ كَرَانِفِهَا، ثمَّ أَقبَلَ عَلَيْنَا وَقَال: مَرْحَبًَا وَأَهْلًا، مَا زَارَ نَاسٌ أَحَدًَا قَطُّ مِثْلَ مَنْ زَارَني، ثُمَّ قَطَعَ لَنَا عِذْقًَا فَأَتَانَا بِه، فَجَعَلنَا نَنْتَقِي مِنهُ في القَمَرِ وَنَأْكُل، ثُمَّ أَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَال في الغَنَم؛ فَقَال ﷺ: " إِيَّاكَ وَالحَلُوب " ٠٠
[ ٢٦٠٩ ]
فَأَخَذَ شَاةً فَذَبحَهَا وَسَلَخَهَا، وَقَالَ لاَمْرَأَتهِ قُومِي، فَطَبَخَتْ وَخَبَزَتْ، وَجَعَلَتْ تَقْطَعُ في القِدْرِ مِنَ اللَّحْمِ وَتُوقِدُ تحْتَهَا، حَتىَّ بَلَغَ الخُبزُ وَاللَّحْم - أَيْ طَابَ وَاسْتَوَى - فَثَرَّدَ - أَيْ فَتَّ وَصَنَعَ ثَرِيدًَا - وَغَرَفَ لنَا عَلَيْهِ مِنَ المَرَقِ وَاللَّحْم، ثُمَّ أَتَانَا بِهِ فَوَضَعَه بَين أَيْدِينَا، فَأَكَلْنَا حَتىَّ شَبِعْنَا، ثمَّ قَامَ إِلى القِرْبَةِ وَقَدْ شَفَّفَتْهَا الرِّيحُ فَبرَدَتْ، فَصَبَّ في الإِنَاء، ثمَّ نَاوَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَشَرِب، ثُمَّ نَاوَلَني فَشَربْت، ثُمَّ نَاوَلَ عُمَرَ فَشَرِب، فَقَالَ ﷺ: " الحَمْدُ لله؛ خَرَجْنَا لَمْ يُخْرِجْنَا إِلاَّ الجُوع، ثمَّ رَجَعْنَا وَقَدْ أَصَبْنَا هَذَا، لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَ
[ ٢٦١٠ ]
القِيَامَةِ عَن هَذَا النَّعِيم " ٠٠
ثمَّ قَالَ لِلوَاقِفِيّ - أَيْ أَبي الهَيْثَمِ التَّيِّهَان:
" أَمَا لَكَ خَادِم يَسْقِيكَ المَاء " ٠٠؟!
قَالَ لاَ واللهِ يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ ﷺ:
" إِذَا أَتَانَا سَبيٌ؛ فَأْتِنَا حَتىَّ نَأْمُرَ لَكَ بخَادِم " ٠٠
فَلَمْ يَلْبَثْ إِلاَّ يَسِيرًَا حَتىَّ أَتَاهُ سَبي، فَأَتَاهُ الوَاقِفِيّ، فَقَالَ لَهُ ﷺ: " مَا جَاءَ بِك " ٠٠؟!
قَالَ يَا رَسُولَ الله، وَعْدُكَ الَّذِي وَعَدْتَني، قَالَ ﷺ: " هَذَا سَبيٌ، فَقُمْ فَاخْتَرْ منه " ٠٠
فَقَالَ - أَيِ الوَاقِفِيّ - كُن أَنْتَ تَخْتَارُ لي يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ ﷺ:
[ ٢٦١١ ]
" خُذْ هَذَا الغُلاَمَ وَأَحْسِن إِلَيْه " ٠٠ فَأَخَذَهُ وَانْطَلقَ بِهِ إِلى امْرَأَتِه؛ فَقَالَتْ مَا هَذَا ٠٠؟!
فَقَصَّ عَلَيْهَا القِصَّة، فَقَالَتْ فَأَيَّ شَيْءٍ قُلْتَ لَه ٠٠؟!
قَالَ ﵁: قُلتُ لَهُ كُن أَنْتَ الَّذِي تخْتَارُ لي، فَقَالتِ المَرْأَةُ: أَحْسَنْت، وَقَالَ لَكَ أَحْسِن إِليْه؛ فَأَحْسِن إِلَيْه، فَقَالَ ﵁: وَمَا الإِحْسَانُ إِليْه ٠٠؟!
قَالَتْ ﵂: أَن تُعْتِقَه؛ فَقَال: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ الله "
[أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وَابنُ مَرْدَوَيْه ٠ وَالحَدِيثُ في " الكَنْزِ " بِرَقْم: ١٨٦١٨]
[ ٢٦١٢ ]
وَبَعْد: فَهَذِهِ رِوَايَةُ أَبي بَكْرٍ - وَكَمَا رَأَيْنَا كَانَتْ لَيْلًا - وَلاَبْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَيْضًَا رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ عَن عُمَرَ إِلاَّ أَنَّهَا كَانَتْ نهَارًَا، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ في قَوْلِ مُسْلِمٍ في يَوْمٍ أَوْ لَيْلَة، أَوْ رُبَّمَا نَفْسُ الحَادِثَةِ تَكَرَّرَتْ مَرَّتَين:
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: " خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ عِنْدَ الظَّهِيرة، فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ في المَسْجِد، فَقَالَ ﷺ: " مَا أَخْرَجَكَ هَذِهِ السَّاعَة " ٠٠؟!
فَقَال: أَخْرَجَني الَّذِي أَخْرَجَكَ يَا رَسُولَ الله، فَجَاءَ عُمَر ﵁، فَقَالَ لَهُ ﷺ:
" مَا أَخْرَجَكَ يَا ابْنَ الخَطَّاب " ٠٠؟!
[ ٢٦١٣ ]
قال: أَخْرَجَني الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، فَقَعَدَ ﷺ وَأَقْبَلَ يحَدِّثُهُمَا، ثُمَّ قَال: " هَلْ بِكُمَا قُوَّة؛ تَنْطَلِقَانِ إِلى هَذَا النَّخْلِ فَتُصِيبَانِ طَعَامًَا وَشَرَابًَا وَظِلاَّ " ٠٠؟
قَالُواْ نعمْ؛ فَقالَ ﷺ: " سِيرُواْ بِنَا إِلى مَنزِلِ أَبِي الهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ الأَنْصَارِيّ " ٠٠
[ ٢٦١٤ ]
فَتَقَدَّمَ ﷺ، فَسَلَّمَ وَاسْتَأْذَنَ ثَلاَثَ مَرَّات، وَأُمُّ الهَيْثَمِ وَرَاءَ البَابِ تَسْمَعُ الكَلاَم، فَلَمَّا أَن أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِف؛ خَرَجَتْ أُمُّ الهَيْثَمِ خَلفَهُ فَقَالتْ: قدْ سَمِعْتُ وَاللهِ تَسْلِيمَكَ يَا رَسُولَ الله، وَلَكِن أَرَدْتُ أَنْ تَزِيدَنَا منْ صَلاَتِكَ - أَيْ مِنْ دُعَائِكَ وَتَسْلِيمَكَ - فَقَالَ لهَا ﷺ: " خَيرًَا، أَيْنَ أَبُو الهَيْثَم " ٠٠؟
[ ٢٦١٥ ]
قَالَتْ: هُوَ قَرِيبٌ ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لنَا المَاء، ادْخُلُوا فَإِنَّهُ يَأْتي السَّاعَةَ إِنْ شَاءَ الله، فَبَسَطَتْ لَهُمْ بسَاطًَا تحْتَ شَجَرَة، فَجَاءَ أَبُو الهَيْثَم، وَفَرِحَ بِهِمْ وَقَرَّتْ عَيْنُه، فَصَعَدَ عَلَى نخْلَةٍ فَصَرَمَ - أَيْ قَطَفَ - عِذْقًَا، فَقَال رَسُولُ اللهِ ﷺ: " حَسْبُكَ يَا أَبَا الهَيْثَم " ٠٠ قَالَ ﵁:
يَا رَسُولَ الله، تَأْكُلُونَ منْ رُطَبِهِ وَمِنْ بُسْرِه، ثمَّ أَتَاهُمْ بِمَاءٍ فَشَرِبُواْ عَلَيْه؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
" هَذَا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تَسْأَلُونَ عَنه " ٠٠ وَقَامَ أَبُو الهَيْثَمِ لِيَذْبَحَ لهُمْ شَاة، فقالَ لَهُ ﷺ:
[ ٢٦١٦ ]
" إِيَّاكَ وَاللَّبُون " ٠٠ وَقَامَتْ أُمُّ الهَيْثَمِ تَعْجِنُ لَهُمْ وَتخْبِز، وَوَضَعُواْ رُؤُوسَهُمْ لِلقَائِلَة، فَانْتَبَهواْ وَقَدْ أَدْرَكَ طَعَامُهُمْ - أَيْ طَابَ وَاسْتَوَى - فَوُضِعَ الطَّعَامُ بَينَ أَيْدِيهِمْ فَأُكَلُواْ وَشَبِعُواْ، وَحَمِدُواْ الله ﷾، وَرَدَّتْ عَلَيْهِمْ أَمُّ الهيْثَمِ بَقِيَّةَ العِذْقِ فَأَكَلُواْ مِنْ رُطَبِه، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَدَعَا لهُمْ بخَير، ثمَّ قَالَ لأَبي الهَيْثَم: إِذَا بَلَغَكَ أَنْ قَدْ أَتَانا رَقِيقٌ فَأْتِنَا، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّ الهَيْثَم: لَوْ دَعَوْتَ لَنَا ٠٠؟!
[ ٢٦١٧ ]
قَالَ ﷺ: " أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُون، وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَار، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلاَئِكَة " قَالَ أَبُو الهيْثَم: فَلَمَّا بَلَغَني أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ رَقِيقٌ أَتَيْتُه، فَأَعْطَانِي رَأْسًَا، فَكَاتَبْتُهُ عَلَى أَرْبَعينَ أَلْفَ دِرْهَم، فَمَا رَأَيْتُ رَأْسًَا أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنه " ٠ [الإِمَامُ البَزَّارُ وَأَبُو يَعْلَى وَالبَيْهَقِيّ ٠ وَالحَدِيثُ في " الكَنْزِ " بِرَقْم: ١٨٦٢١]
وَالمُكَاتَبَة: أَنْ يَدْفَعَ العَبْدُ إِلى سَيِّدِهِ قَدْرًَا مِنَ المَالِ يَتَّفِقَانِ عَلَيْه؛ في نَظِيرِ أَنْ يُعْتِقَه ٠
صُورَةٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ ﵃ مِنَ الفَقْر
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ قَال:
[ ٢٦١٨ ]
" كُنَّا جُلُوسًَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، إِذْ جَاءهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَيْه، ثمَّ أَدْبَرَ الأَنْصَارِيّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
" يَا أَخَا الأَنْصَار، كَيْفَ أَخِي سَعْدُ بْنُ عُبَادَة " ٠٠؟
فَقَالَ صَالِح - أَيْ بخَير - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " مَنْ يَعُودُهُ مِنْكُمْ " ٠٠؟
فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَه، وَنحْنُ بِضْعَةَ عَشَرَ مَا عَلَيْنَا نِعَالٌ وَلاَ خِفَافٌ وَلاَ قَلاَنِسُ وَلاَ قُمُص، نَمْشِي في تِلْكَ السِّبَاخِ حَتىَّ جِئْنَاه، فَاسْتَأْخَرَ قَوْمُهُ مِنْ حَوْلِه، حَتىَّ دَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ مَعَه " ٠
[الإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٩٢٥]
[ ٢٦١٩ ]
وَالقَلَنْسُوَة: مِنْ مَلاَبِسِ الرَّأْسِ كَالطَّوَاقِي الثَّخِينَةِ، كَالَّتي تَكُونُ مُلْصَقَةً بِأَقْفَاءِ المَلاَبِس ٠
الحِرْمَانُ الَّذِي رَآهُ أَئِمَّةُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِين ﵃ أَجْمَعِين
عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ ﵁ قَال: " سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ الصَّحَابَةُ عَن أَشْيَاءَ يَشْتَهُونهَا وَلاَ يَقْدِرُونَ عَلَيْهَا: فَقَالُواْ: أَلَنَا فِيهَا أَجْر ٠٠؟!
فَقَالَ ﷺ:
" فَفِيمَ تُؤْجَرُونَ إِذَا لَمْ تُؤْجَرُواْ عَلَى ذَلِك " ٠٠؟!
[الإِمَامُ البَيْهَقِيُّ في الزُّهْدِ الكَبِيرِ بِرَقْم: (٤٢٥)، وَالحَدِيثُ في " الكَنْزِ " بِرَقْم: ١٦٦٥٦]
[ ٢٦٢٠ ]
وَرَوَى الطَّبَرَانيُّ عَن عَصَمَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنهُمْ سَأَلُوهُ فَقَالُواْ: " يَا رَسُولَ اللهِ، نَرَى الفَوَاكِهَ في السُّوقِ فَنَشْتَهِيهَا وَلَيْسَ مَعَنَا نَاضٍ نَشْتَرِي بِه - أَيْ وَلَيْسَ مَعَنَا دِرْهَمٌ نَشْتَرِي بِه - فَهَلْ لَنَا في ذَلِكَ أَجْر ٠٠؟!
فَقَالَ ﷺ: " وَهَلِ الأَجْرُ إِلاَّ في ذَلِك "؟!
[ضَعَّفَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ " ص: (١٨/ ٥)، رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيُّ، وَالحَدِيثُ في الكَنْزِ بِرَقْم: ١٦٦٥٧]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ قَال: " مَا شَبِعْنَا حَتىَّ فَتَحْنَا خَيْبَر " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٤٢٤٣ / فَتْح]
الحِرْمَانُ الَّذِي رَآهُ سَيِّدُنَا أَبُو هُرَيْرَة
[ ٢٦٢١ ]
عَن محَمَّدِ بْنِ سيرينَ عَن أَبِي هرَيرَةَ ﵁ قال:
" لَقَدْ رَأَيْتُني وَإِني لأَخِرُّ فِيمَا بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلى حُجْرَةِ عَائِشَةَ مَغْشِيًَّا عَلَيّ، فَيَجِيءُ الجَائِي فَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى عُنُقِي، وَيَرَى أَنيِّ مجْنُونٌ وَمَا بيَ مِنْ جُنُون، مَا بيَ إِلاَّ الجُوع " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: ٧٣٢٤]
وَعَن أَبي حَازِمٍ عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَال:
[ ٢٦٢٢ ]
" أَصَابَني جَهْدٌ شَدِيد - أَيْ تَعَبٌ شَدِيدٌ مِنْ شِدَّةِ الجُوع - فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ فَاسْتَقْرَأْتُهُ آيَةً مِنْ كِتَابِ الله، فَدَخَلَ دَارَهُ وَفَتَحَهَا عَلَيّ - أَيْ دَخَلَ دَارَهُ وَذَكَّرَني بهَا مِنْ دَاخِلِ الدَّار - فَمَشَيْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ فَخَرَرْتُ لِوَجْهِيَ مِنَ الجَهْدِ وَالجُوع، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي،
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: ٥٣٧٥]
فَقُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْك ٠٠؟
فَقَالَ ﷺ: " يَا أَبَا هُرَيْرَة " ٠٠؟
[ ٢٦٢٣ ]
فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَقَامَني، وَعَرَفَ الَّذِي بي؛ فَانْطَلَقَ بي إِلى رَحْلِهِ فَأَمَرَ لي بِعُسٍّ مِنْ لَبَن، فَشَرِبْتُ مِنْهُ، ثمَّ قَال: " عُدْ يَا أَبَا هِرّ " ٠٠ فَعُدْتُ فَشَرِبْت، ثمَّ قَالَ " عُدْ " ٠٠ فَعُدْتُ فَشَرِبْت، حَتىَّ اسْتَوَى بَطْني فَصَارَ كَالقَدَح - أَيْ مَلآنًَا - فَلَقِيتُ عُمَرَ وَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي كَانَ مِن أَمْرِي، وَقُلْتُ لَهُ: فَوَلَّى اللهُ ذَلِكَ مَنْ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْكَ يَا عُمَر، وَاللهِ لَقَدِ اسْتَقْرَأْتُكَ الآيَةَ وَلأَنَا أَقْرَأُ لهَا مِنْكَ، قَالَ عُمَر: وَاللهِ لأَن أَكُونَ أَدْخَلْتُك؛ أَحَبُّ إِليَّ مِن أَنْ يَكُونَ لي مِثْلُ حُمْرِ النَّعَمِ "
وَعَنْ مجَاهِدٍ عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَال:
[ ٢٦٢٤ ]
" آللهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ - أَيْ وَاللهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ - إِنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الأَرْضِ مِنَ الجُوع - أَيْ يَنْبَطِحُ عَلَى الأَرْضِ وَهُوَ يَضْغَطُ عَلَى كَبِدِهِ بِوَرِكِهِ مِنْ شِدَّةِ الجُوع - وَإِنْ كُنْتُ لأَشُدُّ الحَجَرَ عَلَى بَطْني مِنَ الجُوع، وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًَا عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّذِي يخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ أَبُو بَكْر، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلاَّ لِيُشْبِعَني: فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بي عُمَر، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلاَّ لِيُشْبِعَني: فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بي أَبُو القَاسِمِ ﷺ، فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآني، وَعَرَفَ مَا في نَفْسِي وَمَا في وَجْهِي، ثمَّ قَال:
[ ٢٦٢٥ ]
" يَا أَبَا هِرّ " ٠٠ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله ٠٠؟
قَالَ الحَقْ - أَيِ اتْبَعْني - وَمَضَى، فَتَبِعْتُهُ، فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ - أَيْ فَاسْتَأْذَنَ لي - فَأُذِنَ لي، فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَنًَا في قَدَح، فَقَالَ ﷺ: " مِن أَيْنَ هَذَا اللَّبَن " ٠٠؟
قَالُواْ: أَهْدَاهُ لَكَ فُلاَنٌ أَوْ فُلاَنَة، قَالَ ﷺ: " أَبَا هِرّ " ٠٠؟
قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله ٠٠؟
[ ٢٦٢٦ ]
قَالَ ﷺ: " الحَقْ إِلى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لي " ٠٠ وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الإِسْلاَم، لاَ يَأْوُونَ إِلى أَهْلٍ وَلاَ مَالٍ وَلاَ عَلَى أَحَد، إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًَا، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا؛ فَسَاءَ ني ذَلِكَ - أَيْ لِكَثْرَتِهِمْ وَقِلَّةِ مَا عِنْدَنَا مِنَ اللَّبن - فَقُلْتُ - أَيْ في نَفْسِي - وَمَا هَذَا اللَّبَنُ في أَهْلِ الصُّفَّة ٠٠؟!
كُنْتُ أَحَقَّ أَنَا أَن أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا، فَإِذَا جَاءَ - أَيْ أَهْلُ الصُّفَّة - أَمَرَني فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ: وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَني مِنْ هَذَا اللَّبَن؟!
[ ٢٦٢٧ ]
وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ بُدّ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُواْ، فَاسْتَأْذَنُواْ فَأُذِنَ لهُمْ، وَأَخَذُواْ مجَالِسَهُمْ مِنَ البَيْت، قَالَ ﷺ: " يَا أَبَا هِرّ " ٠٠ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله ٠٠؟
قَالَ ﷺ: " خُذْ فَأَعْطِهِمْ " فَأَخَذْتُ القَدَح، فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتىَّ يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَح، فَأُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتىَّ يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ القَدَح، حَتىَّ انْتَهَيْتُ إِلى النَّبيِّ ﷺ وَقَدْ رَوِيَ القَوْمُ كُلُّهُمْ؛ فَأَخَذَ القَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ، فَنَظَرَ إِليَّ فَتَبَسَّم، فَقَالَ ﷺ:
[ ٢٦٢٨ ]
" أَبَا هِرّ " ٠٠ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله ٠٠؟
قَالَ ﷺ: " بَقِيتُ أَنَا وَأَنْت " ٠٠ قُلْتُ صَدَقْتَ يَا رَسُولَ الله، قَالَ ﷺ: " اقْعُدْ فَاشْرَبْ " فَقَعَدْتُ فَشَرِبْت، فَقَالَ ﷺ: " اشْرَبْ " ٠٠ فَشَرِبْت، فَمَا زَالَ يَقُولُ ﷺ: " اشْرَبْ " حَتىَّ قُلْتُ: لاَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقّ، مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًَا، قَالَ ﷺ: " فَأَرِني " - أَيْ فَأَعْطِني - فَأَعْطَيْتُهُ القَدَح، فَحَمِدَ اللهَ وَسَمَّى، وَشَرِبَ الفَضْلَة " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: ٦٤٥٢]
الجُوعُ وَالحِرْمَانُ الَّذِي رَآهُ الصَّحَابَةُ ** ﵃ **
[ ٢٦٢٩ ]
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَال: " بَيْنَمَا نحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبيِّ ﷺ إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تحْمِلُ طَعَامًَا، فَالْتَفَتُواْ إِلَيْهَا حَتىَّ مَا بَقِيَ مَعَ النَّبيِّ ﷺ إِلاَّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَة:
﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لهْوًَا انْفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمَا﴾ ﴿الجُمُعَة/١١﴾ " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (٩٣٦)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٨٦٣]
[ ٢٦٣٠ ]
عَنِ المِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ قَال: " أَقْبَلْتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لي، وَقَدْ ذَهَبَتْ أَسْمَاعُنَا وَأَبْصَارُنَا مِنَ الجَهْدِ - أَيْ مِنَ الجُوعِ وَالمِقْدَاد - فَجَعَلْنَا نَعْرِضُ أَنْفُسَنَا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَيْ لِنَنْزِلَ ضُيُوفًَا عَلَيْهِمْ - فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقْبَلُنَا؛ فَأَتَيْنَا النَّبيَّ ﷺ، فَانْطَلَقَ بِنَا إِلى أَهْلِهِ، فَإِذَا ثَلاَثَةُ أَعْنُز، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ: " احْتَلِبُواْ هَذَا اللَّبَنَ بَيْنَنَا " ٠٠ فَكُنَّا نحْتَلِبُ فَيَشْرَبُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنَّا نَصِيبَه، وَنَرْفَعُ لِلنَّبيِّ ﷺ نَصِيبَه، فَيَجِيءُ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ فَيُسَلِّمُ
[ ٢٦٣١ ]
تَسْلِيمًَا لاَ يُوقِظُ نَائِمًَا وَيُسْمِعُ اليَقْظَان، ثمَّ يَأْتي المَسْجِدَ فَيُصَلِّي، ثمَّ يَأْتي شَرَابَهُ فَيَشْرَب، فَأَتَاني الشَّيْطَانُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَقَدْ شَرِبْتُ نَصِيبي فَقَال: محَمَّدٌ يَأْتي الأَنْصَارَ فَيُتْحِفُونَهُ وَيُصِيبُ عِنْدَهُمْ، مَا بِهِ حَاجَةٌ إِلى هَذِهِ الجُرْعَة؛ فَأَتَيْتُهَا فَشَرِبْتُهَا، فَلَمَّا أَنْ وَغَلَتْ - أَيْ نَزَلَتْ - في بَطْني؛ وَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ إِلَيْهَا سَبِيل؛ نَدَّمَني الشَّيْطَانُ فَقَال: وَيْحَك؛ مَا صَنَعْت ٠٠؟
أَشَرِبْتَ شَرَابَ محَمَّد؛ فَيَجِيءُ فَلاَ يَجِدُهُ فَيَدْعُو عَلَيْكَ فَتَهْلِك؛ فَتَذْهَبُ دُنْيَاكَ وَآخِرَتُك ٠٠؟
[ ٢٦٣٢ ]
وَعَلَيَّ شَمْلَةٌ إِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى قَدَمَيَّ خَرَجَ رَأْسِي، وَإِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى رَأْسِي خَرَجَ قَدَمَاي، وَجَعَلَ لاَ يَجِيئُني النَّوْم، وَأَمَّا صَاحِبَايَ فَنَامَا وَلَمْ يَصْنَعَا مَا صَنَعْت، فَجَاءَ النَّبيُّ ﷺ فَسَلَّمَ كَمَا كَانَ يُسَلِّم، ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ فَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى شَرَابَه، فَكَشَفَ عَنْهُ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئَا؛ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلى السَّمَاء؛ فَقُلْتُ الآنَ يَدْعُو عَلَيَّ فَأَهْلِك، فَقَالَ ﷺ: " اللهُمَّ أَطْعِمْ مَن أَطْعَمَني، وَاسْقِ مَنْ سَقَاني " ٠٠ فَعَمَدْتُ إِلى الشَّمْلَةِ فَشَدَدْتُهَا عَلَيّ، وَأَخَذْتُ الشَّفْرَةَ فَانْطَلَقْتُ إِلى الأَعْنُز، أَيُّهَا أَسْمَنُ فَأَذْبَحُهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَيْ
[ ٢٦٣٣ ]
لِيُطْعِمَهُ فَيُصِيبَ دَعْوَتَهُ فَيُطْعِمَهُ الله ﷿ فَإِذَا هِيَ حَافِلَة - أَيْ مُمْتَلِئَةُ الضُّرُوع - وَإِذَا هُنَّ حُفَّلٌ كُلُّهُنّ؛ فَعَمَدْتُ إِلى إِنَاءٍ لآلِ محَمَّدٍ ﷺ مَا كَانُواْ يَطْمَعُونَ أَنْ يحْتَلِبُواْ فِيه - أَيْ لِكِبَرِهِ وَسَعَتِه - فَحَلَبْتُ فِيهِ حَتىَّ عَلَتْهُ رَغْوَة، فَجِئْتُ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَال: " أَشَرِبْتُمْ شَرَابَكُمُ اللَّيْلَة " ٠٠؟
[ ٢٦٣٤ ]
قُلْتُ يَا رَسُولَ الله؛ اشْرَبْ، فَشَرِبَ ثمَّ نَاوَلَني، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ اشْرَبْ؛ فَشَرِبَ ثمَّ نَاوَلَني، فَلَمَّا عَرَفْتُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَدْ رَوِيَ وَأَصَبْتُ دَعْوَتَهُ؛ ضَحِكْتُ حَتىَّ أُلْقِيتُ إِلى الأَرْض؛ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ: " إِحْدَى سَوْآتِكَ يَا مِقْدَاد " ٠٠ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله؛ كَانَ مِن أَمْرِي كَذَا وَكَذَا، وَفَعَلْتُ كَذَا؛ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ: " مَا هَذِهِ إِلاَّ رَحمَةٌ مِنَ الله؛ أَفَلاَ كُنْتَ آذَنْتَني فَنُوقِظَ صَاحِبَيْنَا فَيُصِيبَانِ مِنْهَا " ٠٠؟
فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقّ؛ مَا أُبَالي إِذَا أَصَبْتَهَا وَأَصَبْتُهَا مَعَكَ مَن أَصَابهَا مِنَ النَّاس " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٠٥٥ / عَبْد البَاقِي]
[ ٢٦٣٥ ]
الحِرْمَانُ الَّذِي رَآهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيّ
قَالَ أَبُو شِهَابٍ الحَنَّاط: " بَعَثَتْ أُخْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَحِمَهَا اللهُ بِجِرَابٍ مَعِي إِلىَ سُفْيَانَ وَهُوَ بِمَكَّة، فِيهِ كَعْكٌ وَخُشْكَنَان [هُوَ مَا نُسَمِّيهِ في مِصْرَ بِالْكِشْك] فَقَدِمْتُ، فَسَأَلْتُ عَنهُ؛ فَقِيلَ لي: رُبَّمَا قَعَدَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ مِمَّا يَلِي الحَنَّاطِين؛ فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ مُسْتَلْقِيًَا، فَسلَّمْتُ عَلَيْه، فَلَمْ يُسَائِلْني تِلْكَ المُسَاءلَة، وَلَمْ يُسلِّمْ عَلَيَّ كَمَا كُنْتُ أَعْرِفُه؛ فَقُلْتُ: إِنَّ أُخْتَكَ بَعثَتْ مَعِي بِجِرَاب؛ فَاسْتَوَى جَالِسًَا وَقَال: عَجِّلْ بِهَا؛ فَكَلَّمْتُهُ في ذَلِكَ فَقَال: يَا أَبَا شِهَابٍ لاَ تَلُمْني؛ فَلِي ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ لَمْ أَذُقْ فِيهَا ذوَاقًَا؛ فَعَذَرْتُه " ٠ [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ٢٤٦/ ٧]
[ ٢٦٣٦ ]
الحِرْمَانُ الَّذِي رَآهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ
حَدَّثَ حَرْملَةُ بْنُ يحْيىَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ مُشِيرًَا إِلىَ خُبْز الشَّعِير: " هَذَا طَعَامِي مُنْذُ سِتِّينَ سَنَة " ٠ [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ٤٦٢/ ٨]
[ ٢٦٣٧ ]
خَيرُ طَعَامِ الصَّحَابَة
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ لهَا مَزْرَعَة، فَكَانَتْ تَأْخُذُ جُذُورَ نَبَاتِ السَّلْق، فَتَجْعَلُهُ في قِدْر، ثمَّ تَجْعَلُ عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ تَطْحَنُهَا، يَقُولُ سَهْل: " وَكُنَّا نَنْصَرِفُ مِنْ صَلاَةِ الجُمُعَةِ فَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَتُقَرِّبُ ذَلِكَ الطَّعَامَ إِلَيْنَا فَنَلْعَقُه، وَكُنَّا نَتَمَنىَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا ذَلِك " ٠ [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: ٩٣٨]
وَالسَّلْقُ نَبَاتٌ أَخْضَرُ مُتَطَفِّلٌ شَأْنُهُ شَأْنُ الرِّجْلَة: البَقْلَةِ الحَمْقَاء ٠
[ ٢٦٣٨ ]
وَعَن أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَال؛ يَصِفُ طَعَامَ الصَّحَابَةِ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُمْ يحْفِرُونَ الخَنْدَقَ: " يُؤْتَوْنَ بمِلْءِ كَفٍّ مِنَ الشَّعِير؛ فَيُصْنَعُ لهُمْ بِإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ - أَيْ بِقِطْعَةِ دُهْنٍ مُتَغَيِّرَةِ الرَّائِحَة - تُوضَعُ بَيْنَ يَدَيِ القَوْم، وَالقَوْمُ جِيَاع، وَهِيَ بَشِعَةٌ في الحَلْق، وَلَهَا رِيحٌ مُنْتِن " ٠٠!!
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٤١٠٠ / فَتْح]
[ ٢٦٣٩ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ: عَنِ الصَّلاَةِ في ثَوْبٍ وَاحِد ٠٠؟
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَان " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (٣٥٨)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٥١٥]
[ ٢٦٤٠ ]
عَنْ محَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ ﵁ قَال:
" صَلَّى جَابِرٌ ﵁ في إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاه، وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى المِشْجَب، قَالَ لَهُ قَائِل: تُصَلِّي في إِزَارٍ وَاحِد ٠٠؟!
فَقَال: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَاني أَحْمَقٌ مِثْلُك؛ وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبيِّ ﷺ " ٠
[المِشْجَبُ وَالشِّجَاب: هَمَا عِيدَانٌ تُنْصَبُ لِتَعْلِيقِ الثِّيَابِ عَلَيْهَا أَوِ الْقُلَل، كَالشَّمَّاعَة ٠ رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٣٥٢ / فَتْح]
[ ٢٦٤١ ]
حَدَّثَ مُعَلَّى الْوَرَّاقُ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ ﵀ أَنَّهُ قَال:
" خَلَطْتُ دَقِيقِي بِالرَّمَاد؛ فَضَعُفْتُ عَنِ الصَّلاَة " ٠ [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ٣٦٥/ ٥]
انْظُرْ: هَذَا هُوَ كُلُّ مَا يَشْغَلُه؛ لاَ الأَمْرَاضُ الَّتي يُمْكِنُ أَنْ تُصِيبَ مَنْ يَأْكُلُه ٠٠!!
[ ٢٦٤٢ ]
إِحْسَاسُ الرَّسُولِ ﷺ بِفُقَرَاءِ المُسْلِمِين
عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى بالنَّاسِ يخِرُّ رِجَالٌ مِنْ قَامَتِهِمْ في الصَّلاَة، مِنَ الخَصَاصَةِ - أَيْ مِنَ الفَقْرِ وَالجُوع - وَهُمْ أَصْحَابُ الصُّفَّة؛ حَتىَّ يَقُولَ الأَعْرَاب: هَؤُلاَءِ مجَانِين، فَإِذَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ انْصَرَفَ إِلَيْهِمْ فَقَال:
" لَوْ تَعْلَمُونَ مَا لَكُمْ عِنْدَ الله؛ لأَحْبَبْتُمْ أَنْ تَزْدَادُواْ فَاقَةً وَحَاجَة " ٠٠ وَفَاقَةً: أَيْ فَقرًَا ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانِيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: ٥٢٦٥، ٢١٦٩، وَفي سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: ٢٣٦٨، وَالأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ ابْنِ حِبَّان]
[ ٢٦٤٣ ]
عَنِ الإِمَامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُ لَمَّا زَوَّجَهُ فَاطِمَةَ بِخَمِيلَةٍ وَوِسَادَةٍ مِن أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيف، وَرَحَيَيْنِ وَسِقَاءٍ وَجَرَّتَيْن؛ فَقَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ لِفَاطِمَةَ ﵂ ذَاتَ يَوْم: وَاللهِ لَقَدْ سَنَوْتُ حَتىَّ لَقَدْ اشْتَكَيْتُ صَدْرِي - أَيْ أَصَابَني بَرْدٌ مِنْ سِقَايَةِ المَاء - وَقَدْ جَاءَ اللهُ أَبَاكِ بِسَبي؛ فَاذْهَبي فَاسْتَخْدِمِيهِ - أَيِ اطْلُبي مِنهُ خَادِمًَا - فَقَالَتْ: وَأَنَا وَاللهِ قَدْ طَحَنْتُ حَتىَّ مَجَلَتْ يَدَاي - أَيْ تَفَقَّأَتَا - فَأَتَتِ النَّبيَّ ﷺ فَقَال: " مَا جَاءَ بِكِ أَيْ بُنَيَّة " ٠٠؟
[ ٢٦٤٤ ]
قَالَتْ ﵂: جِئْتُ لأُسَلِّمَ عَلَيْكَ وَاسْتَحْيَتْ أَنْ تَسْأَلَهُ وَرَجَعَتْ؛ فَقَالَ - أَيْ زَوْجُهَا كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ: مَا فَعَلْتِ ٠٠؟
قَالَت: اسْتَحْيَيْتُ أَن أَسْأَلَهُ؛ فَأَتَيْنَاهُ جَمِيعًَا، فَقَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ: يَا رَسُولَ الله؛ وَاللهِ لَقَدْ سَنَوْتُ حَتىَّ اشْتَكَيْتُ صَدْرِي، وَقَالَتْ فَاطِمَةُ ﵂: قَدْ طَحَنْتُ حَتىَّ مَجَلَتْ يَدَاي، وَقَدْ جَاءكَ اللهُ بِسَبيٍ وَسَعَة؛ فَأَخْدِمْنَا؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " وَاللهِ لاَ أُعْطِيكُمَا وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ تَطْوَى بُطُونُهُمْ لاَ أَجِدُ مَا أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنيِّ أَبِيعُهُمْ وَأُنْفِقُ عَلَيْهِمْ أَثْمَانَهُمْ " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٥٩٦، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِه]
[ ٢٦٤٥ ]
كَيْفَ كَانَ أَحْيَانًَا طَعَامُهُمْ ﵃ في اليَوْمِ تَمْرَة
عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: " خَرَجْنَا وَنحْنُ ثَلاَثُ مِاْئَة، نحْمِلُ زَادَنَا عَلَى رِقَابِنَا، فَفَنيَ زَادُنَا، حَتىَّ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا يَأْكُلُ في كُلِّ يَوْمٍ تَمْرَة، قَالَ رَجُل: يَا أَبَا عَبْدِ الله، وَأَيْنَ كَانَتِ التَّمْرَةُ تَقَعُ مِنَ الرَّجُل ٠٠؟!
قَالَ ﵁: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَقَدْنَاهَا، حَتىَّ أَتَيْنَا البَحْرَ فَإِذَا حُوتٌ قَدْ قَذَفَهُ البَحْر؛ فَأَكَلْنَا مِنْهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًَا مَا أَحْبَبْنَا " ٠ [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (٢٩٨٣)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ١٩٣٥]
[ ٢٦٤٦ ]
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَيْضًَا قَال: " سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَانَ قُوتُ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا في كُلِّ يَوْمٍ تَمْرَة، فَكَانَ يَمَصُّهَا ثمَّ يَصُرُّهَا في ثَوْبِه، وَكُنَّا نخْتَبِطُ بِقِسِيِّنَا وَنَأْكُلُ - أَيْ أَوْرَاقَ الشَّجَر - حَتىَّ قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا، فَأُقْسِمُ أُخْطِئَهَا رَجُلٌ مِنَّا يَوْمًَا؛ فَانْطَلَقْنَا بِهِ نَنْعَشُه - أَيْ نُسْنِدُهُ كَمَا يُسْنَدُ مَن أَشْرَفَ عَلَى المَوْت - فَشَهِدْنَا أَنَّهُ لَمْ يُعْطَهَا فَأُعْطِيَهَا " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٣٠١٤ / عَبْد البَاقِي]
[ ٢٦٤٧ ]
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ أَيْضًَا قَال:
" بَعَثنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَمَّرَ عَلَيْنَا أَبَا عبَيْدَةَ نَتَلقَّى عِيرًَا لِقُرَيْش، وَزَوَّدَنَا جِرَابًَا مِنْ تمْرٍ لَمْ يجِدْ لَنَا غَيرَه، فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِينَا تمْرَة تمْرَة - أَيْ يُعْطِينَا كُلَّ وَاحِدٍ تَمْرَة - فَقِيلَ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ بهَا ٠٠؟!!
قَالَ نَمَصُّهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبيّ، ثُمَّ نَشْرَبُ عَلَيْهَا مِنَ المَاءِ فَتَكْفِينَا يَوْمَنَا إِلى اللَّيْل، وَكُنَّا نَضْرِبُ بِعِصِيِّنَا الخَبَط [أَيْ وَرَقَ الشَّجَرِ]، ثمَّ نَبُلُّهُ بِالمَاءِ فَنَأْكُلُه، وَانْطَلَقْنَا عَلَى سَاحِلِ البَحْر، فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ كَهَيْئَةِ الكَثِيبِ الضَّخْم، فَأَتَيْنَاهُ فَإِذَا هِيَ دَابَّةٌ تُدْعَى العَنْبَر،
[ ٢٦٤٨ ]
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَيْتَة، ثمَّ قَال: لاَ بَلْ نحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللهِ وَفي سَبِيلِ الله، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُواْ، فَأَقَمْنَا عَلَيْهِ شَهْرًَا، وَنحْنُ ثَلاَثُ مِائَةٍ حَتىَّ سَمِنَّا، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرِفُ مِنْ وَقْبِ عَيْنِهِ - أَيْ مِنْ نُقرَةِ عَيْنِهِ - بِالقِلاَلِ الدُّهْن، وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الفِدَرَ - أَيْ قِطَعَ اللَّحْمِ - كَالثَّوْرِ أَوْ كَقَدْرِ الثَّوْر، فَلَقَدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَأَقْعَدَهُمْ في وَقْبِ عَيْنِه، وَأَخَذَ ضِلَعًَا مِن أَضْلاَعِهِ فَأَقَامَهَا، ثُمَّ رَحَلَ أَعْظَمَ بَعِيرٍ مَعَنَا فَمَرَّ مِنْ تحْتِهَا - وَفي رِوَايَةٍ: نَظَرَ إِلى أَطْوَلِ رَجُلٍ في الجَيْشِ وَأَطْوَلِ جمَلٍ فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ فَمَرَّ تحْتَه - وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لحْمِهِ وَشَائِق
[ ٢٦٤٩ ]
[أَيْ مَلَّحْنَاهُ وَجَفَّفْنَاهُ وَاتخَذْنَاهُ زَادًَا] فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَة؛ أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَه، فَقَالَ ﷺ: " هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللهُ لَكُمْ، فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا " ٠٠ فَأَرْسَلْنَا إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْهُ فَأَكَلَه " ٠
[الإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: (١٩٣٥)، وَالبُخَارِيُّ نَحْوَهِ بِرَقْم: ٤٣٦٠، ٤٣٦١، ٤٣٦٢ / فَتْح]
[ ٢٦٥٠ ]
كَيْفَ كَانَ بَعْضُهُمْ ﵃ يَمُوتُ وَلاَ يُوجَدُ لَهُ كَفَن
عَن خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ ﵁ قَال: " هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَبْتَغِي وَجْهَ الله، وَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى الله، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مِن أَجْرِهِ شَيْئَا، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْر،
[ ٢٦٥١ ]
قُتِلَ يَوْمَ أُحُد، فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ فِيهِ إِلاَّ نَمِرَة - أَيْ عَبَاءةً - كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ؛ خَرَجَتْ رِجْلاَه، فَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُه؛ فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ بِهَا، وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِن إِذْخِر، وَمِنَّا مَن أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا " ٠
يَهْدِبهَا: أَيْ يُهَذِّبهَا، وَالإِذْخِر: نَبَاتٌ طَيِّبُ الرَّائِحَة ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: ٣٩١٤]
[ ٢٦٥٢ ]
وَعَن خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ ﵁ قَال: " هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في سَبِيلِ الله، نَبْتَغِي وَجْهَ الله، فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى الله، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مِن أَجْرِهِ شَيْئَا، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْر، قُتِلَ يَوْمَ أُحُد، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ يُكَفَّنُ فِيه؛ إِلاَّ نَمِرَة - أَيْ عَبَاءةٌ - فَكُنَّا إِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رَأْسِه؛ خَرَجَتْ رِجْلاَه، وَإِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رِجْلَيْه؛ خَرَجَ رَأْسُه؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأْسَه، وَاجْعَلُواْ عَلَى رِجْلَيْهِ الإِذْخِر " ٠٠
وَمِنَّا مَن أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُه، فَهُوَ يَهْدِبُهَا " ٠٠ أَيْ: يُهَذِّبُهَا وَيُشَذِّبُهَا ٠
[ ٢٦٥٣ ]
[الإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٩٤٠]
إِحْسَاسُ الغَنيِّ بِالفَقِير
عَنْ نَافِعٍ قَال: " كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ لاَ يَأْكُلُ حَتىَّ يُؤْتَى بمِسْكِينٍ يَأْكُلُ مَعَه " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٥٣٩٣ / فَتْح]
وَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَال:
[ ٢٦٥٤ ]
" واللهِ لَقَدْ أَدْرَكْنَا أَقْوَامًَا، وَصَحِبْنَا طَوَائِف؛ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنهُمْ لَيُمْسِي وَعِنْدَهُ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَكْفِيه، وَلوْ شَاءَ لأَكَلَه، فَيَقُول: وَاللهِ لاَ أَجْعَلُ هَذَا كُلَّهُ في بَطْني، حَتىَّ أَجْعَلَ بَعْضَهُ لله؛ فَيَتَصَدَّقُ بِبَعْضِه، وَاللهِ لَقَدْ أَدْرَكْنَا أَقْوَامًَا وَصَحِبْنَا طَوَائِفَ: مَا كَانُواْ يُبَالُونَ أَشَرَّقَتِ الدُّنيَا أَمْ غَرَّبَتْ، وَاللهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ غَيرُه: لَهِيَ أَهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِنَ التُّرَابِ الَّذِي يَمْشُونَ عَلَيْه " ٠
[الحِليَةُ لأَبي نُعَيم ٠ دَارُ الكِتَابِ العَرَبي ٠ بَيرُوت ٠ ص: ٢٧٢/ ٦]
[ ٢٦٥٥ ]
وَعَن عَبْدِ اللهِ المُزَنيِّ ﵁ قَال: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبيِّ ﷺ: يَا رَسُولَ الله، وَاللهِ إِنيِّ لأُحِبُّك؛ فَقَالَ ﷺ:
" انْظُرْ مَاذَا تَقُول " ٠٠ قَالَ وَاللهِ إِنِّي لأُحِبُّك، فَقَالَ ﷺ: " انْظُرْ مَاذَا تَقُول "
قَالَ وَاللهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ، ثَلاَثَ مَرَّات؛ فَقَالَ ﷺ:
" إِنْ كُنْتَ تُحِبُّني؛ فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تَجْفَافًَا [أَيْ عُدَّةً] فَإِنَّ الفَقْرَ أَسْرَعُ إِلى مَنْ يحِبُّني، مِنَ السَّيْلِ إِلى مُنْتَهَاه " [صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْن٠المُسْتَدْرَك: ٧٩٤٤، وَهُوَ في الكَنْزِ بِرَقْم: ١٦٦٤٦، وَفي الشُّعَبِ بِرَقْم: ١٤٧١]
[ ٢٦٥٦ ]
وَعَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَال:
" أَتَى النَّبيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَال: إِنِّي أُحِبُّك؛ فَقَالَ ﷺ: " اسْتَعِدَّ لِلْفَاقَة " ٠ [وَثَّقَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ " ص: (٢٧٤/ ١٠)، وَالحَدِيثُ رَوَاهُ الإِمَامُ البَزَّار]
[ ٢٦٥٧ ]
عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ شَكَا إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَاجَتَه؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
" اصْبرْ أَبَا سَعِيد؛ فَإِنَّ الْفَقْرَ إِلى مَنْ يحِبُّني مِنْكُمْ؛ أَسْرَعُ مِنَ السَّيْلِ عَلَى أَعْلَى الوَادِي، وَمِن أَعْلَى الجَبَلِ إِلى أَسْفَلِه " ٠
[صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في الصَّحِيحَةِ بِرَقم: ٢٨٢٨، وَقَالَ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَعِ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيح: ٢٧٤/ ١٠، رَوَاهُ أَحْمَد]
[ ٢٦٥٨ ]
وَعَن أَبي الحُوَارِيِّ عَن أَبي سُلَيْمَانَ ﵁ قَال:
" الجُوعُ عِنْدَ اللهِ في خَزَائِنِه، لاَ يُعْطِيهِ إِلاَّ مَن أَحَبّ " ٠٠!!
[رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ في " الشُّعَبِ " بِرَقْم: ٥٧١٤، وَأَوْرَدَهُ الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ ": ٩٦٣، رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ في الحِليَةُ]
[ ٢٦٥٩ ]
عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " اللَّهُمَّ مَن آمَنَ بِكَ، وَشَهِدَ أَنيِّ رَسُولُك: فَحَبِّبْ إِلَيْهِ لِقَاءَك، وَسَهِّلْ عَلَيْهِ قَضَاءَك، وَأَقْلِلْ لَهُ مِنَ الدُّنيَا، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِكَ، وَلَمْ يَشْهَدْ أَنيِّ رَسُولُك: َفلاَ تُحَبِّبْ إِلَيْهِ لِقَاءَك، وَلاَ تُسَهِّلْ عَلَيْهِ قَضَاءَك، وَأَكْثِرْ لَهُ مِنَ الدُّنيَا " ٠ [صَحَّحَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ الإِمَامِ ابْنِ حِبَّانَ بِرَقْم: ٢٠٨، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: ٢١٩١، ١٣٣٨]
[ ٢٦٦٠ ]
كَيْفَ كَانُواْ يَكْرَهُونَ الغِنى لِمَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ ثَوَابِ الفَقْرِ يَوْمَ القِيَامَة
وَصَفَ أَحَدُ الحُكَمَاءِ الزَّاهِدَ فَقَال:
" إِذَا جَاعَ لَيْلَةً؛ سَأَلَ اللهَ أَنْ يجْعَلهَا لَيْلَتَين " ٠ [الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ " طَبْعَةُ دَارِ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة الأُولى ٠ بَابُ فَضِيلَةِ الجُوعِ وَذَمِّ الشِّبَع: ٩٦٤]
[ ٢٦٦١ ]
وَرَجَعَ فَتحٌ المَوْصِلِي إِلى أَهْلِهِ بَعْدَ العَتَمَةِ وَكَانَ صَائِمًَا، فَقَالَ عَشُّوني ٠٠؟
قالُواْ: مَا عِنْدَنَا مِنْ شَيْءٍ نُعَشِّيكَ بِه، قَال: فَمَا لَكُمْ جُلُوسٌ في الظُّلْمَة ٠٠؟!
قَالُواْ: مَا عِنْدَنَا زَيْتٌ نُسْرِجُ به؛ وَالحَاصِلُ - أَيْ وَقَعَدَ - يَبْكِي مِنَ الفَرَحِ فَقَال:
" يَا إِلهِي: مِثْلِي يُتْرَكُ بِلاَ عَشَاءٍ وَلاَ سِرَاج ٠٠؟! بِأَيِّ يَدٍ كَانَتْ مِنيِّ إِلَيْك - أَيْ بِأَيِّ طَاعَةٍ بَلَغْتَ بي مِن أَجْلِهَا هَذِهِ المَنْزِلَة؟! فَمَا زَالَ يَبْكِي إِلى الصُّبْح " ٠ [البَيْهَقِيُّ في الشُّعَب: ١٠١١٩]
[ ٢٦٦٢ ]
قَالَ الإِمَامُ الغَزَاليّ ﵁: " كَانَ لَنَا جَارٌ إِذَا أَمْسَى وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ أَمْسَى فَرِحًَا، وَإِذَا أَمْسَى وَعِنْدَهُمْ شيْءٌ أَمْسَى مَغْمُومًَا؛ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُه: يَا فُلاَن، خَالَفْتَ النَّاس؟!
فَقَالَ لَهَا: أَفْرَحُ لأَنيِّ أُمْسِي وَأَنَا لي بِآلِ محَمَّدٍ ﷺ أُسْوَة، وَإِذَا كَانَ عِنْدَنَا شَيْءٌ أُصْبِحُ مَغْمُومًَا؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ لَنَا بِآلِ محَمَّدٍ ﷺ أُسْوَة " ٠ [الحَدِيثُ في " شُعَبِ الإِيمَانِ " بِرَقْم: ١٠١٢٠، وَفي " الإِحْيَاءِ " بَابُ ذَمِّ الغِنى وَمَدْحِ الفَقْر: ١١٧١]
[ ٢٦٦٣ ]
وَكَانَ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ﵁ يَقُولُ لِنَفْسِه: أَيَّ شَيْء تخَافِين ٠٠ أَتخَافِين أَنْ تجُوعِي؟!
لاَ تخَافي؛ أَنْتِ أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ ذَلِك، إِنَّمَا يجُوعُ محَمَّدٌ وَأَصْحَابُه ٠٠!!
[الإِمَامُ الغَزَاليُّ في الإِحْيَاءِ الطَبْعَة الأُولى لِدَارِ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة بَابُ فَضِيلَةِ الجُوع: ٩٦٣]
[ ٢٦٦٤ ]
وَقَالَ بِشْرُ بْنُ الحَارِثِ ﵁:
" مَا سَأَلتُ أَحَدًَا قَطُّ شَيْئًَا إِلاَّ سَرِيًَّا السَّقْطِيّ؛ لأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عِنْدِي زُهْدُهُ في الدُّنيَا: فَهُوَ يَفْرَحُ بخُرُوجِ الشَّيْءِ مِنْ يَدِهِ وَيَتَبرَّمُ بِبَقَائِهِ عِنْدَه؛ فَأَكُونَ عَوْنًَا لَهُ عَلَى مَا يحِبّ " ٠ [الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ " بَابُ آدَابِ الفَقِيرِ في قَبُولِ العَطَاء ٠ دَارُ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّة: ١٥٦٥]
[ ٢٦٦٥ ]
بَعَثَ عَمَرُ ﵁ إِلى أُمِّ المُؤْمِنِينَ زَيْنَبَ بِعَطَائِهَا فَقَالتْ: مَا هَذَا؟
قَالواْ: بَعَثَ إِلَيْكِ بِهِ عُمَرُ بْنُ الخَطَّاب؛ قَالتْ: غَفَرَ اللهُ لهُ، ثُمَّ اسْتَلَمَتْ سِتْرًَا كَانَ لَهَا، فَقَطَّعَتْهُ وَجَعَلَتْهُ صُرَرًَا، وَقَسَّمَتهُ في أَهْلِ بَيْتِهَا وَرَحِمِهَا وَأَيْتَامِهَا، ثُمَّ رَفَعَتْ يَدَيْهَا وَقَالتْ:
" اللهُمَّ لاَ يُدْرِكْني عَطَاءُ عُمَرَ بَعْدَ عَامِي هَذَا؛ فَكَانَتْ أَوَّلَ نِسَاءِ النَّبيِّ ﷺ لحَاقًَا بِه " ٠ [الإِمَامُ الغَزَاليُّ في الإِحْيَاءِ بَابِ ذَمِّ المَال: (١١٣٣)، الحِليَةُ لأَبي نُعَيم ٠ طَبْعَةُ دَارِ الكِتَابِ العَرَبي ص: ٥٤/ ٢]
[ ٢٦٦٦ ]
كَيْفَ كَانُواْ يَفْرَحُونَ بِالبَلاَء
عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَال: " دَخَلْتُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ وَهُوَ يُوعَك؛ فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَيْه، فَوَجَدْتُ حَرَّهُ بَينَ يَدِي فَوْقَ اللِّحَاف، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَشَدَّهَا عَلَيْك!!
[ ٢٦٦٧ ]
قَالَ ﷺ:
" إِنَّا - أَيْ مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ - كَذَلِك، يُضَعَّفُ لَنَا البَلاَء، وَيُضَعَّفُ لَنَا الأَجْر " قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً ٠٠؟
قَالَ الأَنْبِيَاء، قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ ثُمَّ مَنْ ٠٠؟
قَالَ ﷺ: " ثمَّ الصَّالحُون؛ إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُبْتَلَى بِالفَقْر؛ حَتىَّ مَا يجِدُ أَحَدُهُمْ إِلاَّ العَبَاءةَ يحْوِيهَا - أَيْ يَمْلِكُهَا - وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَفْرَحُ بِالبَلاَءِ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالرَّخَاء " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ " بِرَقْم: (٤٠٢٤)، وَفي " الصَّحِيحَةِ " بِرَقْم: ١٤٤]
[ ٢٦٦٨ ]
قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: " لاَ يَبلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ الإِيمَان: حَتىَّ يَعُدَّ الْبَلاَءَ نِعمَةً، وَالرَّخَاءَ مُصِيبَةً، وَحَتىَّ لاَ يُحِبَّ أَنْ يُحْمَدَ عَلَى عِبَادَةِ الله " ٠
[الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ٤٣٥/ ٨]
[ ٢٦٦٩ ]
أَبُو الدَّرْدَاء، وَحَيَاةُ الفُقَرَاء
عَن أَبي الدَّرْدَاءِ ﵁ عَنِ النَّبيَّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" إِنَّ وَرَاءكُمْ عَقَبَةً كَؤُودًَا، لاَ يَجُوزُهَا المُثْقَلُون " ٠
وَفي رِوَايَةٍ: " لاَ يَنْجُو مِنهَا إِلاَّ كُلُّ مُخِفّ " ٠ [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في التَّرْغِيبِ وَفي الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: ٢٠٠١، ٢٤٨٠]
[ ٢٦٧٠ ]
يَعْني أَنَّ الدُّنيَا كَالعَقَبَةِ المُرْتَفِعَة: مَن خَفَّفَ حِمْلَهُ اجْتَازَهَا، وَمَن أَثْقَلَ حِمْلَهُ عَجَزَ عَنْ صُعُودِهَا، أَوْ كَالبَحْر: مَن خَفَّفَ حِمْلَهُ اجْتَازَهُ وَمَن أَثْقَلَ حِمْلَهُ غَرِق ٠٠
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال:
" إِنَّكُمْ في زَمَانٍ، يُغْبَطُ الرَّجُلُ فِيهِ عَلَى كَثْرَةِ مَالِهِ وَكَثْرَةِ عِيَالِه، وَسَيَأْتي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ؛ يُغْبَطُ الرَّجُلُ فِيهِ عَلَى قِلَّةِ عِيَالِه " ٠ [قَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَع " رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيح ٠ ص: (٢٨٥/ ٧)، وَالحَدِيثُ رَوَاهُ الطَّبرَانيُّ في الكَبِيرِ]
[ ٢٦٧١ ]
صَفْحَةٌ مِنَ المَجَاعَاتِ الَّتي مَرَّ بِهَا المُسْلِمُونَ في الدَّوْلَةِ الْفَاطِمِيَّةِ وَالأَيُّوبِيَّة
ضَرَبَ أَرْضَ مِصْرَ قَحْطٌ وَمجَاعَةٌ في عَهْدِ الخَلِيفَةِ الْعُبَيْدِيِّ المُسْتَنْصِرِ بِالله؛ حَتىَّ أَكَلَ النَّاسُ الجِيَفَ بَلْ وَلُحُومَ الآدَمِيِّيِنَ وَالْقِطَطَ وَالْكِلاَب، وَكَانَ مِن أَغْرَبِ عَمَّا أَفْضَى إِلَيْهِ أَمْرُ النَّاسِ في تِلْكَ الْفَتْرَةِ مَا قَرَأْنَاهُ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَءِ لِلإِمَامِ الذَّهَبيِّ حَيْثُ قَال: " خَرَجَتِ امْرَأَة وَبِيَدِهَا مُدُّ لُؤْلُؤ لِتَشْتَرِيَ بِهِ مُدَّ قَمْح؛ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا أَحَد؛ فَرَمَتْهُ وَقَالَتْ: مَا نَفَعْتَني وَقْتَ الحَاجَة؛ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ يَلْتَقِطُه " ٠ [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ١٩١/ ١٥، ٣١٦/ ١٨]
[ ٢٦٧٢ ]
وَقَالَ ابْنُ الأَثِيرِ في نَفْسِ الْفَتْرَةِ أَيْضًَا: اشْتَدَّ الْغلاَءُ حَتىَّ حُكِيَ أَنَّ امْرَأَةً أَكَلَتْ رَغِيفًَا بِأَلْفِ دِينَار، بَاعَتْ مَا قِيمَتُهُ أَلفُ دِينَارٍ بِثَلاَثمِاْئَةِ دِينَار؛ فَاشْتَرَتْ بِهَا جُوَالِقَ قَمْح؛ فَانْتَهَبَهُ النَّاس؛ فَنَهَبَتْ هِيَ مِنهُ فَحَصَلَ لَهَا مَا خَبَزَ رَغِيفًَا " ٠ [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ١٩٢/ ١٥]
وَفي عَهْدِ الصَّالِحِ إِسْمَاعِيلَ ضَرَبَ المَدِينَةَ قَحْطٌ شَدِيدٌ حَتىَّ أَكَلُواْ الجِيَف؛ حَتىَّ قِيلَ إِنَّ رَجُلًا مَاتَ في الحَبْسِ فَأَكَلُوه " ٠ [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ١٩٠/ ٢٣]
[ ٢٦٧٣ ]
النِّعْمَةُ قَدْ تَكُونُ بَلاَءً، وَالبَلاَءُ قَدْ يَكُونُ نِعْمَة
إِنَّ الغِنى لَيْسَ مُكَافَأَةً مِنَ اللهِ يُعْطِيهَا مَن أَحَبّ، وَإِلاَّ كَانَ أَوْلى النَّاسِ بهَذَا الحُبِّ المُصْطَفَى ﷺ، كَمَا أَنَّ الفَقرَ لَيْسَ غَضَبًَا يُسَلِّطُهُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ كَلاَّ ٠٠
فَالغِنى قَدْ يَكُونُ نِقْمَةً، وَالفَقْرُ قَدْ يَكُونُ نِعْمَة ٠٠!!
يَعْتَرِضُونَ عَلَى الفَقْرِ ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيرًَا لأَسْمَعَهُمْ﴾ ﴿الأَنفَال: ٢٣﴾
[ ٢٦٧٤ ]
عَن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ رَبُّ العِزَّةِ جَلَّ جَلاَلُهُ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ مِن عِبَادِي المُؤْمِنِينَ مَنْ لاَ يُصْلِحُهُ إِلاَّ الفَقْر، وَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِك، وَإِنَّ مِن عِبَادِي المُؤْمِنِينَ مَنْ لاَ يُصْلِحُهُ إِلاَّ الغِنى، وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِك " ٠ [ضَعَّفَهُ الأَلبَانيُّ في الضَّعِيفِ بِرَقْم: ٧٥، وَابْنُ الجَوْزِيِّ في العِلَلَ المُتَنَاهِيَة: ٤٥/ ١]
﴿وَرُبمَا صَحَّتِ الأَجْسَامُ بِالعِلَلِ﴾
[ ٢٦٧٥ ]
فَبِرَغْمِ أَنَّ الفَقْرَ مُذْ كَان، عَدُوُّ الإِنْسَان، إِلاَّ أَنَّهُ هُنَا: قَامَ مَقَامَ الصَّدِيقِ في المَنْفَعَة ٠٠!!
وَلَرُبَّمَا انْتَفَعَ الفَتى بِعَدُوِّهِ * كَالسُّمِّ أَحْيَانًَا يَكُونُ دَوَاءَا
﴿الطِّغْرَائِيّ﴾
وَرُبَّ امْرِئٍ إِذَا قُلْتَ لَهُ: " قَلِيلٌ يَكْفِيكَ خَيرٌ مِنْ كَثِيرٍ يُطْغِيكَ " قَال: " لَن أَتْرُكَ الطُّغْيَانَ يَسْتَبِدُّ بي، وَلكِنْ سَأُنْفِقُ مِنهُ عَلَى الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِين ٠٠؟!
مَا أَدْرَاكَ يَا مِسْكِين ٠٠ ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُون﴾ ﴿النَّحْل: ٧٤﴾
[ ٢٦٧٦ ]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم: ﴿وَمِنْهُم مَّن عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٧٥﴾ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَهُمْ مُعْرِضُون ﴿٧٦﴾ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًَا في قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ ﴿٧٧﴾ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ﴾ ﴿التَّوْبَة﴾
﴿فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ القَوْمُ الخَاسِرُون﴾ ﴿الأَعْرَاف: ٩٩﴾
أَمَّا إِنِ احْتَجَّ محْتَجٌّ بِقَوْلِهِ جَلَّ جَلاَلُهُ في نَفْسِ الحَدِيثِ السَّابِق: " وَإِنَّ مِن عِبَادِي المُؤْمِنِينَ مَنْ لاَ يُصْلِحُهُ إِلاَّ الغِنى، وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِك " ٠
[ ٢٦٧٧ ]
فَمَا أَدْرَاكَ أَنَّ اللهَ أَرَادَ بِالغِنى إِصْلاَحَك؟ فَرُبمَا أَغْنَاكَ لِتُفْسِدَ في الأَرْضِ وَاللهُ لاَ يحِبُّ الفَسَاد؛ أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿إِنمَا نمْلِي لهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثمًَا﴾ ﴿آل عِمْرَان: ١٧٨﴾
عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " اللهُمَّ مَن آمَنَ بِكَ وَشَهِدَ أَنيِّ رَسُولُك؛ فَحبِّبْ إِلَيْهِ لِقَاءَك، وَسَهِّلْ عَلَيْهِ قَضَاءَك، وَأَقلِلْ لهُ مِنَ الدُّنيَا، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِكَ وَيَشْهَدْ أَنيِّ رَسُولُك؛ فَلاَ تحَبِّبْ إِلَيْهِ لِقَاءَك، وَلاَ تُسَهِّلْ عَلَيْهِ قَضَاءَك، وَكَثِّرْ لَهُ مِنَ الدُّنيَا " ٠ [وَثَّقَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَع " ص: (٢٨٦/ ١٠)، وَالحَدِيثُ رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيُّ]
[ ٢٦٧٨ ]
وَعَن أَنَسٍ ﵁ أَيْضًَا عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" إِنَّ الكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً؛ أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنَ الدُّنْيَا، وَأَمَّا المُؤْمِن: فَإِنَّ اللهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ في الآخِرَة، وَيُعْقِبُهُ رِزْقًَا في الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِه " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٨٠٨ / عَبْد البَاقِي]
[ ٢٦٧٩ ]
قَالَ ﷾ في سُورَةِ الوَاقِعَةِ عَن أَصْحَابِ الشِّمَال:
﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَال ﴿٤١﴾ في سَمُومٍ وَحَمِيم ﴿٤٢﴾ وَظِلٍّ مِنْ يحْمُوم ﴿٤٣﴾ لاَ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيم ﴿٤٤﴾ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُترَفِين﴾ ﴿الوَاقِعَة﴾
وَعِنْدَمَا تَكَلَّمَ اللهُ عَنِ الإِفْسَادِ في الأَرْضِ ذَكَرَ أَوَّلَ مَا ذَكَرَ المُتْرَفِين فَقَالَ جَلَّ جَلاَلُه:
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرَا﴾
﴿الإِسْرَاء: ١٦﴾
[ ٢٦٨٠ ]
الغِنى قَدْ يَكُونُ اسْتِدْرَاجًَا مِنَ الله
عَن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " إِذَا رَأَيْتَ اللهَ يُعْطِي العَبْدَ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يحِبّ؛ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاج " ٠٠ ثُمَّ تَلاَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتىَّ إِذَا فَرِحُواْ بمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ ﴿الأَنعَام: ٤٤﴾
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَة بِرَقْمَيْ: ٥٦١، ٤١٣، وَحَسَّنَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَدِ بِرَقْم: ١٧٣١١]
[ ٢٦٨١ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" إِنَّهُ لَيَأْتي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ لاَ يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَة؛ اقْرَأُواْ:
﴿فَلاَ نُقِيمُ لهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْنَا﴾ ﴿الكَهْف/١٠٥﴾ [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (٤٧٢٩)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٢٧٨٥]
إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًَا ابْتَلاَه
قَدْ يُنعِمُ اللهُ بِالبَلْوَى وَإِن عَظُمَتْ * وَيَبْتَلِي اللهُ بَعْضَ النَّاسِ بِالنِّعَمِ
﴿أَبُو تَمَّام﴾
[ ٢٦٨٢ ]
وَسُبْحَانَ القَائِل: ﴿فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبيِّ أَكْرَمَن ﴿١٥﴾ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴿١٦﴾ كَلاَّ﴾ ﴿الفَجْر﴾
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ في هَذِهِ الآيَة: " يَقُولُ جَلَّ جَلاَلُهُ مُنْكِرًَا عَلَى الإِنْسَانِ في اعْتِقَادِهِ إِذَا وَسَّعَ اللهُ جَلَّ جَلاَلُهُ عَلَيْهِ في الرِّزْقِ لِيَخْتَبرَهُ في ذَلِك؛ فَيَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللهِ إِكْرَامٌ لَه، وَلَيْسَ كَذَلِك ٠٠
[ ٢٦٨٣ ]
وَإِذَا ابْتَلاَهُ اللهُ وَامْتَحَنَهُ، وَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ: أَيْ ضَيَّقَهُ؛ يَعْتَقِدُ العَبْدُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللهِ إِهَانَةٌ لَهُ، ثُمَّ قَالَ جَلَّ جَلاَلُه: " كَلاَّ " ٠٠ أَي لَيْسَ الأَمْرُ كَمَا زَعَم، لاَ في هَذَا وَلاَ في ذَاك؛ فَإِنَّ اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ يُعْطِي المَالَ مَن أَحَبَّ وَمَنْ لاَ يحِبّ " ٠
[ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ لِسُورَةِ الفَجْر ٠ طَبْعَةُ دَارِ الفِكْر ٠ بَيرُوت: ٥١٠/ ٤]
[ ٢٦٨٤ ]
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ اللهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلاَقَكُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ، وَإِنَّ اللهَ ﷿ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يحِبُّ وَمَنْ لاَ يحِبّ، وَلاَ يُعْطِي الدِّينَ إِلاَّ لمَن أَحَبّ، فَمَن أَعْطَاهُ اللهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّه، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه؛ لاَ يُسْلِمُ عَبْدٌ حَتىَّ يَسْلَمَ قَلْبُهُ وَلِسَانُه، وَلاَ يُؤْمِنُ حَتىَّ يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَه " ٠٠
قَالُواْ: وَمَا بَوَائِقُهُ يَا نَبيَّ الله ٠٠؟
[ ٢٦٨٥ ]
قَالَ ﷺ: " غَشَمُهُ وَظُلْمُه، وَلاَ يَكْسِبُ عَبْدٌ مَالًا مِنْ حَرَامٍ فَيُنْفِقَ مِنْهُ؛ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيه، وَلاَ يَتَصَدَّقُ بِهِ؛ فَيُقْبَلَ مِنْه، وَلاَ يَتْرُكُ خَلْفَ ظَهْرِهِ؛ إِلاَّ كَانَ زَادَهُ إِلى النَّار؛ إِنَّ اللهَ ﷿: لاَ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئ، وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالحَسَن، إِنَّ الخَبِيثَ لاَ يَمْحُو الخَبِيث " ٠
[قَالَ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَع: رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ وَفي بَعْضِهِمْ خِلاَف: ٢٢٨/ ١٠، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٧٣٠١، رَوَاهُ الطَّبرَانيُّ وَأَحْمَدُ في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٣٤٩٠، وَالبَيْهَقِيُّ في " الشُّعَب " بِرَقْم: ٥٥٢٤]
إِقْبَالُ الدُّنيَا عَلَى العَبْدِ لَيْسَ لِرِضَى اللهِ عَلَيْه
[ ٢٦٨٦ ]
عَن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَال - حِينَ فَتَحَ اللهُ عَلَى المُسْلِمِينَ مَمْلَكَةَ الفُرْسِ بِمَا فِيهَا مِنْ قُصُورٍ وَخَزَائِن: " اللهُمَّ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَكَ كَانَ يحِبُّ أَنْ يُصِيبَ مَالًا، فَيُنْفِقَهُ في سَبِيلِكَ وَعَلَى عِبَادِكَ، فَزَوَيْتَ ذَلِكَ عَنهُ نَظَرًَا مِنْكَ لَهُ وَاخْتِيَارَا، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَكْرًَا مِنْكَ بِعُمَر، ثُمَّ بَكَى وَتَلاَ قَوْلَهُ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿أَيحْسَبُونَ أَنَّمَا نمِدُّهُمْ بِهِ مِن أَمْوَالٍ وَبَنِينَ ﴿٥٥﴾ نُسَارِعُ لهُمْ في الخَيرَاتِ بَلْ لاَ يَشْعُرُون﴾ ﴿المُؤْمِنُون﴾
[ابْنُ القَيِّمِ في " عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِينَ " بِالبَابِ الثَّالِثِ وَالعِشْرِين، البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ بِرَقْم: ١٢٨١٥]
[ ٢٦٨٧ ]
إِنَّ اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ قَدْ يَرْضَى عَن عَبْدِهِ؛ فَيَحْرِمُهُ في الدُّنيَا لِيُعْطِيَهُ في الآخِرَة، وَقَدْ يَغْضَبُ عَلَى عَبْدِهِ؛ فَيُعْطِيهُ في الدُّنيَا لِيَحْرِمَهُ في الآخِرَة؛ فَلاَ تَنْظُرَنَّ إِلى الغَنيِّ فَتَسْتَكْثِرَ عَليْهِ مِنَ النِّعَم؛ فَإِنَّ اللهَ سَائِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِن أَيْنَ اكْتَسَبَهَا ٠٠؟ وَفِيمَا أَنْفَقَهَا ٠٠؟
عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ؛ فَرَّقَ اللهُ عَلَيْهِ أَمْرَه، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَينَ عَيْنَيْه، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا كُتِبَ لَه، وَمَنْ كَانَتْ الآخِرَةُ نِيَّتَه؛ جَمَعَ اللهُ لَهُ أَمْرَه، وَجَعَلَ غِنَاهُ في قَلْبِه، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ " ٠ [صَحَّحهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: (٤١٠٥)، وَالأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ الإِمَامِ ابْنِ حِبَّانَ بِرَقْم: ٦٨٠]
[ ٢٦٨٨ ]
وَعَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال: " مَنْ كَانَتْ الآخِرَةُ هَمَّهُ: جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ في قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَه، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَة، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ: جَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْه، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَه، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا قُدِّرَ لَه " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: (٢٤٦٥)، وَفي الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: ١١٤٥٦، ٩٤٩]
[ ٢٦٨٩ ]
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" مَنْ جَعَلَ الهُمُومَ هَمًَّا وَاحِدًَا: هَمَّ المَعَاد؛ كَفَاهُ اللهُ هَمَّ دُنْيَاه، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الهُمُومُ في أَحْوَالِ الدُّنْيَا؛ لَمْ يُبَالِ اللهُ في أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَك " ٠
[حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الجَامِعِ بِرَقْم: (١١١٣٤)، كَمَا حَسَّنَهُ في سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْمَيْ: ٢٥٧، ٤١٠٦]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ ﴿١٥﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ في الآَخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿هُود﴾
[ ٢٦٩٠ ]
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِن أَصَابَهُ خَيرٌ اطْمَأَنَّ بِه، وَإِن أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ؛ خَسِرَ الدُّنيَا وَالآخِرَة، ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِين﴾ ﴿الحَجّ: ١١﴾
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ ﵁ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ في هَذِهِ الآيَة:
" كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ المَدِينَة، فَإِنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلاَمًَا وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ - أَيْ وَلَدَتْ - قَال: هَذَا دِينٌ صَالِح، وَإِنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُه: قَالَ هَذَا دِينُ سَوء " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: ٤٧٤٢]
لاَ حِيلَةَ في الرِّزْق
[ ٢٦٩١ ]
وَمِن عَجَائِبِ الرِّزْقِ وَالأَجَل؛ أَنَّ كِلاَهمَا لاَ تَنْفَعُ فِيهِ الحِيَل، فَلاَ حِيلَةَ في الرِّزقِ وَلاَ شَفَاعَةَ في المَوْت؛ وَإِلاَّ مَاتَ عَاجِزُ الرَّأْيِ مِنْ قِلَّةِ الحِيلَة، وَلَمَا انهَالَتْ عَلَى أَهْلِ الحُمْقِ وَالفِسْقِ شَآبِيبُه!!
فَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى القَضَاءِ وَحُكْمِهِ * بُؤْسُ اللَّبِيبِ وَطِيبُ عَيْشِ الأَحْمَقِ
﴿الإِمَامُ الشَّافِعِيّ﴾
الرِّزْقُ يَتْرُكُ طَرْقَ بَابِ أُولي النُّهَى * وَيَبِيتُ بَوَّابًَا بِبَابِ الأَحْمَقِ
*********
فَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِفَضْلِهِ * وَاللهُ يَعْلَمُ حَيْثُ يجْعَلُ رِزْقَهُ
﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
وَلَوْ كَانَتِ الأَرْزَاقُ بِالعَقْلِ قَدْرُهَا * هَلَكْنَ إِذَنْ مِنْ جَهْلِهِنَّ البَهَائِمُ
﴿أَبُو تَمَّام ٠ بِتَصَرُّف﴾
مَلِكُ المُلُوكِ إِذَا وَهَبْ * لاَ تَسْأَلَنَّ عَنِ السَّبَبْ
[ ٢٦٩٢ ]
فَسُبْحَانَ مَنْ يُدَبِّرُ شُؤُونَ عِبَادِهِ وَيُقَسِّمُ أَرْزَاقَهُمْ، حَتىَّ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالأَرْزَاق؛ لَيْسَ لَهُ مِنَ الأَمْرِ شَيْء، وَلَوْ أُذِنَ لَهُ لَقَال:
لاَ الأَمْرُ أَمْرِي وَلاَ التَّدْبِيرُ تَدْبِيرِي * وَلاَ الأُمُورُ الَّتي تجْرِي بِتَقْدِيرِي
تَبَارَكْتَ يَا رَبّ ٠٠
فَمَا شِئْتَ يَجْرِي وَإِنْ لَمْ أَشَأْ * وَمَا شِئْتُ ما لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُن
فَسُبْحَانَ رَبِّى عَلَى حِكْمَةٍ * يحَارُ لَهَا كُلُّ إِنْسٍ وَجِنّ
*********
حِوَارٌ بَينَ العَقْلِ وَالحَظّ
وَمِمَّا قِيلَ في ذَلِكَ مِنَ الأَمْثَالِ وَالأَسَاطِير:
" اسْتَأْذَنَ العَقْلُ عَلَى الحَظِّ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ؛ فَقَال العَقْل: لِمَ لَمْ تَأْذَنْ لي ٠٠؟!
قَالَ الحَظّ: لأَنَّكَ تحْتَاجُ إِليَّ وَلاَ أَحْتَاجُ إِلَيْك " ٠
[ ٢٦٩٣ ]
[لمَيْدَانيُّ في " مجْمَعِ الأَمْثَالِ " بِطَبْعَةِ دَارِ المَعْرِفَة ٠ بَيرُوت ٠ ص: ٤٥٩/ ٢]
وَالنَّاسُ في طَلَبِ المَعَاشِ وَإِنَّمَا * بِالحَظِّ يُرْزَقُ مِنهُمُ مَنْ يُرْزَقُ
كَمْ ضَيِّقٍ في العَقْلِ رِزْقُهُ وَاسِعٌ * كَمْ وَاسِعٍ في العَقْلِ رِزْقُهُ ضَيِّقُ
﴿صَالحُ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوس﴾
يَا طَالِبَ الرِّزْقِ لَيْسَ الرِّزْقُ بِالحِيلِ * الرِّزْقُ في اللَّوْحِ مَكْتُوبٌ مَعَ الأَجَلِ
فَلَوْ صَبَرْنَا لَكَانَ الرِّزْقُ يَطْلُبُنَا * لَكِنَّهُ خُلِقَ الإِنْسَانُ مِن عَجَلِ
*********
فَلوْ كَانَتِ الأَرْزَاقُ تَأْتِي بِقُوَّةٍ * لَمَا أَكَلَ العُصْفُورُ شَيْئًَا مَعَ النَّسْرِ
الطُّيُورُ وَالبَهَائِمُ تَعْمَل، وَابْنُ آدَمَ يُرِيدُ أَنْ يُرْزَقَ مِن غَيرِ أَنْ يَعْمَل
[ ٢٦٩٤ ]
وَيُرْوَى أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَعْمَلُ حَطَّابًَا، يَكُدُّ وَيَتْعَبُ وَيَعْرَق؛ لِيَأْتيَ آخِرَ اليَوْمِ إِلى أَوْلاَدِهِ بِالقُوتِ وَقَدْ هَدَّهُ التَّعَب، فَمَكَثَ أَيَّامًَا لاَ يخْرُجُ إِلى عَمَلِه؛ حَتىَّ جَاعَ أَوْلاَدُهُ وَبَدَتْ عَلَيْهِمْ أَمَارَاتُ الفَاقَةِ وَالجُوع؛ فَشَكَا أَقْرِبَاؤُهُ إِلى رَجُلٍ حَكِيمٍ كَانَ يَتَرَدَّدُ عَلَيْه، فَأَتَاهُ وَقَالَ لَه: مَا الَّذِي أَقْعَدَكَ في البَيْتِ يَا فُلاَن ٠٠؟!
[ ٢٦٩٥ ]
قَالَ كُنْتُ أَحْتَطِبُ ذَاتَ يَوْمٍ كَعَادَتي، فَرَأَيْتُ في أَحَدِ الأَمَاكِنِ البَعِيدَةِ عَنِ العُمْرَان، غرَابًَا جَنَاحَاهُ مَكْسُورَان، مُقَطَّعَ السِّيقَان، عَاجِزًا عَنِ الطَّيرَان، يَبْدُو كَالمَيِّتِ وَمَا هُوَ بِمَيِّت، لَكِني كُنْتُ عَلَى يَقِينٍ مِن أَنَّهُ سَيَمُوتُ إِن عَاجِلًا أَوْ آجِلًا، فَمَضَى بي مِنَ الأَيَّامِ مَا مَضَى، ثمَّ أَتَيْتُ إِلى ذَلِكَ المَكَان؛ فَقُلتُ أَنْظُرُ مَا فَعَلَ الغُرَاب، فَوَجَدْتُهُ كَمَا هُوَ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ لَمْ يمُتْ؛
[ ٢٦٩٦ ]
فَقُلْتُ في نَفْسِي: إِنَّ لِهَذَا الغُرَابِ لَشَأْنًا؛ فَقَعَدْتُ مِنهُ غيرَ بَعِيدٍ، وَقُلْتُ أَنْظُرُ حَالَهُ العَجِيب، فَبَيْنَمَا شَمْسُ الأَصِيلِ قَدْ آذَنَتْ بِالمَغِيبِ؛ إِذْ بَعَثَ اللهُ غُرَابًَا يَبْحَثُ في الأَرْض، فَأَعْطَى ذَلِكَ الغُرَابَ العَاجِزَ كِسْرَةً مِنَ الخُبْز، كَانَ يَقْضِمُ عَلَيْهَا بِفَمِه؛ فَقُلْتُ في نَفْسِي: وَاللهِ إِنَّ الَّذِي رَزَقَ هَذَا الغُرَابَ العَاجِز؛ لَقَادِرٌ عَلَى أَنْ يَرْزُقَني، فَرَجَعْتُ إِلى بَيْتي وَقَعَدْتُ فِيهِ كَمَا تَرَى ٠٠!!!
هُنَا قَالَ لَه الحَكِيم، وَقَدِ اسْتَوْعَبَ تمَامًَا مَا سَمِعَ: وَلِمَ اخْتَرْتَ لِنَفْسِكَ أَنْ تَكُونَ الغُرَابَ العَاجِز؟! وَلِمَ تخْتَرْ أَنْ تَكُونَ الغُرَابَ القَوِيّ ٠٠؟!!
شَاعِرٌ وَأَمِير
[ ٢٦٩٧ ]
أَمَا تَرَيْنَ الدُّجَى لُمَّتْ غَدَائِرُهُ * سُودًَا فَحَوَّلَهَا نُورُ الضُّحَى شُقُرَا
وَالرِّيحُ تَنْفُخُ نَايَاتِ الْغُصُونِ عَلَى * سَمْعِ الْوُرُودِ فَتُخْرِجُهُ نَدَىً عَطِرَا
إِيَّاكِ أَنْ تَجْعَلِي في الحُبِّ خَمْرَتَنَا * خَلًاّ أَوَ انْ تَجْعَلِي فِرْدَوْسَنَا سَقَرَا
﴿الشَّاعِرُ الْقَرَوِيّ / رَشِيد سَلِيمٌ الخُورِي﴾
°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°
إِنيِّ امْرُؤٌ مُغْرَمٌ بِالحُسْنِ يَا قَمَرِي * لاَ حَظَّ لي مِنهُ إِلاَّ لَذَّةَ النَّظَرِ
°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°
وَكُنْتُ أَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ كَالْبَشَرِ * فَصِرْتُ أَمْشِي عَلَى رِجْلٍ مِنَ الشَّجَرِ
°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°
لاَ دَرَّ دَرُّ بَيَاضِ الشَّيْبِ إِنَّ لَهُ * في أَعْيُنِ الغِيدِ مِثْلَ الوَخْزِ بِالإِبَرِ
°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°
[ ٢٦٩٨ ]
قَالَ بَلَى يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين، فَقَالَ لَهُ: مَا أَرَاكَ إِلاَّ قَدْ سَعَيْتَ لَهُ؛ فَكَرِهَ عُرْوَةُ أَنْ يُكَذِّبَ شِعْرَه؛ فَخَرَجَ مِن عِنْدِه، فَأَرْسَلَ الخَلِيفَةُ في إِثْرِهِ رَسُولًا يَلْحَقُ بِهِ فَلَمْ يُدْرِكْهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَلفِ دِينَار، فَلَمَّا أَتَاهُ الرَّسُول قَالَ لَهُ عُرْوَة: قُل لأَمِيرِ المُؤْمِنِين: الأَمْرُ عَلَى مَا قُلْتُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ قَدْ سَعَيْتُ إِلَيْهِ فَأَعْيَتْني مُطَالَبَتي، وَقَعَدْتُ عَنهُ فَأَتَاني بِلاَ تَعَبِ ٠٠!!
[الأَبْشِيهِيُّ في " المُسْتَطْرَفِ مِنْ كُلِّ فَنٍّ مُسْتَظْرَف " بِشَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّف ٠ الفَصْلُ الثَّاني في القَنَاعَةِ وَالرِّضَا بِمَا قَسَمَ الله]
فَمَهْمَا زِدْتَ في طَلَبِكْ * فَرِزْقُكَ سَوْفَ يَلْحَقُ بِكْ
[ ٢٦٩٩ ]
وَشَكَا رَجُلٌ إِلى أَحَدِ الصَّالحِينَ كَثْرَةَ عِيَالِهِ فَقَالَ لَه: انْظُرْ مِن عِيَالِكَ مَنْ كَانَ رِزْقُهُ لَيْسَ عَلَى اللهِ فَحَوِّلهُ إِلى مَنزِلي٠٠!!
وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِر
وَأُصِيبَ أَعْرَابيٌّ في نَاقَتِهِ الَّتي مِنهَا قُوتُهُ وَقُوتُ عِيَالِه؛ فَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلى السَّمَاءِ وَقَال: أَيْ رَبّ، رِزْقِي أَنَا وَعِيَالي عَلَيْك؛ فَاصْنَعْ مَا شِئْت ٠٠!!
وَيَرْحَمُ اللهُ مَنْ قَال:
حَتىَّ مَتى أَنْتَ في حِلٍّ وَتَرْحَالِ * وَطُولِ سَعْيٍ وَإِدْبَارٍ وَإِقبَالِ
وَلَوْ قَنِعْتَ أَتَاكَ الرِّزْقُ في دَعَةٍ * إِنَّ الغِنى في القُنُوعِ وَلَيْسَ في المَالِ
فَدَعْ أُمُورَكَ تجْرِي في أَعِنَّتِهَا * وَلاَ تَبِيتَنَّ إِلاَ خَاليَ البَالِ
مَا بَينَ غَمْضَةِ عَينٍ وَانْتِبَاهَتِهَا * يُبَدِّلُ اللهُ مِن حَالٍ إِلى حَالِ
[ ٢٧٠٠ ]
﴿وَفي دَعَةٍ: أَيْ في رَاحَةٍ بِدُونِ تَعَب ٠ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ بِتَصَرُّف، بِاسْتِثْنَاءِ الْبَيْتِ الأَخِير﴾
لَوْ كَانَ المَالُ يَنْفَعُ في كُلِّ شَيْءٍ لَنَفَعَتْ قَارُونَ أَمْوَالُه
[ ٢٧٠١ ]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ، وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولي القُوَّة إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفرَحْ إِنَّ اللهَ لاَ يحِبُّ الفَرِحِين ﴿٧٦﴾ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنيَا، وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْك، وَلاَ تَبْغِ الفَسَادَ في الأَرْض؛ إِنَّ اللهَ لاَ يحِبُّ المُفْسِدِين ﴿٧٧﴾ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي، أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَن هُوَ أَشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وَأَكثَرُ جَمْعَا، وَلاَ يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المجْرِمُون ﴿٧٨﴾ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ في زِينَتِه، قَالَ الذِينَ يُرِيدُونَ الحَيَاةَ الدُّنيَا
[ ٢٧٠٢ ]
يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيم ﴿٧٩﴾ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ العِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيرٌ لمَن آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًَا، وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُون ﴿٨٠﴾ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِين ﴿٨١﴾ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمِنْ يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ وَيَقْدِر، لَوْلاَ أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا لخَسَفَ بِنَا، وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكَافِرُون ﴿٨٢﴾ تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًَّا في الأَرْضِ وَلاَ فَسَادَا، وَالعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِين﴾ ﴿القَصَص﴾
[ ٢٧٠٣ ]
فَيَا إِخْوَانِي حَفِظَكُمُ اللهُ؛ لَوْ كَانَ المَالُ يَنْفَعُ في كُلِّ شَيْءٍ لنَفَعَتْ قَارُونَ أَمْوَالُهُ حِينَ خَسَفَ اللهُ بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ عِنْدَمَا طَغَى وَبَغَى ٠٠!!
أَحْفَادُ قَارُون
وَلاَ زَالَتْ تَعِيشُ بَيْنَنَا بَقِيَّةٌ مِن أَبْنَاءِ قَارُون، يَأْكُلُونَ مَا تَشْتَهِي النُّفُوس، وَيَلْبِسُون أَحْسَنَ مَلْبُوس، وَيُعَلِّقُونَ فَقْرَ النَّاسِ عَلَى أَوْتَادٍ؛ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا في السَّمَاء ٠٠!!
إِنِ اسْتَوَواْ فَسِكِّين، وَإِنِ اعْوَجُّواْ فَمِنْجَل، يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَل ٠٠!!
وَذَلِكَ لأَنَّهُمُ اتخَذُواْ الدُّنيَا مُسْتَعْمَرَة، وَلَمْ يَتَّخِذُوهَا قَنْطَرَة، إِلى بَرِّ الآخِرَة ٠
يَقُولُ ابْنُ القَيِّمِ في كِتَابِهِ القَيِّم / عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِين:
[ ٢٧٠٤ ]
" وَقَدْ عُرِضَتْ الدُّنيَا عَلَى النَّبيِّ ﷺ بحَذَافِيرِهَا، فَوَكَزَهَا في صَدْرِهَا بِاليَدَينِ وَردَّهَا عَلَى عَقِبَيْهَا، ثمَّ عُرِضتْ بعْدهُ عَلَى أَصْحَابِهِ وَتَعَرَّضَتْ لهُمْ؛ فَمِنهُمْ مَنْ سَلَكَ سَبيلَهُ وَأَمَاطَهَا عَنهُ وَهُمُ القَلِيل، وَمِنهُمْ مَنِ استَعْرَضَهَا وَقَالَ مَا فِيكِ ٠٠؟
[ ٢٧٠٥ ]
قَالَتْ فيَّ الحَلاَلُ وَالشُّبهَةُ وَالمَكرُوهُ وَالحَرَام ٠٠ فَقَالُواْ: هَاتي حَلاَلَكِ وَلاَ حَاجَةَ لَنَا في البَاقِي، فَأَخَذُواْ حَلاَلَهَا، ثمَّ تَعَرَّضَتْ لِمَنْ بَعدَهُمْ، فَطَلَبُواْ حَلاَلَهَا فَلَمْ يَجِدُوه، فَطَلَبُواْ مَكرُوهَهَا وَشُبَهَهَا فَقَالَتْ: قَدْ أَخَذَهُ مَنْ قَبلَكُمْ، فَقَالواْ: هَاتي حَرَامَكِ، فَأَخَذُوه، فَطَلَبَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ فَقَالَتْ: هُوَ في أَيْدِي الظَّلَمَةِ قَدِ اسْتَأَثَرواْ بِهِ عَلَيْكُمْ، فَتَحَيَّلواْ عَلَى تحْصِيلِهِ مِنهُمْ بِالرَّغبَةِ وَالرَّهبَة؛ فَلاَ يمُدُّ فَاجِرٌ يَدَهُ إِلى شَيْءٍ مِنَ الحرَام؛ إِلاَّ وَجَدَ أَفْجَرَ مِنهُ وَأَقْوَى قَدْ سَبَقَهُ إِلَيْه " ٠٠!!
[ابْنُ القَيِّمِ في " عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِينَ " بِالبَابِ الثَّالِثِ وَالعِشْرِين]
[ ٢٧٠٦ ]
عَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ - قَالَهَا ﷺ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًَا - ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ؛ يَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُون - أَيْ يَشْهَدُونَ وَلَيْسُواْ أَهْلًا لِلشَّهَادَة - وَيخُونُونَ وَلاَ يُؤْتَمَنُون، وَيَنْذِرُونَ وَلاَ يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَن " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٦٤٢٨، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٥٣٥، وَالحَدِيثُ في الكَنْزِ بِرَقْم: ٣٢٤٥٣، ٣٢٤٥٧]
يَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُون: أَيْ يَشْهَدُونَ وَلَيْسُواْ أَهْلًا لِلشَّهَادَة، أَوْ يَعْرِضُونَ الشَّهَادَةَ مِن غَيرِ أَنْ يُطْلَبَ مِنهُمْ ٠
[ ٢٧٠٧ ]
وَهَذِهِ الفِئَةُ مِنْ شِرَارِ الأَغْنِيَاء، سَمَّاعُونَ لِلكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْت - أَيِ الكَسْبِ الحَرَام - عَصَا مُوسَى الْتِهَامَا، وَحُوتُ يُونُسَ الْتِقَامَا ٠٠!!
أَيَشْتَكِي الفَقْرَ غَادِينَا وَرَائِحُنَا * وَنحْنُ نمْشِى عَلَى أَرْضٍ مِنَ الذَّهَبِ
رَحِمَ اللهُ الفارُوقَ عُمَر، الَّذِي مَا كَانَ يَشْبَعُ وَفي المُسْلِمِينَ جَائِع، وَلاَ يَكْتَسِي وَفي المسْلِمِينَ حُفاةٌ عُرَاةٌ مُشرَّدُونَ بِالشَّوَارِع، يَنَامُونَ عَلى الأَرْصِفَة، أَجْسَادُهُمْ عَارِيَة، وَبُطُونُهُمْ خَاوِيَة، وَثِيَابُهُمْ بَالِيَة، فَالأَثْرِيَاءُ اليَوْمَ يَزْدَادُونَ ثَرَاءً، وَالفُقَرَاءُ يَزْدَادُونَ فَقْرًَا ٠٠!!
قَوْمٌ يَبْحَثُونَ عَنِ المَلاَلِيمِ وَلاَ يجِدُونَهَا، وَقَوْمٌ مَعَهُمُ المَلاَيِينُ وَيُبَدِّدُونَهَا ٠٠!!
[ ٢٧٠٨ ]
فِئَةٌ تَبْحَثُ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ عَنِ المَالِ مِنْ شِدَّةِ الفَاقَة، وَأُخْرَى تُرِيدُ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ إِنْفَاقَة ٠٠!!
تَبًَّا لهَا مِنْ دُنيَا ٠٠ تحْرِمُ الفُقَرَاءَ وَتُعْطِي الأَغْنِيَاء ٠٠!!
أَلاَ إِنمَا الأَيَّامُ تجْرِي عَلَى الوَرَى * فَتَحْرِمُ ذَا كَدٍّ وَتُكْرِمُ مَنْ تَرَى
﴿محْمُود سَامِي البَارُودِي بِتَصَرُّف﴾
" فِيهْ نَاسْ بِتِتْعَبْ مِن غِيرْ مَا تِكْسَبْ * وِنَاسْ بِتِكْسَبْ مِن غِيرْ مَا تِتْعَبْ "
﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
مَا النَّاسُ إِلاَّ عَامِلاَنِ فَعَامِلٌ * قَدْ مَاتَ مِن عَطَشٍ وَآخَرُ يَغْرَقُ
﴿صَالحُ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوس﴾
جَرَتْ سُنَّةُ اللهِ مِن عَهْدِ نُوحْ * شُعُوبٌ تجِيءوَأُخْرَى تَرُوحْ
وَدُنيَا تَضِجُّ بسُكَّانهَا * فَهَذَا يُغَني وَهَذَا يَنُوحْ
*********
[ ٢٧٠٩ ]
فَمَتى بَنى بَانٍ حَقِيقَةَ أَمْرِنَا * جَعَلَ المَآتِمَ حَائِطَ الأَفْرَاحِ
﴿أَمِيرُ الشُّعَرَاء / أَحْمَد شَوْقِي﴾
يَقُولُ صَاحِبُ الإِحْيَاء، في أَمْثَالِ هَؤُلاَء، مِنَ الأَغْنِيَاءِ الأَغْبِيَاء:
" فَقَدْ رَأَيْنَاهُمْ وَاللهِ اشْتَرَوا الأَمَانَةَ بِأَمْوَالهمْ، فَأَصَابُواْ آلاَفًَا، مَاذَا صَنَعُواْ بِهَا ٠٠؟!
وَسَّعُواْ بهَا دُورَهُمْ، وَضَيَّقُواْ قُبُورَهُمْ، أَسْمَنُواْ بَرَاذِينَهُمْ، وَأَهزَلُواْ دِينَهُمْ - بَرَاذِينُهُمْ أَيْ بِغَالهُمْ - وَأَتعَبُواْ أَنْفُسَهُمْ بِالغُدُوِّ وَالرَّوَاح إِلى بَابِ السُّلطَان، يَتَعَرَّضُونَ للبَلاَء، وهُمْ مِنَ اللهِ في عَافِيَة، يَقُولُ أَحَدُهُمْ: تَبِيعُني أَرْضَ كَذَا؛ وَأَزِيدُكَ كَذَا وَكَذَا ٠٠؟
[ ٢٧١٠ ]
يَتَّكِئُ عَلَى شِمَالِه، وَيَأْكُلُ مِن غَيرِ مَالِه، حَدِيثُهُ سُخْرَة، وَمَالُهُ حَرَام، حَتىَّ إِذَا أَخَذَتْهُ الكِظَّةُ - أَيِ التُّخْمَةُ - وَنَزَلَتْ بِهِ البِطْنَة؛ قَالَ يَا غُلاَم؛ ائْتِني بِشَيْءٍ أَهْضِمُ بِهِ طَعَامِي،
يا لُكَع ٠٠ أَطَعَامَكَ تَهْضِمُ أَمْ دِينَك ٠٠؟!
أَيْنَ حَقُّ الفَقِير، أَيْنَ حَقُّ الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِين، أَيْنَ حَقُّ اليَتِيمِ الَّذِي أَوْصَاكَ النَّبيُّ ﷺ بِهِ خَيْرَا "؟
[الإِحْيَاءُ بَابُ فَوَائِدِ الجُوع: ٩٦٩]
الحَدِيثُ عَنِ الفَقِيرِ وَالمحْتَاج؛ يَتَسَبَّبُ لِبَعْضِ الأَغْنِيَاءِ في إِزْعَاج
كُلُواْ وَاشْرَبُواْ أَيُّها الأَغْنيَاءُ * وَإِنْ مَلأَ السِّكَكَ الجَائِعُون
وَلاَ تَلْبِسُواْ الثَّوْبَ إِلاَّ جَدِيدًَا * وَإِنْ لَبِسَ الخِرَقَ البَائِسُون
[ ٢٧١١ ]
وَحُوطُواْ قُصُورَكُمُ بِالرِّجَالِ * وَحُوطُواْ رِجَالَكُمُ بِالحُصُون
فَلاَ يَنْظُرُواْ لِلجِيَاعِ الضِّيَاعِ * وَلاَ يَنْظُرُواْ للَّذِي تَصْنَعُون
وَإِنْ سَاءَكُمْ أَنهُمْ في الوُجُودِ * وَأَزْعَجَكُمْ أَنَّهُمْ يَصْرُخُون
مُرُواْ فَتَصُولَ الجنُودُ عَلَيْهِمْ * تُعَلِّمُهُمْ كَيْفَ فَتْكُ المَنُون
فَهُمْ مُعْتَدُونَ وَهُمْ مجْرِمُونَ * وَهُمْ مُقْلِقُونَ وَهُمْ مُزْعِجُون
إِذَا الجُنْدُ لَمْ يَحْرُسُوكُمْ وَأَنْتُمْ * كِرَامُ البِلاَدِ فَمَنْ يحْرُسُون
وَإِن هُمُ لَمْ يَقْتُلُواْ الأَشْقِيَاءَ * فَيَا لَيْتَ شِعْرِيَ مَنْ يَقْتُلُون
وَلاَ يُحْزِنَنَّكُمُ مَوْتهُمْ * فَإِنَّهُمُ لِلشَّقَا يُخْلَقُون
وَيَا فُقَرَاءُ لِمَاذَا التَّشَكِّي * دَعُواْ الأَغْنِيَاءَ وَمَا يَكْنِزُون
فَكَنزُ القَنَاعَةِ يَكْفِيكُمُ * أَلاَ تَسْتَحُونَ أَلاَ تخْجَلُون
[ ٢٧١٢ ]
﴿إِيلِيَّا أَبُو مَاضِي بِتَصَرُّف﴾
فُقَرَاء، لَكِنْ ظُرَفَاء
وَاسْتمِعْ مَعِي لِهَذَا الشَّاعِرِ الَّذِي بَلَغَ مِنْْ فَرْطِ قَنَاعَتِهِ أَنْ مَدَحَ الفَقْرَ عَلَى عِلاَتِهِ وَذَمَّ الْغِنى فَقَال:
أَقُولُ لنَفْسِي وَيحَكِ المَالُ نَافعٌ * فَتُقْسِمُ أَنَّ الأَجْرَ وَالزُّهْدَ أَنْفَعُ
لَعَمْرُكَ مَهْمَا يَرْتَفِعْ صَاحِبُ الغِنى * فَإِنَّ أُولي الإِخْلاَصِ وَالزُّهْدِ أَرْفَعُ
بَلْ وَصَارَ يَفْخَرُ - رَغْمَ فَقْرِهِ - عَلَى الغَنيِّ وَيَقُولُ لَه:
أَرَدْتَ عَلَيَّ تَفْتَخِرُ * بمَالِكَ أَنْتَ غَبيُّ
فَأَنْتَ إِلَيْهِ مفْتَقِرُ * وَأَنَا عَنهُ غَنيُّ
﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
غَنيٌّ بِلاَ مَالٍ عَنِ النَّاسِ كُلِّهِمْ * وَليْسَ الغِنى إِلاَّ عَنِ الشَّيْءِ لاَ بِهِ
مَنْ كَثُرَ مَالُهُ؛ كَثُرَتْ همُومُه
[ ٢٧١٣ ]
إِنَّ مَنْ كَثُرَ مَالُه؛ كَثُرَتْ همُومُه ٠٠ كَمْ مِن غَنيٍّ عِنْدَهُ الأَمْوَالُ أَكْوَام، وَعَيْنُهُ لاَ تَنَام ٠٠!!
وَالسَّعَادَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ في المَال، إِنمَا هِيَ في رَاحَةِ البَال، وَاسْمَعُواْ مَعِي - يَا أَهْلَ العُقُول - لهَذَا الشَّاعِرِ مَاذَا يَقُول:
إِني نَظَرْتُ إِلى الحَمَائِمِ في الرُّبَى * فَعَجِبْتُ مِن حَالِ الأَنَامِ وَحَالِهَا
فَغَبطْتُهَا في أَمْنِهَا وَسَلاَمِهَا * وَوَدِدْتُ لَوْ أُعْطِيتُ رَاحَةَ بَالِهَا
وَجَعَلْتُ مَذْهَبَهَا لِنَفْسِيَ مَذْهَبًَا * وَنَسَجْتُ أَخْلاَقِي عَلَى مِنوَالِهَا
رَاحَةُ البَال: خَيرٌ مِنْ كَثْرَةِ المَال
[ ٢٧١٤ ]
وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ﵀ أَنَّهُ قَال: " اخْتَارَ الفُقَرَاء؛ ثَلاَثَةَ أَشْيَاء، وَاخْتَارَ الأَغْنِيَاء؛ ثَلاَثَة أَشْيَاء، اخْتَارَ الفُقَرَاء: رَاحَةَ البَدَن، وَفَرَاغَ القَلْب، وَخِفَّةَ الحِسَاب، وَاخْتَارَ الأَغْنِيَاء: تَعَبَ البَدَن، وَشُغْلَ القَلْب، وَشِدَّةَ الحِسَاب " ٠
[الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ " بَابِ فَضِيلَةِ الفَقرِ عَلَى الغِني: ١٥٦١]
فَرَاحَة البَال؛ ثَرْوَةٌ لاَ تُقَدَّرُ بِمَال، أَبْصَرَهَا ذَلِكَ الشَّاعِرُ فَقَال:
وَطَائِرٌ صَغِيرْ * يجْلِسُ فَوْقَ العُشّ
كَأَنَّهُ أَمِيرْ * يجْلِسُ فَوْقَ العَرْش
*********
لاَ أَحَدَ يَقَعُ مِنْ فَوْقِ الحَصِيرَة
وَمَا أَظْرَفَ قَوْلِ هَذَا الأَعْرَابيّ:
خَرَجْتُ مِنَ المَنَازِلِ وَالقِبَابِ * فَلَمْ يَصْعُبْ عَلَي أَحَدٍ حِجَابِي
[ ٢٧١٥ ]
وَمَا حَاسَبْتُ يَوْمًَا قَهْرَمَانًَا * محَاسَبَةً فَغَالَطَ في حِسَابِي
وَلاَ خِفْتُ الذِّئَابَ عَلَى نِعَاجِي * وَلاَ خِفْتُ اللُّصُوصَ عَلَى دوابِّي
فَمَنزِليَ الفَضَاءوَسَقْفُ بَيْتي * سَمَاءُ اللهِ أَوْ قِطَعُ السَّحَابِ
فَأَنْتَ إِذَا أَرَدْتَ دَخَلْتَ بَيْتي * وَأَنْتَ إِذَا أَرَدْتَ قَرَعْتَ بَابِي
فَهَذَا هُوَ حَالُ الفَقِير ٠٠ يَبِيتُ مِلْءَ جُفُونِهِ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ مَا يخَافُ عَلَيْه ٠٠!!
وَصَدَقَ مَنْ قَالَ في الأَمْثَال: " لاَ أَحَدَ يَقَعُ مِنْ فَوْقِ الحَصِيرَة " ٠٠ أَيْ مَا جَلَبَ المَضَرَّة؛ إِلاَّ النَّوْمُ عَلَى الأَسِرَّة: وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنِ التَّرَفِ وَالرَّفَاهِيَة، وَالفَخْفَخَةِ المُغَالِيَة ٠٠!!
صَعَالِيكُ الشُّعَرَاء
وَقَالَ أَحَدُ الشُّعَرَاءِ؛ في بَائِسٍ مِنَ البُؤَسَاء:
[ ٢٧١٦ ]
شَاعِرٌ مِنْ يَوْمِهِ صِفْرُ اليَدِ * غَارِقٌ في دَيْنِهِ لِلأَبَدِ
مَنْ رَآهُ قَالَ كَمْ ثَرْوَتُهُ * وَهْيَ صِفْرٌ عَنْ شِمَالِ العَدَدِ
يُنْفِقُ في يَوْمِهِ مَا عِنْدَهُ * تَارِكًَا للهِ تَدْبِيرَ الغَدِ
﴿محَمَّدٌ الأَسْمَر﴾
وَبَاتَ أَعْرَابِيٌّ هُوَ وَكَلبُهُ جَائِعَيْن، حَتىَّ عَوَى كَلْبُهُ طِوَالَ اللَّيْلِ مِنْ شِدَّةِ الجُوع، وَمَعَ ذَلِكَ رَأَى في نَفْسِهِ أَمِيرًَا لِلمُؤْمِنِينَ فَأَنْشَأَ يَقُول:
تَشَكَّى إِليَّ الكَلبُ شِدَّةَ مَا بِهِ * وَبي مِثْلُ مَا بِالكَلْبِ أَوْ بيَ أَكْثَرُ
كَأَنيِّ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الغِنى * وَأَنْتَ كَأَنَّكَ حِينَ تَسْأَلُ جَعْفَرُ
أَيْ بِرَغْمِ فَقْرِنَا وَجُوعِنَا؛ فَإِنَّكَ جَعَلْتَني مِن حَيْثُ لاَ تَدْرِي أَمِيرًَا لِلْمُؤمِنِين؛ بِرَفْعِكَ إِليَّ حَاجَتَك، كَمَا يَرْفَعُ النَّاسُ حَوَائِجَهُمْ إِلَيْه " ٠
[ ٢٧١٧ ]
البُحْتُرِيُّ الشَّاعِر
وَتُذَكِّرُنِي هَذِهِ الحَادِثَةُ أَيْضًَا؛ بحَادِثَةٍ مُشَابِهَةٍ حَدَثَتْ مَعَ البُحْتُرِيِّ الشَّاعِر:
كَانَ بِالصَّحْرَاءِ وَقَدِ اشْتَدَّ بِهِ الجُوع، وَبِيَدِهِ حَرْبَة، يَنْتَظِرُ أَنْ يَتَعَطَّفَ عَلَيْهِ غَزَالٌ فَيَقْتُلَهُ وَيَأْكُلَه، فَطَلَعَ عَلَيْهِ ذِئْبٌ يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَه، فَقَالَ في نَفْسِهِ: أَنَا جَائِعٌ أُرِيدُ غَزَالًا آكُلُه، وَأَنْتَ يَا ذِئْبُ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَني ٠٠؟!
فَطَعَنَهُ بِالحَرْبَةِ فَأَنْفَذَه، ثُمَّ رَقَّ إِلَيْهِ بَعْدَ قَتْلِهِ فَرَثَاهُ قَائِلًا:
طَوَاهُ الطِّوَى حَتىَّ لَقَدْ مَلَّ عَيْشَهُ * فَمَا فِيهِ إِلاَّ العَظْمُ وَالرُّوحُ وَالجِلدُ
رَآنِي وَبِي مِنْ شِدَّةِ الجُوعِ مَا بِهِ * بِبَيْدَاءَ لَمْ تُعْرَفْ بِهَا عِيشَةٌ رَغْدُ
[ ٢٧١٨ ]
فَمَا ازْدَادَ إِلاَّ جُرْأَةً وَصَرَامَةً * وَأَيْقَنْتُ أَنَّ الأَمْرَ مِنهُ هُوَ الجِدُّ
فَأَعْلَنْتُهَا حَرْبًَا ضَرُوسًَا وَصَيْحَةً * وَلَمْ يُثْنِني عَنهُ وَعِيدٌ وَلاَ وَعْدُ
وَأَوْغَرْتُهُ رُمحِي فَجَاءَ بِمَقْتَلٍ * كَمَا كَوْكَبٍ يَنْقَضُّ وَاللَّيْلُ مُسْوَدُّ
﴿البُحْتُرُيّ﴾
فَخَرَّ مُضَرَّجًَا بِدَمٍ كَأَنيِّ * هَدَمْتُ بِهِ بِنَاءً مُشْمَخِرَّا
وَقُلْتُ لَهُ يَعَزُّ عَلَيَّ أَنيِّ * قَتَلْتُ أَخِي مجَالَدَةً وَفَخْرَا
وَلَكِنْ رُمْتَ شَيْئًَا لَمْ يَرُمْهُ * سِوَاكَ فَلَمْ أُطِقْ يَا لَيْثُ صَبْرَا
عِلاَجُ الفَقْرِ مِنَ القُرْآنِ وَالسُّنَّة
أَوَّلًا بِالتَّقْوَى:
وَهِيَ مخَافَةُ اللهِ تَعَالى وَمُرَاقَبَتُهُ وَاتِّقَاءُ غَضَبِه، وَقُلْتُ بِأَنَّ فِيهَا عِلاَجًَا لِلْفَقْرِ لأَنَّ اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ يَقُول:
[ ٢٧١٩ ]
عَن أَبي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ ﵁ قَال: " جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتْلُو هَذِهِ الآيَة: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مخْرَجَا ﴿٢﴾ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرَا﴾ ﴿الطَّلاَق﴾
ثُمَّ قَالَ ﷺ: " يَا أَبَا ذَرّ؛ لَوْ أَنَّ النَّاسَ أَخَذُواْ بِهَا لَكَفَتْهُمْ " ٠ [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٣٨١٩]
[ ٢٧٢٠ ]
عَن أَبي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " مَا مُطِرَ قَوْمٌ إلاَ بِرَحْمَة، وَلاَ قُحِطُواْ إِلاَّ بِسَخْطَة " ٠
[ضَعَّفَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " الضَّعِيفِ " وَفي " الضَّعِيفَةِ " بِرَقْم: (٤٤٦٧)، وَالحَدِيثُ في " الكَنْزِ " بِرَقْم: ٢١٥٩٢]
[ ٢٧٢١ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ عَنْ رَبِّ العِزَّةِ جَلَّ جَلاَلُهُ أَنَّهُ قَال: " لَوْ أَنَّ عِبَادِي أَطَاعُوني: لأَسْقَيْتُهُمُ المَطَرَ بِاللَّيْل، وَأَطْلَعْتُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ بِالنَّهَار، وَلَمَا أَسْمَعْتُهُمْ صَوْتَ الرَّعْد "
[حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٨٦٩٥، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِه]
[ ٢٧٢٢ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ قَال: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَال: " يَا مَعْشَرَ المُهَاجِرِين، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنّ، وَأَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ في قَوْمٍ قَطُّ حَتىَّ يُعْلِنُوا بِهَا؛ إِلاَّ فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُون، وَالأَوْجَاعُ الَّتي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ في أَسْلاَفِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا المِكْيَالَ وَالمِيزَانَ إِلاَّ أُخِذُوا بِالسِّنِين؛ وَشِدَّةِ المَئُونَة، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ؛ إِلاَّ مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاء، وَلَوْلاَ الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُواْ، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ؛ إِلاَّ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًَّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُواْ بَعْضَ مَا في أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ الله، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ الله؛ إِلاَّ جَعَلَ اللهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ " ٠
[حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ " بِرَقْم: ٤٠١٩]
[ ٢٧٢٣ ]
فَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَصْنَعْ لَهُ * وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لاَ يحْتَسِبْ
وَخَيرُ مَثَلٍ لَنَا في ذَلِكَ الصَّحَابَة، انْظُرْ كَيْفَ صَبرُواْ عَلَى الْفَقْرِ حَتىَّ أَنعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِالْغِنى ٠٠
عَن أَبي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَال: " كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُ بِالصَّدَقَةِ فَيحْتَالُ أَحَدُنَا حَتىَّ يَجِيءَ بِالمُدّ - أَيْ لاَ يَجِيءُ بِهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُس - وَإِنَّ لأَحَدِهِمُ اليَوْمَ مِائَةَ أَلْف "
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٤٦٦٩ / فَتْح]
[ ٢٧٢٤ ]
قَالَ الإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ ﵀ في " سُنَنِهِ ": " شَبَّرْتُ قِثَّاءةً بِمِصْرَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ شِبْرًَا، وَرَأَيْتُ أُتْرُجَّةً عَلَى بَعِيرٍ بِقِطْعَتَيْن، قُطِّعَتْ وَصُيِّرَتْ عَلَى مِثْلِ عِدْلَيْن " ٠٠ أَيْ خُرْجَين ٠
[الإِمَامُ الإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ في " سُنَنِهِ " بِرَقْم: ١٥٩٩]
عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ إِنْ كُنْتَ لاَ تَدْرِي * سَيَأْتِيكَ بِالأَرْزَاقِ مِن حَيْثُ لاَ تَدْرِي
وَكَيْفَ تخَافُ الفَقْرَ وَاللهُ رَازِقٌ * وَقَدْ رَزَقَ الإِنْسَانَ وَالحُوتَ في البَحْرِ
وَلَوْ كَانَتِ الأَرْزَاقُ تَأْتِي بِقُوَّةٍ * لَمَا أَكَلَ العُصْفُورُ شَيْئًَا مَعَ النَّسْرِ
*********
هَلْ آيَةُ الدُّخَان؛ في آخِرِ الزَّمَان، أَمْ هِيَ شَيْءٌ قَدْ كَان
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال:
[ ٢٧٢٥ ]
" إِنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ إِدْبَارًَا قَال: " اللهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُف " ٠
فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ - أَيْ أَبَادَتْ - كُلَّ شَيْء؛ حَتىَّ أَكَلُواْ الجُلُودَ وَالمَيْتَةَ وَالجِيَف، وَيَنْظُرَ أَحَدُهُمْ إِلى السَّمَاءِ فَيَرَى الدُّخَانَ مِنَ الجُوع؛ فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَال: يَا محَمَّد، إِنَّكَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِم، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُواْ؛ فَادْعُ اللهَ لهُمْ ٠٠
يَقُولُ عَبْدُ اللهُ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁: قَالَ اللهُ تَعَالى:
[ ٢٧٢٦ ]
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴿١٠﴾ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١١﴾ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴿١٢﴾ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ﴿١٣﴾ ثُمَّ تَوَلَّواْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ ﴿١٤﴾ إِنَّا كَاشِفُو العَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ﴿١٥﴾ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿الدُّخَان﴾
فَالبَطْشَةُ: يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدْ مَضَتِ الدُّخَانُ وَالبَطْشَة، وَاللِّزَامُ وَآيَةُ الرُّوم " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: ١٠٠٧]
[ ٢٧٢٧ ]
وَاللِّزَامُ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِه، وَمِن أَرْجَحِ مَا قِيلَ فِيهِ أَنَّهُ؛ القَتْلُ الَّذِي كَانَ في المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْر، وَيُرَجِّحُ هَذَا عِنْدِي؛ الحَدِيثُ التَّالي، وَقَوْلُهُ ﷾:
﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًَا﴾ ﴿الفُرْقَان/٧٧﴾
[ ٢٧٢٨ ]
عَنْ مَسْرُوقٍ الهَمَدَانيِّ قَال: بَيْنَمَا رَجُلٌ يُحَدِّثُ في كِنْدَة - أَيْ في اليَمَنِ - فَقَال: يجِيءُ دُخَانٌ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَأْخُذُ بِأَسْمَاعِ المُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ، يَأْخُذُ المُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ الزُّكَام؛ فَفَزِعْنَا، فَأَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ وَكَانَ مُتَّكِئًَا؛ فَغَضِبَ فَجَلَسَ فَقَال: مَن عَلِمَ؛ فَلْيَقُلْ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ؛ فَلْيَقُلْ: اللهُ أَعْلَم؛ فَإِنَّ مِنَ العِلْمِ أَنْ يَقُولَ لمَا لاَ يَعْلَمُ لاَ أَعْلَم، فَإِنَّ اللهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ:
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِن أَجْر، وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿ص﴾
وَإِنَّ قُرَيْشًَا أَبْطَأُواْ عَنِ الإِسْلاَم؛ فَدَعَا عَلَيْهِمُ النَّبيُّ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَم؛ فَقَال:
[ ٢٧٢٩ ]
" اللهُمَّ أَعِنيِّ عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُف " ٠٠ فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ - أَيْ قَحْطٌ - حَتىَّ هَلَكُواْ فِيهَا، وَأَكَلُواْ المَيْتَةَ وَالعِظَام، وَيَرَى الرَّجُلُ مَا بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَان؛ فَجَاءهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَال: يَا محَمَّد، جِئْتَ تَأْمُرُنَا بِصِلَةِ الرَّحِم، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُواْ؛ فَادْعُ الله، فَقَرَأَ ﷺ:
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴿١٠﴾ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١١﴾ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴿١٢﴾ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ﴿١٣﴾ ثمَّ تَوَلَّواْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مجْنُونٌ ﴿١٤﴾ إِنَّا كَاشِفُو العَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ ﴿الدُّخَان﴾
[ ٢٧٣٠ ]
يَقُولُ ابْنُ مَسْعُود: أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ عَذَابُ الآخِرَةِ إِذَا جَاء ٠٠؟!
ثمَّ عَادُواْ إِلى كُفْرِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷾:
﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿الدُّخَان: ١٦﴾
يَوْمَ بَدْر، وَ﴿لِزَامًَا﴾ يَوْمَ بَدْر " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٤٧٧٤ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٧٩٨ / عَبْد البَاقِي]
عَنْ مَسْرُوقٍ ﵁ قَال:
[ ٢٧٣١ ]
" بَيْنَا رَجُلٌ يُحَدِّثُ في المَسْجِدِ الأَعْظَمِ قَال: إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَة؛ نَزَلَ دُخَانٌ مِنَ السَّمَاء؛ فَأَخَذَ بِأَسْمَاعِ المُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ، وَأَخَذَ المُؤْمِنِينَ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَام؛ قَالَ مَسْرُوقٌ ﵁: فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ ﵁ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، وَكَانَ مُتَّكِئًَا فَاسْتَوَى جَالِسًَا؛ فَأَنْشَأَ يُحَدِّث، فَقَالَ ﵁: يَا أَيُّهَا النَّاس؛ مَنْ سُئِلَ مِنْكُمْ عَن عِلْمٍ هُوَ عِنْدَهُ فَلْيَقُلْ بِه، فَإِنْ لَمْ يَكُن عِنْدَهُ فَلْيَقُلْ: اللهُ أَعْلَم؛ فَإِنَّ مِنَ العِلْمِ أَنْ تَقُولَ لِمَا لاَ تَعْلَم: اللهُ أَعْلَم؛ إِنَّ اللهَ ﷿ قَالَ لِنَبيِّهِ ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِن أَجْرٍ وَمَا
[ ٢٧٣٢ ]
أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِين﴾ ﴿ص﴾
إِنَّ قُرَيْشًَا لَمَّا غَلَبُواْ النَّبيَّ ﷺ وَاسْتَعْصَوْا عَلَيْه؛ قَالَ ﷺ: " اللهُمَّ أَعِنيِّ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُف " ٠
فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ أَكَلُواْ فِيهَا العِظَامَ وَالمَيْتَةَ مِنَ الجَهْد؛ حَتىَّ جَعَلَ أَحَدُهُمْ يَرَى بَيْنَهُ وَبَينَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الجُوع؛ فَقَالُواْ: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُون﴾ ﴿الدُّخَان﴾
[ ٢٧٣٣ ]
فَقِيلَ لَهُ - أَيْ قَالَ اللهُ ﷿ لِنَبِيِّهِ ﷺ: إِنَّا إِنْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَادُواْ؛ فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمْ فَعَادُواْ؛ فَانْتَقَمَ اللهُ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِين ﴿١٠﴾ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيم ﴿١١﴾ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُون ﴿١٢﴾ أَنىَّ لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُبِين ﴿١٣﴾ ثمَّ تَوَلَّواْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مجْنُون ﴿١٤﴾ إِنَّا كَاشِفُو العَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُون ﴿١٥﴾ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبرَى إِنَّا مُنْتَقِمُون﴾ ﴿الدُّخَان﴾
فَقَالَ عَبْدُ اللهِ ﵁: " فَلَوْ كَانَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَا كُشِفَ عَنْهُمْ " [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٤١٠٤، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِه]
[ ٢٧٣٤ ]
لاَحِظْ يَرْحَمُكَ الله؛ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يُنْكِرْ آيَةَ الدُّخَان، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ فَقَطْ؛ أَنْ تَكُونَ هِيَ المَقْصُودَةَ بِهَذِهِ الآيَة، لاَ سِيَّمَا أَنَّهُ تُوجَدُ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ تَنُصُّ عَلَى ثُبُوتِ مجِيءِ الدُّخَان، في آخِرِ الزَّمَان
إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمَ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُه
عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " لاَ يَزِيدُ في العُمْرِ إِلاَّ البرّ، وَلاَ يَرُدُّ القَدَرَ إِلاَّ الدُّعَاء، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمَ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُه " ٠
[حَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: ٤٠٢٢، وَالأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ الإِمَامِ ابْنِ حِبَّانَ بِرَقْم: ٧٣١]
[ ٢٧٣٥ ]
الغَلاَءُ غَضَبٌ مِنَ الله
عَن عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ إِذَا غَضِبَ عَلَى أُمَّةٍ لَمْ يُنزِلْ بهَا عَذَابَ خَسْفٍ وَلاَ مَسْخ، غَلَتْ أَسْعَارُهَا، وَتحْبَسُ أَمْطَارُهَا، وَيَلِي عَلَيْهَا أَشْرَارُهَا " ٠
[ضَعَّفَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " الضَّعِيفِ " بِرَقْم: (١٥٤٩)، رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرْ، وَهُوَ في " الْكَنْزِ " بِرَقْم: ٢١٥٩٧]
وَفي رِوَايَةٍ: " غَلَتْ أَسْعَارُهَا وَقَصُرَتْ أَعْمَارُهَا " ٠
[ ٢٧٣٦ ]
[ضَعَّفَهَا الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الضَّعِيفَةِ بِرَقْم: (١٨٣٧)، وَرَوَاهَا الدَّيْلَمِيُّ في الفِرْدَوْس، وَهِيَ في " الكَنْزِ " بِرَقْم: ٢١٦١١]
ضَاعَتِ الأَخْلاَق؛ فَضَاقَتِ الأَرْزَاق
يَرْحَمُ اللهُ فَضِيلَةَ الشَّيْخ عَبْدِ الحَمِيد كِشْك؛ حَيْثُ كَانَ كَثِيرًَا مَا يَقُولُ في خُطَبِهِ المِنْبرِيَّة:
" ضَاعَتِ الأَخْلاَق؛ فَضَاقَتِ الأَرْزَاق " ٠
[الشِّيخ عَبْدُ الحَمِيد كِشْك في الخُطَبُ المِنْبرِيَّةِ]
ثَانِيًَا بِالاَسْتِغْفَار:
[ ٢٧٣٧ ]
وَذَلِكَ بِاسْتِنْبَاطِهِ مِنَ الحَدِيثِ السَّابِق، فَمَا دَامَتِ الذُّنُوبُ تُضَيِّقُ الأَرْزَاق؛ فَتَوْسِيعُهَا يَكُونُ بِالتَّوْبَةِ وَالاَسْتِغْفَار، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارَا ﴿١٠﴾ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارَا ﴿١١﴾ وَيمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيجْعَلْ لَكُمْ أَنهَارَا﴾ ﴿نُوح﴾
وَسَمَاءٌ مِدْرَار: أَيْ كَثِيرَةُ الأَمْطَار ٠
[ ٢٧٣٨ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " مَن أَكْثَرَ مِنَ الاِسْتِغْفَار؛ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًَا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مخْرَجًَا، وَرَزَقَهُ مِن حَيْثُ لاَ يَحْتَسِب " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٢٢٣٤، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَد]
فَإِنْ كُنتَ في نِعْمَةٍ فَارْعَهَا * فَإِنَّ المَعَاصِي تُزِيلُ النِّعَمْ
﴿الإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِب﴾
أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير﴾
﴿الشُّورَى: ٣٠﴾
وَقَوْلَهُ جَلَّ جَلاَلُه: ﴿فَأَهْلَكنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ ﴿الأَنعام: ٦﴾
ثَالِثًَا بِالدُّعَاء:
لاَ يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلاَّ الدُّعَاء
[ ٢٧٣٩ ]
هَكَذَا قَالَ ﷺ في الحَدِيثِ سَالِفِ الذِّكْرِ أَيْضًَا ٠
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ وِجَاهَ المِنْبر، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يخْطُب، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَائِمًَا فَقَال: يَا رَسُولَ الله، هَلَكَتِ المَوَاشِي، وَانْقَطَعَتِ السُّبُل؛ فَادْعُ اللهَ يُغِيثُنَا ٠٠؟
فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ فَقَال: " اللهُمَّ اسْقِنَا، اللهُمَّ اسْقِنَا، اللهُمَّ اسْقِنَا " ٠٠ قَالَ أَنَس:
[ ٢٧٤٠ ]
وَلاَ وَاللهِ، مَا نَرَى في السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلاَ قَزَعَةً - أَيْ وَلاَ قِطْعَةً - وَلاَ شَيْئًَا، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ - أَيْ جَبَلٍ بِالمَدِينَة - مِنْ بَيْتٍ وَلاَ دَار، فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْس - أَيْ مُسْتَدِيرَةً كَمَا قَالَ ابْنُ حَجَر - فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاء انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، وَاللهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًَّا - أَيْ سِتَّ لَيَاليَ وَأَيَّام - ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ البَابِ في الجُمُعَةِ المُقْبِلَة، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُب، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًَا فَقَال: يَا رَسُولَ الله، هَلَكَتِ الأَمْوَال، وَانْقَطَعَتِ السُّبُل؛ فَادْعُ اللهَ يُمْسِكْهَا ٠٠؟
[ ٢٧٤١ ]
فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَال: " اللهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا، اللهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالجِبَالِ - أَيْ عَلَى التِّلاَلِ وَالجِبَال - وَالآجَامِ وَالظِّرَاب - أَيِ الغَابَاتِ وَالمُرْتَفَعَات - وَالأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَر " ٠٠ فَانْقَطَعَتْ، وَخَرَجْنَا نمْشِي في الشَّمْس " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (١٠١٣)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٨٩٧]
وَفي رِوَايَةٍ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَال: " بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَة؛ إِذْ جَاءهُ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، قُحِطَ المَطَر - أَيِ احْتُبِسَ - فَادْعُ اللهَ أَنْ يَسْقِيَنَا ٠٠؟
[ ٢٧٤٢ ]
فَدَعَا فَمُطِرْنَا، فَمَا كِدْنَا أَنْ نَصِلَ إِلى مَنَازِلِنَا - أَيْ مِنْ شِدَّةِ المَطَر - فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ إِلى الجُمُعَةِ المُقْبِلَة؛ فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنَّا ٠٠؟
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " اللهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا " ٠٠ فَلَقَدْ رَأَيْتُ السَّحَابَ يَتَقَطَّعُ يَمِينًَا وَشِمَالًا، يُمْطَرُونَ - أَيْ سُكَّانُ المُدُنِ المجَاوِرَة - وَلاَ يُمْطَرُ أَهْلُ المَدِينَة " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: ١٠١٥]
[ ٢٧٤٣ ]
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبيِّ ﷺ فَقَال: هَلَكَتِ المَوَاشِي، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُل؛ فَدَعَا فَمُطِرْنَا مِنَ الجُمُعَةِ إِلى الجُمُعَة، ثُمَّ جَاءَ فَقَال: تَهَدَّمَتِ البُيُوتُ وَتَقَطَّعَتِ السُّبُل، وَهَلَكَتِ المَوَاشِي فَادْعُ اللهَ يُمْسِكْهَا؛ فَقَامَ ﷺ فَقَال: " اللهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَاب، وَالأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَر " ٠٠ فَانْجَابَتْ عَنِ المَدِينَةِ انْجِيَابَ الثَّوْب " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: ١٠١٦]
وَانْجَابَتِ انْجِيَابَ الثَّوْب: أَيِ انْسَحَبَتْ كَمَا يُسْحَبُ الثَّوْبُ مِنْ فَوْقِ الشَّيْءِ المُغَطَّى ٠
[ ٢٧٤٤ ]
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَال: " أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ - أَيْ شِدَّةٌ وَقَحْطٌ - عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ يَوْمَ الجُمُعَة؛ قَامَ أَعْرَابيٌّ فَقَال:
يَا رَسُولَ الله، هَلَكَ المَالُ وَجَاعَ العِيَال؛ فَادْعُ اللهَ لَنَا أَنْ يَسْقِيَنَا ٠٠؟
[ ٢٧٤٥ ]
فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ وَمَا في السَّمَاءِ قَزَعَة - أَيْ قِطْعَةُ سَحَاب - فَثَارَ سَحَابٌ أَمْثَالُ الجِبَال، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتىَّ رَأَيْتُ المَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لحْيَتِه، فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ وَفي الغَد، وَمِنْ بَعْدِ الغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ إِلى الجُمُعَةِ الأُخْرَى، فَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابيّ أَوْ رَجُلٌ غَيْرُهُ فَقَال: يَا رَسُولَ الله، تَهَدَّمَ البِنَاءوَغَرِقَ المَال؛ فَادْعُ اللهَ لَنَا ٠٠؟
[ ٢٧٤٦ ]
فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ وَقَال: " اللهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا " ٠٠ فَمَا جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّمَاء؛ إِلاَ تَفَرَّجَتْ، حَتىَّ صَارَتِ المَدِينَةُ في مِثْلِ الجَوْبَة " ٠
[وَالجَوْبَةُ: هِيَ الفَجْوَةُ وَالفَرَاغُ يَكُونُ حَوْلَ الشَّيْء ٠ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: ١٠٣٣]
[ ٢٧٤٧ ]
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَال: " أَتَى رَجُلٌ أَعْرَابيٌّ مِن أَهْلِ البَدْوِ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقَال: يَا رَسُولَ الله، هَلَكَتِ المَاشِيَة، هَلَكَ العِيَال، هَلَكَ النَّاس، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ يَدْعُو، وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ مَعَهُ يَدْعُون، فَمَا خَرَجْنَا مِنَ المَسْجِدِ حَتىَّ مُطِرْنَا، فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ حَتىَّ كَانَتِ الجُمُعَةُ الأُخْرَى، فَأَتَى الرَّجُلُ إِلى نَبيِّ اللهِ ﷺ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، بَشِقَ المُسَافِر، وَمُنِعَ الطَّرِيق " ٠ [بَشِقَ المُسَافِر: أَيْ لَقِيَ عَنَاءً وَمَشَقَّة ٠ البُخَارِيُّ في فَتْحِ البَارِي بِرَقْم: ١٠٢٩]
[ ٢٧٤٨ ]
عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " شَكَا النَّاسُ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ قُحُوطَ المَطَر؛ فَأَمَرَ ﷺ بِمِنْبَرٍ فَوُضِعَ لَهُ في المُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًَا يَخْرُجُونَ فِيه، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْس، فَقَعَدَ عَلَى المِنْبرِ فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللهَ ﷿ ثمَّ قَال: " إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَاسْتِئْخَارَ المَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمْ اللهُ ﷿ أَنْ تَدْعُوه، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ " ٠٠ ثُمَّ قَالَ ﷺ: " الحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِين، الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، مَلِكِ يَوْمِ الدِّين، لاَ
[ ٢٧٤٩ ]
إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيد، اللهُمَّ أَنْتَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ الْغَنيُّ وَنحْنُ الْفُقَرَاء؛ أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْث، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلاَغًَا إِلى حِين " ٠٠ ثمَّ رَفَعَ يَدَيْه، فَلَمْ يَزَلْ في الرَّفْعِ حَتىَّ بَدَا بَيَاضُ إِبِطَيْهِ ﷺ، ثمَّ حَوَّلَ إِلى النَّاسِ ظَهْرَه، وَقَلَبَ أَوْ حَوَّلَ رِدَاءهُ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْه، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْن؛ فَأَنْشَأَ اللهُ سَحَابَةً فَرَعَدَتْ وَبَرَقَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ بِإِذْنِ الله، فَلَمْ يَأْتِ مَسْجِدَهُ حَتىَّ سَالَتِ السُّيُول، فَلَمَّا رَأَى سُرْعَتَهُمْ إِلى الْكِنِّ ضَحِكَ ﷺ حَتىَّ بَدَتْ نَوَاجِذُهُ فَقَال: " أَشْهَدُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ
[ ٢٧٥٠ ]
شَيْءٍ قَدِير، وَأَنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُه "
[حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " الْكَلِمِ الطَّيِّبِ " بِرَقْم: ١٥٢، وَفي " سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ " بِرَقْم: ١١٧٣]
وَمِمَّا وَرَدَ أَيْضًَا في فَضْلِ الدُّعَاء، وَأَثَرِهِ في الأَرْزَاق؛ هَذَا الحَدِيثُ التَّالي:
عَن أَبي هُرَيرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " خَرَجَ نَبيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَسْتَسْقِي، فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ رَافِعَةٍ بَعْضَ قَوَائِمِهَا إِلى السَّمَاءِ فَقَال:
ارْجِعُواْ فَقَدِ اسْتُجِيبَ لَكُمْ مِن أَجْلِ هَذِهِ النَّمْلَة " ٠
[صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في المِشْكَاةِ بِرَقْم: ١٥١٠، وَالحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ١٢١٥، وَهْوَ في الكَنْزِ بِرَقْم: ٢١٥٨٩]
[ ٢٧٥١ ]
عَنْ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ ﵁ قَال: " سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُول، وَجَاءهُ رَجُلٌ فَقَال: اسْتَسْقِ اللهَ لمُضَر؛ فَقَال ﷺ:
" إِنَّكَ لجَرِيء، أَلِمُضَر " ٠٠؟
[ ٢٧٥٢ ]
قَالَ يَا رَسُولَ الله، اسْتَنْصَرْتَ اللهَ ﷿ فَنَصَرَك، وَدَعَوْتَ اللهَ ﷿ فَأَجَابَك؛ فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ يَقُول: " اللهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًَا مُغِيثًَا، مَرِيعًَا مَرِيئًَا، طَبَقًَا غَدَقًَا، عَاجِلًا غَيْرَ رَائِث، نَافِعًَا غَيرَ ضَارّ " ٠٠ فَأُحْيُوا - أَيْ فَمُطِرُواْ - فَمَا لَبِثُوا أَن أَتَوْهُ فَشَكَواْ إِلَيْهِ كَثْرَةَ المَطَرِ فَقَالُواْ: قَدْ تهَدَّمَتْ الْبُيُوت؛ فَرَفَعَ ﷺ يَدَيْهِ وَقَال: " اللهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا؛ فَجَعَلَ السَّحَابُ يَتَقَطَّعُ يَمِينًَا وَشِمَالًا " ٠
[صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ " بِرَقْم: (١٢٦٩)، وَالحَدِيثُ في " المُسْنَدِ " بِرَقْم: ٢٧٦٨٩]
[ ٢٧٥٣ ]
وَعَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ قَحْطٌ فَخَرَجَ ﷺ يَسْتَسْقِي اللهَ فَقَال:
[ ٢٧٥٤ ]
" اللهُمَّ صَاحَتْ بِلاَدُنَا، وَاغْبرَّت أَرْضُنَا، وَهَامَتْ دَوَابُّنَا، اللهُمَّ مُنزَلَ البرَكَاتِ مِن أَمَاكِنِهَا، وَنَاشِرَ الرَّحْمَةِ مِن مَعَادِنِهَا بِالغَيْثِ المُغِيث، أَنْتَ المُسْتَغْفَرُ لِلآثَام؛ فَنَسْتَغْفِرُكَ للجَمَّاتِ مِنْ ذُنُوبِنَا - أَيِ العَظِيمِ مِنهَا - وَنَتُوبُ إِلَيْكَ مِن عِظَمِ خَطَايَانَا، اللهُمَّ أَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًَا، وَاكْفًَا مَغْزُورًَا - أَيْ تَهْطِلُ غَزِيرَةً - مِنْ تحْتِ عَرْشِك، من حَيْثُ يَنْفَعُنَا غَيْثًَا مغيثًَا دَارِعًَا رَائِعًَا مُمْرِعًَا - أَيْ يَعُمُّنَا فَنَرْتَعَ فِيهِ وَنَمْرَع - طَبَقًَا غَدَقًَا خِصْبًَا، تُسْرِعُ لنَا بِهِ النَّبَات، وَتُكثِرُ لنَا بِهِ البرَكَات، وَتَقْبَلُ بِهِ الخَيرَات، اللهُمَّ أَنْتَ قُلْتَ في كِتَابِك: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ﴾
[ ٢٧٥٥ ]
﴿الأَنبِيَاء: ٣٠﴾
اللهُمَّ فَلاَ حَيَاة لِشَيْءٍ خُلِقَ مِنَ المَاء إِلاَّ بِالمَاء، اللهُمَّ وقَدْ قَنِط النَّاسُ وَسَاءَ ظَنُّهُمْ، وَهَامَتْ بَهَائِمُهُمْ وَعَجَّتْ عَجِيجَ الثَّكْلَى عَلَى أَوْلاَدِهَا، إِذْ حَبَسْتَ عَنَّا قَطْرَ السَّمَاءِ فَدَقَّ لِذَلِكَ عَظْمُهَا، وَذَهَبَ لحْمُهَا، وَذَابَ شَحْمُهَا؛ اللهُمَّ ارْحَمْ أَنِينَ الآنَّة، وَحَنِينَ الحَآنَّة، وَمَنْ لاَ يحْمِلُ رِزْقَهُ غَيرُك، اللهُمَّ ارْحَمِ البَهَائِمَ الحَائِمَة، وَالأَنعَامَ السَّائِمَة، وَالأَطْفَالَ الصَّائِمَة، اللهُمَّ ارحَمِ المشَايِخَ الرُّكَّع، وَالأَطْفَالَ الرُّضَّع، وَالبَهَائِمَ الرُّتَّع، اللهُمَّ زِدْنَا قُوَّةً إِلى قُوَّتِنَا، وَلاَ تَرُدَّنَا محْرُومِين، إِنَّك سَمِيعُ الدُّعَاء، بِرَحْمَتكَ يَا أَرْحَمْ الرَّاحِمِين " ٠
[ ٢٧٥٦ ]
[ابْنُ عَسَاكِرَ، وَالحَدِيثُ في " الكَنْزِ " بِرَقْم: ٢١٦٠٠]
صَلاَةُ الاَسْتِسْقَاء
عَن أَبي إِسْحَاقَ الهَمَدَانيِّ ﵁ قَال: " خَرَجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ الأَنْصَارِيّ، وَخَرَجَ مَعَهُ البَرَاءُ بْنُ عَازِب، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ﵃، فَاسْتَسْقَى ﷺ فَقَامَ بِهِمْ عَلَى رِجْلَيْه، عَلَى غَيرِ مِنْبر، فَاسْتَغْفَرَ ﷺ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يجْهَرُ بِالقِرَاءة، وَلَمْ يُؤَذِّنْ وَلَمْ يُقِمْ " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: ١٠٢٢]
[ ٢٧٥٧ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَال: " خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إِلى القِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءهُ - أَيْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى مِنْكَبَيْه - ثمَّ صَلَّى رَكْعَتَينِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالقِرَاءةِ "
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: ١٠٢٤]
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ لاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ في شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلاَّ في الاَسْتِسْقَاء، فَإِنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتىَّ يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْه " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٣٥٦٥ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٨٩٥ / عَبْد البَاقِي]
[ ٢٧٥٨ ]
وَثَبُتَ عَنهُ أَيْضًَا ﷺ جَوَازُ محَازَاةِ الوَجْهِ لِلْكَفَّين ٠٠
عَن عُمَيْرٍ الغِفَارِيِّ ﵁ أَنَّهُ رَأَى النَّبيَّ ﷺ قَائِمًَا يَدْعُو يَسْتَسْقِي، رَافِعًَا يَدَيْهِ قِبَلَ وَجْهِهِ لاَ يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَه " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ " بِرَقْم: ١١٦٨]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو ﵁ قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اسْتَسْقَى قَال:
" اللهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَك، وَانْشُرْ رَحْمَتَك، وَأَحْيِ بَلَدَكَ المَيِّت " ٠
[حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ بِرَقْم: (١١٧٦)، كَمَا حَسَّنَهُ في صَحِيحِ الجَامِعِ بِرَقْم: ٤٦٦٦]
[ ٢٧٥٩ ]
إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَاب
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: " دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى أَهْلِهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنْ الحَاجَةِ خَرَجَ إِلى البَرِيَّة - أَيْ إِلى الصَّحْرَاء - فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ قَامَتْ إِلى الرَّحَى فَوَضَعَتْهَا، وَإِلى التَّنُّورِ فَسَجَرَتْهُ ثمَّ قَالَتْ: اللهُمَّ ارْزُقْنَا؛ فَنَظَرَتْ فَإِذَا الجَفْنَةُ قَدْ امْتَلأَتْ، وَذَهَبَتْ إِلى التَّنُّورِ فَوَجَدَتْهُ مُمْتَلِئًَا، فَرَجَعَ الزَّوْجُ قَال: أَصَبْتُمْ بَعْدِي شَيْئًَا ٠٠؟
[ ٢٧٦٠ ]
قَالَتِ امْرَأَتُهُ: نَعَمْ، مِنْ رَبِّنَا، قَامَ إِلى الرَّحَى، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبيِّ ﷺ فَقَال:
" أَمَا إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْفَعْهَا؛ لَمْ تَزَلْ تَدُورُ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَة " ٠٠ وَفي رِوَايَةِ البزَّارِ أَنهَا قَالَتْ: " اللهُمَّ ارْزُقْنَا مَا نَطْحَنُ وَمَا نَعْجنُ وَنخْبز؛ فَإذَا الجَفْنَةُ مَلأَى خُبْزًَا، وَالرَّحَا تَطْحَن، وَالتَّنُّورُ مَلأَى " ٠
[وَثَّقَهُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَع: (٢٥٦/ ١٠)، وَأَخْرَجَهُ البَزَّارُ وَأَحْمَدُ في مُسْنَدِه: (١٠٢٨٠)، وَالبَيْهَقِيُّ بِنَحْوِهِ في الشُّعَبِ بِرَقْم: (١٣٣٩)، أَمَّا الرِّوَايَةُ الأُخْرَى فَانْفَرَدَ بِهَا البزَّارُ وَالطَّبرَانيُّ في الأَوْسَطِ، وَوَثَّقَهَا الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَع: ٢٥٦/ ١٠]
[ ٢٧٦١ ]
رَابِعًَا بِالتَّوَكُّل:
وَهُوَ الاَعْتِمَادُ عَلَى اللهِ وَالاَسْتِعَانَةُ بِهِ في طَلَبِ الرِّزْقِ وَفي الصِّعَاب، مَعَ الأَخْذِ بِالأَسْبَاب ٠
عَن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال: " لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِه؛ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْر، تَغْدُو خِمَاصًَا، وَتَرُوحُ بِطَانَا " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنيِ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَةَ بِرَقْمَيْ: ٢٣٤٤، ٤١٦٤، وَفي الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: ٥٢٥٤، ٣١٠، رَوَاهُ أَحْمَد]
خِمَاصًَا: أَيْ خَاوِيَةَ الْبُطُون، وَبِطَانًَا: أَيْ ممْتَلِئَةً شِبْعًَا ٠
[ ٢٧٦٢ ]
خَامِسًَا بِصِلَةِ الرَّحِم:
حَدَّثَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ ﵀ عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ في رِزْقِه [أَيْ يُوَسَّعَ رِزْقُه]، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِه [أَيْ يَطُولَ عُمُرُه]: فَلْيَصِلْ رَحِمَه " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٥٩٨٥ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٥٥٧ / عَبْد البَاقِي]
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" مَن أَحَبَّ أَنْ يُمَدَّ لَهُ في عُمْرِه، وَأَنْ يُزَادَ لَهُ في رِزْقِه: فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْه، وَلْيَصِلْ رَحِمَه " ٠
[صَحَّحَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في تحْقِيقِهِ لِلْمُسْنَدِ بِرَقْم: ١٣٤٠١]
[ ٢٧٦٣ ]
سَادِسًَا بِالجِهَاد:
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الجَعْدِ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلى يَوْمِ القِيَامَة " ٠ [الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ / فَتْح بِرَقْم: ٢٨٥٠، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ / عَبْد البَاقِي بِرَقْم: ١٨٧٣]
[ ٢٧٦٤ ]
هَذَا الْفَصْلُ بمَثَابَةِ بُشْرَى؛ لأَهْلِ الجُوعِ وَالحِرْمَان، إِنْ تحَلَّوْ بِالرِّضَا وَالصَّبرِ وَالسُّلْوَان:
خَطَبَ عُتْبَةُ بن غَزْوَانَ ﵁ خُطْبَةً - وَكَانَ أَمِيرًَا عَلَى الْبَصْرَة - قَالَ في آخِرِهَا: " وَلَقَدْ رَأَيْتُني وَإِنيِّ لَسَابِعُ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، مَا لَنَا طَعَامٌ إِلاَّ وَرَقُ الشَّجَر؛ حَتىَّ قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا، وَإِنيِّ التَقَطْتُ بُرْدَةً فَشَقَقْتُهَا بَيْني وَبَينَ سَعْدِ بْن أَبي وَقَّاص، فَارِسِ الإِسْلاَم، فَاتَّزَرْتُ بِنِصْفِهَا، وَاتَّزَرَ سَعْدٌ بِنِصْفِهَا، وَمَا أَصْبَحَ مِنَّا اليَوْمَ أَحَدٌ حَيًَّا؛ إِلاَّ أَصْبَحَ أَمِيرَ مِصْرٍ مِنَ الأَمْصَار، وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللهِ أَن أَكُونَ في نَفْسِي عَظِيمًَا وَعِنْدَ اللهِ صَغِيرًَا، وَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إِلاَّ تَنَاقَصَتْ، حَتىَّ يَكُونَ عَاقِبَتُهَا مُلْكًَا، وَسَتُجَرِّبُونَ أَوْ سَتَبْلُونَ الأُمَرَاءَ بَعْدِي " [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في مخْتَصَرِ الشَّمَائِلِ بِرَقْم: ١١٦]
[ ٢٧٦٥ ]
الرَّخَاءُ الَّذِي سَيَشْهَدُهُ المُسْلِمُونَ في زَمَنِ المَهْدِي المُنْتَظَر
عَن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَال:
" بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الفَاقَة، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيل؛ فَقَالَ ﷺ: " يَا عَدِيّ؛ هَلْ رَأَيْتَ الحِيرَة " ٠٠؟
[ ٢٧٦٦ ]
قُلْتُ لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا؛ قَالَ ﷺ: " فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ؛ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ - أَيِ المَرْأَةَ - تَرْتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ حَتىَّ تَطُوفَ بِالكَعْبَة؛ لاَ تَخَافُ أَحَدًَا إِلاَّ الله "!!
قُلْتُ فِيمَا بَيْني وَبَيْنَ نَفْسِي: فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُواْ البِلاَدَ ٠٠؟ [أَيْ مَلأُوهَا شَرًَّا]
" وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ؛ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى " ٠٠ قُلْتُ كِسْرَى بْنِ هُرْمُز ٠٠؟
[ ٢٧٦٧ ]
قَالَ: " كِسْرَى بْنِ هُرْمُز، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ؛ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّة، يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْه؛ فَلاَ يَجِدُ أَحَدًَا يَقْبَلُهُ مِنْه، وَلَيَلْقَيَنَّ اللهَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَه، فَلَيَقُولَنَّ لَهُ ﷾: أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغَك ٠٠؟
فَيَقُولُ بَلَى، فَيَقُولُ ﷾: أَلَمْ أُعْطِكَ مَالًا وَأُفْضِلْ عَلَيْك ٠٠؟
فَيَقُولُ بَلَى؛ فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلاَ يَرَى إِلاَّ جَهَنَّم، وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلاَ يَرَى إِلاَّ جَهَنَّم "
[ ٢٧٦٨ ]
قَالَ عَدِيّ: " فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ حَتىَّ تَطُوفَ بِالكَعْبَةِ لاَ تَخَافُ إِلاَّ اللهَ، وَكُنْتُ فِيمَنِ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُز، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبيُّ أَبُو القَاسِمِ ﷺ: " يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ ٠٠٠ "
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٣٥٩٥ / فَتْح]
عَن عَدِيِّ بْنِ حَاتمٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " فَإِنيِّ لاَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ الفَاقَة؛ فَإِنَّ اللهَ نَاصِرُكُمْ وَمُعْطِيكُمْ، حَتىَّ تَسِيرَ الظَّعِينَةُ - أَيِ المَرْأَةُ - فِيمَا بَيْنَ يَثْرِبَ وَالحِيرَةِ أَوْ أَكْثَر؛ مَا تخَافُ عَلَى مَطِيَّتِهَا السَّرَق "
[ ٢٧٦٩ ]
يَقُولُ عَدِيُّ بْنُ حَاتم: فَجَعَلْتُ أَقُولُ في نَفْسِي: فَأَيْنَ لُصُوصُ طَيِّيءٍ " ٠٠!!
[حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " صَحِيحِ الجَامِعِ " بِرَقْم: (٨١٤٧)، وَفي " سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ " بِرَقْم: ٢٩٥٣]
وَطَيِّئٌ بَلْدَةُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطَّائِيّ، وَالحِيرَةُ مَوْضِعٌ قُرْبَ الكُوفَةِ بِالعِرَاق
أَسْأَلُ اللهَ ﵎ أَنْ يَقِيَنَا شَرَّ فِتْنَةِ الغِنى يَوْمَئِذٍ ٠
[ ٢٧٧٠ ]
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" إِنَّكُمْ مَنْصُورُون، وَمُصِيبُون، وَمَفْتُوحٌ لَكُمْ؛ فَمَن أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَتَّقِ اللهَ وَلْيَأْمُرْ بِالمَعْرُوف " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ " بِرَقْم: ٢٢٥٧]
عَن أَبي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " لاَ يَزْدَادُ الأَمْرُ إِلاَّ شِدَّة، وَلاَ المَالُ إِلاَّ إِفَاضَة " ٠ [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٨٣٥٩]
[ ٢٧٧١ ]
عَنِ الزُّبَيرِ بْنِ العَوَّامِ ﵁ قَال:
لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم﴾ ﴿التَّكَاثُر/٨﴾
قَالَ الزُّبَيْر ﵁: أَيْ رَسُولَ الله؛ أَيُّ نَعِيمٍ نُسْأَلُ عَنْهُ وَإِنَّمَا يَعْني هُمَا الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالمَاء؟!
قَالَ ﷺ: " أَمَا إِنَّ ذَلِكَ سَيَكُون " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ١٤٠٥، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَد]
[ ٢٧٧٢ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" تَقِيءُ الأَرْضُ أَفْلاَذَ كَبِدِهَا، أَمْثَالَ الأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّة، فَيَجِيءُ القَاتِلُ فَيَقُول: في هَذَا قَتَلْت، وَيَجِيءُ القَاطِعُ فَيَقُول: في هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ فَيَقُول: في هَذَا قُطِعَتْ يَدِي، ثمَّ يَدَعُونَهُ فَلاَ يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًَا " ٠
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ١٠١٣ / عَبْد البَاقِي]
[ ٢٧٧٣ ]
وَعَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتىَّ يَكْثُرَ المَالُ وَيَفِيض، حَتىَّ يخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِه؛ فَلاَ يَجِدُ أَحَدًَا يَقْبَلُهَا مِنْه، وَحَتىَّ تَعُودَ أَرْضُ العَرَبِ مُرُوجًَا وَأَنهَارَا " ٠٠ أَيْ حَدَائِقَ وَأَنهَارَا ٠ [الإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: (١٥٧)، وَالحَدِيثُ في " المُسْنَدِ " بِرَقْم: ٩١٢٩]
[ ٢٧٧٤ ]
عَن أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " لَيَأْتِينَّ عَلَى النَّاسِ زَمَان؛ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَب؛ ثمَّ لاَ يجِدُ أَحَدًَا يَأْخُذُهَا مِنْهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ الوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً يَلُذْنَ بِهِ؛ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاء " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (١٤١٤ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ١٠١٢ / عَبْد البَاقِي]
[ ٢٧٧٥ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" تَقِيءُ الأَرْضُ أَفْلاَذَ كَبِدِهَا، أَمْثَالَ الأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّة، فَيَجِيءُ القَاتِلُ فَيَقُول: في هَذَا قَتَلْت، وَيَجِيءُ القَاطِعُ فَيَقُول: في هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ فَيَقُول: في هَذَا قُطِعَتْ يَدِي، ثمَّ يَدَعُونَهُ فَلاَ يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئَا " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ١٠١٣ / عَبْد البَاقِي]
[ ٢٧٧٦ ]
عَن حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ الخُزَاعِيَّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" تَصَدَّقُواْ؛ فَسَيَأْتي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ: يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ: [أَيْ يَبْحَثُ عَن أَحَدٍ يَقْبَلُهَا]؛ فَيَقُولُ الرَّجُل: لَوْ جِئْتَ بهَا بِالأَمْسِ لقَبِلْتُهَا مِنْك، فَأَمَّا اليَوْمَ فَلاَ حَاجَةَ لي فِيهَا " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ١٤٢٤ / فَتْح]
[ ٢٧٧٧ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتىَّ يَكْثُرَ فِيكُمُ المَال، فَيَفِيضَ حَتىَّ يُهِمَّ رَبَّ المَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ: [أَيْ يَحْمِلُ هَمَّ إِخْرَاجِهَا]، وَحَتىَّ يَعْرِضَهُ فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْه: لا أَرَبَ لي " ٠٠ أَيْ لا حَاجَةَ لي فِيه ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ١٤١٢ / فَتْح، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ١٠١٢/ ١٥٧]
[ ٢٧٧٨ ]
عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبيِّ صَلَّىاللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: " يَكُونُ في أُمَّتي المَهْدِيّ، إِنْ قَصَّرَ فَسَبْعٌ وَإِلاَّ فَتِسْع، فَتَنْعَمُ فِيهِ أُمَّتي نِعْمَةً لَمْ يَنْعَمُوا مِثْلَهَا قَطّ، تُؤْتَى أُكُلَهَا وَلاَ تَدَّخِرُ مِنْهُ شَيْئًَا، وَالمَالُ يَوْمَئِذٍ كُدُوس - أَيْ أَكْوَام - فَيَقُومُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ يَا مَهْدِيُّ أَعْطِني؛ فَيَقُولُ خُذْ " ٠
[حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ " بِرَقْم: ٤٠٨٣]
وَلَسَوْفَ يَسْتَمِرُّ هَذَا الرَّخَاءُ بَعْدَ المَهْدِيِّ ﵁؛ وَحَتىَّ مَوْتِ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلاَم ٠
[ ٢٧٧٩ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّت - أَيْ أَبْنَاءُ أُمَّهَاتٍ مِنْ رَجُلٍ وَاحِد - أُمَّهَاتُهُمْ شَتىَّ وَدِينُهُمْ وَاحِد، وَأَنَا أَوْلى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَم؛ لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْني وَبَيْنَهُ نَبيّ، وَإِنَّهُ نَازِل، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوه: رَجُلًا مَرْبُوعًَا إِلى الحُمْرَةِ وَالبَيَاض، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَصَّرَان، كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَل، فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الخِنْزِير، وَيَضَعُ الجِزْيَةَ وَيَدْعُو النَّاسَ إِلى الإِسْلاَم، فَيُهْلِكُ اللهُ في زَمَانِهِ المِلَلَ كُلَّهَا إِلاَّ الإِسْلاَم، وَيُهْلِكُ اللهُ في زَمَانِهِ المَسِيحَ الدَّجَّال، وَتَقَعُ الأَمَنَةُ عَلَى الأَرْض ـ
[ ٢٧٨٠ ]
أَيِ الأَمْنُ وَالسَّكِينَة - حَتىَّ تَرْتَعَ الأُسُودُ مَعَ الإِبِل، وَالنِّمَارُ مَعَ البَقَر، وَالذِّئَابُ مَعَ الغَنَم، وَيَلْعَبَ الصِّبْيَانُ بِالحَيَّاتِ لاَ تَضُرُّهُمْ، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ سَنَة، ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ المُسْلِمُون " ٠
[صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، وَقَالَ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في قِصَّةِ المَسِيحِ الدَّجَّال: إِسْنَادُهُ صَحِيح، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَد]
[ ٢٧٨١ ]
وَلَنْ يَكُونَ هَذَا الرَّخَاءُ إِلاَّ في الخِلاَفَةِ العَادِلَة، الَّتي تَكُونُ في آخِرِ الزَّمَان، وَالَّتي لاَ تَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ خُرُوجِ الجَيْشِ الَّذِي يُرِيدُ هَدْمَ الكَعْبَة، وَالَّذِي لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ مُوَاجَهَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ وَقِتَالٍ عَنِيف، بَينَ المُسْلِمِينَ وَتحَالُفِ الغَرْبِ الْكَافِر، يخْرُجُ لَهُ جَيْشٌ مُسْلِم - كَمَا في صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِم - جُنْدُهُ مِن خَيرِ أَجْنَادِ الأَرْض، وَلاَ يَفْرَحُ المِصْرِيُّونَ كَثِيرًَا؛ فَهَذَا الشَّرَفُ المُعَظَّم، وَهَذَا الجَيْشُ العَرَمْرَم؛ سَيَخْرُجُ مِنَ المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّة، وَبِالتَّحْدِيدِ مِنَ المَدِينَةِ المُنَوَّرَة، أَحْفَادِ الأَنْصَار، بَيَّضَ اللهُ وُجُوهَهُمْ وَأَسْكَنَهُمُْ الجَنَّةَ مَعَ الأَبْرَار ٠
[ ٢٧٨٢ ]
[ارْجِعْ إِلى كِتَابي المُسَمَّى بِهُمُومِ المُسْلِمِين، بَابِ مَلاَحِمِ آخِرِ الزَّمَانِ وَقِصَّةِ خُرُوجِ المَهْدِي]
بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الأَحْدَاثِ الجِسَام، سَوْفَ تَكْثُرُ الأَمْوَالُ في أُمَّةِ الإِسْلاَم، اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِن خَيرِ هَذِهِ الأَيَّام، وَنَعُوذُ بِكَ مِمَّا فِيهَا مِنَ الآثَام ٠٠
نَصِيحَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِلأَغْنِيَاء
وَلاَ يَفُوتُني أَن أُبَيِّنَ لِلأَغْنِيَاءِ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلى مَرْضَاةِ اللهِ وَالفَوْزِ بِثَوَابِه، وَالنَّجَاةِ مِن عَذَابِه؛ لِذَا سَوَفَ أَسُوقُ إِلَيْهِمْ هَذَيْنِ الحَدِيثَينِ العَظِيمَين؛ لِنَعْلَمَ أَنَّ رَحْمَةَ اللهِ وَاسِعَة، وَأَنَّ الغَنيَّ بِإِمْكَانِهِ رَغْمَ غِنَاهُ أَنْ يُدْرِكَ الدَّرَجَاتِ العُلَى:
[ ٢٧٨٣ ]
عَن أَبي ذَرٍّ ﵁ قَال: " كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبيِّ ﷺ في حَرَّةِ المَدِينَة - أَيْ في أَرْضٍ بِالمَدِينَةِ ذَاتِ حِجَارَةٍ سُود - فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُد، فَقَالَ ﷺ: " يَا أَبَا ذَرّ " ٠٠ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله؟
[ ٢٧٨٤ ]
قَالَ ﷺ: " مَا يَسُرُّني أَنَّ عِنْدِيَ مِثْلَ أُحُدٍ هَذَا ذَهَبًَا، تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ؛ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَار، إِلاَّ شَيْئًَا أَرْصُدُهُ لِدَيْن، إِلاَّ أَن أَقُولَ - أَيْ أَفْعَلَ - بِهِ في عِبَادِ اللهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا - عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِه - ثمَّ مَشَى فَقَال: إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ القِيَامَة، إِلاَّ مَنْ قَالَ - أَيْ فَعَلَ - هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ٠٠ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِن خَلْفِه - أَيْ تَصَدَّقَ بِه يَمِينًَا وَشِمَالًا - وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، ثُمَّ قَالَ لي: مَكَانَكَ لاَ تَبْرَحْ حَتىَّ آتِيَك " ٠٠ ثُمَّ انْطَلَقَ في سَوَادِ اللَّيْلِ حَتىَّ تَوَارَى، فَسَمِعْتُ صَوْتًَا قَدِ ارْتَفَع؛ فَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُرِضَ
[ ٢٧٨٥ ]
لِلنَّبيِّ ﷺ، فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ، فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ ﷺ لي: " لاَ تَبرَحْ حَتىَّ آتِيَكَ " فَلَمْ أَبْرَحْ حَتىَّ أَتَاني، قُلْتُ يَا رَسُولَ الله، لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتًَا تَخَوَّفْتُ، فَذَكَرْتُ لَه ٠٠؟!
فَقَالَ ﷺ: " وَهَلْ سَمِعْتَه " ٠٠؟
قُلْتُ نَعَمْ، قَالَ ﷺ: " ذَاكَ جِبرِيل، أَتَاني فَقَال: مَنْ مَاتَ مِن أُمَّتِكَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًَا؛ دَخَلَ الجَنَّة " ٠٠ قُلْتُ وَإِنْ زَنى وَإِنْ سَرَق ٠٠؟!
قَالَ ﷺ: " وَإِنْ زَنى وَإِنْ سَرَق " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (٦٤٤٤)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٩٩١]
[ ٢٧٨٦ ]
عَن أَبي ذَرٍّ ﵁ قَال: " خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالي، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْشِي وَحْدَه، وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَان، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَد؛ فَجَعَلْتُ أَمْشِي في ظِلِّ القَمَر، فَالْتَفَتَ فَرَآني؛ فَقَالَ " مَنْ هَذَا " ٠٠؟!
قُلْتُ أَبُو ذَرٍّ جَعَلَني اللهُ فِدَاءَك، قَالَ ﷺ: " يَا أَبَا ذَرّ، تَعَال " ٠٠ فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَال:
" إِنَّ المُكْثِرِينَ هُمُ المُقِلُّونَ يَوْمَ القِيَامَة، إِلاَ مَن أَعْطَاهُ اللهُ خَيرًَا، فَنَفَحَ فِيهِ - أَيْ تَصَدَّقَ مِنهُ - يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَينَ يَدَيْهِ وَوَرَاءه، وَعَمِلَ فِيهِ خَيرًَا " ٠٠ فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ لي:
[ ٢٧٨٧ ]
" اجْلِسْ هَا هُنَا " ٠٠ يَقُولُ أَبُو ذَر: فَأَجْلَسَني في قَاعٍ - أَيْ وَادٍ وَاسِعٍ مُنخَفِضٍ - حَوْلَهُ حِجَارَة، فَقَالَ لي: " اجْلِسْ هَا هُنَا حَتىَّ أَرْجِعَ إِلَيْك " ٠٠ فَانْطَلَقَ في الحَرَّةِ حَتىَّ لاَ أَرَاه، فَلَبِثَ عَنيِّ فَأَطَالَ اللُّبْث، ثمَّ إِني سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ وَهُوَ يَقُول: " وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنى "؟!
فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتىَّ قُلْتُ: يَا نَبيَّ الله، جَعَلَني اللهُ فِدَاءَك، مَنْ تُكَلِّمُ في جَانِبِ الحَرَّة ٠٠؟
مَا سَمِعْتُ أَحَدًَا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًَا ٠٠؟!
قَالَ ﷺ: " ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَم، عَرَضَ لي في جَانِبِ الحَرَّةِ - أَيْ تِلْكَ الأَرْضِ - قَال:
[ ٢٧٨٨ ]
بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًَا دَخَلَ الجَنَّة، قُلْتُ يَا جِبْرِيل، وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنى؟!
قَالَ نَعَمْ، قُلْتُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنى ٠٠؟! قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ نَعَمْ، وَإِنْ شَرِبَ الخَمْر " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (٦٤٤٣)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٩٩١]
وَعَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: " مَا يَسُرُّني أَنَّ لي أُحُدًَا ذَهَبًَا، تَأْتي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ - أَيْ لَيْلَةٌ ثَالِثَةٌ - وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَار، إِلاَّ دِينَارٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ " ٠
[الإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٩٩١]
[ ٢٧٨٩ ]
عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ﵁ قَال: " جَلَسْتُ إِلى مَلإٍ مِنْ قُرَيْش، فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ وَالثِّيَابِ وَالهَيْئَة، حَتىَّ قَامَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ ثمَّ قَال: بَشِّرِ الكَانِزِينَ بِرَضْفٍ - أَيْ بحِجَارَةٍ - يُحْمَى عَلَيْهِ في نَارِ جَهَنَّم، ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ، حَتىَّ يخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ - أَيْ مِنْ لَوْحِ كَتِفِه - وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتىَّ يخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ، يَتَزَلْزَل، ثمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إِلى سَارِيَة - أَيْ عَمُودٍ مِن أَعْمِدَةِ المَسْجِد - وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْه، وَأَنَا لاَ أَدْرِي مَنْ هُوَ، فَقُلْتُ لَهُ: لاَ أُرَى القَوْمَ إِلاَّ قَدْ كَرِهُواْ الَّذِي قُلْت ٠٠؟!
[ ٢٧٩٠ ]
قَالَ ﵁: إِنَّهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئَا؛ قَالَ لي خَلِيلي ٠٠ قُلْتُ مَنْ خَلِيلُك ٠٠؟
قَال: النَّبيُّ ﷺ ٠٠: " يَا أَبَا ذَرّ؛ أَتُبْصِرُ أُحُدًَا " ٠٠؟
فَنَظَرْتُ إِلى الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ - أَيْ أُبْصِرُهُ وَهُوَ جِهَةَ الشَّمْس - وَأَنَا أَرَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُرْسِلُني في حَاجَةٍ لَه، قُلْتُ نَعَمْ؛ قَالَ ﷺ:
" مَا أُحِبُّ أَنَّ لي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًَا، أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلاَّ ثَلاَثَةَ دَنَانِير " ٠٠ وَإِنَّ هَؤُلاَءِ لاَ يَعْقِلُون، إِنَّمَا يجْمَعُونَ الدُّنْيَا، لاَ وَاللهِ لاَ أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا، وَلاَ أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِين، حَتىَّ أَلْقَى الله " ٠
[ ٢٧٩١ ]
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: ١٠٤٨]
عَن أَبي ذَرٍّ ﵁ قَال: انْتَهَيْتُ إِلى النَّبيِّ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ في ظِلِّ الكَعْبَة، فَلَمَّا رَآني قَال:
" هُمُ الأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الكَعْبَة " ٠٠ فَجِئْتُ حَتىَّ جَلَسْت، فَلَمْ أَتَقَارَّ - أَيْ فَلَمْ أَسْتَقِرَّ - أَنْ قُمْتُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله، فِدَاكَ أَبي وَأُمِّي - أَيْ أَفْدِيكَ بِأَبي وَأُمِّي - مَنْ هُمْ ٠٠؟
[ ٢٧٩٢ ]
قَالَ ﷺ: " هُمُ الأَكْثَرُونَ أَمْوَالاَ، إِلاَّ مَنْ قَالَ - أَيْ فَعَلَ - هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا - أَيْ أَنْفَقَهُ - مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِه، وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِه، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ وَلاَ بَقَرٍ وَلاَ غَنَمٍ لاَ يُؤَدِّي زَكَاتَهَا؛ إِلاَّ جَاءتْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَه، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَؤُهُ بِأَظْلاَفِهَا، كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولاَهَا، حَتىَّ يُقْضَى بَيْنَ النَّاس " ٠
[الإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٩٩٠]
[ ٢٧٩٣ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " لَوْ كَانَ لي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًَا: لَسَرَّنِي أَنْ لاَ تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلاَثُ لَيَالٍ؛ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْء، إِلاَّ شَيْءٌ أُرْصِدُهُ لِدَيْن " ٠
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ في " فَتْحِ البَارِي " بِرَقْم: (٦٤٤٥)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٩٩١] عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ﵁ قَال: " قَدِمْتُ المَدِينَة، فَبَيْنَا أَنَا في حَلْقَةٍ فِيهَا مَلأٌ مِنْ قُرَيْش؛ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ أَخْشَنُ الثِّيَابِ أَخْشَنُ الجَسَدِ أَخْشَنُ الوَجْه، فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَقَال:
[الإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٩٩٢]
[ ٢٧٩٤ ]
بَشِّرِ الكَانِزِينَ بِرَضْفٍ - أَيْ حِجَارَةٍ - يُحْمَى عَلَيْهِ في نَارِ جَهَنَّم، فَيُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ، حَتىَّ يخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفَيْه - أَيْ مِنْ لَوْحِ كَتِفِهِ النَّاتِئِ في ظَهْرِهِ مِنَ الخَلْف ـ
وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفَيْه، حَتىَّ يخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيَيْهِ، يَتَزَلْزَل، فَوَضَعَ القَوْمُ رُءوسَهُمْ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًَا مِنْهُمْ رَجَعَ إِلَيْهِ شَيْئَا - أَيْ رَدَّ عَلَيْه - فَأَدْبَرَ وَاتَّبَعْتُه، حَتىَّ جَلَسَ إِلى سَارِيَة - أَيْ إِلى عَمُودٍ مِن أَعْمِدَةِ المَسْجِد - فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ هَؤُلاَءِ إِلاَّ كَرِهُواْ مَا قُلْتَ لهُمْ ٠٠؟!
[ ٢٧٩٥ ]
قَالَ ﵁: إِنَّ هَؤُلاَءِ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئَا، إِنَّ خَلِيليَ أَبَا القَاسِمِ ﷺ دَعَاني فَأَجَبْتُه، فَقَالَ ﷺ:
" أَتَرَى أُحُدًَا " ٠٠؟
فَنَظَرْتُ مَا عَلَيَّ مِنَ الشَّمْس، وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّهُ يَبْعَثُني في حَاجَةٍ لَه، فَقُلْتُ أَرَاه، فَقَالَ ﷺ:
" مَا يَسُرُّني أَنَّ لي مِثْلَهُ ذَهَبًَا، أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلاَّ ثَلاَثَةَ دَنَانِير " ٠٠ ثمَّ هَؤُلاَءِ يجْمَعُونَ الدُّنْيَا لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئَا، قُلْتُ - أَيِ الأَحْنَفُ بْنُ قَيْس: مَا لَكَ وَلإِخْوَتِكَ مِنْ قُرَيْشٍ لاَ تَعْتَرِيهِمْ وَتُصِيبُ مِنْهُمْ ٠٠؟!
قَالَ لاَ وَرَبِّك، لاَ أَسْأَلُهُمْ عَنْ دُنْيَا وَلاَ أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِين، حَتىَّ أَلحَقَ بِاللهِ وَرَسُولِه " ٠٠!!
[ ٢٧٩٦ ]
وَمِنْ سِيَاقِ الحَدِيثِ وَبَعْضِ عِبَارَاتِه، وَالرِّوَايَاتِ السَّابِقَةِ لَهُ يَتَّضِحُ لَنَا: أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ هُوَ أَبُو ذَرٍّ الغِفَارِيّ، الرَّاوِي العُمْدَةُ لِهَذِهِ الأَحَادِيثِ وَأَشْبَاهِهَا، وَتُؤَيِّدُني في ذَلِكَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَة:
عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ﵁ قَال: كُنْتُ في نَفَرٍ مِنْ قُرَيْش، فَمَرَّ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ يَقُول:
" بَشِّرِ الكَانِزِينَ بِكَيٍّ في ظُهُورِهِمْ، يخْرُجُ مِنْ جُنُوبِهِمْ، وَبِكَيٍّ مِنْ قِبَلِ أَقْفَائِهِمْ، يخْرُجُ مِنْ جِبَاهِهِمْ " ٠٠ ثمَّ تَنَحَّى فَقَعَد، قُلْتُ مَنْ هَذَا ٠٠؟!
قَالُواْ: هَذَا أَبُو ذَرّ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: مَا شَيْءٌ سَمِعْتُكَ تَقُولُ قُبَيْل ٠٠؟!
[ ٢٧٩٧ ]
قَالَ ﵁: مَا قُلْتُ إِلاَّ شَيْئًَا قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّهِمْ ﷺ، قُلْتُ: مَا تَقُولُ في هَذَا العَطَاء ٠٠؟
قَالَ ﵁: خُذْهُ؛ فَإِنَّ فِيهِ اليَوْمَ مَعُونَة، فَإِذَا كَانَ ثَمَنًَا لِدِينِكَ فَدَعْه " ٠
[الإِمَامُ مُسْلِمٌ في نُسْخَةِ " فُؤَاد عَبْد البَاقِي " بِرَقْم: ٩٩٢]
غَنِيَّانِ وَفَقِيرَانِ في مَوْقِفِ الحِسَاب
عَنِ الإِمَامِ عَليٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " تُوُفِّيَ غَنِيَّانِ وَفَقِيرَان، فَقَالَ اللهُ جَلَّ جَلاَلُهُ لأَحَدِ الغَنِيَّين: مَا قَدَّمْتَ لنَفْسِكَ وَمَا تَرَكْتَ لِعيَالِك ٠٠؟
فَقَالَ يَا رَبّ: خَلَقْتَني وَإِيَّاهُمْ سَوَاءً، وَتَكَفَّلْتَ بِرِزْق كُلِّ دَابَّة، وَقُلْتَ:
[ ٢٧٩٨ ]
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًَا حَسَنًَا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًَا كَثِيرَة﴾ ﴿البَقَرَة: ٢٤٥﴾
فَقَدَّمْتُ لِهَذَا، وَعَلِمْتُ أَنَّكَ رَازِقٌ عِيَالي مِنْ بَعْدِي؛ فَقَالَ لَهُ جَلَّ جَلاَلُه: اذْهَبْ؛ فَلَوْ تَعْلمُ مَالَكَ عِنْدِي لَضَحِكْتَ كَثِيرًَا وَلبَكَيْتَ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ لِلغَنيِّ الآخَر: مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ وَمَا تَرَكْتَ لِعِيَالِك ٠٠؟
فَقَالَ يَا رَبّ؛ كَانَ لي عِيَالٌ تخَوَّفْتُ عَليْهِمُ العَيْلَة، فَقَالَ لَهُ: أَلَمْ أَخْلُقْكَ وَإِيَّاهُمْ سَوَاءً، وَتَكَفَّلْتُ بِرِزْقِ كُلِّ دَابَّة ٠٠؟!
[ ٢٧٩٩ ]
قَالَ بَلَى، وَلَكِنْ تخَوَّفْتُ عَلَيْهِمُ العَيْلَة - أَيِ الفَقْر - فَيَقُولُ جَلَّ جَلاَلُهُ لَهُ: قَدْ أَصَابَهُمْ مَا حَذَرْتَ عَلَيْهِمْ، فَاذْهَبْ، فَلوْ تَعْلَمُ مَالَكَ عِنْدِي؛ لَضَحِكْتَ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتَ كَثِيرَا، ثمَّ قَالَ لأَحَدِ الفَقِيرَين: مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ وَمَا تَرَكْتَ لِعيَالِك ٠٠؟
فَقَالَ يَا رَبّ: قَدْ خَلَقْتَني صَحِيحًَا فَصِيحًَا، وَعَلَّمْتَني أَسْمَاءَكَ وَدُعَاءَك، وَلوْ كُنْتَ أَكْثَرْتَ لي؛ لخَشِيتُ أَنْ يُشْغِلَني عَنْ طَاعَتِك، قَدْ رَضِيتُ عَنْكَ يَا رَبّ؛ فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: وَأَنَا رَاضٍ عَنْكَ فَاذْهَبْ، فَلَوْ تَعْلَمُ مَالَكَ عِنْدِي؛ لَضَحِكْتَ كَثِيرًَا وَلبَكَيْتَ قَلِيلاَ، وَقِيلَ لِلفَقِيرِ الآخَر: مَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ وَمَا تَرَكْتَ لعِيَالِك ٠٠؟
[ ٢٨٠٠ ]
فَقَالَ يَا رَبّ، مَا أَعْطَيْتَني شَيْئًَا تَسْأَلُني عَنه؛ فَيَقُولُ لَهُ اللهُ جَلَّ جَلاَلُه: أَلَمْ أَخْلُقْكَ صَحِيحًَا فَصِيحًَا، وَخَلَقْتُكَ سَمِيعًَا بَصِيرَا، وَقُلْتُ ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكمْ ٠٠؟!
فَيَقُولُ بَلَى يَا رَبّ، وَلَكِني نَسِيت؛ فَيَقُولُ لَهُ اللهُ جَلَّ جَلاَلُه: وَأَنَا أَنْسَاكَ اليَوْمَ فَاذْهَبْ؛ فَلَوْ تَعْلَمُ مَالَكَ عِنْدِي؛ لَضَحِكْتَ قَلِيلًا وَلبَكَيْتَ كَثِيرَا " ٠
[ضَعَّفَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَعِ " ص: (١٢٣/ ٣)، أَخْرَجَهُ الطَّبرَانيُّ، وَالحَدِيثُ في " الكَنْزِ " بِرَقْم: ١٧١٠٩]
جَانِبٌ مِن حَيَاةِ البُؤَسَاء
[ ٢٨٠١ ]
وَهَذِهِ مجْمُوعَةٌ مِنَ القِصَصِ الوَاقِعِيَّة، الَّتي تَعْكِسُ جَانِبًَا مِن حَيَاةِ بَعْضِ الفُقَرَاءِ المُعَذَّبِينَ في الأَرْض، الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الشَّقَاءُ مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدَا، حَتىَّ نَشْعُرَ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الهُمُومِ وَالأَحْزَان، وَالجُوعِ وَالحِرْمَان، وَالذُّلِّ وَالهَوَان: الَّذِي تَقْشَعِرُّ مِنهُ الأَبْدَان، وَتَشِيبُ لَهُ الوُلدَان ٠٠!!
وَمنَعَّمٍ لَمْ يَلْقَ إِلاَّ لَذَّةً * في طَيِّهَا شَجَنٌ مِنَ الأَشْجَانِ
﴿أَمِيرُ الشُّعَرَاء / أَحْمَد شَوْقِي﴾
لَوْ وَجَدَ الوَاحِدُ مِنهُمْ مَا يَأْكُلُهُ في يَوْمِهِ؛ لَنَغَّصَ عَلَيْهِ طَعَامَهُ الخَوْفُ مِنَ غَدِهِ وَالتَّفْكِيرُ فِيه ٠٠!!
وَصَدَقَ مَنْ قَال:
[ ٢٨٠٢ ]
" لَئِنْ كَانَ بِالأَمْسِ ذِكْرُ الأَمْواتِ حَيَاةَ القُلُوب؛ فَقَدْ صَارَ اليَوْمَ ذِكْرُ الأَحْيَاءِ مَمَاتَ القُلُوب "
وَالنَّاسُ صِنْفَانِ مَوْتَي في حَيَاتِهِمُ * وَآخَرُونَ بِبَطْنِ الأَرْضِ أَحْيَاءُ
﴿أَمِيرُ الشُّعَرَاء / أَحْمَد شَوْقِي﴾
صَدَقَتْ لَعَمْرِي نُبُوءةُ المُصْطَفَى ﷺ:
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتىَّ يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُول: يَا لَيْتَني مَكَانَه " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٧١١٥ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٩٠٧/ ١٥٧/ عَبْد البَاقِي]
[ ٢٨٠٣ ]
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَيْضًَا عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه: لاَ تَذْهَبُ الدُّنْيَا؛ حَتىَّ يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى القَبر، فَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: يَا لَيْتَني كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا القَبْر؛ وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ - أَيْ دَاء - إِلاَّ البَلاَء " ٠
[الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٩٠٧/ ١٥٧/ عَبْد البَاقِي]
قِصَّةٌ وَاقِعِيَّةٌ حَدَثَتْ مَعَ الشَّيْخ كِشْك ﵀
اسْتَمِعْ إِلى الشَّيْخِ ﵀ وَهْوَ يحْكِيهَا بِنَفْسِهِ عَلَى المِنْبرِ فَيَقُول:
[ ٢٨٠٤ ]
" وَاللهِ لَقَدْ فَتَّ في عَضُدِيَ الأَسَى؛ عِنْدَمَا أَرْسَلَتْ إِليَّ أُسْرَةٌ مُسْلِمَةٌ تَدْعُوني لِزِيَارَتِهَا، وَرَبُّ هَذِهِ الأُسْرَةِ رَجُلٌ طَرِيحُ الفِرَاش، وَكُنْتُ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذِهِ الأُسْرَةَ بحَاجَةٍ إِلى طَبِيب، لَكِنَّهَا لاَ تجِدُ مَا تُعْطِيهِ لِلطَّبِيب؛ فَصَحِبْتُ مَعِي طَبِيبًَا مُسْلِمًَا، وَذَهَبْنَا لِعِيَادَةِ هَذَا الرَّجُل، الأُسْرَةُ مُكَوَّنَةٌ مِنْ سَبْعَةِ أَفرَادٍ يَعِيشُونَ في حُجْرَةٍ وَاحِدَة، دَخَلنَا عَلَى المَرِيضِ فَحَيَّيْنَاهُ بِتَحِيَّةِ الإِسْلاَمِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا؛ فَأَعَدْنَا عَلَيْهِ الكَلاَمَ وَأَلقَيْنَا عَلَيْهِ السَّلاَمَ فَرَدَّ بِصُورَةٍ غَيرِ مَفْهُومَة، وَهُوَ لاَ يَكَادُ يُسْمِعُنَا ممَّا كَانَ يخَالِطُهَا مِنَ البُكَاء، فَسَأَلنَا: لِمَ يَرُدُّ هَكَذَا ٠٠؟!
[ ٢٨٠٥ ]
فَقَالُواْ: إِنَّهُ كَانَ قَدْ أُصِيبَ بِضَغْطٍ في الدَّم، ثُمَّ تَفَاقَمَ الأَمْرُ فَأُصِيبَ بِشَلَلٍ نِصْفِيٍّ في الفَم؛ فَقَدَ إِثْرِهِ الكَلاَم؛ وَلِذَا يَتَكَلَّمُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ المُتَعَثِّرَة، فَسَأَلَهُمُ الطَّبِيب: لمَاذَا لَمْ تُعْطُوهُ دَوَاءَ ارْتِفَاعِ ضَغْطِ الدَّم ٠٠؟!
فَقَالُواْ بِلِسَانِ الأَسَى: ظَلَلْنَا نُعْطِيهِ الدَّوَاءَ حَوْلَينِ كَامِلَين، فَقَالَ لهُمْ: وَمُنْذُ كَمْ وَهُوَ مَرِيض ٠٠؟
قَالُواْ: مُنْذُ أَرْبَعِ سَنَوَات، فَسَأَلهُمْ عَنْ سَبَبِ الاَنْقِطَاع؛ حَتىَّ آلَ بِهِ الأَمْرُ إِلى هَذِهِ الحَالَةِ الحَرِجَة: مِنَ الشَّلَلِ وَفُقْدَانِ الكَلاَم ٠٠؟!
[ ٢٨٠٦ ]
فَقَالُواْ بِبَالِغِ الأَسَف: وَاللهِ مَا بخِلْنَا عَلَيْه، وَلَقَدْ بِعْنَا مَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ مِن أَثَاثِ البَيْت، حَتىَّ عَجَزْنَا عَنِ مُوَاصَلَةِ العِلاَج؛ لأَنَّا لاَ نمْلِكُ ثمَنَ الدَّوَاء ٠٠!!
مَنِ المَسْئُولُ عَن هَؤُلاَء ٠٠؟!!
ثُمَّ انخَرَطَ الشَّيخُ وَالنَّاسُ في البُكَاء " ٠
وَسُبْحَانَ الله ٠٠ مَنْ لاَ يَمْلِكُ ثَمَنَ اللُّقْمَة؛ فَكَيْفَ يَمْلِكُ ثَمَنَ الدَّوَاء ٠٠؟! [الشِّيخ عَبْدُ الحَمِيد كِشْك في " الخُطَبِ المِنْبرِيَّةِ " بِتَصَرُّف ٠ ص: ١٦٤/ ٣]
قِصَّةٌ وَاقِعِيَّةٌ حَدَثَتْ مَعَ الشَّيْخِ الشَّعْرَاوِي ﵀
وَهَذِهِ قِصَّةٌ ذَكَرَهَا الشِّيخ الشَّعْرَاوِي في تَفسِيرِهِ لِلآيَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ سُورَةِ الأَحْزَابِ فَقَال:
[ ٢٨٠٧ ]
" عِنْدَمَا كُنَّا طَلَبَةً في الجَامِعَة؛ رَأَى أَحَدُنَا شَيْخًَا كَبِيرًَا طَاعِنًَا في السِّنِّ كَفِيفَ البَصَر، يُرِيدُ أَنْ يَعْبرَ الطَّرِيقَ مُعَرِّضًَا حَيَاتَهُ لِلخَطَر؛ فَذَهَبَ إِلَيْهِ هَذَا الصَّدِيقُ الرَّفِيق، وَعَبرَ بِهِ الطَّرِيق، ثُمَّ سَأَلَهُ قَائِلًا:
أَيْنَ تُرِيدُ يَا جَدِّي ٠٠؟
قَال: أَرِيدُ البَيْتَ الفُلاَنيّ، فَقَامَ هَذَا الشَّابُّ بِتَوْصِيلَهِ إِلى حَيْثُ يُرِيد، حَتىَّ أَوْقَفَهُ عَلَى بَابِ الشَّقَّةِ الَّتي يُرِيدُهَا، وَقَبْلَ أَنْ يَضْغَطَ لَهُ عَلَى الجَرَس؛ أَخْرَجَ مِنْ جَيْبِهِ عَشْرَةَ جُنَيْهَاتٍ وَوَضَعَهَا في يَدِ الرَّجُل؛ فَإِذَا بِهِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلى السَّمَاءِ وَيَقُول: " أَلاَ يُعْجِزُكَ شَيْءٌ أَبَدَا " ٠٠؟
[ ٢٨٠٨ ]
ثُمَّ قَالَ لِهَذَا الشَّابّ: خُذْ بِيَدِي يَا بُنيَّ إِلى المَكَانِ الَّذِي رَأَيْتَني فِيهِ أَوَّلَ مَرَّة وَلَمْ يَطْرُقِ البَاب، وَكَأَنَّهُ مَا ذَهَبَ إِلى هُنَاكَ إِلاَّ لِيَقْترِضَ هَذَا المَبْلَغ ٠٠!!
[الإِمَامُ الشَّعْرَاوِيُّ في " تَفسِيرُ " للآيَةِ " ٣ " مِنْ سُورَةِ الأَحْزَاب بِاخْتِصَار]
بَعْضُ نَوَادِرِ الْفُقَرَاء
[ ٢٨٠٩ ]
عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ ﵁ قَال: " كُنْتُ امْرَأً أُصِيبُ مِنَ النِّسَاءِ مَا لاَ يُصِيبُ غَيرِي، فَلَمَّا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ خِفْتُ أَن أُصِيبَ مِنْ امْرَأَتي شَيْئًَا يُتَابَعُ بي حَتىَّ أُصْبِح - أَيْ فَيَسْتَمِرُّ بيَ الجِمَاعُ حَتىَّ الصُّبْح - فَظَاهَرْتُ مِنْهَا حَتىَّ يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَان، فَبَيْنَا هِيَ تَخْدُمُني ذَاتَ لَيْلَةٍ؛ إِذْ تَكَشَّفَ لي مِنْهَا شَيْء؛ فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ نَزَوْتُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ خَرَجْتُ إِلى قَوْمِي فَأَخْبَرْتُهُمْ الخَبر، وَقُلْتُ امْشُوا مَعِي إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ قَالُوا لاَ وَاللهِ؛ فَانْطَلَقْتُ إِلى النَّبيِّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ؛ فَقَالَ ﷺ: " أَنْتَ بِذَاكَ يَا سَلَمَة " ٠٠؟
[ ٢٨١٠ ]
ـ أَيْ تَتَحَمَّلُ عَاقِبَةَ ذَلِكَ يَا سَلَمَة - قُلْتُ أَنَا بِذَاكَ يَا رَسُولَ الله ٠٠ مَرَّتَينِ وَأَنَا صَابِرٌ لأَمْرِ الله؛ فَاحْكُمْ فيَّ مَا أَرَاكَ الله؛ قَالَ ﷺ: " حَرِّرْ رَقَبَة " ٠٠ قُلْتُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أَمْلِكُ رَقَبَةً غَيْرَهَا: وَضَرَبْتُ صَفْحَةَ رَقَبَتي؛ قَالَ ﷺ: " فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَين " ٠٠ قَالَ ﵁:
وَهَلْ أَصَبْتُ الَّذِي أَصَبْتُ إِلاَّ مِنَ الصِّيَام ٠٠؟
[ ٢٨١١ ]
قَالَ ﷺ: " فَأَطْعِمْ وَسْقًَا مِنْ تَمْرٍ بَينَ سِتِّينَ مِسْكِينًَا " ٠٠ قُلْتُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقّ؛ لَقَدْ بِتْنَا وَحْشَيْنِ مَا لَنَا طَعَام؛ قَالَ ﷺ: " فَانْطَلِقْ إِلى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَني زُرَيْق، فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْك؛ فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًَا، وَسْقًَا مِنْ تَمْر، وَكُلْ أَنْتَ وَعِيَالُكَ بَقِيَّتَهَا " ٠٠
فَرَجَعْتُ إِلى قَوْمِي فَقُلْتُ: وَجَدْتُ عِنْدَكُمْ الضِّيقَ وَسُوءَالرَّأْي، وَوَجَدْتُ عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ السَّعَةَ وَحُسْنَ الرَّأْي، وَقَدْ أَمَرَني أَوْ أَمَرَ لي بِصَدَقَتِكُمْ " ٠
[حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ " بِرَقْم: ٢٢١٣]
[ ٢٨١٢ ]
وَفي رِوَايَةٍ أَخْرَى عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَال: " فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَمْرٍ فَأَعْطَاهُ إِيَّاه، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ خَمْسَةِ عَشَرَ صَاعًَا، قَالَ ﷺ: " تَصَدَّقْ بِهَذَا " ٠٠ قَالَ يَا رَسُولَ الله؛ عَلَى أَفْقَرَ مِنيِّ وَمِن أَهْلِي ٠٠؟
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " كُلْهُ أَنْتَ وَأَهْلُك " ٠
[حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ " بِرَقْم: ٢٢١٧]
عَن عَبْدِ اللهِ الهَوْزَنِيِّ قَال: لَقِيتُ بِلاَلًا مُؤَذِّنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِحَلَب، فَقُلْتُ يَا بِلاَل؛ حَدِّثْني كَيْفَ كَانَتْ نَفَقَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ٠٠؟
[ ٢٨١٣ ]
قَالَ ﵁: مَا كَانَ لَهُ شَيْء، كُنْتُ أَنَا الَّذِي أَلي ذَلِكَ مِنْهُ مُنْذُ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ الإِنْسَانُ مُسْلِمًَا فَرَآهُ عَارِيًَا؛ يَأْمُرُنِي فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَقْرِضُ فَأَشْتَرِي لَهُ الْبُرْدَةَ فَأَكْسُوهُ وَأُطْعِمُه، حَتىَّ اعْتَرَضَني رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ فَقَال: يَا بِلاَل؛ إِنَّ عِنْدِي سَعَةً؛ فَلاَ تَسْتَقْرِضْ مِن أَحَدٍ إِلاَّ مِنيِّ فَفَعَلْت، فَلَمَّا أَنْ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ؛ تَوَضَّأْتُ ثمَّ قُمْتُ لأُؤَذِّنَ بِالصَّلاَة، فَإِذَا المُشْرِكُ قَدْ أَقْبَلَ في عِصَابَةٍ مِنَ التُّجَّار، فَلَمَّا أَنْ رَآني قَالَ يَا حَبَشِيّ؛ قُلْتُ يَا لَبَّاه، فَتَجَهَّمَني وَقَالَ لي قَوْلاَ غَلِيظًَا - أَيِ اسْتَقْبَلَني بِوَجْهٍ عَبُوسٍ وَقَالَ لي قَوْلاَ غَلِيظًَا - وَقَالَ لي:
[ ٢٨١٤ ]
أَتَدْرِي كَمْ بَيْنَكَ وَبَينَ الشَّهْر ٠٠؟
[ ٢٨١٥ ]
قُلْتُ قَرِيب، قَال: إِنَّمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ أَرْبَع - أَيْ أَرْبَعُ لَيَالٍ - فَآخُذُكَ بِالَّذِي عَلَيْك؛ فَأَرُدُّكَ تَرْعَى الْغَنَمَ كَمَا كُنْتَ قَبْلَ ذَلِك؛ فَأَخَذَ في نَفْسِي مَا يَأْخُذُ في أَنْفُسِ النَّاس - أَيْ دَخَلَني الخَوْفُ مِمَّا سَمِعْت - حَتىَّ إِذَا صَلَّيْتُ الْعَتَمَةَ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلى أَهْلِه، فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لي، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ الله؛ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنَّ المُشْرِكَ الَّذِي كُنْتُ أَتَدَيَّنُ مِنْهُ قَالَ لي كَذَا وَكَذَا، وَلَيْسَ عِنْدَكَ مَا تَقْضِي عَنيِّ، وَلاَ عِنْدِي، وَهُوَ فَاضِحِي؛ فَأْذَنْ لي أَنْ آبَقَ إِلى بَعْضِ هَؤُلاَءِ الأَحْيَاءِ الَّذِينَ قَدْ أَسْلَمُواْ - أَيْ فَأْذَنْ لي في الهُرُوبِ إِلى إِخْوَانِنَا الَّذِينَ أَسْلَمُواْ
[ ٢٨١٦ ]
بِالمَدِينَة - حَتىَّ يَرْزُقَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ مَا يَقْضِي عَنيِّ، فَخَرَجْتُ حَتىَّ إِذَا أَتَيْتُ مَنْزِلي؛ فَجَعَلْتُ سَيْفِي وَجِرَابي وَنَعْلِي وَمِجَنيِّ عِنْدَ رَأْسِي، حَتىَّ إِذَا انْشَقَّ عَمُودُ الصُّبْحِ الأَوَّلِ أَرَدْتُ أَن أَنْطَلِق؛ فَإِذَا إِنْسَانٌ يَسْعَى يَدْعُو: " يَا بِلاَل، أَجِبْ رَسُولَ اللهِ ﷺ " ٠٠ فَانْطَلَقْتُ حَتىَّ أَتَيْتُه، فَإِذَا أَرْبَعُ رَكَائِبَ مُنَاخَاتٌ عَلَيْهِنَّ أَحْمَالُهُنّ، فَاسْتَأْذَنْتُ؛ فَقَالَ لي رَسُولُ اللهِ ﷺ: " أَبْشِرْ؛ فَقَدْ جَاءَكَ اللهُ بِقَضَائِك " ٠٠ ثمَّ قَالَ ﷺ: " أَلَمْ تَرَ الرَّكَائِبَ المُنَاخَاتِ الأَرْبَع " ٠٠؟
[ ٢٨١٧ ]
فَقُلْتُ بَلَى، فَقَالَ ﷺ: " إِنَّ لَكَ رِقَابَهُنَّ وَمَا عَلَيْهِنّ، فَإِنَّ عَلَيْهِنَّ كِسْوَةً وَطَعَامًَا، أَهْدَاهُنَّ إِليَّ عَظِيمُ فَدَك؛ فَاقْبِضْهُنَّ وَاقْضِ دَيْنَك " ٠٠ فَفَعَلْت، فَذَكَرَ الحَدِيثَ ٠٠٠
ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلى المَسْجِد، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَاعِدٌ في المَسْجِد، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ ﷺ:
" مَا فَعَلَ مَا قِبَلَك " ٠٠؟
[ ٢٨١٨ ]
قُلْتُ: قَدْ قَضَى اللهُ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمْ يَبْقَ شَيْء - أَيْ مِنَ الدَّيْن - قَالَ ﷺ: " أَفَضَلَ شَيْء " ٠٠ قُلْتُ نَعَمْ، قَالَ ﷺ: " انْظُرْ أَنْ تُرِيحَني مِنْهُ؛ فَإِنيِّ لَسْتُ بِدَاخِلٍ عَلَى أَحَدٍ مِن أَهْلِي حَتىَّ تُرِيحَني مِنْه " ٠٠ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعَتَمَةَ دَعَاني فَقَال:
" مَا فَعَلَ الَّذِي قِبَلَك " ٠٠؟
[ ٢٨١٩ ]
قُلْتُ هُوَ مَعِي، لَمْ يَأْتِنَا أَحَد - أَيْ مِنَ السَّائِلِينَ أَوْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِين - فَبَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في المَسْجِدِ وَقَصَّ الحَدِيث، حَتىَّ إِذَا صَلَّى الْعَتَمَةَ - أَيْ مِنَ الْغَدِ - دَعَاني قَالَ ﷺ:
" مَا فَعَلَ الَّذِي قِبَلَك " ٠٠؟
قُلْتُ: قَدْ أَرَاحَكَ اللهُ مِنْهُ يَا رَسُولَ الله؛ فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللهَ ﷾؛ شَفَقًَا مِن أَنْ يُدْرِكَهُ المَوْتُ وَعِنْدَهُ ذَلِك " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ " بِرَقْم: ٣٠٥٥]
التَّاجِرُ المَوْصِلِيّ
[ ٢٨٢٠ ]
وَعَن أَبي القَاسِمِ بْنِ حُبَيْشٍ قَال: لَقَدْ جَرَتْ في هَذِهِ الدَّار - وَأَشَارَ إِلى دَار - قَضِيَّةٌ عَجِيبَة: " كَانَ يَسْكُنُ هَذِهِ الدَّار؛ رَجُلٌ مِن التُّجَّار، مِمَّنْ يُسَافِرُ إِلى الكُوفَةِ في تجَارَةِ الخَزّ - أَيِ الحَرِير - فَاتَّفَقَ أَنَّهُ جَعَلَ جَمِيعَ مَا مَعَهُ مِنَ الخَزِّ في خُرْج - أَيْ في كِيسَينِ مُتَدَلِّيَينِ عَلَى ظَهْرِ حِمَار - وَسَارَ مَعَ القَافِلَة، فَلَمَّا نَزَلَتِ القَافِلَة؛ أَرَادَ إِنْزَالَ الخُرْجِ عَنِ الحِمَارِ، فَثَقُلَ عَلَيْه؛ فَرَآهُ شَابٌّ كَانَ بجَانِبِهِ فَأَعَانَه عَلَى إِنْزَالِه، ثُمَّ جَلَسَ يَأْكُل، فَاسْتَدْعَى ذَلِكَ الشَّابَّ لِيَأْكُلَ مَعَهُ، فَسَأَلَهُ عَن أَمْرِه؛ فَأَخْبرَهُ أَنَّهُ مِن أَهْلِ الكُوفَة، وَأَنَّهُ خَرَجَ لحَاجَةٍ عَرَضَتْ لَهُ بِغَيرِ نَفَقَةٍ وَلاَ زَاد،
[ ٢٨٢١ ]
فَقَالَ لَهُ الرَّجُل: أَنَا تَاجِرٌ مِنَ المَوْصِل، فَكُنْ رَفِيقِي؛ آنَسُ بِكَ وَتُعِينُني عَلَى سَفَرِي، وَنَفَقَتُكَ وَمُؤْنَتُكَ عَلَيّ ٠٠؟
فَقَالَ لَهُ الشَّابّ: وَأَنَا أَيْضًَا أَخْتَارُ صُحْبَتَكَ، وَأَرْغَبُ في مُرَافَقَتِك، فَسَارَ مَعَه في سَفَرِهِ وَخَدَمَهُ أَحْسَنَ خِدْمَة، إِلى أَنْ وَصَلاَ إِلى تِكْرِيت، فَنزَلَتِ القَافِلَةُ خَارِجَ المَدِينَة، وَدَخَلَ النَّاسُ إِلى قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، فَقَالَ التَّاجِرُ لِذَلِكَ الرَّجُل: احْفَظْ حَوَائِجَنَا حَتىَّ أَدْخُلَ المَدِينَةَ وَأَشْتَرِيَ مَا نحْتَاجُ إِلَيْه، فَدَخَلَ المَدِينَةَ وَقَضَى جَمِيعَ حَوَائِجِهِ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يجِدِ القَافِلَةَ وَلاَ الشَّابّ؛ فَظَنَّ أَنَّهُ لَمَّا رَحَلَتْ القَافِلَةُ رَحَلَ مَعَهُمْ؛ فَلَمْ يَزَلْ يَسِيرُ وَيُجِدُّ في السَّيرِ إِلى أَن
[ ٢٨٢٢ ]
أَدْرَكَ القَافِلَةَ بَعْدَ جَهْدٍ عَظِيم، فَسَأَلهُمْ عَنْ صَاحِبِهِ فَقَالُواْ: مَا رَأَيْنَاهُ وَلاَ جَاءَ مَعَنَا، وَلَكِنَّهُ رَحَلَ عَلَى أَثَرِكَ حِينَ أَطَلْتَ المَغِيب، فَظَنَنَّا أَنَّكَ أَمَرْتَهُ، فَكَرَّ الرَّجُلُ رَاجِعًَا إِلى تِكْرِيت، وَسَأَلَ في الطَّرِيقِ عَنِ الشَّابِّ فَلَمْ يجِدْ لَهُ أَثَرًَا، وَلاَ سَمِعَ لَهُ خَبرًَا، فَيَئِسَ مِنهُ وَرَجَعَ إِلى المَوْصِل - بَلَدِهِ - مَسْلُوبَ المَال، فَوَصَلَهَا نَهَارًَا فَقِيرًَا جَائِعًَا حَرَضًَا في شِدَّةِ الإِعْيَاء، فَاسْتَحْيَا أَنْ يَدْخُلَهَا نَهَارًَا فَتَشْمَتَ بِهِ الأَعْدَاء، نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شَمَاتَتِهِمْ ٠٠
كُلُّ المَصَائِبِ قَدْ تَمُرُّ عَلَى الفَتى * فَتَهُونُ غَيرَ شَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ
﴿ابْنُ أَبي عُيَيْنَة﴾
[ ٢٨٢٣ ]
وَخَشِيَ أَنْ يحْزَنَ الصَّدِيقُ إِذَا رَآهُ عَلَى تِلْكَ الحَالَة؛ فَاسْتَخْفَى إِلى اللَّيْلِ ثُمَّ عَادَ إِلى دَارِه، فَطَرَقَ البَابَ فَقِيلَ مَن هَذَا ٠٠؟
[ ٢٨٢٤ ]
قَالَ فُلاَن - يَعْني نَفْسَه - فَأَظْهَرُواْ لَهُ سُرُورًَا عَظِيمًَا بِمَقْدِمِه، وَقَالُواْ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَاءَ بِكَ في هَذَا الوَقْت؛ فَإِنَّكَ أَخَذْتَ مَالَكَ مَعَكَ وَمَا تَرَكْتَ لَنَا نَفَقَةً كَافِيَة، وَأَطَلْتَ سَفَرَكَ وَاحْتَجْنَا إِلى مَالٍ فَلَمْ نجِدْ، وَقَدْ وَضَعَتْ زَوْجَتُكَ اليَوْم، وَاللهِ مَا وَجَدْنَا مَا نَشْتَرِي بِهِ شَيْئًَا لِلنُّفَسَاء، فَأْتِنَا بِدَقِيقٍ وَدُهْنٍ نُسْرِجُ بِهِ عَلَيْنَا، فَإِنَّهُ لاَ سِرَاجَ عِنْدَنَا، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ ازْدَادَ غَمَّا عَلَى غَمّ، وَكَرِهَ أَنْ يخْبرَهُمْ بحَالِهِ فَيُحْزِنَهُمْ بِذَلِك، فَأَخَذَ وِعَاءً لِلدُّهْن، وَوِعَاءً لِلدَّقِيق، وَخَرَجَ إِلى حَانُوتٍ أَمَامَ دَارِه، وَكَانَ فِيهِ رَجُلٌ يَبِيعُ الدَّقِيقَ وَالزَّيْتَ وَالعَسَل، وَكَانَ البَائِعُ قَدْ أَطْفَأَ
[ ٢٨٢٥ ]
سِرَاجَهُ وَأَغْلَقَ حَانُوتَهُ وَنَام، فَنَادَاهُ فَعَرَفَه، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَانَقَهُ وَحَمِدَ اللهَ عَلَى سَلاَمَتِه، فَقَالَ لَهُ: افْتَحْ حَانُوتَكَ وَأَعْطِنَا مَا نحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ دَقِيقٍ وَعَسَلٍ وَدُهْن، فَنزَلَ البَائِعُ إِلى حَانُوتِهِ وَأَوْقَدَ المِصْبَاح، وَوَقَفَ يَزِنُ لَهُ مَا طَلَب، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ حَانَتْ مِنَ التَّاجِرِ الْتِفَاتَة، فَرَأَى خُرْجَهُ الَّذِي هَرَبَ بِهِ خَادِمُه، فَلَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ أَنِ انْقَضَّ عَلَيْهِ وَقَال: ادْفَعْ إِليَّ مَالي يَا عَدُوَّ الله، فَقَالَ لَهُ البَائِعُ مَا هَذَا يَا فُلاَن ٠٠؟!
[ ٢٨٢٦ ]
قَالَ هَذَا خُرْجِي، هَرَبَ بِهِ خَادِمِي وَأَخَذَ حِمَارِي وَجَمِيعَ مَالي، فَقَالَ البَائِع: وَاللهِ مَا لي عِلْم، غَيرَ أَنَّ رَجُلًا وَرَدَ عَلَيَّ بَعْدَ العِشَاءِ وَاشْتَرَى مِنيِّ عَشَاءه، وَأَعْطَاني هَذَا الخُرْجَ فَجَعَلْتُهُ في حَانُوتي وَدِيعَةً إِلى أَنْ يُصْبِح، وَالحِمَارُ في دَارِي، وَالرَّجُلُ في المَسْجِدِ نَائِم، فَحَمَلاَ الخُرْجَ وَمَضَيَا إِلى الرَّجُل، فَإِذَا الشَّابُّ نَائِمٌ في المَسْجِد، فَوَكَزَهُ التَّاجِرُ المَوْصِلِيُّ صَاحِبُ المَالِ بِرِجْلِه، فَقَامَ الشَّابُّ فَزِعًَا، فقال لَهُ التَّاجِرُ المَوْصِلِيّ: أَيْنَ مَالي يَا خَائِن ٠٠؟
قَالَ هَا هُوَ في خُرْجِك، فَوَاللهِ مَا أَخَذْتُ مِنهُ ذَرَّة، قَالَ فَأَيْنَ الحِمَارُ وَآلَتُه ٠٠؟
[ ٢٨٢٧ ]
قَالَ هُوَ عِنْدَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي مَعَك، فَسَأَلَهُ التَّاجِرُ أَيْنَ كُنْت ٠٠!؟ قَالَ الرَّجُل:
لَقَدِ انْتَظَرْنَاكَ طَوِيلًا فَلَمْ تجِئْ، حَتىَّ هَمَّتِ القَافِلَةُ بِمُوَاصَلَةِ السَّير، فَانْطَلَقْتُ في أَثَرِكَ فَلَمْ أَعْثُرْ عَلَيْك، ثمَّ نَظَرْتُ فَإِذَا القَافِلَةُ قَدْ سَارَتْ؛ فَعُدْتُ أَدْرَاجِيَ حَتىَّ أُؤَدِّيَ الأَمَانَةَ إِلى أَهْلِ بَيْتِك،
[ ٢٨٢٨ ]
فَوَصَلْتُ إِلى المَوْصِلِ في ظُلْمَةِ اللَّيْل، فَقُلْتُ أَنَامُ في المَسْجِدِ إِلى الصُّبْحِ ثمَّ أَمْضِي لأَهْلِ بَيْتِك، فَعَفَا عَنهُ التَّاجِرُ المَوْصِلِيُّ وَخَلَّى سَبِيلَه، ثُمَّ مَضَى بخُرْجِهِ إِلى دَارِهِ فَوَجَدَ مَتَاعَهُ سَالِمًَا، فَوَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ وَأَخْبرَهُمْ بِقِصَّتِهِ؛ فَازْدَادُواْ سُرُورًَا عَلَى سُرُور، وَتَبرَّكُواْ بِذَلِكَ المَوْلُود، فَسُبْحَانَ مَنْ لاَ يخِيبُ مَنْ يَقْصِدُه، وَلاَ يَنْسَى مَنْ يَعْبُدُه " ٠
[الأَبْشِيهِيُّ في كِتَابِ " المُسْتَطْرَف " بِشَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّف، البَابُ السَّابِعُ وَالخَمْسُون: بَابِ اليُسْرِ بَعْدَ العُسْرِ]
ارْحَمُواْ عَزِيزَ قَوْمٍ ذَلّ
وَحَكَى أَبُو بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيُّ في كِتَابِهِ " سِرَاجِ المُلُوكِ " عَن أَحَدِ الصَّالحِينَ قَال:
[ ٢٨٢٩ ]
" كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى الشَّيْخِ أَبي حَفْصٍ جُزْءً امِنَ الحَدِيث، في حَانُوتِ رَجُلٍ عَطَّار، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ مَعَهُ في الحَانُوت؛ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الطَّوَّافِين، مِمَّنْ يَبِيعُ العِطْرَ في طَبَقٍ يحْمِلُهُ عَلَى يَدِه، فَدَفَعَ إِلَيْهِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ وَقَالَ لَه: أَعْطِني بهَا أَشْيَاءَ سَمَّاهَا لَهُ مِنَ العِطْر، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا فَأَخَذَهَا، ثُمَّ هَمَّ العَطَّارُ بِالقِيَامِ لِشَأْنِه؛ فَسَقَطَ الطَّبَقُ مِنْ يَدِه، فَانْسَكَبَ جَمِيعُ مَا فِيه، فَبَكَى وَجَزِعَ حَتىَّ رَحِمْنَاه؛ فَقَالَ أَبُو حَفْصٍ لِصَاحِبِ الحَانُوت: لَعَلَّكَ تُعِينُهُ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الأَشْيَاء ٠٠؟
[ ٢٨٣٠ ]
فَقَالَ سَمْعًَا وَطَاعَة، فَنزَلَ وَجَمَعَ لَهُ مَا قَدَرَ عَلَى جَمْعِه، وَأَقْبَلَ الشَّيْخُ عَلَى الطَّوَّافِ يُصَبِّرُهُ وَيَقُولُ لَه: لاَ تجْزَعْ، إِنَّ أَمْرَ الدُّنيَا أَيْسَرُ مِنْ ذَلِك، فَقَالَ الطَّوَّاف: أَيُّهَا الشَّيْخ، لَيْسَ جَزَعِي لِضَيَاعِ مَا ضَاع، لَقَدْ عَلِمَ اللهُ جَلَّ جَلاَلُهُ أَني كُنْتُ في القَافِلَةِ الفُلاَنِيَّة، فَضَاعَ لي هِمْيَانٌ فِيهِ أَرْبَعَةُ آلاَفِ دِينَار، وَمَعَهَا فُصُوصٌ قِيمَتُهَا كَذَلِكَ فَمَا جَزِعْت؛ حَيْثُ كَانَ لَدَيَّ مِنْ رَأْسِ المَالِ مَا يَصْلُحُ بِهِ حَالي، وَأُنْفِقُ مِنهُ عَلَى عِيَالي، وَلَكِنْ وُلِدَ لي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَلَد، فَاحْتَجْنَا لأُمِّهِ مَا يُحْتَاجُ لِلنُّفَسَاء، وَلَمْ يَكُن عِنْدِي بَعْدَ ذَهَابِ تجَارَتي غَيرُ مِاْئَةِ دِرْهَم، فَخَشِيتُ أَن أَشْتَرِيَ بهَا حَاجَةَ
[ ٢٨٣١ ]
النُّفَسَاءِ فَأَبْقَى بِلاَ رَأْسِ مَال، وَأَنَا قَدْ صِرْتُ شَيْخًَا كَبِيرًَا لاَ أَقْدِرُ عَلَى الكَسْب؛
فَقُلْتُ في نَفْسِي: أَشْتَرِي بِهَا شَيْئًَا مِنَ العِطْر، فَأَطُوفُ بِهِ صَدْرَ النَّهَارِ عَسَى أَنْ يُرْبحَني اللهُ شَيْئًَا أَسُدُّ بِهِ رَمَقَ زَوْجَتي، وَيَبْقَى رَأْسُ المَالِ كَمَا هُوَ، فَاشْتَرَيْتُ هَذَا العِطْر، فَحِينَ انْسَكَبَ الطَّبَقُ عَلِمْتُ أَنَّه لَمْ يَبْقَ لي إِلاَ الفِرَارُ مِنهُم؛ فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَدَّى إِلى جَزَعِي، وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الجُنْدِ جَالِسًَا إِلى جَانِبي يَسْمَعُ الحَدِيث، فَقَالَ لأَبي حَفْص: يَا سَيِّدِي، أُرِيدُ أَنْ تَأْتيَ بهَذَا الرَّجُلِ إِلى مَنزِلي، فَأَتَيْنَاهُ فَأَدْخَلَنَا إِلى مَنزِلِه، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الطَّوَّافِ وَقَالَ لَه: عَجِبْتُ مِنْ جَزَعِك ٠٠؟!
[ ٢٨٣٢ ]
فَأَعَادَ عَلَيْهِ القِصَّة، فَقَالَ لَهُ الجُنْدِيّ: وَكُنْتَ في تِلْكَ القَافِلَة ٠٠؟
قَالَ نَعَمْ، وَكَانَ مَعِي فِيهَا فُلاَنٌ وَفُلاَن، فَعَلِمَ الجُنْدِيُّ صِحَّةَ قَوْلِه؛ فَقَالَ لَهُ: وَمَا عَلاَمَةُ هِمْيَانِك؟
وَفي أَيِّ مَوْضِعٍ سَقَطَ مِنْك ٠٠؟
فَوَصَفَ لَهُ المَكَانَ وَالعَلاَمَة، فَقَالَ لَهُ الجُنْدِيّ: إِذَا رَأَيْتَهُ تَعْرِفُه ٠٠؟
[ ٢٨٣٣ ]
قَالَ نَعَمْ، فَأَخْرَجَ الجُنْدِيُّ لَهُ هِمْيَانًَا وَوَضَعَهُ بَينَ يَدَيْه، فَصَاحَ الشَّيْخُ حِينَ رَآهُ وَقَال: هَذَا هِمْيَاني وَاللهِ، وَعَلاَمَةُ صِحَّةِ قَوْلي؛ أَنَّ فِيهِ مِنَ الفُصُوصِ كَيْتَ وَكَيْت، فَفَتَحَ الهِمْيَانَ فَوَجَدَهُ كَمَا ذَكَر، فَسَجَدَ الرَّجُلُ للهِ شُكْرًَا، ثمَّ قَامَ فَقَبَّلَ رَأْسَ الجُنْدِيِّ وَشَكَرَهُ عَلَى أَمَانَتِه، وَعَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضَ المَالِ فَقَال: خُذْ مَالَكَ بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيه، فَقَالَ الطَّوَّاف: إِنَّ هَذِهِ الفُصُوصَ قِيمَتُهَا مِثْلُ الدَّنَانِيرِ وَأَكْثَر، فَخُذْهَا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ بِذَلِك ٠٠؟
[ ٢٨٣٤ ]
فَقَالَ الجُنْدِيّ: مَا كُنْتُ لآخُذَ عَلَى أَمَانَتي أَجْرًَا، وَلَقَدْ تحَسَّسْتُ الأَخْبَار؛ رَجَاءَ أَن أَسْمَعَ مَنْ يُنْشِدُهَا فَلَمْ أَجِدْ، فَتَرَكْتُهَا كَمَا هِيَ، حَتىَّ يَأْتيَ صَاحِبُهَا، وَهَا أَنْتَ ذَا قَدْ أَتَيْت، وَأَبى أَنْ يَأْخُذَ شَيْئَا، ثمَّ دَفَعَهَا لِلطَّوَّافِ كَامِلَةً فَأَخَذَهَا وَمَضَى، فَسُبْحَانَ الله ٠٠ دَخَلَ الطَّوَّافُ وَهُوَ مِنَ الفُقَرَاءِ المَسَاكِين، وَخَرَجَ وَهُوَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ المَتْرَفِين، وَكَانَ رَبُّك قَدِيرَا " ٠ [الأَبْشِيهِيُّ في كِتَابِ " المُسْتَطْرَف " بِشَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّف، البَابُ السَّابِعُ وَالخَمْسُون: بَابِ اليُسْرِ بَعْدَ العُسْرِ]
[ ٢٨٣٥ ]
جَاءَ في دُرَّةِ الْغَوَّاصِ لأَبي محَمَّدٍ الْقَاسِمِ بْنِ عَلِيٍّ الحَرِيرِيِّ صَاحِبِ المَقَامَاتِ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ المُبَرِّدَ رَوَى أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الذِّمَّةِ سَأَلَ أَبَا عُثْمَانَ المَازِنيَّ في قِرَاءَةِ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ عَنهُ، وَبَذَلَ لَهُ مِاْئَةَ دِينَارٍ في تَدْرِيسِهِ إِيَّاه؛ فَامْتَنَعَ المَازِنيُّ ﵀ مِنْ ذَلِك؛ فَقَالَ لَهُ المُبَرِّد: جُعِلْتُ فِدَاك؛ أَتَرُدُّ هَذِهِ النَّفَقَةَ مَعَ فَاقَتِكَ وَاحْتِيَاجِكَ إِلَيْهَا ٠٠؟!
[ ٢٨٣٦ ]
فَقَالَ لَهُ المَازِنيّ: هَذَا الْكِتَابُ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلاَثِمِاْئَةِ حَدِيث، وَكَذَا آيَةً مِنْ كِتَابِ الله جَلَّ وَعَلاَ؛ فَلَسْتُ أَرَى أَن أُمَكِّنَ مِنهَا ذِمِّيًَّا؛ غَيْرَةً عَلَى كِتَابِ الله ﵎ وَحَمِيَّةً لَهُ ٠٠!!
فَاتَّفَقَ أَن غَنَّتْ جَارِيَةٌ بِحَضْرَةِ الْوَاثِقِ مِنْ شِعْرِ الْعَرْجِيّ:
أَظَلُومُ إِنَّ مُصَابَكُمْ رَجُلًا * أَهْدَى السَّلاَمَ تَحِيَّةً ظُلْمُ
[ ٢٨٣٧ ]
فَاخْتَلَفَ مَنْ بِالحَضْرَةِ في إِعْرَابِ رَجُلًا؛ فَمِنهُمْ مَنْ نَصَبَهُ وَجَعَلَهُ اسْمَ إِنَّ، وَمِنهُمْ مَنْ رَفَعَهُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُهَا، وَالجَارِيَةُ مُصِرَّةٌ عَلَى أَنَّ شَيْخَهَا أَبَا عُثْمَانَ المَازِنيَّ لَقَّنَهَا إِيَّاهُ بِالنَّصْب؛ فَأَمَرَ الْوَاثِقَ بِإِشْخَاصِهِ؛ قَالَ أَبُو المَازِنيّ: فَلَمَّا مَثُلْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَال: مِمَّنِ الرَّجُل ٠٠؟
قُلْتُ: مِنْ مَازِنٍ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين، قَال: أَيِّ المَوَازِن ٠٠؟
قُلْتُ: مَنْ مَازِنِ رَبِيعَة؛ فَكَلَّمَني بِكَلاَمِ قَوْمِي وَقَال: بِاسْمُكَ ٠٠؟
[ ٢٨٣٨ ]
لأَنَّهُمْ يَقْلِبُونَ المِيمَ بَاءً وَالْبَاءَ مِيمًَا إِذَا كَانَتْ في الاِسْتِفْهَامِ أَوْ في الأَسْمَاء؛ فَكَرِهْتُ أَن أُجِيبَهُ عَلَى لُغَةِ قَوْمِي [لأَنَّ اسْمَهُ بَكْر]؛ لِئَلاَّ أُوَاجِهَ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ بِالمَكْر؛ فَقُلْتُ: بَكْرٌ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ فَفَطِنَ لِمَا قَصَدْتُهُ فَأَعْجَبَهُ مِنيِّ ذَلِك، ثُمَّ قَال: مَا تَقُولُ في قَوْلِ الشَّاعِر:
أَظَلُومُ إِنَّ مُصَابَكُمْ رَجُلًا * أَهْدَى السَّلاَمَ تَحِيَّةً ظُلْمُ
أَتَرْفَعُ رَجُلًا أَمْ تَنْصِبُهُ ٠٠؟
[ ٢٨٣٩ ]
فَقُلْتُ: الْوَجْهُ: النَّصْبُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِين؛ قَالَ وَلِمَ ٠٠؟!
فَقُلْتُ: إِنَّ " مُصَابَكُمْ " مَصْدَرٌ بِمَعْنىَ إِصَابَتَكُمْ؛ فَأَخَذَ الزَّيْدِيُّ في مُعَارَضَتي؛ فَقُلْتُ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: إِنَّ ضَرْبَكَ زَيْدًَا ظُلْمٌ فَالرَّجُلُ مَفْعُولُ " مُصَابَكُمْ "؛ فَهُوَ مَنْصُوبٌ بِهِ؛ فَاسْتَحْسَنَهُ الْوَاثِقُ وَأَمَرَ لي بِأَلْفِ دِينَار؛ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ المُبَرِّد: فَلَمَّا عَادَ المَازِنيُّ عَظَّمَ اللهُ أَجْرَهُ وَرَفَعَ ذِكْرَهُ في الدُّنيَا وَالآخِرَةِ إِلىَ الْبَصْرَةِ قَالَ لي: كَيْفَ رَأَيْتَ ٠٠؟ رَدَدْنَا للهِ مِاْئَةً؛ فَعَوَّضَنَا أَلْفًَا " ٠
[ابْنُ حَجَّةَ الحَمَوِيُّ في ثَمَرَاتِ الأَوْرَاق]
[ ٢٨٤٠ ]
رَوَى ابْنُ النَّجَّارِ عَن أَبي بَكْرٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ نَصْرٍ التَّيْمِيِّ قَال: سَمِعْتُ عَبْدَ الْقَادِرِ الجِيلاَنيَّ يَقُول: " بَلَغَتْ بي الضَّائِقَةُ في الْغِلاَءِ إِلىَ أَنْ بَقِيْتُ أَيَّامًَا لاَ آكُلُ طَعَامًَا، بَلْ أَتَّبَّعُ المَنْبُوذَات؛ فَخَرَجْتُ يَوْمًَا إِلىَ الشَّطّ؛ فَوَجَدْتُ قَدْ سَبَقَني الْفُقَرَاء، فَضَعُفْتُ وَعَجَزْتُ عَنِ التَّمَاسُك؛ فَدَخَلْتُ مَسْجِدًَا وَقَعَدْتُ وَكِدْتُ أُصَافِحُ المَوْت، فَدَخَلَ شَابٌّ أَعْجَمِيٌّ وَمَعَهُ خُبْزٌ وَشِوَاء، وَجَلَسَ يَأْكُل، فَكُنْتُ أَكَادُ كُلَّمَا رَفَعَ لُقْمَةً أَن أَفْتَحَ فَمِي؛ فَالْتَفَتَ فَرَآني؛ فَقَال: " بِاسْمِ الله ": [أَيْ كُلْ مَعِي] فَأَبَيْتُ، فَأَقْسَمَ عَلَيَّ؛
[ ٢٨٤١ ]
فَأَكَلْتُ مُقَصِّرًَا، وَأَخَذَ يَسْأَلُني: مَا شُغْلُكَ وَمِن أَيْنَ أَنْت ٠٠؟
فَقُلْتُ: مُتَفَقِّهٌ مِنْ جِيلاَن؛ قَال: وَأَنَا مِنْ جِيلاَن، فَهَلْ تَعْرِفُ لي شَابًَّا جِيلاَنِيًَّا اسْمُهُ عَبْدُ الْقَادِر، يُعْرَفُ بِسِبْطِ أَبي عَبْدِ اللهِ الصَّوْمعِيِّ الزَّاهِد؟
فَقُلْتُ: أَنَا هُو؛ فَاضْطَّرَبَ لِذَلِكَ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَقَال: وَاللهِ يَا أَخِي لَقَدْ وَصلْتُ إِلىَ بَغْدَادَ وَمعِي بَقِيَّةُ نَفَقَةٍ لي؛ فَسَأَلْتُ عَنْكَ فَلَمْ يُرْشِدْني أَحَد،
[ ٢٨٤٢ ]
إِلىَ أَنْ نَفِذَتْ نَفَقَتي، وَبَقِيتُ بَعْدَهَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لاَ أَجِدُ ثَمَنَ قُوتي إِلاَّ مِنْ مَالِك؛ فَلَمَّا كَانَ هَذَا اليَوْمُ الرَّابِعُ قُلْتُ: قَدْ تجَاوَزَتْني ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ وَحَلَّتْ ليَ المَيْتَة، فَأَخَذْتُ مِنْ وَدِيعَتِكَ ثَمَنَ هَذَا الخُبْزِ وَالشِّوَاء؛ فُكُلْ طَيِّبًَا فَإِنَّمَا هُوَ لَكَ وَأَنَا ضَيْفُكَ الآن؛ فَقُلْتُ: وَمَا ذَاك ٠٠؟!
قَال: أُمُّكَ وَجَّهَتْ مَعِي ثَمَانِيَةَ دَنَانِيرَ لأُسْلِمَهَا إِلَيْك، وَاللهِ مَا خُنْتُكَ فِيهَا إِلىَ اليَوْم؛ فَسَكَّنْتُهُ وَطَيَّبْتُ نَفْسَهُ وَدَفَعْتُ إِلَيْهِ مِنهَا شَيْئَا " ٠ [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ٤٤٥/ ٢٠]
[ ٢٨٤٣ ]
وَقَالَ الإِمَامُ الحَافِظُ محَمَّدُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ المَقْدِسِيِّ يَحْكِي عَنْ نَفْسِهِ: " أَقَمْتُ بِتَنِّيسَ مُدَّةً [وَهِيَ جَزِيرَةٌ صَغِيرَةٌ كَانَتْ آنَذَاكَ تَقَعُ شَمَالَ دِمْيَاطَ بِالْقُرْبِ مِنْ سَاحِلِ الْبَحْر] عَلَى أَبي محَمَّدٍ بنِ الحَدَّادِ وَنُظَرَائِه، فَضَاق بي - أَيْ مَرَرْتُ بِضَائِقَةٍ شَدِيدَة - فَلَمْ يَبْقَ مَعِي غَيْرُ دِرْهَمٍ، وَكُنْت أَحْتَاجُ إِلىَ حِبْرٍ وَكَاغَد - الْكَاغَدُ نَوْعٌ مِنَ الأَلْوَاحِ الْوَرَقِيَّةِ كَانَ يُكْتَبُ عَلَيْهِ آنَذَاك - فَتَرَدَّدْتُ في صَرْفِهِ في الحِبْرِ أَوِ الْكَاغَدِ أَوِ الخُبْز،
[ ٢٨٤٤ ]
وَمَضَى عَلَى هَذَا ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ لَمْ أَطْعَمْ فِيهَا؛ فَلَمَّا كَانَ بُكْرَةَ الْيَوْمِ الرَّابِعِ قُلْتُ في نَفْسِي: لَوْ كَانَ ليَ الْيَوْمَ كَاغَدٌ: لَمْ يُمْكِنيِّ أَن أَكْتُبَ مِنَ الجُوع، فَجَعَلْتُ الدِّرْهَمَ في فَمِي، وَخَرَجْتُ لأَشْتَرِيَ خُبْزًَا، فَبَلَعْتُهُ؛ وَوَقَعَ عَلَيَّ الضَّحِك؛ فَلَقِيَني صَدِيقٌ وَأَنَا أَضْحَكُ فَقَال: مَا أَضْحَكَك ٠٠؟
قُلْتُ: خَيْر، فَأَلَحَّ عَلِيّ، وَأَبَيْتُ أَن أُخْبِرَهُ؛ فَحَلَفَ بِالطَّلاَقِ لَتَصْدُقَنيِّ، فَأَخْبَرتُهُ؛ فَأَدْخَلَني مَنْزِلَهُ وَتَكَلَّفَ أَطْعِمَةً، فَلَمَّا خَرَجْنَا لِصَلاَةِ الظُّهْر؛ اجْتَمَع بِهِ بَعْضُ وُكَلاَءِ عَامِلِ تَنِّيسِ بْنِ قَادُوسَ فَسَأَلَهُ عَنيِّ [أَيْ سَأَلَ صَاحِبي عَنيِّ] ٠٠؟
[ ٢٨٤٥ ]
فَقَالَ هُوَ هَذَا، قَال: إِنَّ صَاحِبي [أَيْ رَيِّسِي صَاحِبُ تَنِّيس] مُنْذُ شَهْرٍ أَمَرَ بي أَن أُوَصِّلَ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَةَ دَرَاهمَ قِيمَتُهَا رُبْعُ دِينَار، وَسَهَوْتُ عَنهُ، فَأَخَذَ مِنهُ ثَلاَثَمِاْئَة " ٠ [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ٣٦٨/ ١٩]
بَكَيْتُ وَصَارَتْ دُمُوعِيَ بَحْرًَا * وَلَنْ تُشْبِعَ الفُقَرَاءَ البُحُورْ
فَيَا آكِلَ الجَوْزِ وَاللَّوْزِ مَهْلًا * أَكَلْتَ اللُّبَابَ فَجُدْ بِالقُشُورْ
بُطُونُ خَزَائِنِكُمْ أُتْخِمَتْ * وَبَطْنُ الفَقِيرِ كَجَيْبِ الفَقِيرْ
نَعُوذُ بِكَ اللهُمَّ مِنْ فَقْرٍ يُذِلُّنَا، أَوْ غِنىً يُضِلُّنَا ٠٠
[ ٢٨٤٦ ]