=====================
عِشْرُونَ في المِاْئَةِ فَقَطْ مِنَ المُبْدِعِين؛ هُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالجَامِعَةِ كَأَسَاتِذَةٍ فِيمَا يُبْدِعُون، وَأَرْبَعُونَ في المِاْئَةِ حَرَمَتْهُمْ مَكَاتِبُ التَّنْسِيقِ مِنَ الاِلْتِحَاقِ بِالْكُلِّيَّةِ الَّتي يُرِيدُونهَا، وَتخَصَّصُواْ وَأَبْدَعُواْ في عُلُومِهَا، وَأَرْبَعُونَ في المِاْئَةِ مِنَ المُبْدِعِين؛ لَمْ يَلْتَحِقُواْ بِالجَامِعَةِ أَصْلًا؛ وَهَؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ تحِيطُ بهِمْ دَائِرَةُ الْفَقْر ﴿كُلَّمَا أَرَادُواْ أَنْ يخْرُجُواْ مِنهَا أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ﴾ ﴿السَّجْدَة/٢٠﴾
[ ٢٤٩ ]
وَلِذَا يَتَّجِهُ الكُتَّابُ وَالشُّعَرَاءُ المُبْدِعُون؛ إِلى الكِتَابَةِ لِلسِّينِمَا وَالتِّلِفِزْيُون، وَنَاهِيكَ عَنْ كَثْرَةِ التَّنَازُلاَتِ الَّتي يُقَدِّمُهَا الكَاتِبُ أَوِ الشَّاعِرُ في سَبِيلِ ذَلِكَ عَلَى حِسَابِ المَبَادِئِ وَالقِيَم، الَّتي تَذْهَبُ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عَاصِف؛ وَبَعْضُهُمْ يَلْجَأُ لِلْفُكَاهَةِ وَيَضْطَرُّ أَنْ يَلْعَبَ دَوْرَ القَرَاقُوز؛ حَتىَّ يحْظَى بِإِعْجَابِ النَّاسِ وَيَفُوز، وَإِذَا مَا أَنْكَرْتَ عَلَيْهِ هَذَا التَّغْيِير، وَقُلْتَ لَهُ إِنَّ الشِّعْرَ لَيْسَ فُكَاهَةً
[ ٢٥٠ ]
فَقَطْ أَيُّهَا الشَّاعِرُ الكَبِير؛ فَلا تجْعَلْهُ لِلْفُكَاهَةِ وَسِيلَة؛ بَلْ وَظِّفْهُ لخِدْمَةِ القِيَمِ النَّبِيلَة، وَإِرْسَاءِ قَوَاعِدِ الفَضِيلَة، حَتىَّ لا تَكُونَ المَقْصُودَ يَا بَارِعَ القَصِيد؛ بهَذِهِ الآيَةِ شَدِيدَةِ الوَعِيد:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًَا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِين﴾ ﴿لُقْمَان/٦﴾
[ ٢٥١ ]
أَطَلَّ بِكَ عَلَى الوَاقِعِ إِطْلالَة، وَأَشَارَ لَكَ إِلى مَا فِيهِ مِنَ الجَهَالَة، الَّني أَحَاطَ بِنَا سُرَادِقُهَا وَقَالَ: فَسَادُ الذَّوْقِ وَالسَّطْحِيَّةُ وَالتَّفَاهَة؛ هِيَ الَّتي جَعَلَتْني أَتْرُكُ الفَضِيلَةَ وَأَكْتُبُ في الفُكَاهَة ٠٠!!
وَبِدَوْرِي أَنَا كَتَبْتُ هَذِهِ الأَبْيَاتِ التَّالِيَات؛ لأُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَتَفَكَّهُونَ وَشُعُوبُهُمْ تُكَابِدُ الْوَيْلاَت:
يَا مَنْ تَرَى أَنَّ الْقَرِيضَ نَوَادِرُ * بَحْرُ الحَيَاةِ بِغَيْرِ هَزْلِكَ زَاخِرُ
[ ٢٥٢ ]
إِنَّ الْقَرِيضَ وَسِيلَةٌ لا غَايَةٌ * فَعَلاَمَ بِالإِضْحَاكِ فِيهِ تُتَاجِرُ
كَمْ في الْكَلامِ عَنِ الْفَضِيلَةِ مَسْلَكًَا * غَيْرَ الْفُكَاهَةِ فِيهِ فَنٌّ سَاحِرُ
أَفَتَضْحَكُونَ وَكُلُّ شِبْرٍ حَوْلَكُمْ * تُؤْتَى محَارِمُ فَوْقَهُ وَكَبَائِرُ
حَتىَّ كَأَنَّكُمُ أُقِيمَتْ بَيْنَكُمْ * وَمَتَاعِبِ الْوَطَنِ الجَرِيحِ سَتَائِرُ
وَلَقَدْ نَرَى بَعْضَ اهْتِمَامٍ مِنْكُمُ * لَكِنَّهُ قَدْرٌ يَسِيرٌ فَاتِرُ
هَلْ سَوْفَ تَنْفَعُكُمْ نَوَادِرُكُمْ إِذَا * سُدَّتْ عَلَيْكُمْ بِالتُّرَابِ مَقَابِرُ
[ ٢٥٣ ]
وَمِنَ الْعَجَائِبِ أَنْ يُقَدِّمَهُمْ لَنَا * إِعْلاَمُنَا وَيَقُولُ تِلْكَ كَوَادِرُ
وَهُمُ الَّذِينَ يُخَدِّرُونَ شُعُوبَهُمْ * وَكَأَنَّهُمْ لِلْمُصْلِحِينَ ضَرَائِرُ
وَالشَّعْبُ كَالمُعْتَادِ يَلْهَثُ خَلْفَهُمْ * وَلَهُمْ تُقَامُ عَلَى الرُّءُ وسِ مَنَابِرُ
وَالنَّاشِرُونَ يُشَجِّعُونَ هُرَاءَهُمْ * وَالرِّبْحُ أَقْصَى مَا يُرِيدُ النَّاشِرُ
لَوْ أَنَّهُمْ قَدْ فَكَّرُواْ في قَوْمِهِمْ * وَهُمُومِهِمْ لأَجَادَ فِيهَا الخَاطِرُ
أَنَّى سَتَنْجَحُ يَا تُرَى إِنْ لَمْ تَكُنْ * بِهُمُومِ قَوْمِكَ شَاعِرًَا يَا شَاعِرُ
[ ٢٥٤ ]
أَمْ كَيْفَ يَنْجَحُ شَاعِرٌ وَفُؤَادُهُ * مِمَّا يُعَاني النَّاسُ مِنهُ شَاغِرُ
مَا ضَرَّ لَوْ كَانَتْ قَصَائِدُ شِعْرِكُمْ * في كُلِّ طَاغٍ بِالْفَسَادِ يُجَاهِرُ
أَوْ في صَبيٍّ ضِمْنَ أَبْنَاءِ الْقُرَى * جَاثٍ عَلَى ضَوْءِ الشُّمُوعِ يُذَاكِرُ
كُونُواْ رِجَالًا وَانهَضُواْ وَاسْتَيْقِظُواْ * قَدْ أَحْدَقَتْ بِالمُسْلِمِينَ مخَاطِرُ
أَعْدَاؤُنَا يَتَهَيَّئُونَ لِوَثْبَةٍ * وَلِفَتْكِهِمْ بِالمُسْلِمِينَ تَآمَرُواْ
يَاسِر الحَمَدَاني:
[ ٢٥٥ ]