=================================
عَن أَبي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" لاَ يَزْدَادُ الأَمْرُ إِلاَّ شِدَّةً " ٠ [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٨٣٥٩]
لَقَدْ عَرَفْتُمُوني كَاتِبًَا، لَمْ أَكُ يَوْمًَا مُشَاغِبًَا، إِلى أَن حَدَثَ عَلَى غَيرِ الْعَادَة؛ وَجَرَتْ بَينَ وَالِدِي وَبَينَ أَحَدِ المجْرِمِينَ مُشَادَّةٌ حَادَّة؛ وَلأَنَّ هَذَا المجْرِمَ تَرْبِطُهُ عَلاَقَةٌ بِأَحَدِ وُلاَةِ الأَمْر، كَانَ مِنَ السَّهْلِ أَنْ يَزُورَني زُوَّارُ الْفَجْر؛
[ ٢٨٨ ]
فَأُخِذْتُ مِنْ بَيْتي أَنَا وَأَخِي الثَّانِيَةَ صَبَاحًَا في جُنحِ الظَّلاَم، وَكَأَنَّنَا الجَنَاحُ الأَيْمَنُ لأَيْمَنَ الظَّوَاهْرِي أَوْ لِعَبْد الله عَزَّام، أَوْ مِنْ مُتَأَصِّلِي الإِجْرَام، كَمَا تَفْعَلُ تَمَامًَا إِسْرَائِيلُ مَعَ المَطْلُوبِين، وَجَمَعُواْ كُلَّ مَا طَالَتْهُ أَيْدِيهِمْ مِنْ دَفَاتِرَ وَدَوَاوِين، وَكُتُبٍ في الأَدَبِ وَالنَّحْوِ وَالدِّين، وَكَأَنَّ سَيبَوَيْهِ وَابْنَ زَيْدُون؛ مِنَ الخَارِجِينَ عِنْدَهُمْ عَلَى القَانُون؛ وَلَمْ يحْرِمُواْ أَنْفُسَهُمْ مِنْ كُلِّ مَا هُوَ ثَمِين، حَتىَّ إِنَّني كُنْتُ لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ أَن أَقُول؛ لِهَذِهِ الْعُقُول:
رُدُّواْ عَلَيَّ قَبِيحًَا عِنْدَكُمْ حَسَنًَا * عِنْدِي أَرَى مَا ازْدَرَيْتُمْ مِنهُ كُبَّارَا
﴿ابْنُ الرُّومِي﴾
[ ٢٨٩ ]
وَظَلُّواْ يَضْرِبُونَ فيَّ قُرَابَةَ السَّاعَة ٠٠!!
وَاسْتَعْذَبُواْ التَّعْذِيبَ لي بِضَرَاوَةٍ * وَسُقِيتُ مِنْ كَأْسِ الهَوَانِ المُتْرَعِ
﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
هَذَا ٠٠ بِالإِضَافَةِ إِلى تَهْدِيدَاتٍ أُخْرَى بِأَفْعَالٍ قَذِرَةٍ وَصَعْقٍ بِالكَهْرَبَاء ٠٠!!
إِنَّ مَنْ رُعْتَهُ وَإِن أَنْتَ لَمْ تَقْ * ـتُلْهُ فِعْلًا قَتَلْتَهُ تَعْذِيبَا
حَقًَّا وَاللهِ: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ ﴿العَلَق: ٦﴾
كُلُّ هَذَا لأَكُفَّ عَنْ كِتَابَاتي، الَّتي هِيَ كُلُّ حَيَاتي؛ فَكُنْتُ أَقُولُ لهُمْ:
[ ٢٩٠ ]
" وَمَاذَا يُضِيرُكُمْ مَا دُمْتُ لاَ أَكْتُبُ في السِّيَاسَة " ٠٠؟!
فَكَانُواْ كُلَّمَا قُلْتُ لهُمْ ذَلِك؛ يَشْتَدُّونَ في ضَرْبي وَيَقُولُونَ لي: أَتُرِيدُ أَنْ تُصْبِحَ أَنِيس مَنْصُور، أَمْ يُوسُف إِدْرِيس؟ يَا ابْنَ كَذَا وَكَذَا ٠٠؟!
وَمِمَّا شَفَّني وَجْدًَا كَرِيمٌ * يُحَاوِلُ قَهْرَهُ قِرْدٌ زَنِيمُ
﴿ابْنُ حَيُّوس بِتَصَرُّف﴾
[ ٢٩١ ]
وَتَرَكُوني في الحَجْزِ عَشْرَةَ أَيَّامٍ عَلَى البَلاَطِ في شَهْرِ طُوبَة؛ حَتىَّ أُصِبْتُ في أَضْلُعِي بِالرُّطُوبَة، ثُمَّ أَخْرَجُوني بَعْدَ حَجْزٍ طَوِيل؛ حَتىَّ يَتَأَكَّدُواْ مِنْ زَوَالِ لَوْنِ الكَدَمَاتِ مِنْ جَسَدِيَ النَّحِيل، إِلاَّ أَنَّ أُصْبُعِي كَانَتْ قَدْ كُسِرَتْ وَأُصِيبَتْ بِعَاهَةٍ مُسْتَدِيمَة؛ تَشْهَدُ عَلَى هَذِهِ الجَرِيمَة ٠٠!!
[ ٢٩٢ ]
﴿وَلاَ تحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُون﴾ ﴿إِبْرَاهِيم: ٤٢﴾
مَاذَا جَنَيْتَ عَلَيْهِمْ أَيُّهَا القَلَمُ * وَاللهِ مَا فِيكَ إِلاَّ النُّصْحُ وَالحِكَمُ
إِنيِّ لَيَحْزُنُني أَنْ يَسْجُنُوكَ وَهُمْ * لَوْلاَكَ في الأَرْضِ لَمْ تَثْبُتْ لَهُمْ قَدَمُ
قَالُواْ لَقَدْ ظَلَمُواْ بِالدِّينِ أَنْفُسَهُمْ * وَاللهُ يَشْهَدُ أَنَّ الظَّالِمِينَ هُمُ
فَإِنْ سَكَتْنَا يَظُنُّونَا نَكِيدُ لَهُمْ * وَإِنْ نَطَقْنَا يَقُولُواْ فِتْنَةٌ عَمَمُ
﴿البَيْتَانِ الأَوَّلاَنِ لِشَاعِرٍ لاَ أَعْرِفُه، أَمَّا الآخَرَانِ فَلِحَافِظ إِبْرَاهِيم﴾
[ ٢٩٣ ]
أَفَكُلَّمَا بَاحَ الضَّعِيفُ بِأَنَّةٍ أَمْسَى إِلى مَعْنى التَّعَصُّبِ يُنْسَبُ
فَاجْعَلْ شِعَارَكَ رَحْمَةً وَمَوَدَّةً إِنَّ القُلُوبَ بمِثْلِ هَذَا تُكْسَبُ
﴿حَافِظ إِبْرَاهِيم﴾
وَأَثْنَاءَ تِلْكَ المحْنَةِ الشَّدِيدَة: قُمْتُ بِكِتَابَةِ هَذِهِ الْقَصِيدَة، وَكَمَا قَدْ قَالُواْ في الأَمْثَالِ السَّائِرَة: النَّائِحَةُ الثَّكْلَى لَيْسَتْ كَالمُسْتَأْجَرَة:
[ ٢٩٤ ]
إِلىَ كَمْ بِمِصْرَ أَنَا أُظْلَمُ * إِلىَ كَمْ حُقُوقِي بِهَا تُهْضَمُ
إِلىَ كَمْ أُهَانُ وَأَكْظِمُ غَيْظِي * كَأَنيَ أَخْرَسُ أَوْ أَبْكَمُ
تَزِيدُ الهُمُومُ وَلاَ تَنْقُصُ * وَيَقْسُو الزَّمَانُ وَلاَ يَرْحَمُ
وَيُنْبَذُ فِينَا التَّقِيُّ الكَرِيمُ * وَيَرْقَى اللَّئِيمُ وَيَسْتَحْكِمُ
وَقَوْلُ الحَقِيقَةِ أَصْبَحَ مُرًَّا * وَمَنْ قَالهَا رُبَّمَا يُعْدَمُ
فَخُضْنَا السِّيَاسَةَ نُؤْذَى وَإِنْ * تَرَكْنَا السِّيَاسَةَ لاَ نَسْلَمُ
أَمِثْلِيَ إِصْبَعُهُ يُكْسَرُ * وَمِثْلِي عَلَى وَجْهِهِ يُلْطَمُ
وَمَاذَا جَنَيْنَا لِيُجْنى عَلَيْنَا * وَنُضْرَبَ حَتىَّ يَسِيلَ الدَّمُ
[ ٢٩٥ ]
وَفي أَيْنَ في بَلَدٍ مُسْلِمٍ * وَشَعْبٍ يَقُولُ أَنَا مُسْلِمُ
فَيَا رَبِّ رُحْمَاكَ إِنَّا ضِعَافٌ * وَأَنْتَ بِأَحْوَالِنَا أَعْلَمُ
إِلى مَتى هَذَا الإِرْهَابُ وَالتَّخْوِيف، وَمَتى يُنْصَفُ الضَّعِيف؛ في عَهْدِكَ يَا دُكْتُور نَظِيف ٠٠؟
مَاذَا يَفْعَلُ المُوَاطِنُ وَهُوَ المحْدُودُ الدَّخْل؛ إِنْ كَانَتْ أَقْسَامُ الشُّرْطَةِ لاَ تَقُومُ بِالْفَصْل؛ إِلاَّ لِصَالِحِ مَنْ يَمُدُّ لَهُمْ حِبَالَ الْوَصْل، هَلْ يَتَحَمَّلُ المُوَاطِنُ إِيذَاءهُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْل؛ الَّذِي يُطَيِّرُ الْعَقْل، أَمْ يَلْجَأُ لِلْقَتْل، مَاذَا تُرِيدُونَ مِنَ المَظْلُومِ الَّذِي تَحَمَّلَ كُلَّ هَذَا الحِمْل ٠٠؟!
لَنْ يُصَدِّقَ الشَّعْبُ أَنَّ الإِصْلاَحَ في الخُطَّة؛ إِنْ لَمْ يَبْدَأْ مِن أَقْسَامِ الشُّرْطَة ٠
[ ٢٩٦ ]
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَدَّعِي أَنَّا في أَحْسَنِ حَال، وَأَنَّ الْوَضْعَ عَالُ الْعَال ٠٠
مِثْلُ الَّتي ذَهَبَتْ تُكَاتِمُ حَمْلَهَا وَالضَّرْعُ حَافِلْ
﴿ابْنُ الرُّومِيِّ بِتَصَرُّفٍ يَسِير﴾
أَوْ كَالسُّلَحْفَاةِ الَّتي تَكْتَفِي بِإِدْخَالِ رَأَسِهَا في جِسْمِهِمَا إِذَا مَا أَحَسَّتْ بِالخَطَر، لَقَدْ سَأَلْتُهُ يَوْمًَا:
أَلاَ يُرْضِيكَ أَنْ يَعُودَ إِلَيْكُمْ هَذَا الحَقُّ المَسْلُوب؛ الَّذِي حَدَثَ بِسَبَبِهِ كُلُّ هَذَا النِّزَاعِ الطَّوِيل ٠٠؟!
فَقَال: هَبْ أَنَّهُ كَانَ يُرْضِينَا: كَيْفَ نَنْسَى أَنَا وَأَبي وَأَخِي مَا فُعِلَ فِينَا ٠٠؟!
[ ٢٩٧ ]
وَهَبْ أَنَّهُ عَادَ إِلَيْنَا؛ فَمَنْ يُعِيدُ كَرَامَتَنَا إِلَيْنَا، وَيَرُدُّ حُقُوقَنَا وَهَيْبَتَنَا عَلَيْنَا، هَيْبَتَنَا الَّتي ضَاعَتْ بَينَ النَّاس، وَمِن أَيْنَ لَنَا تحْقِيقُ الأَمْنِ وَالأَمَان، بَعِيدًَا عَن هَذَا المَكَان ٠٠!!
أَصْبَحْتُ مِثْلَ الشُّعْلَةِ * وَتَرَكْتُ حُبَّ الْعُزْلَةِ
لَمْ أَنْجُ رَغْمَ تَسَاهُلِي * مِنْ شَرِّ أَمْنِ الدَّوْلَةِ
إِيذَاؤُهُمْ لِلْخَلْقِ لاَ * يَحْتَاجُ أَيَّ أَدِلَّةِ
﴿يَاسِر الحَمَدَاني﴾
نَشْكُو للَّهِ مَوَاجِعَنَا * الظُّلْمُ أَقَضَّ مَضَاجِعَنَا
قَدْ مَلأَتْ لَيْلًا وَنَهَارًَا * صَرَخَاتُ النَّاسِ مَسَامِعَنَا
في كُلِّ طَرِيقٍ نَسْلُكُهُ * نَتَخَيَّلُ فِيهِ مَصَارِعَنَا
مِنْ زَمَنٍ نَبْكِي لَمْ يَمْسَحْ * أَحَدٌ في مِصْرَ مَدَامِعَنَا
فَمَتى الإِعْلاَمُ سَيُنْصِفُنَا * كَيْ نَأْخُذَ فِيهِ مَوَاقِعَنَا
﴿يَاسِر الحَمَدَاني﴾
[ ٢٩٨ ]
إِنَّ الحِفَاظَ عَلَى أَمْنِ الْبِلاَد؛ لَيْسَ بِإِيذَاءِ الْعِبَاد
يَتَّهِمُونَ الشَّبَابَ بِقِلَّةِ الاِنْتِمَاء؛ وَأَفْعَالهُمْ تَقْتُلُ كُلَّ انْتِمَاء؛ أَيْنَ العَدَالَةُ الَّتي تُعِيدُ حَقَّ هَؤُلاَء، إِنَّ القَضِيَّةَ تُنْظَرُ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ أَمَامَ القَضَاء، وَيَبْدُو أَنَّ صُدُورَ الحُكْمِ لَنْ يَكُونَ وَهُمْ أَحْيَاء ٠٠!!
صَدَقَ أَحَدُ الكُتَّابِ عِنْدَمَا قَال: " الَّذِي نَفْعَلُهُ في أَنْفُسِنَا؛ أَشَدُّ مِمَّا يَفْعَلُهُ فِينَا أَعْدَاؤُنَا "
وَبَعْد ٠٠ أَمَا إِنِّي كُنْتُ في غِنىً عَمَّا قَدْ يجُرُّهُ عَلَيَّ هَذَا المَقَالُ السَّاخِن، وَلَكِن عُذْرِيَ في ذَلِكَ أَنيِّ أَنَا ذَلِكَ المُوَاطِن ٠٠
بِقَلَم / يَاسِر الحَمَدَاني
°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°
[ ٢٩٩ ]