المَصَائِبُ الأُخْرَى:
===========
كَلاَمٌ كَاللُّجَين؛ لِلإِمَامِ الحُسَين
لَمَّا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِأَرْضِ العِرَاق؛ فَزِعَ النَّاسُ إِلىَ الإِمَامِ الحُسَينِ ﵁؛ فَقَالَ لهُمْ:
" مَا أَحْسَنَ مَا صَنَعَ بِكُمْ رَبُّكُمْ؛ أَقْلَعَ المُذْنِبُ وَأَنْفَقَ المُمْسِك " ٠
[ابْنُ عَبْدِ رَبِّه في العِقدِ الفَرِيد ٠ طَبْعَةِ دَارِ الكُتُبِ العِلمِيَّة ٠ بَيرُوت ٠ ص: ١٤٣/ ٣]
فَأَحْسَنُ شَيْءٍ في المَصَائِبِ أَنَّهَا * تُذَكِّرُنَا بِاللهِ عِنْدَ نُزُولِهَا
عَن أَبي إِدْرِيسَ الخَوْلاَنيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: " كُلُّ شَيْءٍ أَسَاءَ المُؤْمِنَ فَهْوَ مُصِيبَة "٠ [ضَعَّفَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الضَّعِيفَةِ بِرَقْم: ٤١١٣، رَوَاهُ ابْنُ السُّنيّ]
[ ٥٢٩٣ ]
إِنَّ المَصَائِبَ لَيْسَتْ قَاصِرَةً عَلَى المَالِ فَحَسْب؛ فَالفَتَاةُ الَّتي تحِبُّهَا ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا غَيْرُكَ مِنَ المَصَائِب، وَالصَّفقَةُ الَّتي تَنْتَظِرُهَا ثمَّ تَطِيرُ مِنْ يَدِكَ مِنَ المَصَائِب، وَالْوَظِيفَةُ المَرْمُوقَةُ الَّتي تَفْقِدُهَا مِنَ المَصَائِب!!
وَقِسْ عَلَى هَذَا كُلَّ الأُمُور ٠
الزَّلاَزِلُ وَالْكَوَارِثُ وَالْفَيَضَانَات
عَن أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " أُمَّتي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَة، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ في الآخِرَة، عَذَابُهَا في الدُّنْيَا: الْفِتَنُ وَالزَّلاَزِلُ وَالْقَتْل " ٠ [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ وَفي سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ بِأَرْقَام: ١٣٩٦، ٩٥٩، ٤٢٧٨]
[ ٥٢٩٤ ]
وَمِمَّا قِيلَ في الْفَيَضَانَاتِ قَوْلُ شَاعِرِنَا الرَّقِيق / هَاشِم الرِّفَاعِي؛ في فَيَضَانٍ أَصَابَ قِنَا:
أَكَانَ فَنَاءُ الكَوْنِ مَبْدَؤُهُ قِنَا * قِنَا يَا إِلَهِي خَافِيَاتِ الْعَوَاقِبِ
وَهَلْ تِلكَ لِليَوْمِ العَظِيمِ دَلاَئِلٌ * سَيَتْبَعُهَا بَعْدُ انْتِثَارُ الكَوَاكِبِ
فَلَمْ أَدْرِ هَلْ سَيْلُ المِيَاهِ الَّذِي بَدَا * يُهَدِّدُنَا أَمْ ذَاكَ سَيْلُ المَصائِبِ
قِنَا هَلْ رَأَيْتِ الحَشْرَ كَيْفَ لِهَوْلِهِ * يَفِرُّ الفَتى عَنْ صَحْبِهِ وَالأَقَارِبِ
قَضَواْ لَيْلَهُمْ قَدْ كَحَّلَ النَّوْمُ جَفْنَهُمْ * عَلَى أَمَلٍ بِالخَيْرِ لاَ بِالنَّوَائِبِ
وَكَادُواْ وَهَوْلُ النَّائِبَاتِ يَلُفُّهُمْ * عَلَيْهِمْ تَضِيقُ الأَرْضُ ذَاتُ المَنَاكِبِ
حَنَانَيْكَ رَبَّ العَالَمِينَ فَقَدْ كَفَى * لَنَا وَلَهُمْ مَا قَدْ بَدَا مِنْ مَتَاعِبِ
[ ٥٢٩٥ ]
فَلَيْسَ لَهُمْ مِن أَمْرِكَ اليَوْمَ عَاصِمٌ * سِوَى رَحْمَةٍ تَجْلُو ظَلاَمَ الغَيَاهِبِ
وَمَا قَوْمُ نُوحٍ هُمْ فَمَا بَالُ مَوْتهِمْ * عَلَى يَدِ طُوفَانٍ مِنَ المَاءِ سَاكِبِ
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ تمَثَّلتُ بِهِمَا في الزِّلزَالِ الَّذِي ضَرَبَ كَابُولَ فَأَهْلَكَ قُرَىً بِأَكْمَلِهَا:
أَكَابُولُ هَلْ حَانَ وَقتُ النُّشُورِ * وَزُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالهَا
وَهَلْ بَعَثَ اللهُ مَنْ في القُبُورِ * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثقَالهَا
أَمَّا الزَّلاَزِلُ فَمِن أَجْمَلِ وَأَرَقَّ مَا قِيلَ فِيهَا قَوْلُ الْقَائِل:
مَا زُلْزِلَتْ مِصْرُ مِنْ كَيْدٍ أُرِيدَ بِهَا * وَإِنَّمَا رَقَصَتْ مِنْ شِعْرِنَا طَرَبَا
[ ٥٢٩٦ ]
حَتىَّ دُوَارُ الْبَحْرِ فِيهِ أَجْر
عَن أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ ﵂ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال: " المَائِدُ في الْبَحْر - أَيْ رَاكِبُهُ - الَّذِي يُصِيبُهُ الْقَيْء: لَهُ أَجْرُ شَهِيد، وَالْغَرِق: لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْن " ٠
[حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ " بِرَقْم: ٢٤٩٣]
[ ٥٢٩٧ ]
فَضْلُ الصَّبرِ عَلَى جَارِ السَّوْء
عَن أَبي ذَرٍّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" ثَلاَثَةٌ يحِبُّهُمْ اللهُ ﷿، وَثَلاَثَةٌ يُبْغِضُهُمْ اللهُ ﷿ " ٠٠
قُلْتُ: مَنِ الثَّلاَثَةُ الَّذِينَ يحِبُّهُمْ اللهُ ﷿ ٠٠؟
قَالَ ﷺ: " رَجُلٌ غَزَا في سَبِيلِ الله، فَلَقِيَ العَدُوَّ مجَاهِدًَا محْتَسِبًَا، فَقَاتَلَ حَتىَّ قُتِل، وَأَنْتُمْ تجِدُونَ في كِتَابِ اللهِ ﷿:
﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًَّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوص﴾ ﴿الصَّف/٤﴾
وَرَجُلٌ لَهُ جَارٌ يُؤْذِيهِ فَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُ وَيحْتَسِبُه؛ حَتىَّ يَكْفِيَهُ اللهُ إِيَّاهُ بمَوْتٍ أَوْ حَيَاة ٠٠
[ ٥٢٩٨ ]
وَرَجُلٌ يَكُونُ مَعَ قَوْمٍ، فَيَسِيرُونَ حَتىَّ يَشُقَّ عَلَيْهِمُ الكَرَى أَوْ النُّعَاس: [أَيْ يَغْشَاهُمُ النُّعَاس وَيَغْلِبُهُمْ]، فَيَنْزِلُونَ في آخِرِ اللَّيْل؛ فَيَقُومُ إِلىَ وُضُوئِهِ وَصَلاَتِه ٠٠
قُلْتُ: مَنِ الثَّلاَثَةُ الَّذِينَ يُبْغِضُهُمْ الله ٠٠؟
قَالَ ﷺ: الفَخُورُ المُخْتَال، وَأَنْتُمْ تجِدُونَ في كِتَابِ اللهِ ﷿:
﴿إِنَّ اللهَ لاَ يحِبُّ كُلَّ مخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ﴿لُقْمَان/١٨﴾
وَالبَخِيلُ المَنَّان، وَالتَّاجِرُ وَالبَيَّاعُ الحَلاَّف " ٠
[صَحَّحَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٢١٣٤٠، وَصَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الجَامِعِ بِرَقْم: ٥٣٨٥، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَالحَاكِمُ وَاللَّفْظُ لَهُ]
[ ٥٢٩٩ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: " جَاءَ رَجُلٌ إِلىَ النَّبيِّ ﷺ يَشْكُو جَارَه؛ فَقَالَ ﷺ: " اذْهَبْ فَاصْبِرْ " ٠
فَأَتَاهُ مَرَّتَينِ أَوْ ثَلاَثًَا؛ فَقَالَ ﷺ:
" اذْهَبْ فَاطْرَحْ مَتَاعَكَ في الطَّرِيق " ٠
فَطَرَحَ مَتَاعَهُ في الطَّرِيق؛ فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَه؛ فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْعَنُونَهُ: فَعَلَ اللهُ بِهِ وَفَعَلَ وَفَعَل؛ فَجَاءَ إِلَيْهِ جَارُهُ فَقَالَ لَه: ارْجِعْ؛ لاَ تَرَى مِنيِّ شَيْئًَا تَكْرَهُه " ٠
[قَالَ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُد: حَسَنٌ صَحِيح ٠ ح / ر: ٥١٥٣]
[ ٥٣٠٠ ]
وَعَن أَبي جُحَيْفَةَ ﵁ قَال: " جَاءَ رَجُلٌ إِلىَ النَّبيِّ ﷺ يَشْكُو جَارَه؛ فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ: " اطْرَحْ مَتَاعَكَ في الطَّرِيق " ٠
فَجَعَلَ النَّاسُ يَمُرُّونَ بِهِ فَيَلْعَنُونَهُ - أَيْ يَلْعَنُونَ ذَلِكَ الجَارَ الجَائِر - فَجَاءَ إِلى النَّبيِّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُولَ الله؛ مَا لَقِيتُ مِنَ النَّاس - أَيْ مَا أَكْثَرَ مَا لَقِيتُ مِنَ النَّاس - قَالَ ﷺ: " وَمَا لَقِيتَهُ مِنهُمْ " ٠٠؟ قَالَ يَلْعَنُونَني؛ قَالَ ﷺ: " فَقَدْ لَعَنَكَ اللهُ قَبْلَ النَّاس " ٠
[قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الإِمَامِ مُسْلِم]
[ ٥٣٠١ ]
لَقَدْ لَقِيتُ في مِصْرَ عَذَابًَا مخْتَلِفًَا أَلْوَانُه، وَأًسْمِعْتُ مِنَ النَّاسِ أَذَىً كَثِيرَا؛ وَلِذَا كُنْتُ كَثِيرًَا مَا أُرَدِّدُ هَذَيْنِ البَيْتَين:
حَتىَّ مَتى يَا رَبِّ أَبْقَى هَكَذَا * وَأَظَلُّ أَحْتَمِلُ الأَذَى مِنْ ذَا وَذَا
قَوْمٌ لَوِ الشَّيْطَانُ أَبْصَرَ فِعْلَهُمْ * لاَحْتَاطَ خَوْفًَا مِنهُمُ وَتَعَوَّذَا
﴿يَاسِر الحَمَدَاني﴾
[ ٥٣٠٢ ]
المُصِيبَةُ في المَالِ وَالتِّجَارَة
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" لاَ يَزَالُ البَلاَءُ بِالمُؤْمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ في جَسَدِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِه: حَتىَّ يَلْقَى اللهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَة " [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الأَدَبِ المُفْرَدِ بِرَقْم: ٤٩٤، كَمَا صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٧٨٤٦]
[ ٥٣٠٣ ]
عَنْ لجْلاَجٍ العَامِرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ العَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِه؛ ابْتَلاَهُ اللهُ في جَسَدِه، أَوْ في مَالِه، أَوْ في وَلَدِه، ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِك؛ حَتىَّ يُبَلِّغَهُ المَنْزِلَةَ الَّتي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللهِ تَعَالى " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ " برَقْم: ٣٠٩٠]
[ ٥٣٠٤ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: " مَن أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ بِمَالِهِ أَوْ في نَفْسِه، فَكَتَمَهَا وَلَمْ يَشْكُهَا إِلىَ النَّاس؛ كَانَ حَقًَّا عَلَى اللهِ أَنْ يَغْفِرَ لَه " ٠ [وَثَّقَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَع " ص: (٢٥٦/ ١٠)، وَالحَدِيثُ رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيُّ في " الأَوْسَطِ " بِرَقْم: ٦٥٧٠]
وَقَالَ ثَابِت: أُصِيبَ عَبْدُ اللهِ بْن مُطَرِّف بمُصِيبَةٍ، فرَأَيْتُهُ أَحْسَنَ النَّاسِ عَزَاءً وَصَبرًَا؛ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَال: يَا أَبَا محَمَّد: أَتَأْمُرُني أَن أُرِيَ الشَّيطَانَ مِنْ نَفْسِي مَا يَسُرُّه ٠٠؟!
[ ٥٣٠٥ ]
وَاللهِ يَا أَبَا محَمَّد؛ لَوْ كَانَتْ ليَ الدُّنيَا كُلُّهَا، ثمَّ أَخَذَهَا اللهُ مِنيِّ، ثمَّ سَقَاني يَوْمَ القِيَامَةِ شَرْبَةَ مَاء؛ رَأَيْتُها ثمَنًَا لِتِلْكَ الشَّرْبَة " ٠
[ابْنُ القَيِّمِ في " عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِين " بِالبَابِ الخَامِسَ عَشَر]
وَقَدْ قِيلَ في المَأْثُورَات: " مَنْ بَلَغَ غَايَةَ مَا يحِبّ؛ فَليَتَوَقَّعْ غَايَةَ مَا يَكرَه "!!
أَلاَ تُرِيدُ أَنْ تَصْعَدَ المَلاَئِكَةُ إِلى بَارِئِهَا فَتَقُولَ لَه: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًَا نِعْمَ العَبْد؟
وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ مَعَك؛ أَلَيْسَ اللهُ مَعَ الصَّابِرِين ٠٠؟!
[ ٥٣٠٦ ]
كَانَ سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ يمُرُّ في طَرِيقِهِ بِعَبْدٍ صَالح، كَانَ كُلَّمَا مَرَّ بِهِ وَجَدَهُ يُصَلِّي، فَمَرَّ بِهِ يَوْمًَا فَوَجَدَهُ مُمَزَّقًَا كُلَّ مُمَزَّق؛ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَم: يَا رَبّ؛ عَبْدُكَ فُلاَنٌ تَتْرُكُهُ يحْدُثُ لَهُ هَذَا وَأَنْتَ تَسْمَعُ وَتَرَى ٠٠؟!
قَالَ جَلَّ جَلاَلُه: يَا مُوسَى؛ إِنَّهُ طَلَبَ مَنزِلَةً مَا كَانَ لِيُدْرِكَهَا بِغَيرِ هَذَا ٠٠!!
فَتَقَبَّلِ البَلاَءَ بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَكُلُّهُ تَكْفِيرٌ لِسَيِّئَاتِك ٠٠
[ ٥٣٠٧ ]
وَاصْنَعْ كَذَلِكَ الأَعْرَابيِّ الأَحْدَب، الَّذِي جِيءَ بِهِ لِيُجْلَد، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ المُؤمِنِين: وَاللهِ لأَضرِبَنَّكَ حَتىَّ يَزُولَ حَدَبُك - وَالحَدَبُ هُوَ انحِنَاءُ الظَّهْرِ وَتَقَوُّسُه - فَقَالَ لَهُ الأَعْرَابيّ: وَأَنَا وَاللهِ لأَصْبِرَنَّ صَبْرَ مَنْ يَرْجُو زَوَالَ حَدَبِه ٠
مُصِيبَةُ مَن أُكِلَ حَقُّه
[ ٥٣٠٨ ]
عَن خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ ﵁ قَال: كُنْتُ قَيْنًَا في الجَاهِلِيَّةِ - أَيْ حَدَّادًَا - وَكَانَ لي عَلَى العَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَرَاهِم؛ فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ فَقَال: لاَ أَقْضِيكَ حَتىَّ تَكْفُرَ بمُحَمَّد، فَقُلْتُ: لاَ وَاللهِ لاَ أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتىَّ يُمِيتَكَ اللهُ ثُمَّ يَبْعَثَك، قَالَ - عَلَيْهِ مِنَ اللهِ مَا يَسْتَحِقّ: فَدَعْني حَتىَّ أَمُوتَ ثُمَّ أُبْعَثَ فَأُوتَى مَالًا وَوَلَدًَا ثُمَّ أَقْضِيَك؛ فَنَزَلَتْ:
﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًَا ﴿٧٧﴾ أَطَّلَعَ الغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدَا ﴿٧٨﴾ كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَدَّا﴾ ﴿مَرْيم﴾
[ ٥٣٠٩ ]
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٢٤٢٥ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٧٩٥ / عَبْد البَاقِي]
قَالَ الأَحْنَفُ بْنُ قَيْس: " ثَلاَثَةٌ لاَ يَنْتَصِفُونَ مِنْ ثَلاَثَة: حَلِيمٌ مِن أَحْمَق، وَبَرٌّ مِنْ فَاجِر، وَشَرِيفٌ مِنْ دَنيء " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ البَيْهَقِيُّ في " شُعَبِ الإِيمَانِ " بِرَقْم: ٨٤٦٠]
مُصِيبَةُ فَقْدِ الشَّيْء
المَرْءُ يجْمَعُ وَالزَّمَانُ يُفَرِّقُ * وَيَظَلُّ يَرْقَعُ وَالخُطُوبُ تُمَزِّقُ
﴿صَالحُ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوس﴾
عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالى:
﴿وَإِنْ تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ ﴿البَقَرَة/٢٨٤﴾
[ ٥٣١٠ ]
وَعَنْ قَوْلِهِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًَا يُجْزَ بِهِ﴾ ﴿النِّسَاء/١٢٣﴾ ٠٠؟
فَقَالَتْ ﵂: مَا سَأَلَني عَنهَا أَحَدٌ مُنْذُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ؛ فَقَالَ ﷺ:
" هَذِهِ مُعَاتَبَةُ اللهِ العَبْدَ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنَ الحُمَّى وَالنَّكْبَة، حَتىَّ البِضَاعَةُ يَضَعُهَا في كُمِّ قَمِيصِهِ فَيَفْقِدُهَا فَيَفْزَعُ لَهَا؛ حَتىَّ إِنَّ العَبْدَ لَيَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا يخْرُجُ التِّبْرُ الأَحْمَرُ مِنَ الكِير " ٠ [ضَعَّفَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ " بِرَقْم: (٢٩٩١)، رَوَاهُ أَحْمَد ٠ الكَنْز: ٨٦٤٧]
سَمَاحَةُ الصَّالحِين
[ ٥٣١١ ]
فَلاَ تُضَيِّعْ وَقْتَكَ في البُكَاءِ عَلَى اللَّبَنِ المَسْكُوب؛ فَلَيْسَ كُلُّ مَا انْكَسَرَ يمْكِنُ إِصْلاَحُه ٠٠!!
يُرْوَى عَنْ بَعْضِ الصَّالحِينَ أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًَا وَفي كُمِّهِ صُرَّةٌ فَافْتَقَدَهَا، فَإِذَا هِيَ قَدْ أُخِذَتْ مِنْ كُمِّهِ فَقَال: بَارَكَ اللهُ لَهُ فِيهَا؛ لَعَلَّهُ أَحْوَجُ إِلَيْهَا مِنيِّ ٠٠!!
مِنْ نَوَادِرِ الشُّعَرَاءِ وَالأُدَبَاءِ في المَفْقُودَات
مِن أَظْرَفِ مَا قِيلَ في المَفْقُودَاتِ قَوْلُ شَاعِرِنَا الْعَظِيم / محْمُود غُنِيم؛ في سَاعَةٍ فُقِدَتْ مِنهُ، فَاسْتَخْدَمَ التَّوْرِيَةَ قَائِلًا:
يَا سَاعَةً مَا أَنْتِ أَوَّلَ سَاعَةٍ * ضَيَّعْتُهَا في أُولَيَاتِ حَيَاتي
مَا دُمْتُ ضَيَّعْتُ السِّنِينَ فَمَا أَنَا * بِمُعَاتِبٍ نَفْسِي عَلَى السَّاعَاتِ
﴿محْمُود غُنَيْم﴾
[ ٥٣١٢ ]
وَأَذْكُرُ أَنيِّ قَدْ ضَاعَتْ مِنيِّ مجْمُوعَةُ أَوْرَاقٍ مِنْ مُؤَلَّفَاتِي؛ فَكُنْتُ كُلَّمَا اشْتَدَّ إِلَيْهَا حَنِيني، وَأَعْيَاني الْبَحْثُ عَنهَا تَمَثَّلْتُ بِهَذِهِ الآيَةِ الْكَرِيمَة:
﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًَا مِنْهَا إِنَّا إِلى رَبِّنَا رَاغِبُون﴾ ﴿القَلَم/٣٢﴾
فَإِذَا مَا طَرَقَني طَارِقٌ مِنَ الجَزَعِ فَيَئِسْتُ مِنْ رُجُوعِهَا؛ قُلْتُ لِنَفْسِي: لاَ تهْتَمِّي وَلاَ تحْزَني ٠٠
فَمَنْ سَرَّهُ أَلاَ يَرَى مَا يَسُوئُهُ * فَلاَ يَتَّخِذْ شَيْئًَا يخَافُ لَهُ فَقْدَا
﴿ابْنُ الرُّومِي﴾
وَلَمْ أَزَلْ عَلَى أَمَل ٠٠
لَعَلَّ يَدَ الأَيَّامِ تجْمَعُ بَيْنَنَا * وَتَرْحَمُ أَكْبَادًَا تَكَادُ تَذُوبُ
﴿محَمَّدٌ الأَسْمَر﴾
[ ٥٣١٣ ]
وَكَثِيرًَا مَا كُنْتُ أَقُول: اللهُمَّ يَا مَنْ جَمَعْتَ بَينَ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ؛ اجْمَعْ بَيْني وَبَينَ مَا ضَاعَ مِنيِّ ٠
وَقَدْ يجْمَعُ اللهُ الشَّتِيتَينِ بَعْدَمَا * يَظُنَّانِ كُلَّ الظَّنِّ أَنْ لاَ تَلاَقِيَا
﴿قَيْسُ بْنُ المُلَوَّحِ الْعَامِرِيّ ٠ بِتَصَرُّف، بِاسْتِثْنَاءِ الْبَيْتِ الحَادِيَ عَشَرَ فَهُوَ لجَمِيل بُثَيْنَة﴾
وَهَذِهِ مُذَكِّرَاتٌ وَحَوَاشٍ كُنْتُ وَضَعْتُهَا عَلَى رِسَالَةِ قَطْرِ النَّدَى وَبَلِّ الصَّدَى لاَبْنِ هِشَام، جَاءَتْ إِلى بَيْتي بَعْضُ قُوَى الظُّلْمِ وَالطُّغْيَان، وَذَهَبُواْ بِهَا في خَبر كَان، وَكَأَنَّ سِيبَوَيْهِ وَابْنَ هِشَام؛ مِنَ المَطْلُوبِينَ أَوِ الهَارِبِينَ مِنَ الأَحْكَام ٠٠!!
[ ٥٣١٤ ]
فَكُنْتُ أَتَعَجَّبُ لِهَذِهِ الْعُقُول؛ وَأَتَمَثَّلُ بِهَذَا الْبَيْتِ وَأَقُول:
رُدُّواْ عَلَيَّ قَبِيحًَا عِنْدَكُمْ حَسَنًَا * عِنْدِي أَرَى مَا ازْدَرَيْتُمْ مِنهُ كُبَّارَا
﴿ابْنُ الرُّومِي﴾
﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَني بِهِمْ جَمِيعَا﴾ ﴿يُوسُف/٨٣﴾
﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِير﴾ ﴿الشُّورَى/٢٩﴾
[ ٥٣١٥ ]
الحَمْدُ للهِ الَّذِي رَدَّ عَلَيَّ ضَالَّتي
عَن أَبي القَاسِمِ بْنِ حُبَيْشٍ قَال: لَقَدْ جَرَتْ في هَذِهِ الدَّار - وَأَشَارَ إِلى دَارٍ قَرِيبَة - قِصَّةٌ عَجِيبَة، قَال: " كَانَ يَسْكُنُ في هَذِهِ الدَّارِ رَجُلٌ مِن التُّجَّار، مِمَّنْ يُسَافِرُ إِلى الكُوفَةِ في تجَارَةِ الخَزّ - أَيِ الحَرِير - فَاتَّفَقَ أَنْ جَعَلَ جَمِيعَ مَا مَعَهُ مِنَ الخَزِّ في خُرْج - أَيْ في كِيسَينِ مُتَدَلِّيَينِ عَلَى ظَهْرِ حِمَار - وَسَارَ مَعَ القَافِلَة، فَلَمَّا نَزَلَتِ القَافِلَة؛ أَرَادَ إِنْزَالَ الخُرْجِ عَنِ الحِمَار،
[ ٥٣١٦ ]
فَثَقُلَ عَلَيْه؛ فَأَمَرَ إِنْسَانًَا هُنَاكَ فَأَعَانَهُ عَلَى إِنْزَالِه، ثُمَّ جَلَسَ يَأْكُل، فَاسْتَدْعَى ذَلِكَ الإِنْسَانَ لِيَأْكُلَ مَعَه، فَسَأَلَهُ عَن أَمْرِه؛ فَأَخْبرَهُ أَنَّهُ مِن أَهْلِ الكُوفَة، وَأَنَّهُ خَرَجَ لحَاجَةٍ عَرَضَتْ لَهُ، بِغَيرِ زَادٍ وَلاَ نَفَقَة؛ فَقَالَ لَهُ الرَّجُل: أَنَاْ تَاجِرٌ مِنَ المَوْصِل، فَكُنْ رَفِيقِي؛ تَخْدُمُني وَآنَسُ بِكَ في طَرِيقِي، وَنَفَقَتُكَ وَمُؤْنَتُكَ عَلَيّ ٠٠؟
[ ٥٣١٧ ]
فَقَالَ لَهُ الرَّجُل: وَأَنَا أَيْضًَا أَخْتَارُ صُحْبَتَك، وَأَرْغَبُ في مُرَافَقَتِك؛ فَسَارَ مَعَه في سَفَرِهِ وَخَدَمَهُ أَحْسَنَ خِدْمَة، إِلىَ أَنْ وَصَلاَ إِلىَ تِكْرِيت، فَنزَلَتِ القَافِلَةُ خَارِجَ المَدِينَة، وَدَخَلَ النَّاسُ إِلى قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، فَقَالَ التَّاجِرُ لِذَلِكَ الرَّجُل: احْفَظْ حَوَائِجَنَا حَتىَّ أَدْخُلَ المَدِينَةَ وَأَشْتَرِيَ مَا نحْتَاجُ إِلَيْه،
[ ٥٣١٨ ]
ثُمَّ دَخَلَ المَدِينَةَ وَقَضَى جَمِيعَ حَوَائِجِه، ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يجِدِ القَافِلَةَ وَلاَ الْغُلاَم؛ فَظَنَّ أَنَّ الْغُلاَمَ رَحَلَ مَعَ القَافِلَة؛ فَلَمْ يَزَلْ يَسِيرُ وَيُجِدُّ في السَّيرِ إِلى أَن أَدْرَكَ القَافِلَةَ بَعْدَ جَهْدٍ عَظِيم، فَسَأَلهُمْ عَنْ صَاحِبِهِ فَقَالُواْ: مَا رَأَيْنَاهُ وَلاَ جَاءَ مَعَنَا، وَلَكِنَّهُ رَحَلَ عَلَى أَثَرِكَ حِينَ أَطَلْتَ المَغِيب، فَظَنَنَّا أَنَّكَ أَمَرْتَهُ بِذَلِك، فَكَرَّ الرَّجُلُ رَاجِعًَا إِلى تِكْرِيت، وَسَأَلَ عَنِ الرَّجُلِ فَلَمْ يجِدْ لَهُ أَثَرًَا، وَلاَ سَمِعَ لَهُ خَبرًَا، فَيَئِسَ مِنهُ وَرَجَعَ إِلىَ المَوْصِل - بَلَدِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ - مَسْلُوبَ المَال، وَصَلَهَا نهَارًَا فَقِيرًَا جَائِعًَا حَرَضًَا مِنْ شِدَّةِ الإِعْيَاء، فَاسْتَحَى أَنْ يَدْخُلَهَا نَهَارًَا فَيُشْمِتَ بِهِ
[ ٥٣١٩ ]
الأَعْدَاء ٠٠
وَلَقَدْ تَمُرُّ عَلَى الفَتى نَكَبَاتُهُ * فَتَهُونُ غَيْرَ شَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ
﴿ابْنُ أَبي عُيَيْنَة﴾
فَاسْتَخْفَى إِلىَ اللَّيْلِ ثُمَّ عَادَ إِلىَ دَارِهِ في الدُّجَى؛ لِئَلاَّ يَسُوءَ الصَّدِيقَ أَوْ يَسُرَّ الْعِدَى ٠٠
فَطَرَقَ البَابَ فَقِيلَ مَن هَذَا ٠٠؟
[ ٥٣٢٠ ]
قَالَ فُلاَن - يَعْني نَفْسَه - فَأَظْهَرُواْ لَهُ سُرُورًَا عَظِيمًَا وَحَاجَةً إِلَيْه، وَقَالُواْ الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَاءَ بِكَ في هَذَا الوَقْت؛ فَإِنَّكَ أَخَذْتَ مَالَكَ مَعَكَ وَمَا تَرَكْتَ لَنَا نَفَقَةً كَافِيَة، وَأَطَلْتَ سَفَرَكَ وَاحْتَجْنَا إِلى مَالٍ فَلَمْ نجِدْ، وَقَدْ وَضَعَتِ امْرَأَتُكَ اللَّيْلَة، وَاللهِ مَا وَجَدْنَا مَا نَشْتَرِي بِهِ شَيْئًَا لِلنُّفَسَاء، فَأْتِنَا بِدَقِيقٍ وَدُهْنٍ نُسْرِجُ بِه، فَإِنَّهُ لاَ سِرَاجَ عِنْدَنَا، فَلَمَّا أَنْ سَمِعَ ذَلِكَ ازْدَادَ غَمَّا عَلَى غَمّ، وَكَرِهَ أَنْ يخْبرَهُمْ بحَالِهِ فَيُحْزِنهُمْ بِذَلِك، فَأَخَذَ وِعَاءً لِلدُّهْنِ وَوِعَاءً لِلدَّقِيق، وَخَرَجَ إِلى حَانُوتٍ أَمَامَ دَارِه، وَكَانَ فِيهِ رَجُلٌ يَبِيعُ الدَّقِيقَ وَالزَّيْتَ وَالعَسَل، وَكَانَ التَّاجِرُ قَدْ أَطْفَأَ
[ ٥٣٢١ ]
سِرَاجَهُ وَأَغْلَقَ حَانُوتَهُ وَنَام، فَنَادَاهُ فَعَرَفَه، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَانَقَهُ وَحَمِدَ اللهَ عَلَى سَلاَمَتِه، فَقَالَ لَهُ افْتَحْ حَانُوتَكَ وَأَعْطِنَا مَا نحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ دَقِيقٍ وَعَسَلٍ وَدُهْن، فَنزَلَ البَائِعُ إِلى حَانُوتِهِ وَأَوْقَدَ المِصْبَاحَ وَوَقَفَ يَكِيلُ لَهُ مَا طَلَبَ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ حَانَتْ مِنَ التَّاجِرِ التِفَاتَةٌ في الحَانُوت، فَرَأَى خُرْجَهُ الَّذِي هَرَبَ بِهِ خَادِمُه؛ فَلَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ أَنْ وَثَبَ إِلَيْهِ وَالتَزَمَهُ وَقَال: ادْفَعْ إِليَّ مَالي يَا عَدُوَّ الله، فَقَالَ لَهُ التَّاجِر: مَا هَذَا يَا فُلاَن ٠٠؟!
[ ٥٣٢٢ ]
قَالَ هَذَا خُرْجِي، هَرَبَ بِهِ خَادِمِي وَأَخَذَ حِمَارِي وَجَمِيعَ مَالي، فَقَالَ التَّاجِر: وَاللهِ مَا لي بِذَلِكَ مِن عِلْم، غَيرَ أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَيَّ بَعْدَ العِشَاء؛ يَشْتَرِي مِنيِّ الْعَشَاء، وَأَعْطَاني هَذَا الخُرْجَ فَجَعَلْتُهُ في حَانُوتي وَدِيعَةً إِلى أَنْ يُصْبِح، وَالحِمَارُ في دَارِي وَالرَّجُلُ في المَسْجِدِ نَائِم،
فَحَمَلاَ الخُرْجَ وَمَضَيَا إِلىَ الرَّجُل، فَإِذَا الرَّجُلُ نَائِمٌ في المَسْجِد، فَوَكَزَهُ التَّاجِرُ المَوْصِلِيُّ صَاحِبُ المَالِ بِرِجْلِهِ، فَقَامَ الرَّجُلُ فَزِعًَا، فقال لَهُ التَّاجِرُ المَوْصِلِيّ: أَيْنَ مَالي يَا خَائِن ٠٠؟
قَالَ هَا هُوَ في خُرْجِك، وَاللهِ مَا أَخَذْتُ مِنهُ خَرْدَلَة، قَالَ فَأَيْنَ الحِمَارُ وَآلَتُه ٠٠؟
[ ٥٣٢٣ ]
قَالَ هُوَ عِنْدَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي مَعَكَ، فَسَأَلَهُ التَّاجِرُ أَيْنَ كُنْت ٠٠؟!
[ ٥٣٢٤ ]
فَقَالَ الرَّجُل: قَدِ انْتَظَرْتُكَ طَوِيلًا فَلَمْ تَجِئْ، حَتىَّ هَمَّتِ القَافِلَةُ بِالمَسِير، فَاسْتَأْذَنْتُهُمْ أَن أَنْطَلِقَ في أَثَرِكَ فَلَمْ أَعْثُرْ عَلَيْك، ثُمَّ نَظَرْتُ فَإِذَا القَافِلَةُ قَدْ سَارَتْ؛ فَعُدْتُ أَدْرَاجِيَ حَتىَّ أُؤَدِّيَ الأَمَانَةَ إِلى أَهْلِ بَيْتِك، فَوَصَلْتُ إِلى المَوْصِلِ في ظُلْمَةِ اللَّيْل، فَقُلْتُ أَنَامُ في المَسْجِدِ إِلى الصُّبْحِ ثُمَّ أَمْضِي لأَهْلِ بَيْتِك ٠٠ فَعَفَا عَنهُ التَّاجِرُ المَوْصِلِيُّ وَخَلَّى سَبِيلَه، ثمَّ مَضَى بخُرْجِهِ إِلى دَارِهِ؛ فَوَجَدَ مَتَاعَهُ سَالِمًَا، فَوَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ وَأَخْبرَهُمْ بِقِصَّتِهِ؛ فَازْدَادُواْ سُرُورًَا وَفَرَحًَا، وَتَبرَّكُواْ بِذَلِكَ المَوْلُود، فَسُبْحَانَ مَنْ لاَ يَخِيبُ قَاصِدًه، وَلاَ يَنْسَى مَنْ يَعْبُدُه ٠٠!!
[ ٥٣٢٥ ]
[الأَبْشِيهِيُّ في كِتَابِ " المُسْتَطْرَفِ في كُلِّ فَنٍّ مُسْتَظْرَف " بِالبَابِ السَّابِعِ وَالخَمْسِين: بَابِ اليُسْرِ بَعْدَ العُسْرِ بِتَصَرُّفٍ يَسِير]
سُبْحَانَ مَنْ بَدَّلَ حُسْنًَا بَعْدَ سُوء
حَكَى أَبُو بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيُّ في كِتَابِهِ " سِرَاجِ المُلُوكِ " عَن أَحَدِ الصَّالحِينَ قَال:
[ ٥٣٢٦ ]
" كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى الشَّيْخِ أَبي حَفْصٍ جُزْءً امِنَ الحَدِيث، في حَانُوتِ رَجُلٍ عَطَّار، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ مَعَهُ في الحَانُوت؛ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الطَّوَّافِين، مِمَّنْ يَبِيعُ العِطْرَ في طَبَقٍ يحْمِلُهُ عَلَى يَدِه، فَدَفَعَ إِلَيْهِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ وَقَالَ لَه: أَعْطِني بهَا أَشْيَاءَ سَمَّاهَا لَهُ مِنَ العِطْر، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا فَأَخَذَهَا، ثُمَّ هَمَّ العَطَّارُ بِالقِيَامِ لِشَأْنِه؛ فَسَقَطَ الطَّبَقُ مِنْ يَدِهِ فَانْسَكَبَ جَمِيعُ مَا فِيه، فَبَكَى وَجَزِعَ حَتىَّ رَحِمْنَاه؛ فَقَالَ أَبُو حَفْصٍ لِصَاحِبِ الحَانُوت: لَعَلَّكَ تُعِينُهُ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الأَشْيَاء ٠٠؟
[ ٥٣٢٧ ]
فَقَالَ سَمْعًَا وَطَاعَة، فَنزَلَ وَأَعْطَى الرَّجُلَ الطَّوَّافَ مَا قَدَرَ عَلَيْه، وَأَقْبَلَ الشَّيْخُ عَلَيْهِ يُصَبِّرُهُ وَيَقُولُ لَه: لاَ تَجْزَعْ، إِنَّ أَمْرَ الدُّنيَا أَيْسَرُ مِنْ ذَلِك، فَقَالَ الطَّوَّاف: أَيُّهَا الشَّيْخ؛
[ ٥٣٢٨ ]
لَيْسَ جَزَعِي لِضَيَاعِ مَا ضَاع، لَقَدْ عَلِمَ اللهُ جَلَّ جَلاَلُهُ أَنيِّ كُنْتُ في القَافِلَةِ الفُلاَنِيَّة، فَضَاعَ لي هِمْيَانٌ فِيهِ أَرْبَعَةُ آلاَفِ دِينَار، وَمَعَهَا فُصُوصٌ قِيمَتُهَا كَذَلِكَ فَمَا جَزِعْت؛ حَيْثُ كَانَ لَدَيَّ مِنْ رَأْسِ المَالِ مَا يَصْلُحُ بِهِ حَالي، وَأُنْفِقُ مِنهُ عَلَى عِيَالي، وَلَكِنْ وُلِدَ لي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَلَد، فَاحْتَجْنَا لأُمِّهِ مَا يُحْتَاجُ لِلنُّفَسَاء، وَلَمْ يَكُن عِنْدِي بَعْدَ ذَهَابِ تجَارَتي غَيرُ مِاْئَةِ دِرْهَم، فَخَشِيتُ أَن أَشْتَرِيَ بهَا حَاجَةَ النُّفَسَاءِ فَأَبْقَى بِلاَ رَأْسِ مَال، وَأَنَا قَدْ صِرْتُ شَيْخًَا كَبِيرًَا لاَ أَقْدِرُ عَلَى الكَسْب؛
[ ٥٣٢٩ ]
فَقُلْتُ في نَفْسِي: أَشْتَرِي بِهَا شَيْئًَا مِنَ العِطْر، فَأَطُوفُ بِهِ صَدْرَ النَّهَارِ عَسَى أَنْ يُرْبحَني اللهُ شَيْئًَا أَسُدُّ بِهِ حَاجَتي، وَأُنْفِقُ مِنهُ عَلَى زَوْجَتي، وَيَبْقَى رَأْسُ المَالِ كَمَا هُوَ، فَاشْتَرَيْتُ هَذَا العِطْر، فَحِينَ انْسَكَبَ الطَّبَقُ عَلِمْتُ أَنَّه لَمْ يَبْقَ لي إِلاَ الفِرَارُ مِنهُم؛ فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَدَّى إِلى جَزَعِي، وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الجُنْدِ جَالِسًَا إِلى جَانِبي يَسْمَعُ الحَدِيث، فَقَالَ لأَبي حَفْص: يَا سَيِّدِي، أُرِيدُ أَنْ تَأْتيَ بهَذَا الرَّجُلِ إِلى مَنزِلي، فَأَتَيْنَاهُ فَأَدْخَلَنَاهُ إِلى مَنزِلِه، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الطَّوَّافِ وَقَالَ لَه: عَجِبْتُ مِنْ جَزَعِك ٠٠؟!
فَأَعَادَ عَلَيْهِ القِصَّة، فَقَالَ لَهُ الجُنْدِيّ: وَكُنْتَ في تِلْكَ القَافِلَة ٠٠؟
[ ٥٣٣٠ ]
قَالَ نَعَمْ، وَكَانَ مَعِي فِيهَا فُلاَنٌ وَفُلاَن، فَعَلِمَ الجُنْدِيُّ صِحَّةَ قَوْلِهِ فَقَالَ لَهُ: وَمَا عَلاَمَةُ هِمْيَانِك؟
وَفي أَيِّ مَوْضِعٍ سَقَطَ مِنْك ٠٠؟
فَوَصَفَ لَهُ المَكَانَ وَالعَلاَمَة، فَقَالَ لَهُ الجُنْدِيّ: إِذَا رَأَيْتَهُ تَعْرِفُه ٠٠؟
[ ٥٣٣١ ]
قَالَ نَعَمْ، فَأَخْرَجَ الجُنْدِيُّ لَهُ هِمْيَانًَا وَوَضَعَهُ بَينَ يَدَيْه، فَصَاحَ الشَّيْخُ حِينَ رَآهُ وَقَال: هَذَا هِمْيَاني وَاللهِ، وَعَلاَمَةُ صِحَّةِ قَوْلي؛ أَنَّ فِيهِ مِنَ الفُصُوصِ كَيْتَ وَكَيْت، فَفَتَحُواْ الهِمْيَانَ فَوَجَدُوهُ كَمَا ذَكَر، فَسَجَدَ الرَّجُلُ للهِ شُكْرًَا، ثمَّ قَامَ فَقَبَّلَ رَأْسَ الجُنْدِيِّ وَشَكَرَهُ عَلَى أَمَانَتِه، وَعَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضَ المَالِ فَقَال: خُذْ مَالَكَ بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيه، فَقَالَ الطَّوَّاف: إِنَّ هَذِهِ الفُصُوصَ قِيمَتُهَا مِثْلُ الدَّنَانِيرِ وَأَكْثَر، فَخُذْهَا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ بِذَلِك ٠٠؟
[ ٥٣٣٢ ]
فَقَالَ الجُنْدِيّ: مَا كُنْتُ لآخُذَ عَلَى أَمَانَتي أَجْرًَا، وَلَقَدْ تحَسَّسْتُ الأَخْبَار؛ رَجَاءَ أَن أَسْمَعَ مَنْ يُنْشُدُهَا فَلَمْ أَجِدْ، فَتَرَكْتُهَا كَمَا هِيَ حَتىَّ يَأْتيَ صَاحِبُهَا، وَهَا أَنْتَ ذَا قَدْ أَتَيْت، وَأَبى أَنْ يَأْخُذَ شَيْئَا، فَأَخَذَ الطَّوَّافُ هِمْيَانَهُ وَمَضَى، وَهُوَ في غَايَةِ السُّرُورِ وَالرِّضَى، فَسُبْحَانَ الله ٠٠ دَخَلَ الطَّوَّافُ وَهُوَ مِنَ الفُقَرَاءِ المَسَاكِين، وَخَرَجَ وَهُوَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ المَتْرَفِين "٠
[الأَبْشِيهِيُّ في كِتَابِ " المُسْتَطْرَف " بِشَيْءٍ مِنَ التَّصَرُّف، البَابُ السَّابِعُ وَالخَمْسُون: بَابِ اليُسْرِ بَعْدَ العُسْرِ]
مُصِيبَةُ العَزْل
[ ٥٣٣٣ ]
مِن أَطْرَفِ مَا قِيلَ في الْعَزْلِ قَوْلُهُمْ في رَجُلٍ صَالحٍ كَانَ بَارًَّا بِالنَّاسِ قَاضِيًَا لحَوَائِجِهِمْ، فَعَزَلُوهُ وَجَاءُ واْ كَالعَادَةِ بِرَجُلِ سَوْء، فَنَدِمَ عَلَيْهِ أَحَدُ الأُدَبَاءِ الَّذِينَ كَانَ يحْسِنُ إِلَيْهِمْ فَقَال:
رَاحَ الَّذِي كُنَّا نَعِيشُ بِفَضْلِهِ بَيْنَ الوَرَىرَ
وَأَتَى الَّذِينَ حَيَاتُهُمْ وَوُجُودُهُمْ مِثْلُ الخَرَا
مُصِيبَةُ رَفْضِ الشَّابِّ عِنْدَ التَّقَدُّمِ لخِطْبَةِ فَتَاة
الحُبُّ أَعْظَمُ مَا يُبْلَى بِهِ الرَّجُلُ * وَالشِّعْرُ عَوْنٌ لِمَنْ ضَاقَتْ بِهِ الحِيَلُ
﴿الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ بِتَصَرُّف﴾
[ ٥٣٣٤ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ قَال:
" تُوُفِّيَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ﵁ وَتَرَكَ ابْنَةً لَهُ مِن خُوَيْلَةَ بِنْتِ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الأَوْقَصِ ﵂، وَأَوْصَى إِلى أَخِيهِ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ ﵁، وَهُمَا خَالاَي، فَمَضَيْتُ إِلى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ ﵁ أَخْطُبُ ابْنَةَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ ﵁؛ فَزَوَّجَنِيهَا، وَدَخَلَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَة - يَعْني إِلى أُمِّهَا - فَأَرْغَبَهَا في المَالِ فَحَطَّتْ إِلَيْه، وَحَطَّتِ الجَارِيَةُ إِلى هَوَى أُمِّهَا؛ فَأَبَيَا - أَيْ رَفَضَا خِطْبَتي - حَتىَّ ارْتَفَعَ أَمْرُهُمَا إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَقَالَ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُون: يَا رَسُولَ الله؛ ابْنَةُ أَخِي أَوْصَى بِهَا إِلَيّ، فَزَوَّجْتُهَا ابْنَ عَمَّتِهَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵁، فَلَمْ أُقَصِّرْ بِهَا في الصَّلاَحِ وَلاَ في الكَفَاءة، وَلَكِنَّهَا امْرَأَة - أَيْ نَاقِصَةُ عَقْل - وَإِنَّمَا حَطَّتْ إِلى هَوَى أُمِّهَا؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
" هِيَ يَتِيمَةٌ وَلاَ تُنْكَحُ إِلاَّ بِإِذْنِهَا " ٠
فَانْتُزِعَتْ وَاللهِ مِنيِّ بَعْدَ أَنْ مَلَكْتُهَا، فَزَوَّجُوهَا المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَة " ٠
[صَحَّحَهُ أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٦١٣٦، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَد، وَالحَاكِمُ بِاخْتِصَارٍ وَقَالَ فِيهِ الذَّهَبيّ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين]
[ ٥٣٣٥ ]
لَقَدْ سَعَيْتُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ لِلزَّوَاجِ مِنْ فَتَاةٍ أَحْبَبْتُهَا حُبًَّا جَمًَّا وَتَمَنَّيْتُهَا لِنَفْسِي؛ فَلَمْ يُقَدَّرْ لي ذَلِك، وَحِيلَ بَيْني وَبَينَ مَا أَتَمَنَّاه؛ وَالحَمْدُ للهِ الَّذِي لاَ يُحْمَدُ عَلَى مَكْرُوهٍ سِوَاه ٠٠!!
وَلأَنَّ مَنْ رَأَى بَلْوَى غَيرِهِ هَانَتْ عَلَيْهِ بَلْوَاه؛ قَرَّرْتُ أَخِيرًَا بَعْدَمَا تَرَدَّدْتُ كَثِيرًَا أَن أَذْكُرَ قِصَّتي؛ عَلَّهَا تُهَوِّنُ عَلَى مَنِ اسْتَبَدَّتْ بِهِ الأَحْزَان، وَأَفْضَى بِهِ الأَمْرُ إِلى الحِرْمَان؛ فَيَجِدَ فِيهَا السُّلْوَان:
ـ أَمَّا البِنْتُ الأُولى: فَكَانَتْ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا السِّعْدَة، بِمَرْكَزِ فَاقُّوسٍ بمُحَافَظَةِ الشَّرْقِيَّة:
تِلْكَ الفَتَاةُ تَرَبَّعَتْ عَلَى عَرْشِ قَلْبي، وَكُلَّمَا قُلْتُ أَنْسَاهَا تجَدَّدَتْ ذِكْرَاهَا ٠٠!!
[ ٥٣٣٦ ]
لاَ أَقُولُ أَنهَا كَانَتْ فَاتِنَة، إِلاَّ أَنِّي عَلَى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْتُ فَتَاةً مِثْلَهَا، لَمْ تُعْجِبْني أَوَّلَ مَا رَأَيْتُهَا، وَلَكِنْ بَدَأَ التَّحَوُّلُ حِينَمَا ذَهَبْتُ لِرُؤْيَتِهَا وَسَمِعْتُ كَلاَمَهَا، أَدَبٌ جَمّ، وَاتِّزَانٌ تَامّ، وَهُدُوءٌ لاَ نَظِيرَ لَهُ، فَهِمْتُ بِهَا وَأَحْبَبْتُهَا حُبًَّا شَدِيدًَا؛ وَلِذَا عِنْدَمَا بَلَغَني تَرَدُّدُ أَهْلِهَا بَعْدَ مُوَافَقَتِهَا حَزِنْتُ حُزْنًَا شَدِيدًَا، وَعِنْدَمَا قَالَ ليَ الصَّدِيقُ الوَسِيطُ لَدَيَّ أَجْمَلُ مِنهَا؛ قُلْتُ لَهُ: قَدْ يُوجَدُ أَجْمَلُ مِنهَا، أَمَّا أَكْثَرُ مِنهَا اتِّزَانًَا وَرَزَانَةً فَلاَ أَظُنّ، ثُمَّ انْتَهَى الأَمْرُ إِلى عَدَمِ مُوَافَقَتِهَا؛ فَقُلْتُ:
[ ٥٣٣٧ ]
﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًَا مِنْهَا إِنَّا إِلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ ﴿القَلَم: ٣٢﴾
اللهُمَّ أْجُرْني خَيرًَا في مُصِيبَتي فِيهَا وَاخْلُفْ لي خَيرًَا مِنهَا ٠٠!!
يَبْدُو أَنَّ الْوَقَارَ وَالاَتِّزَانَ لَيْسَا كُلَّ شَيْءٍ في الفَتَاة، وَأَنَّ رَزَانَةَ القَوْل؛ لاَ تَعْني حِكْمَةَ العَقْل، وَأَنَّ الأَهْلَ وَالأَصْل؛ يَلْعَبَانِ دَوْرًَا كَبِيرًَا في اخْتِيَارِ الفَتَاة ٠٠
ـ أَمَّا البِنْتُ الثَّانِيَة: فَكَانَتْ مِنْ " مُطُول " بمَرْكَزِ إِطْسَا محَافَظَةِ الفَيُّوم، أَحْبَبْتُهَا حُبًَّا جَمًَّا، وَلَمَّا عَلِمَتْ هِيَ أَنيِّ تَقَدَّمْتُ إِلى وَالِدِهَا وَرَفَض؛ سَاءهَا ذَلِكَ وَقَالَتْ: لِمَ رَدَّهُ أَبي ٠٠؟!
[ ٥٣٣٨ ]
وَحَاوَلْتُ مَرَّةً أُخْرَى دُونَ جَدْوَى، وَكَانَ السَّبَب: لَمْ تُعْجِبْهُ غُرْفَةُ النَّوْم؛ حَيْثُ اشْتَرَتْ لي وَالِدَتي غُرْفَةً مُسْتَعْمَلَةً فَأَصْلَحْتُهَا وَطَلَيْتُهَا طِلاَءً حَسَنًَا، وَلَمْ يَكُنْ بِاسْتِطَاعَتي شِرَاءُ غُرْفَةٍ جَدِيدَة؛ فَضَاعَتْ مِنيِّ وَتَزَوَّجَهَا غَيرِي ٠٠!!
لَمْ يُخْطِئْ وَاللهِ سَمِيرٌ الْقَاضِي / الشَّاعِرُ المَشْهُور؛ عِنْدَمَا قَالَ مُنَدِّدًَا بِغَلاَءِ المُهُور:
أُحِبُّ أَنَا لَيْلَى وَلَيْلَى تحِبُّني * وَلَكِن أَبُو لَيْلَى عَنِيدٌ وَمُفْتَرِ
فَيَطْلُبُ مَهْرًَا لاَ سَبِيلَ لِدَفْعِهِ * وَيَقْصِمُ ظَهْرِي عِنْدَ ذِكْرِ المُؤَخَّرِ
أَيَرْفُضُني عَمِّي لأَنِّي مُوَظَّفٌ * وَأُنْفِقُ أَمْوَالي عَلَى حُسْنِ مَظْهَرِي
وَعَمِّيَ جَزَّارٌ وَيَمْلِكُ مَطْعَمًَا * وَيَأْكُلُ بُفْتِيكًَا وَيَأْكُلُ جَمْبرِيِ
[ ٥٣٣٩ ]
يَقِيسُ نجَاحَ المَرْءِ بِالمَالِ وَحْدَهُ * وَلَوْ جَمَعَ الأَمْوَالَ مِن أَيِّ مَصْدَرِ
أَيَهْزَأُ بي عَمِّي وَيَكْرَهُ سِيرَتي * وَيَبْحَثُ عَنْ زَوْجٍ ثَرِيٍّ وَفَنْجَرِي
وَقَدْ قَالَ إِنيِّ لَسْتُ أَمْلِكُ مَنْزِلًا * وَأَسْكُنُ في بَيْتٍ قَدِيمٍ مُؤَجَّرِ
وَلاَ أَحْمِلُ المحْمُولَ كَالنَّاسِ في يَدِي * وَلاَ مَالَ عِنْدِي كَيْ أَبِيعَ وَأَشْتَرِيرِ
وَيَزْعُمُ عَمِّي أَنَّني صِرْتُ صَائِعًَا * وَيَغْضَبُ جِدًَّا عِنْدَ رُؤْيَةِ مَنْظَرِيرِ
تجَاهَلَ أَخْلاَقِي وَعِلْمِي وَحِكْمَتي * وَقَالَ بِأَنيِّ فَاشِلٌ غَيرُ عَبْقَرِيرِ
وَمَا كَانَ مِنهُمْ بَعْدَ طُولِ تَرَدُّدِي * سِوَى أَنَّ لَيْلَى زَوَّجُوهَا لِسَمْكَرِيرِ
ـ وَالثَّالِثَةُ كَانَتْ مِنْ بَني سوِيف، ظَلَّ أَبُوهَا يُعْطِيني الأَمَلَ حَتىَّ قَضَى حَاجَتَهُ وَلَمْ يَقْضِ حَاجَتي ٠
[ ٥٣٤٠ ]
ـ وَالرَّابِعَةُ رَأَيْتُهَا فَأَعْجَبَتْني وَأَعْجَبَني هُدُوؤُهَا، فَسَأَلْتُ عَنهَا قَدْرَ مَا أَمْكَنَني فَأَرْضَاني مَا سَمِعْت، وَالِدُهَا إِنْسَانٌ مُتَدَيِّن، إِلاَّ أَنَّهُ رَفَضَ سَامحَهُ اللهُ بِدُونِ أَنْ يُبْدِيَ أَسْبَابَ الرَّفْض ٠
[ ٥٣٤١ ]
ـ أَمَّا الخَامِسَةُ فَكَانَتْ تمُرُّ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ في مَكَانِ عَمَلِي لِقُرْبِهِ مِنْ مَكَانِ عَمَلِهَا، رَأَيْتُهَا فَأَعْجَبَني جَمَالُهَا وَسَيْرُهَا، ثُمَّ اخْتَفَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمْ أَدْرِ أَيْنَ ذَهَبَتْ، حَتىَّ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ فَرَأَيْتُهَا وَعَرَفْتُ مَكَانَ عَمَلِهَا، وَأَرَدْتُ التَّقَدُّمَ إِلَيْهَا، إِلاَّ أَنيِّ لَمْ أَجِدْ مَنْ يُمَهِّدُ لي، لاَ سِيَّمَا أَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ في مَكَانٍ حَسَّاس، لَيْتَني وَجَدْتُ عَلَى الخَيرِ أَعْوَانًَا كَمَا يجِدُ غَيرِي عَلَى الشَّرِّ أَعْوَانَا ٠٠!!
[ ٥٣٤٢ ]
ـ أَمَّا السَّادِسَةُ فَكَانَتْ مِن عِزْبَة رَحِيل، بمَرْكَز أَبشِوَايَ بمحَافَظَةِ الفَيُّوم: وَوَافَقَتْ عَلَى الزَّوَاجِ وَوَافَقَ أَهْلُهَا، إِلاَّ أَنَّ أُمَّهَا سَامحَهَا اللهُ رَفَضَتْ ذَهَابهَا إِلى القَاهِرَة؛ فَانْتَهَتْ فِكْرَةُ الزَّوَاجِ إِلى لاَ شَيْء!!
ـ أَمَّا السَّابِعَةُ فَكَانَتْ تِلْمِيذَةً مَعِي في مَدْرَسَة " نَبِيلِ الوَقَّادِ الاِبْتِدَائِيَّة " ٠
[ ٥٣٤٣ ]
كَانَ يجْمَعُنَا كُلَّ يَوْمٍ طَرِيقٌ وَاحِد، كَمَا جَمَعَتْنَا مَدْرَسَةٌ وَاحِدَة، كَانَتْ تَأْلَفُني لِدَرَجَةِ أَنهَا كَانَتْ تَكْتُبُ بِالطَّبَاشِيرِ اسْمِي عَلَى جُدْرَانِ الطَّرِيق، وَكُنْتُ أُحِبُّهَا لِدَرَجَةِ أَنِّي لَمْ أَنْسَ وَقَدْ مَرَّ عَلَى افْتِرَاقِنَا أَكْثَرُ مِن أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَة؛ رَائِحَةَ المَنَادِيلِ الَّتي كَانَتْ تحِبُّهَا، رَأَيْتُهَا مُنْذُ عَامَينِ وَقَدْ كَبرَتْ، إِلاَّ أَنَّهَا كَانَتْ بِرُفْقَةِ صَدِيقَاتِهَا فَاسْتَحْيَيْتُ أَن أُحَدِّثَهَا، وَعَلَى الرَّغْمِ مِن عَدَمِ تَأَكُّدِي مِنهَا؛ إِلاَّ أَنيِّ ظَلَلْتُ أَتَرَدَّدُ عَلَى ذَلِكَ المَكَانِ أَكْثرَ مِن عِشْرِينَ مَرَّة؛ طَمَعًَا في رُؤْيَتِهَا فَلَمْ أَرَهَا ٠
ـ أَمَّا الثَّامِنَةُ وَالأَخِيرَة: فَقَدْ كَانَتْ مِنْ مَرْكَز أَشْمُون بِمُحَافَظَةِ المُنُوفِيَّة:
[ ٥٣٤٤ ]
كَانَ ظُهُورُهَا في حَيَاتي بمَحْضِ الصُّدْفَة، حَيْثُ كُنْتُ هُنَاكَ بِصَدَدِ البَحْثِ عَن عَرُوسٍ فَلَمْ أُوَفَّقْ، وَبَيْنَمَا أَنَا بِسَبِيلِ التَّأَهُّبِ لِلرَّحِيلِ إِذْ بَصُرْتُ بهَا فَوَقَعَتْ في قَلْبي؛ فَسَأَلْتُ عَنهَا ٠٠؟
فَقِيلَ لي إِنَّهَا مخْطُوبَة، فَعُدْتُ إِلى أَهْلِي بِالقَاهِرَةِ وَحَاوَلْتُ أَن أَتَنَاسَاهَا وَلَكِنْ دُونَ فَائِدَة، وَكُنْتُ أَسْأَلُ بَينَ الحِينِ وَالحِينِ عَن أَخْبَارِهَا ٠٠
لَعَلَّ يَدَ الأَيَّامِ تجْمَعُ بَيْنَنَا * وَتَرْحَمُ أَكْبَادًَا تَكَادُ تَذُوبُ
﴿محَمَّدٌ الأَسْمَر﴾
حَتىَّ بَدَأْتُ الاَنْشِغَالَ بِطَبْعِ أُولَيَاتِ مُؤَلَّفَاتي، وَمَرَّ بي مِنَ الشُّهُورِ مَا مَرّ، ثمَّ سَأَلْتُ عَنهَا ٠٠؟
[ ٥٣٤٥ ]
فَقِيلَ لي: لَقَدْ فُسِخَتْ خِطْبَتُهَا مُنْذُ أَسَابِيع، فَأَخَذْتُ وَالِدَتي وَسَافَرْنَا في أَوَّلِ قِطَار، وَمَا أَن هَبَطَتْ أَقْدَامُنَا أَرْضَ القَرْيَةِ حَتىَّ سَأَلْنَا عَن أَخْبَارِهَا ٠٠؟
فَقِيلَ لَنَا: لَقَدْ خُطِبَتْ يَوْمَ الخَمِيسِ المَاضِي ٠٠!!
فَعُدْتُ في حَالٍ يُرْثَى لهَا، وَكَمَا أَنَّ أَحْلَى الرَّجَاءِ الرَّجَاءُ بَعْدَ اليَأْس؛ فَأَمَرُّ اليَأْسِ اليَأْسُ بَعْدَ الرَّجَاء!!
ثمَّ عَلِمْنَا بَعْدَ ذَلِكَ بِانْفِسَاخِ تِلْكَ الخِطْبَةِ الأَخِيرَة - حَيْثُ كَانَتْ هَدَاهَا اللهُ لاَ يُعْجِبُهَا أَحَد - فَطَلَبْتُهَا مِنْ وَالِدِهَا؛ فَطَلَبَ إِمْهَالَهُ فَتْرَة؛ ثُمَّ كَانَ الرَّفْضُ الَّذِي يُقَطِّعُ الْفُؤَاد، وَيُمَزِّقُ الأَكْبَاد ٠٠
[ ٥٣٤٦ ]
وَالشَّاعِرُ وَحْدَهُ دُونًَا عَنِ النَّاسِ كَافَّة؛ إِذَا أَحَبَّ أَحَبَّ حُبًَّا كَبِيرَا، وَإِذَا حَزِنَ حَزِنَ حُزْنًَا مَرِيرَا، سُبْحَانَ الله؛ الَّتي تُقَدِّرُكَ لاَ تُعْجِبُك، وَالَّتي تُعْجِبُكَ لاَ تُقَدِّرُك ٠٠!!
أَنَاْ لَمْ أَنْسَ يَوْمًَا أَنيِّ تَقَدَّمْتُ لِفَتَاةٍ في مِصْر: مُطَلَّقَة، وَعَرْجَاء، وَلاَ تَقْرَأْ وَلاَ تَكْتُب، وَسُبْحَانَ الله؛ رَفَضُواْ، رَغْمَ أَنيِّ كُنْتُ مُؤَلِّفًَا آنَذَاكَ وَلي أَعْمَالٌ مَطْبُوعَةٌ وَعِنْدِي شَقَّة، وَلَكِن هَكَذَا الدُّنيَا:
إِذَا أَقْبَلَتْ بَاضَ الحَمَامُ عَلَى الوَتَدْ * وَإِن أَدْبَرَتْ بَصَقَ الحِمَارُ عَلَى الأَسَدْ
لَقَدْ عَرَكَنَا الزَّمَان، وَجَرَّعَنَا الحِرْمَان؛ حَتىَّ رَوَّضْنَا أَنْفُسَنَا عَلَى الأَحْزَان ٠٠
[ ٥٣٤٧ ]
كَمْ إِنَّهُ لمَرِيرٌ جِدًَّا أَنْ تخْتَارَ فَتَاةً؛ ثمَّ تَكْتَشِفُ أَنَّكَ قَدْ أَسَأْتَ اخْتِيَارَك، وَالأَمَرُّ مِنهُ أَنْ لاَ تجِدَ الفَتَاةَ البَدِيلَةَ الَّتي تَرُدُّ بِهَا اعْتِبَارَك ٠٠!!
إِنَّهُ لَشُعُورٌ قَاتِلٌ أَنْ تَشْعُرَ أَنَّكَ إِنْسَانٌ غَيرُ مَرْغُوبٍ فِيه ٠٠!!
كَأَنَّكَ مَطْلِيٌّ بِهِ القَارُ أَجْرَبُ
﴿النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيّ﴾
لَمْ أَكُنِ الشَّابَّ الَّذِي إِنْ سَارَ اهْتَزَّتْ لَهُ الأَرْكَان، وَأُشِيرَ إِلَيْهِ بِالبَنَان، وَالبَنَاتُ يُعْجِبُهُنَّ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الشُّبَّان، فَفَتَاةُ هَذَا الجِيل: لَمْ تَعُدْ تَبْحَثُ عَنِ الشَّابِّ الأَصِيل، أَوِ الْعَالِمِ الجَلِيل، وَإِنَّمَا لَهَا مَآرِبُ أُخْرَى مِنْ دُونِ ذَلِك ٠٠
[ ٥٣٤٨ ]
وَنَعُودُ فَنَقُول: الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ مُصِيبَتَنَا في دُنيَانَا وَلَمْ يجْعَلْهَا في دِينِنَا؛ فَغَيرُنَا أَعْطَاهُ اللهُ مَا حَرَمَنَا، وَلَكِن حَرَمَهُ مِمَّا أَعْطَانَا: حَرَمَهُ مِنَ الخَير، حَرَمَهُ مِنَ الدِّين، حَرَمَهُ مِن أَعْمَالِ البرّ ٠٠
لاَ يُصَلِّي، وَإِنْ صَلَّى لاَ يُزَكِّي، وَإِنْ زَكَّى فِرِئَاءَ النَّاس، فَالحَمْدُ للهِ عَلَى مَا وَهَب، وَلاَ اعْتِرَاضَ عَلَى مَا سَلَب ٠٠!!
وَسُبْحَانَ الله؛ لَوْلاَ هَذِهِ الأَحْزَانُ الْعَمِيقَة؛ مَا كُنْتُ كَتَبْتُ هَذِهِ المَقَالَةَ الرَّقِيقَة:
الحُلْمُ الجَمِيل
[ ٥٣٤٩ ]
إِنَّهُ بِحَقٍّ حُلْمٌ جَمِيل، وَلَكِنْ لاَ يَعِيبُهُ إِلاَّ أَنَّهُ مُسْتَحِيل: إِنَّهُ البَحْثُ عَنْ شَرِيكَةِ الحَيَاة، لَقَدْ أَصْبَحَ أَمْرًَا صَعْبًَا في هَذَا الزَّمَان ٠٠ نَشْرُ مُؤَلَّفَاتي، وَالبَحْثُ عَنْ شَرِيكَةِ حَيَاتي: لَقِيتُ الأَمَرَّيْنِ في هَذَيْنِ الأَمْرَيْن ٠٠ قَدْ يَقُولُ قَائِل: لاَ تَبْتَئِسْ وَلاَ تحْزَن، إِنَّهَا فَقَطْ مَسْأَلَة وَقْت، أَنْتَ مُؤَلِّفٌ وَأَدِيبٌ كَبِير، وَحَصُلْتَ عَلَى الكَثِيرِ وَالكَثِير؛ مِنَ الإِعْجَابِ وَالتَّقْدِير، وَنُشِرَتْ لَكَ في الصُّحُفِ مَقَالاَت، وَطُبِعَتْ لَكَ عِدَّةُ مُؤَلَّفَات، وَأَصْبَحَ لَكَ مُعْجَبُونَ وَمُعْجَبَات، وَسَتَجِدُ بَدَلَ الفَتَاةِ عَشْرَ فَتَيَات!!
[ ٥٣٥٠ ]
لَيْسَ الأَمْرُ كَمَا تَظُنُّ يَا صَاحِبي؛ فَالمُعْجَبَاتُ قَلِيلاَت، وَيَكُنَّ إِمَّا مخْطُوبَات، أَوْ مُتَزَوِّجَات، أَوْ لاَ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِنَّ المُوَاصَفَات، إِنَّ فَتَاةَ هَذَا الجِيل؛ قَدْ تَغَيرَتْ كَثِيرًَا عَنْ فَتَاةِ الزَّمَنِ الجَمِيل؛ الَّتي كَانَ فَتى أَحْلاَمِهَا زَعِيمًَا مُنَاضِلًا، أَوْ أَدِيبًَا فَاضِلًا، أَمَّا فَتَاةُ هَذِهِ الأَيَّام؛ فَكُلُّ مَا يَهُمُّهَا المُوضَةُ وَمُشَاهَدَةُ الأَفْلاَم؛ وَفَتى أَحْلاَمِهَا شَابٌّ عَلَى شَاكِلَة [فُلاَن] لاَعِبِ الكُرَةِ الشَّهِير، أَوْ [فُلاَن] المُغَنيِّ أَوِ المُمَثِّلِ الْكَبِير ٠٠!!
سَارَتْ مُغَرِّبةً وَسِرْتُ مُشَرِّقًَا * شَتَّانَ بَينَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبِ
[ ٥٣٥١ ]
دَعْني غَارِقًَا في أَحْلاَمِي يَا فَتى؛ فَالأَحْلاَمُ وَإِنْ كَانَتْ ضَرْبًَا مِنَ الخَيَال: إِلاَّ أَنهَا أَفْضَلُ مِنَ الوَاقِعِ عَلَى كُلِّ حَال ٠٠ فَدَعْني وَحْدِي:
أَحْيى عَلَى أَمَلِي وَكَمْ مِنْ شَاعِرٍ * يحْيى كَمَا أَحْيى عَلَى الأَوْهَامِ
وَإِذَا الحَقِيقَةُ أَعْجَزَتْكَ فَرُبَّمَا * أَدْرَكْتَ مَا أَعْيَاكَ بِالأَحْلاَمِ
﴿محَمَّدٌ الأَسْمَر أَوْ محْمُود غُنيم﴾
وَلاَ عَيْبَ في الأَحْلاَمْ * إِلاَّ أَنَّهَا أَحْلاَمْ
فَالحُبُّ الحَقِيقِي لاَ * يُوجَدُ إِلاَّ في الأَفلاَمْ
﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
[ ٥٣٥٢ ]
إِنَّ الخَطَأَ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ أَكْثَرُ الفَتَيَاتِ عِنْدَ الزَّوَاج؛ أَنهُنَّ يَبْحَثْنَ عَنِ السَّعَادَةِ في الزَّوْجِ الغَنيّ، أَوْ صَاحِبِ المَنْصِبِ أَوِ المَشْهُور، وَيَنْسَونَ أَنَّ اللهَ ﷾ قَسَّمَ المَوَاهِبَ كَمَا قَسَّمَ الأَرْزَاق؛ فَالقَلْبُ الطَّيِّبُ نِعْمَة، حُرِمَ مِنهَا كَثِيرٌ مِن أَصْحَابِ النُّقُودِ وَالنُّفُوذ، وَالمُرُوءَ ةُ نِعْمَة، حُرِمَ مِنهَا كَثِيرٌ مِن أَصْحَابِ النُّقُودِ وَالنُّفُوذ، وَالدِّينُ أَكْبَرُ النِّعَم: حُرِمَ مِنهُ كَثِيرٌ مِن أَصْحَابِ النُّقُودِ وَالنُّفُوذ!!
لَقَدْ أَصْبَحَتِ المَادَّةُ هِيَ كُلَّ شَيْءٍ في الحَيَاة، لَعِبَتْ بِالرُّءوس؛ فَغَيرَتِ النُّفُوس ٠٠!!
كَلِمَةٌ لِلشَّيْخ كِشْك عَنْ سَيْطَرَةِ المَال
[ ٥٣٥٣ ]
يَرْحَمُ اللهُ فَضِيلَةَ الشَّيْخ عَبْد الحَمِيد كِشْك؛ حَيْثُ كَانَ يَقُول:
" لَقَدْ لَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَوَّلهَا ٠٠ إِنَّني أَقُولهَا بِبَالِغِ الأَسَى: لَقَدْ أَصْبَحَتِ الحَيَاةُ هِيَ المَادَّةَ وَالمَادَّةُ هِيَ الحَيَاة، وَأَصْبَحَ النَّاسُ إِذَا رَ أَوُاْ الجُنَيْهَ يَقُولُونَ لَهُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ [فَضِيلَةُ الشَّيْخ / عَبْدِ الحَمِيد كِشْك في " الخُطَبُ المِنْبَرِيَّةُ " ص: ١١١/ ٥]
[ ٥٣٥٤ ]
تجِدُ الأُمَّ مِن هَؤُلاَءِ إِذَا مَا تَقَدَّمَ لاَبْنَتِهَا شَابّ؛ تَسْأَلُ أَوَّلَ مَا تَسْأَل: مَيْسُورُ الحَالِ هُوَ أَمْ مَسْتُورُ الحَال ٠٠؟! فَإِنْ كَانَ مَسْتُورَ الحَالِ تُسَرُّحُهُ سَرَاحًَا جمِيلاَ، وَرُبمَا تُعْطِيهَا لِرَجُلٍ في سِنِّ أَبِيهَا كَثِيرِ العِيَال؛ لمجَرَّدِ أَنَّهُ رَجُل أَعْمَال، صَاحِبُ نُفُوذٍ أَوْ مَال، وَرُبمَا أَيْضًَا يَكُونُ مُتَزَوِّجًَا عَلَيْهَا، فَتَقُولُ لاَ ضَيْرَ فَالشَّرْعُ حَلَّلَ لَهُ أَرْبَعًَا، إِنَّهُ يَلْعَبُ بِالمَلاَيِين ٠٠ وَإِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعَى ٠٠!!
المَالُ حَلَّلَ كُلَّ غَيْرِ محَلَّلٍ * حَتىَّ زَوَاجَ الشِّيْبِ بِالأَبْكَارِ
سَحَرَ القُلُوبَ فرُبَّ أُمٍّ قَلْبُهَا * مِنْ سِحْرِهِ حَجَرٌ مِنَ الأَحْجَارِ
دَفَعَتْ بُنَيَّتَهَا لأَشْأَمِ مَضْجَعٍ * وَرَمَتْ بِهَا في وَحْشَةٍ وضِرارِ
[ ٥٣٥٥ ]
وَتَعَلَّلَتْ بِالشَّرْعِ جَاهِلَةً بِهِ * مَا كَانَ شَرْعُ اللهِ بالجَزَّارِ
﴿أَمِيرُ الشُّعَرَاء / أَحْمَد شَوْقِي﴾
قِصَّةٌ أَغْرَبُ مِنَ الخَيَال
[ ٥٣٥٦ ]
لَقَدْ قَرَأْتُ بإحْدَى الصُّحُفِ حَادثَةً أَغْرَبَ مِنَ الخَيَال، نُشِرَتْ عَنْ فَتَاةٍ رَائِعَةِ الحُسْنِ وَالجَمَال، كَانَ أَهْلُهَا كُلَّمَا تَقَدَّمَ إِلَيْهَا شَابٌّ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ رَفَضُوهُ لِرِقَّةِ الحَال، حَتىَّ أَتَاهَا " المَخْفي المُنْتَظَر " بِالسَّيَّارَةِ الشَّبَح، وَشَالِيهٍ في رَفَح، ومَلاَيِينَ إنْ تَعُدُّوهَا لاَ تحْصُوهَا، وَنحْنُ نَعْرِفُ مَدَى ما لَدَى النِّسَاءِ مِنَ الْوَلَعِ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالأَنعَامِ وَالحَرْث؛ وَلَعَلَّنَا نَذْكُرُ بَلْقِيسَ مَلِكَةَ سَبَأَ الَّتي كَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى المُلُوكِ بمُلْكِهَا؛ مَا أَنْ رَأَتْ قُصُورَ سُلَيْمَانَ وَمُلْكَهُ وَقَالَ لهَا إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ حَتىَّ قَالَتْ: رَبِّ إِنيِّ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُليْمَانَ للهِ رَبِّ العَالمِين
[ ٥٣٥٧ ]
٠٠!!
فَوَافَقَ أَهْلُ تِلْكَ الفَتَاةِ على الزَّوَاج سَرِيعًَا، هَلْ تُصَدِّقونَ أَنَّ هَذَا الخَبِيثَ كَانَ يَعْرِضُهَا عَلَى رِجَالِ الأَعْمَال؛ لُزُومَ تخْلِيصِ المَسَائِلِ وَتَسْلِيكِ الأُمُور ٠٠!!
وَالمَعْنى وَاضِحٌ طَبْعًَا، مَنْ تَرضَى لِنَفْسِهَا أَنْ تُصْبِحَ هَكَذَا ٠٠؟!
إِنَّ المجْتَمَعَ الَّذِي يجِدُ فِيهِ أَمْثَالُ هَؤُلاَء؛ السَّعَادَةَ وَالهَنَاء؛ لَيْسَ عَجِيبًَا أَنْ يجِدَ فِيهِ أَمْثَاليَ التَّعَاسَةَ وَالشَّقَاء
لَيْتَ الفَتَاةَ المِصْرِيَّةَ كَمَا تُقَدِّرُ المَظَاهِرَ وَالمَادِّيَّات؛ تُقَدِّرُ المَبَادِئَ وَالقِيَمَ النَّبِيلَة، فَمِنْ سُوءِ الحَظِّ أَنَّ الجَمِيلَةَ لَيْسَتْ أَصِيلَة، وَأَنَّ الأَصِيلَةَ لَيْسَتْ جَمِيلَة ٠٠!!
[ ٥٣٥٨ ]
لَيْتَهَا تَعْرِفُ أَنَّ الحُبَّ يُسْعِدُ بِلاَ مَال، أَمَّا المالُ فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُسْعِدَ بِلاَ حُبّ؛ فَلَوْ كَانَ المَالُ يَنْفَعُ في كُلِّ شَيْءٍ لَنَفَعَتْ قَارُونَ أَمْوَالُه، وَلَوْ كَانَ المَالُ هُوَ كُلَّ شَيْءٍ لَقَبِلْنَا لِبَنَاتِنَا فِرْعَوْنَ وَهَامَان، وَرَفَضْنَا مُوسَى بْنَ عِمْرَان ٠٠!!
كَمْ كُنْتُ أَتمَنىَّ فَتَاةً: عَاقِلَةً وَجَمِيلَةً وَأَصِيلَة، لِدَرَجَةٍ تجْعَلُني أَتَسَاءَ ل: مَا الذِي أَعْجَبَني فِيهَا؟!
هَلْ أَصْلُهَا، أَمْ شَكْلُهَا، أَمْ عَقْلُهَا، أَمْ كُلُّهَا ٠٠؟!!
[ ٥٣٥٩ ]
فَتَاةً: تَقِفُ بجَانبي وَأَنَا لاَ أَزَالُ في بِدَايَةِ الطَّرِيق، طَرِيقِ الإِصْلاَح، بِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَبِ وَالْكِفَاح، وَالشَّوْكِ وَالعَذَاب، لاَ فَتَاةً تَأْتِيني بَعْدَ وُصُوليَ إِلى المجْدِ لِتَقُولَ إِنيِّ مُعْجَبَةٌ بِكَ وَبِأُسْلُوبِكَ الجَذَّاب!!
فَتَاةً حَسْنَاء، تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء، أَجِدُ فِيهَا الأُمَّ الحَنُون، وَالاَبْنَ البَارّ، وَالتِّلمِيذَ المُؤَدَّب، وَقَبْلَ كُلِّ هَذَا وَذَاكَ الزَّوْجَةَ الوَفِيَّة ٠٠!!
فَتَاةً: أَجِدُ فِيهَا القَلْبَ الكَبِير، وَالعَقْلَ الكَبِير، وَأَلْقَى مِنهَا كُلَّ احْترَامٍ وَتَقْدِير٠٠!!
تِلْكَ هِيَ الَّتي أَنْتَظِرُهَا عَلَى أَحَرِّ مِنْ جَمْرِ الغَضَى، وَسَأَجْعَلُ يَوْمَ مجِيئِهَا عِيدًَا ٠٠!!
[ ٥٣٦٠ ]
فَإِنَّ امْرَأَةً وَاحِدَةً: قَدْ تُسْعِدُ الرَّجُلَ طِيلَةَ حَيَاتِه، وَامْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ: قَدْ تُتعِسُهُ طِيلَةَ حَيَاتِه ٠٠!!
لَسْتُ الرَّجُلَ الَّذِي يَجْعَلُ مَصِيرَهُ مُتَوَقِّفًَا عَلَى مَصِيرِ امْرَأَةٍ قَدْ تُضَيِّعُه، وَلَكِنَّهُ مِنْ بَابِ أَنَّ وَرَاءَ كُلِّ رَجُلٍ عَظِيمٍ امْرَأَةً تَدْفَعُه؛ فَالجَمَالُ وَإِنْ لَمْ يَكُ كُلَّ شَيْء: إِلاَّ أَنَّهُ أَهَمُّ شَيْءٍ بَعْدَ الدِّين ٠٠
ذَكَرَهُ أَوَّلَ شَيْءٍ مِنْ زِينَةِ الحَيَاةِ الدُّنيَا؛ فَقَالَ تَعَالى:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالحَرْث﴾ ﴿آلِ عِمْرَان﴾
وَعَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال:
[ ٥٣٦١ ]
" حُبِّبَ إِليَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ: النِّسَاءُ وَالطِّيب، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْني في الصَّلاَة " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في صَحِيحِ الجَامِعِ بِرَقْم: ٣١٢٤، رَوَاهُ الإِمَامُ الْبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ بِرَقْم: ١٣٢٣٢]
عِنْدَمَا تَبْكِي الشُّمُوعُ بِالدُّمُوع
وَالمُؤْلِمُ أَنيِّ عَلَى يَقِينٍ بِأَنَّ تِلْكَ الفَتَاةَ قَدْ تَكُونُ مَوْجُودَةً، بَلْ وَقَرِيبَةً جِدًَّا مِنيِّ، وَلَكِنْ لَيْتَ شِعْرِي؛ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَيْهَا ٠٠؟!
أَيْنَ أَنْتِ يَا مُهْجَةَ القَلْبِ وَبَهْجَةَ الرُّوح ٠٠؟
فَبِالصَّبْرِ أَسْلُو عَنْكِ لاَ بِالتَّجَلُّدِ
فَمَا صَبْرِي بِاخْتِيَارِي * لَكِن حُكْمُ الاَنْتِظَارِي
أَمَّا صَبْرِي فَأَحْلاَهُ * أَمَرُّ مِنَ الصَّبَّارِ
﴿فِكْرَةٌ لأَحَدِ الشُّعَرَاءِ قُمْتُ بِتَطْوِيرِهَا وَالزِّيَادَةِ عَلَيْهَا﴾
[ ٥٣٦٢ ]
وَمَا كَانَ لِلأَحْزَانِ لَوْلاَكِ مَسْلَكٌ * إِلى القَلْبِ لَكِنَّ الهَوَى لِلضَّنى جِسْرُ
﴿أَبُو فِرَاسٍ الحَمَدَانيّ﴾
وَللهِ عُرْوَةُ بْنُ حِزَامٍ إِذْ يَقُول:
وَلَمَّا رَأَيْتُ العَيْنَ فَاضَتْ جُفُونُهَا * بِدَمْعٍ عَلَى الخَدَّيْنِ أَحْمَرَ قَانِ
تَبَيَّنْتُ أَنيِّ بِالصَّبَابَةِ هَالِكٌ * وَأَنَّ هَلاَكِي مُرْجَأٌ لأَوَانِ
جَعَلْتُ لِعَرَّافِ اليَمَامَةِ حُكْمَهُ * وَعَرَّافِ نجْدٍ إِن هُمَا شَفَيَاني
فَقَالاَ شَفَاكَ اللهُ وَاللهِ مَا لَنَا * بِمَا حُمِّلَتْ مِنْكَ الضُّلُوعُ يَدَانِ
فَمَا تَرَكَا مِنْ رُقْيَةٍ يَعْلَمَانِهَا * وَلاَ سُقْيَةٍ إِلاَّ وَقَدْ سَقَيَاني
وَمَا شَفَيَا الدَّاءَ الَّذِي بيَ كُلَّهُ * وَلاَ ادَّخَرَا نُصْحًَا وَلاَ أَلَوَاني
كَوَتْ كَبِدِي مِن حُبِّ عَفْراءَ لَوْعَةٌ * فَعَيْنَايَ مِنْ وَجْدِي بِهَا تَكِفَانِ
[ ٥٣٦٣ ]
كَأَنَّ قَطَاةً عُلِّقَتْ بجَنَاحِهَا * عَلَى كَبِدِي مِنْ شِدَّةِ الخَفَقَانِ
فَعَفْرَاءُ أَرْجَى النَّاسِ عِنْدِي مَوَدَّةً * وَعَفْرَاءُ عَنيِّ المُعْرِضُ المُتَوَاني
وَكُنْتُ وَإِيَّاهَا عَلَى رَفْرَفِ المُنى * لَنَا أَمَلٌ نَلْهُو بِهِ وَأَمَانِ
إِلى أَنْ دَهَتْنَا لِلْفِرَاقِ نَوَائِبٌ * فَصِرْتُ أَخَا هَمٍّ وَنَضْوَ هَوَانِ
وَإِنيِّ لأَهْوَى الحَشْرَ إِنْ قِيلَ إِنَّني * وَعَفْرَاءَ يَوْمَ الحَشْرِ مُلْتَقِيَانِ
فَيَا لَيْتَ كُلَّ اثْنَينِ بَيْنَهُمَا هَوَىً * مِنَ النَّاسِ وَالأَنعَامِ يَلْتَقِيَانِ
فَيَقْضِي حَبِيبٌ مِن حَبِيبٍ لُبَانَةً * وَيَرْعَاهُمَا رَبي مِنَ الحَدَثَانِ
﴿عُرْوَةُ بْنُ حِزَام ٠ بِاسْتِثْنَاءِ الأَبْيَات ١، ٢، ١٠، ١١: فَهِيَ لهَاشِمٍ الرِّفَاعِي بِتَصَرُّف﴾
[ ٥٣٦٤ ]
يَلْتَقِيَانِ بِزَوَاجٍ شَرْعِيٍّ طَبْعًَا، آهٍ ثُمَّ آهٍ ثُمَّ آه؛ تَعَبٌ كُلُّهَا الحَيَاة ٠٠
لَوْ كُلُّ مَا يَتَمَنىَّ المَرْءُ يُدْرِكُهُ * مَا كُنْتَ تَلْقَى امْرَأً في الكَوْنِ مَهْمُومَا
﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
يَبْدُو أَنَّنَا خُلِقْنَا لِنُسْعِدَ الآخَرِينَ لاَ لِنَسْعَد ٠٠!!
كَمُطْرِبَةٍ تُشْجِي الأَنَامَ بِصَوْتِهَا * وَقَدْ حَمَلَتْ بَينَ الضُّلُوعِ مَآسِيَا
﴿إِيلِيَّا أَبُو مَاضِي﴾
وَللهِ دَرُّ القَائِل:
لاَ تحْسَبُواْ أَنَّ رَقْصِي بَيْنَكُمْ طَرَبًَا * فَالطَّيْرُ يَرْقُصُ مَذْبُوحًَا مِنَ الأَلَمِ
حَقًَّا وَاللهِ: " أَوَّلُ مَا يَضِيعُ العَالِمُ بَينَ أَهْلِه " ٠٠!!
فَأَتْعَسُ الخَلْقِ حَظًَّا صَاحِبُ القَلَمِ * وَذُو المَبَادِئِ وَالأَخْلاَقِ وَالقِيَمِ
لِكُلِّ ذِي مَبْدَأٍ في عَيْشِهِ أَمَلٌ * وَكُلُّ ذِي أَمَلٍ سَيَعِيشُ ذَا أَلَمِ
[ ٥٣٦٥ ]
﴿إِيلِيَّا أَبُو مَاضِي أَوْ محَمَّدٌ الأَسْمَر﴾
ثَلاَثَةُ أَعْوَامٍ وَأَنَا أَبحَثُ عَنْ تِلْكَ الفَتَاةِ حَتىَّ تَأَكَّدْتُ في النِّهَايَةِ أَنِّي أَسِيرُ في أَحَدِ طَرِيقَيْن: إِمَّا طَرِيقٍ مَسْدُود، أَوْ طَرِيقٍ لَيْسَ لَهُ آخِر٠٠!!
فَلَقَدْ تَأَكَّدَ لي أَنيِّ حَتىَّ أَصِلَ إِلى مَا أُرِيد؛ فَإِنيِّ أَحْتَاجُ إِلى شَيْئَين: إِلى مَالِ قَارُون، وَإِلى عُمْرِ سَيِّدِنَا نُوح ٠٠!!
بَعْدَمَا قَطَعْنَا الأَرْضَا * كُلَّهَا طُولًا وَعَرْضَا
﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
بحَثْنَا في المُدُنِ وَفي القُرَى؛ حَتىَّ بَلَغْنَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبَا ٠٠!!
فَقَدْ طَوَّفْتُ بِالآفَاقِ حَتىَّ * رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإِيَابِ
﴿امْرُؤُ القَيْس﴾
ضَاقَتْ عَلَيَّ بِوُسْعِهَا الآفَاقُ
﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
[ ٥٣٦٦ ]
خَلِيلَيَ إِن أَجْزَعْ فَقَدْ ظَهَرَ العُذْرُ * وَإِن أَسْتَطِعْ صَبْرًَا فَمِنْ شِيمَتي الصَّبْرُ
فَشَرَّقْتُ حَتىَّ لَمْ أَجِدْ بَعْدُ مَشْرِقًَا * وَغَرَّبْتُ حَتىَّ قِيلَ هَذَا هُوَ الخِضْرُ
﴿البَيْتُ الأَوَّلُ لاِبْنِ زَيْدُون، وَالأَخِيرُ لأَبي الحَسَنِ التُّهَامِي﴾
كَرَحَّالَةٍ طَافَ المَدَائِنَ وَالقُرَى * كَسَتْهُ يَدُ الأَيَّامِ حُلَّةَ خَائِبِ
يَبْدُو أَنَّ السَّعَادَةَ خُلِقَتْ لِغَيرِنَا وَلَمْ تخْلَقْ لَنَا ٠٠ بِيئَةٌ وَبِيئَة، وَمَعَادِنُ رَدِيئَة ٠٠!!
لي في الهَوَى قَلْبٌ حَزِين * قَدْ بَاتَ يُدْمِيهِ الأَنِين
كُتِبَ الشَّقَاءُ لَهُ وَكَمْ * سَعِدَتْ قُلُوبُ العَاشِقِين
﴿هَاشِمٌ الرِّفَاعِي﴾
قَطَعْتُكَ يَا رَبِيعَ العُمْرِ مَهْمُومًَا بِأَتْرَاحِي
وَلَمْ أَمْلأْ كَغَيرِي مِنْ نَعِيمِ العَيْشِ أَقْدَاحِي
نهَارِي كُلُّهُ تَعَبٌ وَلَيْلِي كُلُّهُ صَاحِي
[ ٥٣٦٧ ]
قَطَعْتُكَ يَا رَبِيعَ العُمْرِ لَمْ أَعْرِفْ بِكَ الحُبَّا
فَمَا أَسْعَدْتَ لي رُوحًَا وَلاَ أَحْيَيْتَ لي قَلْبَا
مَضَى السُّعَدَاءُ كُلُّهُمُ وَلَمْ أُدْرِكْ لَهُمْ رَكْبَا
وَمَا ذَاقَ المُنى قَلْبي وَغَيرِي عَبَّهَا عَبَّا
﴿هَاشِمٌ الرِّفَاعِي﴾
كَأَنَّ الغَنيَّ فَقَطْ هُوَ الَّذِي مِن حَقِّهِ أَنْ يَقْطِفَ مَا شَاءَ مِنَ الوُرُود، أَمَّا الفَقِيرُ فَلَوْ شَمَّ وَرْدَةً؛ لَقِيلَ لَهُ قَدْ جَاوَزْتَ الحُدُود ٠٠!!
لاَ تحْرِمَنِّيَ يَا رَبيِّ مِنِ امْرَأَةٍ * عَيْني تَقَرُّ بِهَا في الخَلْقِ وَالخُلُقِ
أَنْسَى بِهَا مُرَّ مَا قَدْ مَرَّ مِنْ محَنٍ * وَيَكْتَسِي العُودُ بَعْدَ الجَدْبِ بِالوَرَقِ
﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني ٠ بِاسْتِثْنَاءِ المِصْرَاعِ الأَخِيرِ مِنَ الْبَيْتِ الثَّاني فَهُوَ لأَبي محْجَن﴾
[ ٥٣٦٨ ]
لَعَلَّ يَدَ الأَيَّامِ تجْمَعُ بَيْنَنَا * وَتَرْحَمُ أَكْبَادًَا تَكَادُ تَذُوبُ
﴿محَمَّدٌ الأَسْمَر﴾
﴿رَبِّ لاَ تَذَرْني فَرْدًَا وَأَنْتَ خَيرُ الوَارِثِين﴾ ﴿الأَنْبِيَاء/٨٩﴾
تَقَبَّلْ مِنيِّ دَعَوَاتي، وَحَقِّقْ لي أُمْنِيَّاتي، وَخَلِّصْني مِنَ الهُمُومِ الَّتي أَفْسَدَتْ عَلَيَّ حَيَاتي ٠٠
اللهُمَّ يَا جَامِعَ النَّاسِ إِلى يَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيه؛ اجْمَعْ بَيْني وَبَينَ ضَالَّتي، اللهُمَّ يَا جَامِعَ النَّاسِ إِلى يَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيه؛ اجْمَعْ بَيْني وَبَينَ ضَالَّتي، اللهُمَّ يَا جَامِعَ النَّاسِ إِلى يَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيه؛ اجْمَعْ بَيْني وَبَينَ ضَالَّتي ٠٠!!
[ ٥٣٦٩ ]
حَيَاةُ العُزَّاب: أَصْبَحَتْ في عَذَاب؛ فَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ زَوْجَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّاب، وَأَنْتَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِير، وَبحَالِ الشَّبَابِ بَصِير، وَأَنْتَ نِعْمَ المَوْلى وَنِعْمَ النَّصِير ٠
عَاقِبَةُ الصَّبرِ الجَمِيل
وَلَمْ أَزَلْ عَلَى تِلْكَ الحَالِ حَتىَّ عَثَرْتُ في بَعْضِ قُرَى الفَيُّومِ عَلَى فَتَاةٍ طَيِّبَةً مِنْ أَصْلٍ طَيِّب، بَيْضَاءَ مِن غَيرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى، كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيّ ٠٠!!
قَدْ حَارَ فِكْرِي وَشِعْرِي فِيكِ يَا أَمَلِي * مِن أَيِّ جَوْهَرَةٍ قَدْ صَاغَكِ اللهُاهُ
سُبْحَانَ مَنْ نَظَمَ الدُّنيَا وَجَمَّلَهَا * بَيْتًَا مِنَ الشِّعْرِ في عَيْنَيْكِ مَعْنَاهُ
﴿إِيلِيَّا أَبُو مَاضِي أَوْ محَمَّدٌ الأَسْمَر﴾
[ ٥٣٧٠ ]
وَبَلَغَ مِنْ سَعَادَتي بِهَا أَنْ كَتَبْتُ هَذِهِ الْقِطْعَةَ الزَّجَلِيَّةَ عَلَى لحْن:" يَلَّلاَ نْقَضِّي أَجَازَة سَعِيدَة "
وَ" خَلِيلٌ " المَذْكُورَةُ فيهَا: هِيَ اسْمُ البَلْدَةِ الَّتي مِنهَا تِلْكَ الفَتَاة ٠
وَالعَمُّ عَبْد الرّحِيم وَامْرَأَتُهُ المَذْكُورَانِ همَا اللَّذَانِ سَعَيَا لي في هَذِهِ الزِّيجَةِ الَّتي أَسْأَلُ اللهَ أَنْ تَكُونَ مُبَارَكَة ٠
[ ٥٣٧١ ]
أَمَّا عَطِيَّةُ فَهْوَ فَتىً نَزَلْتُ البَلْدَةَ فَلَمْ أَجِدْ لِلنَّاسِ حَدِيثًَا إِلاَّ عَنهُ وَعَنْ قِصَّةِ زَوَاجِه، فَسَأَلتُهُمْ عَن أَمْرِهِ فَقَالُواْ: لَقَدْ تَبَلَتْ عَقْلَهُ فَتَاةٌ لَطِيفَةٌ بِشَعْرِهَا الطَّوِيل، وَخَصْرِهَا النَّحِيل؛ حَتىَّ تَزَوَّجَهَا، وَكَانَ يحِبُّهَا حُبًَّا جَمَّا؛ لِدَرَجَةِ أَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ تَقُولُ لَهُ أَيْقِظْ زَوْجَتَكَ حَتىَّ تُسَاعِدَني في حَلْبِ البَهَائِمِ وَالاَعْتِنَاءِ بهَا فَيَقُول: " أَنَا امْرَأَتي لاَ تَسْتَيْقِظُ قَبْلَ الحَادِيَةَ عَشْرة، أَتُرِيدِينَ لهَذِهِ اليَدِ البَيْضَاءِ أَنْ تحْمِلَ القَاذُورَات " ٠٠؟!
فَلَمَّا أَن عَوَّدَهَا مِنهُ ذَلِك؛ تَمَرَّدَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِك؛ فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ الطَّبِيعِيَّةُ أَنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا!!
[ ٥٣٧٢ ]
" عَرُوسِتْنَا قَمَرْ مِلاَلي * وِمِترَبِّيَّة عَالغَالي "
" شُوفْتَهَا وِاتْغَيرْ حَالي * وِجَرَالي اللِّي جَرَالي "
" غَاليَة عَلَيَّا غَاليَة عَلَيَّا * وَاغْلَى عَنْدِي مِن عِنَيَّا "
" دَانَا لَفِّيتِ الدُّنيَا دِيَّة * مَا لْقِيتْشِي زَيِّكْ يَا صَبِيَّة "
" جَمِيلَة وْأَمُّورَة وْحِلوَة * وَتِسْتَاهِلْ مِلْيُون غِنوَة "
" زَيِّ اخْوَاتْهَا نجْوَى وْنَشْوَى * وِأَجْمَلْ مِنهُمْ شِوَيَّة "
" جِسْمِ مِتقَسِّمْ تَقسِيمْ * وِالرُّوحْ أَحْلَى مْنِ النَّسِيمْ "
" وِالعُيُونْ زَيِّ البرْسِيمْ * بَايِنْ فِيهَا سَلاَمْةِ النِّيَّة "
" طَيِّبَة وْقَنُوعَة جِدًَّا * وَبَاحِبَّهَا جِدًَّا جِدًَّا "
" وِأَصِيلَة أَبًَّا عَنْ جِدًَّا * رَبِّنَا يخَلِّيهَا لِيَّا "
" كُلَّهَا رِقَّة وْإِحْسَاسْ * وِبِتْحِبِّ تْسَاعِدِ النَّاسْ "
[ ٥٣٧٣ ]
" وِشَايْلاَني فُوقِ الرَّاسْ * رَبِّنَا يُسْترْ عَلَيَّا "
" يَا أَبْيَضْ يَا أَبْيَضَاني * كُلِّ أَوْصَافَكْ عَجْبَاني "
" نَسِّيتْني هُمُومي وْأَحْزَاني * وِالمَتَاعِبْ وِالأَسِيَّة "
" دَا انَا مْشِيتْ مِشْوَارْ طَوِيلْ * أَدَوَّرْ عَلَى بِيتْ أَصِيلْ "
" جِيتْ وَحَطِّيتْ في خَلِيلْ * مَرَاكْبي وِمَرَاسِيَّا "
" وِانْسِي شْوَيَّة يَا جَمِيلَة * إِنِّي عَرِيسِكِ اللِّيلَة "
" وِاعْتبرِيني وَاحِدْ مِالعِيلَة * هَيْقُولْ لِكِ الكِلمَة الجَايَّة "
" جُوزِكِ ان قَدِّمْلِكْ لُقْمَة * كُلِيهَا وِارْضِي بِالقِسْمَة "
" مِشْ لاَزِمْ كُلِّ يُومْ لحْمَة * مَالُه الفُولْ مَالْهَا الطَّعَمِيَّة "
" وِعَشَانْ رَبِّنَا يْبَارِكْ * صُوني أَسْرَارُه وْأَسْرَارِكْ "
" لاَ تِشْكِي لجَارْتِكْ وَلاَ جَارِكْ * أَحْوَالكُمُ العَائِلِيَّة "
[ ٥٣٧٤ ]
" عَلَى قَدِّ مَا تِقْدَرِي حِبِّيهْ * وِاوْعِي فْيُومْ تِزَعَّلِيهْ "
" أَوْ تِتْنَمْرَدِي عَلِيهْ * لاَحْسَن يِعْمِلْ زَيِّ عَطِيَّة "
" وِآخِرْ حَاجَة هَاقُولْهَالِكْ * خَلِّيهَا دَايْمًَا في بَالِكْ "
" أَوِّلْ مَا اللهْ يْعَدِّلْهَالِكْ * صَلِّي وْصُومِي يَا صَبِيَّة "
" أَنَا مِشْ غَاوِي غَنَاوِي * وَلاَ بَاقْعُدْ عَالقَهَاوِي "
" دَا أَنَا شَاعِرْ وِهَاوِي * وِالكِتَابَة عَنْدِي غِيَّة "
" بَادْعُوكْ يَا رَبِّ الأَرْبَابْ * تُرْزُقْ زَيِّي كِدَة الشَّبَابْ "
" دَه حَيَاةِ العُزَّابْ عَذَابْ * وِجَرَّبْنَا العُزُوبِيَّة "
" وِشُكْرًَا لِلمَعَازِيمْ * وِلعَمِّ عَبْدِ الرِّحِيمْ "
" الرَّجِلِ الشَّهْمِ الكَرِيمْ * وِامْرَاتُه السِّتِّ بَدْرِيَّة "
وَهَكَذَا أَرَادَ اللهُ إِسْعَادَنَا، بَعْدَمَا أَحْرَقَ الحُزْنُ أَكْبَادَنَا ٠٠!!
[ ٥٣٧٥ ]
فَقَرَّتْ عُيُونٌ كَانَ أَسْخَنَهَا البُكَا * وَسُرَّتْ قُلُوبٌ كَانَ أَضْنى بِهَا الحُزْنُ
﴿ابْنُ زَيْدُون بِتَصَرُّف﴾
إِلى رَبْوَةِ البِشْرِ يَا يَاسِرُ * فَقَدْ ضَاقَ بِالوِحْدَةِ الشَّاعِرُ
دَعِ الشِّعْرَ يَذْكُرُ فَضْلَ الزَّوَاجِ * وَيَكْشِفُ عَنْ سِرِّهِ الخَاطِرُ
فَتَغْبِطُنَا في السَّمَاءِ النُّجُومُ * وَيحْسُدُنَا القَمَرُ السَّاهِرُ
﴿هَاشِمٌ الرِّفَاعِي بِتَصَرُّف﴾
يَا حَبَّذَا الأَمْسُ * في ظِلاَلِ الكُرُومْ * وَنَشْوَةِ السَّمَرْ
إِذْ نَامَتِ الشَّمْسُ * وَقَامَتِ النُّجُومْ * تُغَازِلُ القَمَرْ
لاَ زِلْتُ أَبحَثُ في المَدَائِنِ وَالقُرَى * حَتىَّ رَمَتْني الغَادَةُ الحَسْنَاءُ
﴿هَاشِمٌ الرِّفَاعِي بِتَصَرُّف﴾
وَفَاضَتْ عَلَى ثَغْرِ الحَزِينِ ابْتِسَامَةٌ * تخَبرُ أَنَّ الحُزْنَ لَيْسَ بِدَائِمِ
[ ٥٣٧٦ ]
وَأُطْلِقَتِ البَسَمَاتُ بَعْدَ احْتِبَاسِهَا * فَأَسْمَعَتِ الأَكْوَانَ سَجْعَ الحَمَائِمِ
فَلَمْ يَبْقَ فِينَا بَاسِمٌ غَيرَ دَامِعٍ * وَلَمْ يَبْقَ فِينَا دَامِعٌ غَيرَ بَاسِمِ
الآنَ أَلْفَتِ الخَيْلُ فُرْسَانَهَا ٠٠
قَدْ عِشْتُ في الدُّنيَا بِقَلْبٍ يَابِسٍ * حَتىَّ لَقِيتُ أَحِبَّتي فَاخْضَوْضَرَا
﴿إِيلِيَّا أَبُو مَاضِي﴾
اليَوْمَ تَمَّ لَنَا الَّذِي لَوْ لَمْ يَكُنْ * قَدْ تَمَّ مَا ذَاعَتْ لَنَا أَسْرَارُ
أَنَا لاَ أَقُولُ لَقَدْ ظَفِرْتُ بِدُرَّةٍ * إِنَّ الجَوَاهِرَ كُلَّهَا أَحْجَارُ
﴿الْبَيْتُ الأَوَّلُ لِلشَّاعِر // رَشِيد سَلِيمٌ الخُورِي، وَأَمَّا الآخَر: فَأَظُنُّهُ لِشَوْقِي﴾
عِنْدَئِذٍ فَقَطْ:
أَحْسَسْتُ بِالرَّاحَةِ الكُبرَى كَأَنيَ قَدْ * أَلْقَيْتُ في الْبَحْرِ عَنيِّ كُلَّ آثَامِي
﴿الشَّاعِرُ القَرَوِي / رَشِيد سَلِيمٌ الخُورِي﴾
[ ٥٣٧٧ ]
فَلكَمْ سَهِرْتُ لَيَالِيًَا وَلَيَالِيًَا * حَتىَّ رَأَيْتُكِ يَا هِلاَلَ زَمَاني
وَلَوْلاَ العَزِيزُ الْغَفَّار، وَمُقَدِّرِ الأَقْدَار؛ لَمَا صَارَ لهَذَا الصُّعْلُوكِ زَوْجَةٌ وَلاَ دَار ٠٠!!
فَالحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِين؛ الَّذِي وَبِرَغْمِ سُنَنِهِ في ابْتِلاَءِ الدُّعَاةِ وَالمُصْلِحِين؛ فَإِنَّهُ يَغْمُرُنَا بجُودِهِ بَينَ الحِينِ وَالحِين ٠
اللهُمَّ كَمَا قَرَّتْ بهَا عَيْني فَأَقِرَّ بي عَيْنَهَا، وَكَمَا أَسْعَدَتْني فَأَعِنيِّ عَلَى إِسْعَادِهَا ٠٠!!
[ ٥٣٧٨ ]
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِنَشْرِ مُؤَلَّفَاتي؛ فَلَمْ يَكَدْ يمْضِي عَلَى زَوَاجِنَا عَامٌ حَتىَّ تَبَنَّتْ مُؤَلَّفَاتي أَكْبرُ دُورِ النَّشْر؛ وَمِمَّا هُوَ جَدِيرٌ بِالذِّكْر: أَنْ يَتَزَامَنَ نَشْرُ أَوَّلِ كِتَابٍ لي مَعَ أَوَّلِ مَوْلُودٍ لي مِن هَذِهِ البِنْتِ الطَّيِّبَة؛ فَالحَمْدُ للهِ الَّذِي أَبْدَلَني سَعَادَةً مِنْ بَعْدِ بُؤْس، وَيُسْرًَا مِنْ بَعْدِ عُسْر، فَلَهُ ﷾ الحَمْدُ وَالشُّكْر ٠٠!!
وَلِذَا أَقُولُ في نِهَايَةِ هَذَا المَوْضُوع؛ لِكُلِّ قَلْبٍ مَوْجُوع: تَمَاسَكْ وَلاَ تَذْرِفِ الدُّمُوع ٠٠
لأَنْ تحِبَّ فَتَاةً وَلاَ تَتَزَوَّجُهَا فَيَبْقَى الأَمَل؛ أَهْوَنُ بِكَثِيرٍ مِن أَنْ تَتَزَوَّجَ فَتَاةً لاَ تحِبُّهَا فَيَنْقَطِعَ الأَمَل ٠٠!!
[ ٥٣٧٩ ]
وَاعْلَمْ يَا بُنيَّ أَنَّ الفَتَاةَ الَّتي لاَ تحِسُّ بِالحُبِّ وَتُقَدِّرُه؛ لاَ تَسْتَحِقُّ هَذَا الحُبَّ وَلاَ هَذَا التَّقْدِير، بَلْ وَلاَ تَسْتَحِقُّ حَتىَّ النَّدَمَ عَلَيْهَا ٠٠!!
فَإِذَا تَقَدَّمْتَ أَيُّهَا الأَخُ الصَّالحُ إِلى فَتَاةٍ وَرَفَضَتْكَ فَلاَ تحْزَنْ عَلَى نَفْسِكَ وَلَكِنِ احْزَن عَلَيْهَا؛ لأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَاقِلَةً لَمَا رَفَضَتْ إِنْسَانًَا مِثْلَك؛ فَالفَتَاةُ الَّتي تَرْفُضُ إِنْسَانًَا صَالحًَا: فَتَاةٌ غَيرُ صَالحَة؛ فَالإِنْسَانُ الكَرِيمُ لاَ تَرْفُضُهُ أَبَدًَا فَتَاةٌ كَرِيمَة، وَالفَتَاةُ إِنْ لَمْ تَكُنْ كَرِيمَة؛ فَلَيْسَتْ لَهَا قِيمَة، فَاحْمَدِ اللهَ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَك ٠٠
[ ٥٣٨٠ ]
وَاعْلَمْ أَنَّ النَّدَمَ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى مَا فَاتَنَا وَلَمْ نَطْلُبْهُ، وَلَيْسَ عَلَى مَا طَلَبْنَاهُ وَفَاتَنَا؛ فَلاَ تَنْدَمْ عَلَى مَنْ بَاعَك، وَانْدَمْ عَلَى مَنِ اشْترَاك ٠٠!!
وَكَذَلِكَ إِذَا رَفَضَكَ أَهْلُهَا؛ فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ تَسْتَبِدَّ بِكَ الهُمُوم، وَاعْلَمْ أَنَّ أَيَّامَ الهَمِّ لاَ تَدُوم ٠٠!!
فَمَنْ يَبْكِي لِكُلَّ مُصِيبَةٍ مَرَّتْ بِهِ تَعِبَا
﴿عِصَام الْغَزَالي بِتَصَرُّف﴾
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ يُقَدِّرُ الصَّالحِينَ إِلاَّ الصَّالحُونَ مِثْلُهُمْ ٠٠ وَلَكِن أَيْنَ الصَّالحُونَ في هَذَا الزَّمَان ٠٠؟!
فَأَكْثَرُ المُتَدَيِّنِينَ الآن: إِمَّا مُتَعَصِّبُونَ قُلُوبُهُمْ مَلِيئَةٌ بِالْبَغْضَاء، وَإِمَّا مُتَسَيِّبُونَ قُلُوبُهُمْ هَوَاء ٠٠!!
[ ٥٣٨١ ]
اللهُمَّ أَعِنْ شَبَابَ المُسْلِمِينَ غَيْرَ القَادِرِينَ عَلَى الزَّوَاجِ يَا رَبَّ العَالَمِين، وَأَدْخِلْ عَلَيْهِمُ السُّرُورَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِين ٠٠
بَشَائِرُ آخِرِ الزَّمَان
وَأَخْتِمُ هَذَا الفَصْلَ بِهَذَيْنِ الحَدِيثَينِ عَلَى سَبِيلِ الْبُشْرَى؛ لِمُوَاسَاةِ مَن حُرِمَ في شَأْنِ الزَّوَاج:
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
[ ٥٣٨٢ ]
" لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتىَّ تَتَّخَذُ المَسَاجِدُ طُرُقًَا، وَحَتىَّ يُسَلِّمَ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ بِالمَعْرِفَة، وَحَتىَّ تَتَّجِرَ المَرْأَةُ وَزَوْجُهَا، وَحَتىَّ تَغْلُوَ الخَيْلُ وَالنِّسَاء، ثمَّ تَرْخُصُ فَلاَ تَغْلُو إِلى يَوْمِ القِيَامَة " [صَحَّحَهُ الإِمَامَان / الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وَالذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ وَالطَّبرَانيُّ في الْكَبِير]
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ مِن أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَكْثُرَ الجَهْل، وَيَكْثُرَ الزِّنَا، وَيَكْثُرَ شُرْبُ الخَمْر، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرَ النِّسَاء؛ حَتىَّ يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِد " ٠
[ ٥٣٨٣ ]
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٥٢٣١ / فَتْح]
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" إِنَّ مِن أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ العِلْم، وَيَظْهَرَ الجَهْل، وَيَفْشُوَ الزِّنَا، وَيُشْرَبَ الخَمْر، وَيَذْهَبَ الرِّجَالُ وَتَبْقَى النِّسَاء؛ حَتىَّ يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمٌ وَاحِد " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٦٧١ / عَبْد البَاقِي]
[ ٥٣٨٤ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْر، وَالَّتي تَلِيهَا عَلَى أَضْوَإِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ في السَّمَاء، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَان، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْم، وَمَا في الجَنَّةِ أَعْزَب " ٠
[زُمْرَة: أَيْ فَوْج، وَالْفَوْج: هُوَ الجَمَاعَةُ مِنَ النَّاس ٠ رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٨٣٤ / عَبْد البَاقِي]
[ ٥٣٨٥ ]
عَنْ ثَوْبَانَ الصَّحَابيِّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " إِنَّ حَوْضِي: مَا بَيْنَ عَدْنَ إِلى أَيْلَة [أَيْ مَا بَينَ اليَمَنِ وَفِلَسْطِين] أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَن، وَأَحْلَى مِنَ العَسَل، أَكَاوِيبُهُ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاء، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدَا، وَأَوَّلُ مَنْ يَرِدُهُ عَلَيَّ: فُقَرَاءُ المُهَاجِرِين: الدُّنْسُ ثِيَابًَا - أَيِ الَِّذِينَ كَانُواْ في الدُّنيَا مُتَّسِخَةً ثِيَابُهُمْ فَقْرًَا - وَالشُّعْثُ رُءُوسًا، الَّذِينَ لاَ يَنْكِحُونَ المُنَعَّمَاتِ وَلاَ تُفْتَحُ لَهُمْ السُّدَد "
[صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيصِ بِرَقْم: (٧٣٧٤)، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنيِ الإِمَامَينِ ابْنِ مَاجَةَ وَالتِّرْمِذِيِّ بِرَقمَيْ: ٤٣٠٣، ٢٤٤٤]
[ ٥٣٨٦ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " حَوْضِي: كَمَا بَيْنَ عَدَنَ وَعَمَّان، أَبْرَدُ مِنَ الثَّلْج، وَأَحْلَى مِنَ العَسَل، وَأَطْيَبُ رِيحًا مِنَ المِسْك، أَكْوَابُهُ مِثْلُ نُجُومِ السَّمَاء، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا، أَوَّلُ النَّاسِ عَلَيْهِ وُرُودًا: صَعَالِيكُ المُهَاجِرِين " ٠٠ قَالَ قَائِل: وَمَن هُمْ يَا رَسُولَ الله ٠٠؟
قَالَ ﷺ: " الشَّعِثَةُ رُءوسُهُمْ، الشَّحِبَةُ وُجُوهُهُمْ، الدَّنِسَةُ ثِيَابُهُمْ، لاَ يُفْتَحُ لَهُمُ السُّدَد، وَلاَ يَنْكِحُونَ المُتَنَعِّمَات، الَّذِينَ يُعْطُونَ كُلَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ، وَلاَ يَأْخُذُونَ الَّذِي لَهُمْ " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: (٦١٦٢)، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: ٢٠٦٠، ١٠٨٢]
[ ٥٣٨٧ ]
مُصِيبَةُ عَدَمِ الإِنْجَابِ أَوْ تَأَخُّرِه
كُن عَلَى أَمَلٍ كَبِيرٍ في الْكَرِيمِ الرَّزَّاق؛ وَإِنْ ضَاقَتْ عَلَيْكَ الآفَاق؛ فَقَدْ يَرْزُقُكَ مِثْلَمَا رَزَقَ إِبْرَاهِيمَ وَامْرَأَتَهُ الْعَقِيمَ بِإِسْحَاق ٠٠
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المُكْرَمِين ﴿٢٤﴾ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَمًَا قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُنكَرُون ﴿٢٥﴾ فَرَاغَ إِلىَ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِين ﴿٢٦﴾ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُون ﴿٢٧﴾ فَأَوْجَسَ مِنهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيم ﴿٢٨﴾ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ في صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيم ﴿٢٩﴾ قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الحَكِيمُ العَلِيم ﴿٣٠﴾ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المُرْسَلُون ﴿٣١﴾ قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلىَ قَوْمٍ مُجْرِمِين ﴿٣٢﴾ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِين﴾ ﴿الذَّارِيَات﴾
[ ٥٣٨٨ ]
﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوب ﴿٧١﴾ قَالَتْ يَا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيب ﴿٧٢﴾ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِن أَمْرِ اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيد ﴿٧٣﴾ فَلَمَّا ذَهَبَ عَن إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ البُشْرَى يُجَادِلُنَا في قَوْمِ لُوط ﴿٧٤﴾ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ﴿٧٥﴾ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَن هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُود﴾ ﴿هُود﴾
[ ٥٣٨٩ ]
حَدَّثَ عِكْرِمَةُ ﵁ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ في شَرْحِ هَذِهِ الآيَات: " كَانَتْ سَارَةُ ﵂ بِنْتَ تِسْعِينَ سَنَة، وَإِبْرَاهِيمُ ابْنُ مِاْئَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَة، فَلَمَّا ذَهَبَ عَن إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ [بِسَبَبِ أَنَّ أَيْدِيَهُمْ لَمْ تَمْتَدَّ إِلىَ الطَّعَام]، وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى بِإِسْحَاق، وَأَمِنَ مِمَّنْ كَانَ يَخَافُهُ قَال: الحَمْدُ للهِ الَّذِي وَهَبَ لي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاق؛ إِنَّ رَبيِّ لَسَمِيعُ الدُّعَاء؛ فَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلىَ سَارَةَ بِالْبُشْرَى فَقَال: أَبْشِرِي بِوَلَدٍ يُقَالُ لَهُ إِسْحَاق،
[ ٥٣٩٠ ]
وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوب، فَضَرَبَتْ جَبْهَتَهَا عَجَبًَا؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ وَعَلاَ: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ ﴿الذَّارِيَات/٢٩﴾
وَقَالَتْ: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيب ﴿٧٢﴾ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِن أَمْرِ اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيد﴾ ﴿هُود﴾ " ٠ [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٤٠٤٢]
[ ٥٣٩١ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ في قِصَّةِ مَرْيَمَ ﵂: " كَفَلَهَا زَكَرِيَّا، فَدَخَلَ عَلَيْهَا المحْرَابَ فَوَجَدَ عِنْدَهَا عِنَبًَا في مِكْتَلٍ في غَيرِ حِينِه؛ قَالَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلاَم: أَنىَّ لَكِ هَذَا؟
قَالَتْ: هُوَ مِن عِنْدِ الله؛ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَاب؛ قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَم: إِنَّ الَّذِي يَرْزُقُكِ الْعِنَبَ في غَيرِ حِينِهِ: لَقَادِرٌ أَنْ يَرْزُقَني مِنَ الْعَاقِرِ الْكَبِيرِ الْعَقِيمِ وَلَدًَا؛ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّه؛ فَلَمَّا بُشِّرَ بِيَحْيى قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَم: رَبِّ اجْعَلْ لي آيَةً؛ قَالَ ﷿:
﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيَّا﴾ ﴿مَرْيم/١٠﴾
[ ٥٣٩٢ ]
قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ ﵁: يُعْتَقَلُ لِسَانُكَ مِن غَيرِ مَرَضٍ وَأَنْتَ سَوِيّ " ٠ [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٣١٥٠]
فَعَلَيْكَ بِقَوْلِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلاَم: ﴿رَبِّ هَبْ لي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء﴾ ﴿آلِ عِمْرَان/٣٨﴾
وَبِقَوْلِهِ في مَوْضِعٍ آخَر: ﴿رَبِّ لاَ تَذَرْني فَرْدًَا وَأَنْتَ خَيرُ الوَارِثِين﴾
﴿الأَنْبِيَاء/٨٩﴾
[ ٥٣٩٣ ]
وَقَوْلِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ في سُورَةِ الْفُرْقَان: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِن أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامَا﴾ ﴿الفُرْقَان/٧٤﴾
مَالِكُ بْنُ دِينَار
بَيْنَمَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ يَوْمًَا جَالِسٌ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَال: يَا أَبَا يحيى، ادْعُ لاَمْرَأَةٍ حُبْلَى مُنْذُ أَرْبَعِ سِنِينَ قَدْ أَصْبَحَتْ في كَرْبٍ شَدِيد ٠٠؟
فَغَضِبَ مَالِكٌ وَأَطْبَقَ المُصْحَفَ ثُمَّ قَال: مَا يَرَى هَؤُلاَء: إِلاَّ أَنَّا أَنْبِيَاء!!
[ ٥٣٩٤ ]
ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ دَعَا ثُمَّ قَال: اللهُمَّ هَذِهِ المَرْأَةُ إِنْ كَانَ رِيحًَا فَأَخْرِجْهُ عَنهَا السَّاعَة، وَإِنْ كَانَ جَارِيَةً فَأَبْدِلهَا بِهَا غُلاَمًَا؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الكِتَاب، وَرَفَعَ مَالِكٌ يَدَهُ وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُم، وَجَاءَ الرَّسُولُ إِلى الرَّجُلِ فَقَالَ أَدْرِكِ امْرَأَتَك، فَذَهَبَ الرَّجُل، فَمَا حَطَّ مَالِكٌ يَدَهُ حَتىَّ دَخَلَ الرَّجُلُ مِنْ بَابِ المَسْجِدِ وَعَلَى رَقَبَتِهِ غُلاَمٌ جَعْدٌ قَطَطُ ابْنُ أَرْبَعِ سِنِين، قَدِ اسْتَوَتْ أَسْنَانُهُ وَمَا قُطِعَ سَرَرُه ٠٠!!
[رَوَاهُ الدَّارُ قَطْنيُّ في سُنَنِه، وَالإِمَامُ الْبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ بِرَقْم: ١٥٣٣٤]
[ ٥٣٩٥ ]
حَدَّثَ مَعْنٌ عَنِ الوَاقِدِيِّ عَنْ محَمَّدُ بْنِ الضَّحَّاكِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَال:
" حَمَلَتْ أُمُّ مَالِكٍ بِمَالِكٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ ثَلاَثَ سنِين " ٠ [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ٥٦/ ٨]
" وَثَبَتَ هَذَا الحَمْلُ الطَّوِيلُ أَيْضًَا لاِمْرَأَةِ محَمَّدِ بْنِ عَجْلاَنَ وَأُمِّهِ وَجَدَّتِهِ حَيْثُ حَمَلْنَ أَرْبَعَ سِنِين، كَمَا ثَبَتَ عَن أُمِّ الإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّهَا حَمَلَتْهُ حَوْلَينِ كَامِلَين " ٠ [الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ٠ طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة ٠ ص: ٣١٩، ٣٢٠/ ٦]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم: ﴿اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَار﴾ ﴿الرَّعْد/٨﴾
[ ٥٣٩٦ ]
وَرُوِيَ أَيْضًَا أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ فَقَال: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ إِنيِّ غِبْتُ عَنِ امْرَأَتي سَنَتَينِ فَجِئْتُ وَهِيَ حُبْلَى، فَشَاوَرَ عُمَرُ النَّاسَ في رَجْمِهَا ٠٠؟
فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَل: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنْ كَانَ لَكَ عَلَيْهَا سَبِيل؛ فَلَيْسَ لَكَ عَلَى مَا في بَطْنِهَا مِنْ سَبِيل، اتْرُكْهَا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ حَتىَّ تَضَعَ حَمْلَهَا، فَتَرَكَهَا فَوَضَعَتْ غُلاَمًَا قَدْ خَرَجَتْ ثِنيَتَاه، فَعَرَفَ الرَّجُلُ الشَّبَهَ فَقَال: ابْني وَرَبِّ الكَعْبَة، فَقَالَ عُمَر: عَجَزَتِ النِّسَاءُ أَنْ يَلِدْنَ مِثْلَ مُعَاذ، لَوْلاَ مُعَاذٌ لَهَلَكَ عُمَر ٠ [الإِمَامُ القُرْطُبيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَة]
[ ٥٣٩٧ ]