=======================
فَمِنْ سَالِفِ الأَيَّامِ وَالظُّلْمُ في الوَرَى * فَمَا مَاتَ مَظْلُومٌ وَلاَ عَاشَ ظَالِمُ
﴿المُتَنَبيِّ بِتَصَرُّف﴾
وَكَمَا قَالُواْ في الأَمْثَال: المجْرِمُ وَاحِدٌ، وَالمُتَّهَمُونَ عَشْرَة ٠٠!!
تَأَمَّلتُ في هَذِي الحَيَاةِ فَلَمْ أَجِدْ * سِوَى صَوْتِ مَظْلُومٍ وَطُغْيَانِ ظَالِمِ
وَذِي قُوَّةٍ يَسْطُو بِنَابٍ وَمخْلَبٍ * عَلَى كُلِّ ذِي ضَعْفٍ وَدِيعٍ مُسَالِمِ
حَيَاةٌ مِنَ الْغَابِ اسْتَعَارَتْ شَرِيعَةً * فَلاَ يَلْتَقِي فِيهَا الضَّعِيفُ بِرَاحِمِ
وَمَنْ ضَمَّ في جَنْبَيْهِ قَلْبَ نَعَامَةٍ * فَلاَ يَنْتَظِرْ إِلاَّ وُثُوبَ الضَّرَاغِمِ
[ ٥١٣٠ ]
الخَوْفُ وَالرُّعْبُ الَّذِي رَآهُ الصَّحَابَةُ في مَهْدِ الإِسْلاَم، وَالاِضْطِهَادُ الَّذِي تَعَرَّضُواْ لَهُ:
الخَوْفُ مِنَ الظَّالمِينَ لاَ شَيْءَ فِيه؛ فَقَدْ خَافَهُمْ أَنْبيَاءُ الله: فَهَذَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَدْ حَكَى اللهُ عَنهُ قَوْلَهُ: ﴿فَرَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾
[الشُّعَرَاء: ٢١]
[ ٥١٣١ ]
وَهَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ:
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: " لَقَدْ ضَرَبُواْ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتىَّ غُشِيَ عَلَيْهِ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَجَعَلَ يُنَادِي وَيَقُول: وَيْلَكُمْ؛ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ الله؟!
قَالُواْ: مَن هَذَا ٠٠؟
قَالُواْ: هَذَا ابْنُ أَبي قُحَافَةَ المجْنُون " ٠
[قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الإِمَامِ مُسْلِم، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٤٤٢٤]
[ ٥١٣٢ ]
وَهَؤُلاَءِ هُمْ صَحَابَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ:
عَن حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: " اكْتُبُواْ لي مَنْ تَلَفَّظَ بِالإِسْلاَمِ مِنَ النَّاس " ٠٠؟
فَكَتَبْنَا لَهُ أَلفًَا وَخَمْسَمِاْئَةِ رَجُل، فَقُلْنَا: نَخَافُ وَنحْنُ أَلفٌ وَخَمْسُمِاْئَة؟!
فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا ابْتُلِينَا؛ حَتىِّ إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي وَحْدَهُ وَهُوَ خَائِف " ٠
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٣٠٦٠ / فَتْح]
[ ٥١٣٣ ]
عَن حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ ﵁ قَال:
" كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَال:
" أَحْصُواْ لي كَمْ يَلْفِظُ الإِسْلاَم " ٠٠؟ فَقُلْنَا:
يَا رَسُولَ الله؛ أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَنحْنُ مَا بَيْنَ السِّتِّمِاْئَةِ إِلى السَّبْعِمِاْئَة ٠٠؟
قَالَ ﷺ: " إِنَّكُمْ لاَ تَدْرُون، لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْا " ٠
فَابْتُلِيَنَا؛ حَتىَّ جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لاَ يُصَلِّي إِلاَّ سِرًَّا " ٠
[الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ١٤٩ / عَبْد البَاقِي]
[ ٥١٣٤ ]
عَن خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ ﵁ قَال:
" شَكَوْنَا إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ في ظِلِّ الكَعْبَة، فَقُلْنَا: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا ٠٠؟ أَلاَ تَدْعُو لَنَا ٠٠؟
فَقَالَ ﷺ: " قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُل، فَيُحْفَرُ لَهُ في الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالمِنْشَار، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْن، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لحْمِهِ وَعَظْمِه، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِه، وَاللهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْر؛ حَتىَّ يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلى حَضْرَمَوْت، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِه، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُون "٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٦٩٤٣ / فَتْح]
أَيْ لاَ يَخَافُ اللُّصُوصَ لِوَفْرَةِ الإِيمَانِ في قُلُوبِ النَّاس ٠
[ ٥١٣٥ ]
شَكْوَى مَن عَاصَرُواْ الحَجَّاج
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" اصْبِرُواْ؛ فَإِنَّهُ لاَ يَأْتي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلاَّ الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتىَّ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٧٠٦٨ / فَتْح]
[ ٥١٣٦ ]
وَرُوِيَ عَن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ الوَازِعِ أَنَّهُ قَال: حَدَّثَني شَيْخٌ مِنْ بَني مُرَّةَ قَال: قَدِمْتُ الكُوفَةَ، فَأُخْبِرْتُ عَنْ بِلاَلِ بْنِ أَبي بُرْدَةَ - وَكَانَ عَزِيزًَا في قَوْمِهِ فَذَلّ - فَقُلْتُ: إِنَّ فِيهِ لَمُعْتَبَرًَا؛ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ محْبُوسٌ في دَارِهِ الَّتي قَدْ كَانَ بَنى، وَإِذَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ قَدْ تَغَيَّرَ مِنَ العَذَابِ وَالضَّرْب، وَإِذَا هُوَ في قُشَاشٍ - أَيْ في زَبَلٍ - فَقُلْتُ: الحَمْدُ للهِ يَا بِلاَل؛ لَقَدْ رَأَيْتُكَ وَأَنْتَ تَمُرُّ بِنَا؛ تُمْسِكُ بِأَنْفِكَ مِن غَيْرِ غُبَار، وَأَنْتَ في حَالِكَ هَذَا اليَوْم ٠٠!!
[ ٥١٣٧ ]
فَقَالَ مِمَّن أَنْت ٠٠؟
فَقُلْتُ: مِنْ بَني مُرَّةَ بْنِ عَبَّاد ٠٠
فَقَال: أَلاَ أُحَدِّثُكَ حَدِيثًَا عَسَى اللهُ أَنْ يَنْفَعَكَ بِه ٠٠؟
قُلْتُ هَاتِ، قَال: حَدَّثَني أَبي أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: " لاَ يُصِيبُ عَبْدًَا نَكْبَةٌ فَمَا فَوْقَهَا أَوْ دُونَهَا؛ إِلاَّ بِذَنْب، وَمَا يَعْفُو اللهُ عَنْهُ أَكْثَر " ٠٠
وَقَرَأَ ﷺ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ﴿الشُّورَى/٣٠﴾
[ضَعَّفَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: (٣٢٥٢)، وَلَكِن حَسَّنَهُ في صَحِيحِ الجَامِعِ بِرَقْم: ٧٧٣٢]
[ ٥١٣٨ ]
عَن أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" إِنَّ اللهَ لَيُمْلي لِلظَّالِم، حَتىَّ إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ " ٠٠ ثُمَّ قَرَأَ ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد﴾ ﴿هُود/١٠٢﴾
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٤٦٨٦ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٥٨٣ / عَبْد البَاقِي]
[ ٥١٣٩ ]
مَا احْتَمَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ ظُلْمِ المُشْرِكِين
عَن أَنَسٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" مَا أُوذِيَ أَحَدٌ مَا أُوذِيتُ في الله " ٠ [حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " الجَامِعِ " بِرَقْم: (١٠٥٠٥)، رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَة]
[ ٥١٤٠ ]
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال:
" لَقَدْ أُخِفْتُ في اللهِ وَمَا يخَافُ أَحَد، وَلَقَدْ أُوذِيتُ في اللهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَد، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلاَثُونَ مِنْ بَينِ يَوْمٍ وَلَيْلَة؛ وَمَا لي وَلِبِلاَلٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِد - أَيْ إِنْسَان - إِلاَّ شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلاَل " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الجَامِعِ بِرَقْم: ٩٢٥٦، وَصَحَّحَهُ في سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: ٢٤٧٢، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ]
[ ٥١٤١ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁؛ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْت، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوس؛ إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض: أَيُّكُمْ يجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَني فُلاَن؛ فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ محَمَّدٍ إِذَا سَجَد ٠٠؟
[ ٥١٤٢ ]
فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ فَجَاءَ بِه، فَنَظَرَ حَتىَّ سَجَدَ النَّبيُّ ﷺ وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَينَ كَتِفَيْه، وَأَنَا أَنْظُرُ لاَ أُغْني شَيْئًَا، لَوْ كَانَ لي مَنَعَة - أَيْ لَوْ أَنَّ لي قُوَّةً وَعِزَّةً في قَوْمِي لَمَنَعْتُهُمْ - فَجَعَلُواْ يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ - أَيْ يَمِيلُ - بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِدٌ لاَ يَرْفَعُ رَأْسَه، حَتىَّ جَاءتْهُ فَاطِمَةُ فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِه؛ فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَأْسَهُ ثمَّ قَال: " اللهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ - ثَلاَثَ مَرَّاتٍ - فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ؛ وَكَانُواْ يَرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ في ذَلِكَ البَلَدِ مُسْتَجَابَة، ثمَّ سَمَّى: اللهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبي جَهْل
[ ٥١٤٣ ]
، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَة، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَة، وَالوَلِيدِ بْنِ عُتْبَة، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَف، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبي مُعَيْط، وَعَدَّ السَّابِعَ فَلَمْ يُحْفَظْ " ٠٠ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه؛ لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَرْعَى في القَلِيبِ قَلِيبِ بَدْر " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٢٤٠ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ١٧٩٤ / عَبْد البَاقِي]
[ ٥١٤٤ ]
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى: عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَيْضًَا قَال: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَة، وَجَمْعُ قُرَيْشٍ في مجَالِسِهِمْ؛ إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَلاَ تَنْظُرُونَ إِلىَ هَذَا المُرَائِي؛ أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلى جَزُورِ آلِ فُلاَن، فَيَعْمِدُ إِلى فَرْثِهَا وَدَمِهَا وَسَلاَهَا فَيجِيءُ بِهِ، ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتىَّ إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَينَ كَتِفَيْه ٠٠؟
[ ٥١٤٥ ]
فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَضَعَهُ بَينَ كَتِفَيْه، وَثَبَتَ النَّبيُّ ﷺ سَاجِدًَا؛ فَضَحِكُواْ حَتىَّ مَالَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ مِنَ الضَّحِك؛ فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إِلى فَاطِمَةَ ﵂ وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ - أَيْ بِنْتٌ صَغِيرَة - فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى، وَثَبَتَ النَّبيُّ ﷺ سَاجِدًَا حَتىَّ أَلقَتْهُ عَنْهُ وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلاَةَ قَال:
[ ٥١٤٦ ]
" اللهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْش، اللهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْش، اللهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْش، ثمَّ سَمَّى: اللهُمَّ عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ هِشَام - أَيْ أَبي جَهْل - وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَة، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَة، وَالوَلِيدِ بْنِ عُتْبَة، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَف، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبي مُعَيْط، وَعُمَارَةَ بْنِ الوَلِيد " ٠٠ فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْر، ثمَّ سُحِبُواْ إِلىَ القَلِيبِ قَلِيبِ بَدْر " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٥٢٠ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ١٧٩٤ / عَبْد البَاقِي]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَال:
[ ٥١٤٧ ]
" إِنَّ المَلأَ مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُواْ في الحِجْر، فَتَعَاقَدُواْ بِاللاَّتِ وَالعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةِ الأُخْرَى، وَنَائِلَةَ وَإِسَاف: لَوْ قَدْ رَأَيْنَا محَمَّدًَا لَقَدْ قُمْنَا إِلَيْهِ قِيَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَلَمْ نُفَارِقْهُ حَتىَّ نَقْتُلَه، فَأَقْبَلَتِ ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ ﵂ تَبْكِي حَتىَّ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: هَؤُلاَءِ المَلأُ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ تَعَاقَدُواْ عَلَيْك: لَوْ قَدْ رَأَوْكَ لَقَدْ قَامُواْ إِلَيْكَ فَقَتَلُوك، فَلَيْسَ مِنهُمْ رَجُلٌ إِلاَّ قَدْ عَرَفَ نَصِيبَهُ مِنْ دَمِك؛ فَقَالَ ﷺ: " يَا بُنَيَّة؛ أَرِيني وَضُوءًَا " ٠
[ ٥١٤٨ ]
فَتَوَضَّأَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمُ المَسْجِد، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُواْ: هَا هُوَ ذَا، وَخَفَضُواْ أَبْصَارَهُمْ، وَسَقَطَتْ أَذْقَانُهُمْ في صُدُورِهِمْ وَعَقِرُواْ في مجَالِسِهِمْ - أَيْ أُسْكِتُواْ وَخَرَسُواْ - فَلَمْ يَرْفَعُواْ إِلَيْهِ بَصَرًَا، وَلَمْ يَقُمْ إِلَيْهِ مِنهُمْ رَجُل؛ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتىَّ قَامَ عَلَى رُءوسِهِمْ، فَأَخَذَ ﷺ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ فَقَال:
" شَاهَتِ الوُجُوه " ٠٠ ثُمَّ حَصَبَهُمْ بِهَا، فَمَا أَصَابَ رَجُلًا مِنهُمْ مِنْ ذَلِكَ الحَصَى حَصَاةٌ إِلاَّ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًَا " ٠
[صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، وَالْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْمَيْ: ٢٧٦٢، ٣٤٨٥، رَوَاهُ الإِمَامَانِ الحَاكِمُ وَأَحْمَد]
[ ٥١٤٩ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرَ ﵁ قَال: " لَمَّا تُوُفيَ أَبُو طَالِب؛ خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ إِلى الطَّائِفِ مَاشِيًَا عَلَى قَدَمَيْه، يَدْعُوهُمْ إِلى الإِسْلاَمِ فَلَمْ يجِيبُوه؛ فَانْصَرَفَ ﷺ، فَأَتَى ظِلَّ شَجَرَةٍ فَصَلَّى رَكْعَتَينِ ثمَّ قَال:" اللهُمَّ إِنيِّ أَشْكُو إِلَيْكَ ضَعْفَ قُوَّتي، وَقِلَّةَ حِيلَتي، وَهَوَاني عَلَى النَّاس، أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين؛ إِلى مَنْ تَكِلُني ٠٠ إِلى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُني ٠٠؟!
أَمْ إِلى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي ٠٠؟!
[ ٥١٥٠ ]
إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلاَ أُبَالي، وَلَكِن عَافِيَتُكَ أَوْسَعُ لي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَات، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنيَا وَالآخِرَة؛ أَنْ يَنزِلَ بيَ غَضَبُك، أَوْ يحِلَّ عَلَيَّ سَخَطُك، لَكَ العُتْبى حَتىَّ تَرْضَى، وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِك " ٠
[قَالَ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في " المجْمَع ": فِيهِ مُدَلِّسٌ ثِقَة، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَات ٠ ص: (٣٥/ ٦)، أَخْرَجَهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيُّ]
وَمَعْنى إِلى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُني: أَيْ إِلى مُسْتَقبَلٍ مُوحِشٍ مُظْلِمٍ يَعْبَسُ في وَجْهِي ٠
بَعْضُ الأَهْوَال؛ الَّتي رَآهَا النَّبي دَانيَال
[ ٥١٥١ ]
ذَكَرَ عَلَيُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ أَنَّ بُخْتُنَصَّرَ أُتِيَ بِدَانيَالَ النَّبيِّ عَلَيْهِ السَّلاَم؛ فَأَمَرَ بِهِ فَحُبِسَ في جُبّ، وَأَضْرَى أَسَدَيْنِ ثُمَّ خَلَّى بَيْنَهُمَا وَبَيْنَه، ثمَّ فَتَحَ عَلَيْهِ بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّام فَوَجَدَهُ قَائِمَا يُصَلِّي، وَالأَسَدَانِ في نَاحِيَةِ الجُبِّ لَمْ يَعْرِضَا لَه، فَقَالَ لَهُ: مَا قُلْتَ حِينَ دُفِعَا عِلَيْك ٠٠؟
[ ٥١٥٢ ]
قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَم: قلْتُ الحَمْدُ لله الَّذِي لاَ يَنْسَى مَنْ ذَكَرَه، والحَمْدُ لله الَّذِي لاَ يخِيبُ مَنْ رَجَاه، والحَمْدُ لله الَّذي لاَ يَكِلُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْه إِلى غَيرِه، والحَمْدُ لله الَّذي هُوَ ثِقَتُنَا حينَ تَنْقَطِعُ عَنَّا الحِيَل، والحَمْدُ لله الَّذي هُوَ رَجَاؤُنَا حينَ يَسُوءُ ظَنُّنَا بِأَعْمَالِنَا، والحَمْدُ لله الَّذي يَكْشِفُ عَنَّا ضُرَّنَا بَعْدَ كُرْبَتِنَا، والحَمْدُ للهِ الَّذِي يجْزِي بِالإِحْسَانِ إِحْسَانَا، والحَمْدُ للهِ الَّذِي يجْزِي بِالصَّبرِ نجَاة " ٠
[ابْنُ القَيِّمِ في " عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِين " بِالبَابِ العِشْرِين]
حَتىَّ سَيِّدُنَا سَعْدُ بْنُ أَبي وَقَّاصٍ عَلَى فُرُوسِيَّتِهِ لَمْ يَنْجُ مِنَ الظَّالمِين
[ ٥١٥٣ ]
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَال: شَكَا أَهْلُ الكُوفَةِ سَعْدًَا إِلى عُمَرَ ﵁؛ فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًَا؛ فَشَكَوْا، حَتىَّ ذَكَرُواْ أَنَّهُ لاَ يُحْسِنُ يُصَلِّي؛ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَال: يَا أَبَا إِسْحَاق؛ إِنَّ هَؤُلاَءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لاَ تُحْسِنُ تُصَلِّي؛ قَالَ أَبُو إِسْحَاق: أَمَّا أَنَا وَاللهِ؛ فَإِنيِّ كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلاَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أُصَلِّي صَلاَةَ العِشَاءِ فَأَرْكُدُ في الأُولَيَين - أَيْ أُبْطِئُ - وَأُخِفُّ في الأُخْرَيَين؛ قَالَ - أَيْ عُمَرُ ﵁: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاق؛ فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا أَوْ رِجَالًا إِلى الكُوفَة؛ فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الكُوفَة، وَلَمْ يَدَعْ
[ ٥١٥٤ ]
مَسْجِدًَا إِلاَّ سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًَا، حَتىَّ دَخَلَ مَسْجِدًَا لِبَني عَبْس؛ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَة، يُكْنى أَبَا سَعْدَةَ قَال: أَمَا إِذْ نَشَدْتَنَا؛ فَإِنَّ سَعْدًَا كَانَ لاَ يَسِيرُ بِالسَّرِيَّة - أَيْ يَبْعَثُنَا وَيَقْعُدُ هُوَ - وَلاَ يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّة، وَلاَ يَعْدِلُ في القَضِيَّة؛ قَالَ سَعْد: أَمَا وَاللهِ؛ لأَدْعُوَنَّ بِثَلاَث: اللهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًَا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً؛ فَأَطِل عُمْرَه، وَأَطِل فَقْرَه، وَعَرِّضْهُ بِالفِتَن؛ وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُول: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُون، أَصَابَتْني دَعْوَةُ سَعْد، قَالَ عَبْدُ المَلِك - أَحَدُ رُوَاةِ الحَدِيثِ مِن أَهْلِ الْكُوفَة: فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى
[ ٥١٥٥ ]
عَيْنَيْهِ مِنَ الكِبر، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي في الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنّ " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٧٥٥ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٤٥٣ / عَبْد البَاقِي]
التُّهَمُ الَّتي يُمْنى بِهَا الضُّعَفَاء
عَن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ ﵁ عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ لِبَعْضِ العَرَب، وَكَانَ لَهَا حِفْشٌ في المَسْجِد - أَيْ خَيْمَةٌ صَغِيرَة - فَكَانَتْ تَأْتِينَا فَتُحَدِّثُ عِنْدَنَا، فَإِذَا فَرَغَتْ مِنْ حَدِيثِهَا قَالَتْ:
وَيَوْمُ وِشَاحٍ مِنْ تَعَاجِيبِ رَبِّنَا * أَلاَ إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الكُفْرِ أَنْجَانِي
[ ٥١٥٦ ]
قَالَ عُرْوَةُ ﵁: فَلَمَّا أَكْثَرَتْ؛ قَالَتْ لهَا عَائِشَةُ ﵂: وَمَا يَوْمُ الوِشَاح ٠٠؟
قَالَتْ: خَرَجَتْ جُوَيْرِيَةٌ لِبَعْضِ أَهْلي وَعَلَيْهَا وِشَاحٌ مِن أَدَم، فَسَقَطَ مِنْهَا، فَانْحَطَّتْ عَلَيْهِ الحُدَيَّا - أَيِ الحِدَأَةُ أَوِ البُومَة - وَهِيَ تحْسِبُهُ لحمًَا، فَأَخَذَتْهُ؛ فَاتَّهَمُوني بِهِ؛ فَعَذَّبُوني حَتىَّ بَلَغَ مِن أَمْرِي أَنَّهُمْ طَلَبُواْ في قُبُلِي، فَبَيْنَا هُمْ حَوْلي، وَأَنَا في كَرْبي؛ إِذْ أَقْبَلَتِ الحُدَيَّا حَتىَّ وَازَتْ بِرُءوسِنَا ثمَّ القَتْهُ، فَأَخَذُوه؛ فَقُلْتُ لهُمْ: هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُوني بِهِ وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَة " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٣٨٣٥ / فَتْح]
[ ٥١٥٧ ]
التُّهْمَةُ الَّتي مُنِيَتْ بِهَا أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ ﵂ في عِرْضِهَا
عَن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵁ عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا ذُكِرَ مِنْ شَأْني الَّذِي ذُكِرَ وَمَا عَلِمْتَ بِه؛ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فيَّ خَطِيبًَا؛ فَتَشَهَّدَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنى عَلَيْهِ بمَا هُوَ أَهْلُهُ ثمَّ قَال:" أَمَّا بَعْد؛ أَشِيرُواْ عَلَيَّ في أُنَاسٍ أَبَنُواْ أَهْلي - أَيِ اتَّهَمُوهُمْ في شَرَفِهِمْ وَعِفَّتِهِمْ - وَايْمُ الله؛ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوء، وَأَبَنُوهُمْ بمَنْ ٠٠؟!
[ ٥١٥٨ ]
وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطّ، وَلاَ يَدْخُلُ بَيْتي قَطُّ إِلاَّ وَأَنَا حَاضِر، وَلاَ غِبْتُ في سَفَرٍ إِلاَّ غَابَ مَعِي " ٠٠ فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَال: ائْذَنْ لي يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ نَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَني الخَزْرَج - وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ مِنْ رَهْطِ ذَلِكَ الرَّجُل - فَقَالَ كَذَبْت؛ أَمَا وَاللهِ أَنْ لَوْ كَانُواْ مِنَ الأَوْسِ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ تُضْرَبَ أَعْنَاقُهُمْ؛ حَتىَّ كَادَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ شَرٌّ في المَسْجِدِ وَمَا عَلِمْتُ، فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ ذَلِكَ اليَوْمِ خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتي وَمَعِي أُمُّ مِسْطَح، فَعَثَرَتْ وَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَح؛ فَقُلْتُ: أَيْ أُمّ؛ تَسُبِّينَ ابْنَكِ ٠٠؟!
[ ٥١٥٩ ]
وَسَكَتَتْ، ثمَّ عَثَرَتِ الثَّانِيَةَ فَقَالَتْ: تَعَسَ مِسْطَح؛ فَقُلْتُ لهَا: أَيْ أُمّ؛ أَتَسُبِّينَ ابْنَكِ ٠٠؟!
فَسَكَتَتْ، ثمَّ عَثَرَتِ الثَّالِثَةَ فَقَالَتْ: تَعَسَ مِسْطَح؛ فَانْتَهَرْتُهَا؛ فَقَالَتْ وَاللهِ مَا أَسُبُّهُ إِلاَ فِيكِ؛ فَقُلْتُ في أَيِّ شَأْني ٠٠؟ فَبَقَرَتْ ليَ الحَدِيث؛ فَقُلْتُ: وَقَدْ كَانَ هَذَا ٠٠؟!
قَالَتْ نَعَمْ وَاللهِ؛ فَرَجَعْتُ إِلى بَيْتي كَأَنَّ الَّذِي خَرَجْتُ لَهُ لاَ أَجِدُ مِنْهُ قَلِيلًا وَلاَ كَثِيرًَا، وَوُعِكْتُ؛ فَقُلْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: أَرْسِلْني إِلى بَيْتِ أَبي؛ فَأَرْسَلَ مَعِي الغُلاَم؛ فَدَخَلْتُ الدَّارَ فَوَجَدْتُ أُمَّ رُومَانَ - أَيْ أُمَّهَا - في السُّفْل، وَأَبَا بَكْرٍ فَوْقَ البَيْتِ يَقْرَأ، فَقَالَتْ أُمِّي: مَا جَاءَ بِكِ يَا بُنَيَّة ٠٠؟!
[ ٥١٦٠ ]
فَأَخْبَرْتُهَا وَذَكَرْتُ لهَا الحَدِيث؛ وَإِذَا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مِثْلَ مَا بَلَغَ مِنيِّ؛ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّة؛ خَفِّفِي عَلَيْكِ الشَّأْن؛ فَإِنَّهُ وَاللهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، لَهَا ضَرَائِرُ إِلاَّ حَسَدْنهَا وَقِيلَ فِيهَا ٠٠ وَإِذَا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مَا بَلَغَ مِنيِّ، قُلْتُ: وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَبي ٠٠؟
قَالَتْ نَعَمْ، قُلْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ٠٠؟
قَالَتْ نَعَمْ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ، وَاسْتَعْبَرْتُ وَبَكَيْت؛ فَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتي وَهُوَ فَوْقَ البَيْتِ يَقْرَأ؛ فَنَزَلَ فَقَالَ لأُمِّي: مَا شَأْنُهَا ٠٠؟
[ ٥١٦١ ]
قَالَتْ: بَلَغَهَا الَّذِي ذُكِرَ مِنْ شَأْنِهَا؛ فَفَاضَتْ عَيْنَاه؛ قَالَ ﵁: أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ أَيْ بُنَيَّة؛ إِلاَّ رَجَعْتِ إِلىَ بَيْتِكِ؛ فَرَجَعْت، وَلَقَدْ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْتي، فَسَأَلَ عَنيِّ خَادِمَتي فَقَالَتْ: لاَ وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْبًَا، إِلاَّ أَنهَا كَانَتْ تَرْقُدُ حَتىَّ تَدْخُلَ الشَّاةُ فَتَأْكُلَ خَمِيرَهَا أَوْ عَجِينَهَا، وَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ اصْدُقِي رَسُولَ اللهِ ﷺ؛ حَتىَّ أَسْقَطُواْ لهَا بِهِ - أَيْ زَجَرُوهَا - فَقَالَتْ: سُبْحَانَ الله؛ وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلاَّ مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ - أَيْ مَا عَلِمْتُ عِرْضَهَا إِلاَّ خَالِصًَا نَاصِعًَا - وَبَلَغَ الأَمْرُ
[ ٥١٦٢ ]
إِلى ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي قِيلَ لَهُ - أَيْ نمَى الحَدِيثُ إِلى صَفْوَانَ بْنِ المُعَطَّلِ السُّلَمِيّ - فَقَالَ ﵁: سُبْحَانَ اللهِ؛ وَاللهِ مَا كَشَفْتُ كَنَفَ أُنْثَى قَطُّ - أَيْ سَوْأَةً لأُنْثَى قَطّ - فَقُتِلَ شَهِيدًَا في سَبِيلِ الله، وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي،
[ ٥١٦٣ ]
فَلَمْ يَزَالاَ حَتىَّ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ صَلَّى العَصْر، ثمَّ دَخَلَ وَقَدِ اكْتَنَفَني أَبَوَا يَ عَنْ يَمِيني وَعَنْ شِمَالي، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَال: أَمَّا بَعْد، يَا عَائِشَة؛ إِنْ كُنْتِ قَارَفْتِ سُوءًَا أَوْ ظَلَمْتِ؛ فَتُوبي إِلى الله؛ فَإِنَّ اللهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِن عِبَادِه، وَقَدْ جَاءتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَهِيَ جَالِسَةٌ بِالبَاب؛ فَقُلْتُ: أَلاَّ تَسْتَحْيِي مِن هَذِهِ المَرْأَةِ أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًَا؛ فَوَعَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَيْ ظَلَّ يُذَكِّرُهَا بِاللهِ وَيَسْتَتِيبُهَا - فَالتَفَتُّ إِلى أَبي فَقُلْتُ لَهُ أَجِبْهُ؛ قَالَ فَمَاذَا أَقُول ٠٠؟!
فَالتَفَتُّ إِلى أُمِّي فَقُلْتُ أَجِيبِيه؛ فَقَالَتْ أَقُولُ مَاذَا ٠٠؟!
[ ٥١٦٤ ]
فَلَمَّا لَمْ يُجِيبَاه؛ تَشَهَّدْتُ فَحَمِدْتُ اللهَ وَأَثْنَيْتُ عَلَيْهِ بمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قُلْت: أَمَّا بَعْد؛ فَوَاللهِ لَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنيِّ لَمْ أَفْعَلْ - وَاللهُ ﷿ يَشْهَدُ أَنيِّ لَصَادِقَة - مَا ذَاكَ بِنَافِعِي عِنْدَكُمْ؛ لَقَدْ تَكَلَّمْتُمْ بِهِ وَأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُكُمْ، وَإِنْ قُلْتُ إِنيِّ قَدْ فَعَلْتُ - وَاللهُ يَعْلَمُ أَنيِّ لَمْ أَفْعَلْ - لَتَقُولُنَّ قَدْ بَاءَتْ بِهِ عَلَى نَفْسِهَا ٠٠ وَإِنيِّ وَاللهِ مَا أَجِدُ لي وَلَكُمْ مَثَلًا، وَالتَمَسْتُ اسْمَ يَعْقُوبَ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ إِلاَّ أَبَا يُوسُفَ حِينَ قَال: فَصَبْرٌ جمِيل، وَاللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُون، وَأُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ سَاعَتِه؛ فَسَكَتْنَا، فَرُفِعَ عَنْهُ وَإِنيِّ لأَتَبَيَّنُ
[ ٥١٦٥ ]
السُّرُورَ في وَجْهِه، وَهُوَ يمْسَحُ جَبِينَهُ وَيَقُول: أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ؛ فَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ بَرَاءَتَكِ - وَكُنْتُ أَشَدَّ مَا كُنْتُ غَضَبًَا - فَقَالَ لي أَبَوَاي: قُومِي إِلَيْه؛ فَقُلْتُ: لاَ وَاللهِ لاَ أَقُومُ إِلَيْهِ وَلاَ أَحمَدُهُ وَلاَ أَحمَدُكُمَا، وَلَكِن أَحمَدُ اللهَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءتي؛ لَقَدْ سَمِعْتُمُوهُ فَمَا أَنْكَرْتُمُوهُ وَلاَ غَيَّرْتُمُوه، يَقُولُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ﵁: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُول: أَمَّا زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْش؛ فَعَصَمَهَا اللهُ بِدِينِهَا، فَلَمْ تَقُلْ إِلاَّ خَيرًَا، وَأَمَّا أُخْتُهَا حَمْنَة؛ فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَك، وَكَانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيه؛ مِسْطَحٌ وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِت، وَالمُنَافِقُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ
[ ٥١٦٦ ]
وَيجْمَعُه - أَيْ يُذِيعُهُ وَيُفْشِيهِ وَيَسْتَخْبِرُ عَنهُ لِيُعَرِّفَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ - وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ، هُوَ وَحَمْنَة؛ فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لاَ يَنْفَعَ مِسْطَحًَا بِنَافِعَةٍ أَبَدًَا؛ فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿:
﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَة﴾ ٠٠ يَعْني أَبَا بَكْر ٠
﴿أَنْ يُؤْتُواْ أُولِي القُرْبى وَالمَسَاكِين﴾ ٠٠ يَعْني مِسْطَحًَا ٠
إِلى قَوْلِهِ: ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيم﴾ ﴿النُّور/٢٢﴾
حَتىَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: بَلَى وَاللهِ يَا رَبَّنَا؛ إِنَّا لَنُحِبُّ أَنْ تَغْفِرَ لَنَا، وَعَادَ لَهُ بمَا كَانَ يَصْنَع "
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٤٧٥٧ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٧٧٠ / عَبْد البَاقِي]
[ ٥١٦٧ ]
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ الزُّهْرِيِّ عَن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَآخَرِينَ عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُواْ، فَبَرَّأَهَا اللهُ مِنْهُ؛ قَالَ الزُّهْرِيّ: وَكُلُّهُمْ حَدَّثَني طَائِفَةً مِن حَدِيثِهَا، وَبَعْضُهُمْ أَوْعَى مِنْ بَعْضٍ وَأَثْبَتُ لَهُ اقْتِصَاصًَا، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَني عَن عَائِشَةَ ﵂، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًَا: زَعَمُواْ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يخْرُجَ سَفَرًَا أَقْرَعَ بَينَ أَزْوَاجِه، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا في غَزَاةٍ
[ ٥١٦٨ ]
غَزَاهَا فَخَرَجَ سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَهُ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الحِجَابُ، فَأَنَا أُحمَلُ في هَوْدَجٍ وَأُنْزَلُ فِيه، فَسِرْنَا حَتىَّ إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ وَدَنَوْنَا مِنَ المَدِينَة؛ آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيل؛ فَقُمْتُ حِينَ آذَنُواْ بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتىَّ جَاوَزْتُ الجَيْش، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْني أَقْبَلْتُ إِلى الرَّحْل، فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ لي مِنْ جَزْعِ أَظْفَارٍ قَدِ انْقَطَع؛ فَرَجَعْتُ فَالتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَني ابْتِغَاؤُه؛ فَأَقْبَلَ الَّذِينَ يَرْحَلُونَ لي فَاحْتَمَلُواْ هَوْدَجِي، فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَب، وَهُمْ يحْسِبُونَ أَنيِّ فِيه - وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًَا لَمْ يَثْقُلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ
[ ٥١٦٩ ]
اللَّحْم، وَإِنَّمَا يَأْكُلْنَ العُلْقَةَ مِنَ الطَّعَام - فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ القَوْمُ حِينَ رَفَعُوهُ ثِقَلَ الهَوْدَج؛ فَاحْتَمَلُوه، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنّ، فَبَعَثُواْ الجَمَلَ وَسَارُواْ، فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنْزِلَهُمْ وَلَيْسَ فِيهِ أَحَد؛ فَأَمَمْتُ مَنْزِلي الَّذِي كُنْتُ بِهِ - أَيْ قَصَدْتُه - فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونَني فَيَرْجِعُونَ إِليّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ: غَلَبَتْني عَيْنَايَ فَنِمْت، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانيُّ مِنْ وَرَاءِ الجَيْش، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِم، فَأَتَاني، وَكَانَ يَرَاني قَبْلَ الحِجَاب؛ فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ أَنَاخَ رَاحِلَتَه، فَوَطِئَ يَدَهَا
[ ٥١٧٠ ]
فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بيَ الرَّاحِلَة، حَتىَّ أَتَيْنَا الجَيْشَ بَعْدَمَا نَزَلُواْ مُعَرِّسِينَ في نحْرِ الظَّهِيرَة، فَهَلَكَ مَن هَلَك، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الإِفْكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُول؛ فَقَدِمْنَا المَدِينَة؛ فَاشْتَكَيْتُ بِهَا شَهْرًَا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْك، وَيَرِيبُني في وَجَعِي أَنيِّ لاَ أَرَى مِنَ النَّبيِّ ﷺ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَمْرَض، إِنَّمَا يَدْخُلُ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ ﷺ:
" كَيْفَ تِيكُمْ " ٠٠؟
[ ٥١٧١ ]
لاَ أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِك، حَتىَّ نَقِهْتُ؛ فَخَرَجْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَنَاصِعِ مُتَبَرَّزِنَا، لاَ نخْرُجُ إِلاَّ لَيْلًا إِلىَ لَيْل، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيبًَا مِنْ بُيُوتِنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ العَرَبِ الأُوَلِ في البَرِّيَّةِ أَوْ في التَّنَزُّه - أَيْ في الصَّحْرَاء، أَوْ في الأَمَاكِنِ الْبَعِيدَة - فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ بِنْتُ أَبي رُهْمٍ نمْشِي، فَعَثَرَتْ في مِرْطِهَا فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَح؛ فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ؛ أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًَا ٠٠؟! فَقَالَتْ: يَا هَنَتَاه - أَيْ يَا هَذِهِ - أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالُواْ ٠٠؟
[ ٥١٧٢ ]
فَأَخْبَرَتْني بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْك؛ فَازْدَدْتُ مَرَضًَا عَلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلى بَيْتي؛ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَلَّمَ فَقَال:" كَيْفَ تِيكُمْ " ٠٠؟
فَقُلْتُ: ائْذَنْ لي إِلى أَبَوَيّ - وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَن أَسْتَيْقِنَ الخَبرَ مِنْ قِبَلِهِمَا - فَأَذِنَ لي رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ فَأَتَيْتُ أَبَوَيَّ فَقُلْتُ لأُمِّي: مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاس ٠٠؟
فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّة؛ هَوِّني عَلَى نَفْسِكِ الشَّأْن؛ فَوَاللهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِر؛ إِلاَّ أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ الله، وَلَقَدْ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَذَا ٠٠!!
[ ٥١٧٣ ]
فَبِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتىَّ أَصْبَحْتُ لاَ يَرْقَأُ لي دَمْع، وَلاَ أَكْتَحِلُ بِنَوْم، ثمَّ أَصْبَحْت، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الوَحْي؛ يَسْتَشِيرُهُمَا في فِرَاقِ أَهْلِه؛ فَأَمَّا أُسَامَة: فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالَّذِي يَعْلَمُ في نَفْسِهِ مِنَ الوُدِّ لهُمْ؛ فَقَالَ أُسَامَة: أَهْلُكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَلاَ نَعْلَمُ وَاللهِ إِلاَّ خَيْرًَا، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبي طَالِبٍ فَقَال: يَا رَسُولَ الله؛ لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْك، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِير، وَسَلِ الجَارِيَةَ تَصْدُقْك؛ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَرِيرَةَ فَقَال:
" يَا بَرِيرَة؛ هَلْ رَأَيْتِ فِيهَا شَيْئًَا يَرِيبُك " ٠٠؟
[ ٥١٧٤ ]
فَقَالَتْ بَرِيرَة: لاَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقّ؛ إِنْ رَأَيْتُ مِنهَا أَمْرًَا أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا قَطّ - أَيْ مَا رَأَيْتُ مِنهَا أَمْرًَا أُنْكِرُهُ عَلَيْهَا قَطّ - أَكْثَرَ مِن أَنهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنّ؛ تَنَامُ عَنِ العَجِينِ فَتَأْتي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُه، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ يَوْمِهِ فَاسْتَعْذَرَ مِن عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُول؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " مَنْ يَعْذُرُني مِنْ رَجُلٍ بَلَغَني أَذَاهُ في أَهْلي - أَيْ مَنْ يَرْفَعُ عَنيِّ الحَرَجَ بِشَأْنِه - فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلي إِلاَّ خَيْرًَا، وَقَدْ ذَكَرُواْ رَجُلًا؛ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلاَّ خَيْرًَا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلي إِلاَّ مَعِي " ٠٠
[ ٥١٧٥ ]
فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَال: يَا رَسُولَ الله؛ أَنَا وَاللهِ أَعْذُرُكَ مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَه، وَإِنْ كَانَ مِن إِخْوَانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَك؛ فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ - وَهُوَ سَيِّدُ الخَزْرَج، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًَا، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّة - فَقَالَ ﵁ وَغَفَرَ لَهُ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ لاَ تَقْتُلُهُ وَلاَ تَقْدِرُ عَلَى ذَلِك؛ فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَقَال: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ وَاللهِ لَنَقْتُلَنَّهُ؛ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ المُنَافِقِين؛ فَثَارَ الحَيَّانِ الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ حَتىَّ هَمُّواْ - أَيْ كَادُواْ أَنْ يَشْتَبِكُواْ بِالأَيْدِي - وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى
[ ٥١٧٦ ]
المِنْبَر؛ فَنَزَلَ فَخَفَّضَهُمْ حَتىَّ سَكَتُواْ، وَسَكَتَ ﷺ، وَبَكَيْتُ يَوْمِي لاَ يَرْقَأُ لي دَمْعٌ وَلاَ أَكْتَحِلُ بِنَوْم؛ فَأَصْبَحَ عِنْدِي أَبَوَايَ وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًَا؛ حَتىَّ أَظُنُّ أَنَّ البُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي ٠٠
فَبَيْنَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي؛ إِذِ اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، فَبَيْنَا نحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجَلَس، وَلَمْ يجْلِسْ عِنْدِي مِنْ يَوْمِ قِيلَ فيَّ مَا قِيلَ قَبْلَهَا - وَقَدْ مَكَثَ شَهْرًَا لاَ يُوحَى إِلَيْهِ في شَأْني شَيْء - فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَال:
[ ٥١٧٧ ]
" يَا عَائِشَة؛ فَإِنَّهُ بَلَغَني عَنْكِ كَذَا وَكَذَا؛ فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ الله، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبي إِلَيْه؛ فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثمَّ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْه " ٠
[ ٥١٧٨ ]
فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتَهُ؛ قَلَصَ دَمْعِي حَتىَّ مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَة، وَقُلْتُ لأَبي: أَجِبْ عَنيِّ رَسُولَ اللهِ ﷺ؛ قَالَ ﵁: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ لأُمِّي: أَجِيبي عَنيِّ رَسُولَ اللهِ فِيمَا قَال؛ قَالَتْ: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لاَ أَقْرَأُ كَثِيرًَا مِنَ القُرْآن؛ فَقُلْتُ: إِنيِّ وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاس، وَوَقَرَ في أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِه، وَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنيِّ بَرِيئَةٌ - وَاللهُ يَعْلَمُ أَنيِّ لَبَرِيئَةٌ - لاَ
[ ٥١٧٩ ]
تُصَدِّقُونَني بِذَلِك، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ - وَاللهُ يَعْلَمُ أَنيِّ بَرِيئَةٌ - لَتُصَدِّقُنَّني؛ وَاللهِ مَا أَجِدُ لي وَلَكُمْ مَثَلًا؛ إِلاَّ أَبَا يُوسُفَ إِذْ قَال: فَصَبْرٌ جمِيل، وَاللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُون، ثُمَّ تَحَوَّلْتُ عَلَى فِرَاشِي وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُبَرِّئَني الله، وَلَكِنْ وَاللهِ مَا ظَنَنْتُ أَنْ يُنْزَّلَ في شَأْني وَحْيٌ، وَلأَنَا أَحْقَرُ في نَفْسِي مِنْ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِالقُرْآنِ في أَمْرِي، وَلَكِنيِّ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ في النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُني الله، فَوَاللهِ مَا رَامَ مجْلِسَهُ
[ ٥١٨٠ ]
وَلاَ خَرَجَ أَحَدٌ مِن أَهْلِ البَيْتِ حَتىَّ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْي؛ فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ البُرَحَاء - أَيِ الشِّدَّة - حَتىَّ إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الجُمَانِ مِنَ العَرَقِ في يَوْمٍ شَاتٍ؛ فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَضْحَك، فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ لي:
" يَا عَائِشَة؛ احْمَدِي اللهَ فَقَدْ بَرَّأَكِ الله " ٠ فَقَالَتْ لي أُمِّي: قُومِي إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ لاَ وَاللهِ لاَ أَقُومُ إِلَيْهِ وَلاَ أَحمَدُ إِلاَّ الله؛ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالى:
[ ٥١٨١ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُ واْ بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًَّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيم ﴿١١﴾ لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيرًَا وَقَالُواْ هَذَا إِفْكٌ مُبِين ﴿١٢﴾ لَوْلاَ جَاءُ واْ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الكَاذِبُون ﴿١٣﴾ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ في الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ في مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيم ﴿١٤﴾ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًَا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيم ﴿١٥﴾ وَلَوْلاَ
[ ٥١٨٢ ]
إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيم ﴿١٦﴾ يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَدًَا إِنْ كُنْتُم مُؤْمِنِين ﴿١٧﴾ وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآَيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيم ﴿١٨﴾ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ في الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُون ﴿١٩﴾ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُوفٌ رَّحِيم ﴿٢٠﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِن أَحَدٍ أَبَدًَا وَلَكِنَّ اللهَ
[ ٥١٨٣ ]
يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيم﴾ ﴿النُّور﴾
ثُمَّ قَالَ بَعْدَهَا:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المحْصَنَاتِ الغَافِلاَتِ المُؤْمِنَاتِ لُعِنُواْ في الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم ﴿٢٣﴾ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُون ﴿٢٤﴾ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ المُبِين ﴿٢٥﴾ الخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم﴾
[ ٥١٨٤ ]
فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ هَذَا في بَرَاءَ تي قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيق - وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ - وَاللهِ لاَ أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًَا أَبَدًَا بَعْدَ مَا قَالَ لِعَائِشَة؛ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالى:
﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ أُولِي القُرْبى وَالمَسَاكِينَ وَالمُهَاجِرِينَ في سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيم﴾ ﴿النُّور/٢٢﴾
[ ٥١٨٥ ]
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاللهِ إِنيِّ لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لي؛ فَرَجَعَ إِلى مِسْطَحٍ الَّذِي كَانَ يُجْرِي عَلَيْه، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْأَلُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَن أَمْرِي فَقَالَ ﷺ: " يَا زَيْنَب؛ مَا عَلِمْتِ ٠٠؟ مَا رَأَيْتِ " ٠٠؟
فَقَالَتْ ﵂: يَا رَسُولَ الله؛ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي؛ وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلاَّ خَيْرًَا؛ وَهِيَ الَّتي كَانَتْ تُسَامِيني فَعَصَمَهَا اللهُ بِالوَرَع " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٢٦٦١ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٧٧٠ / عَبْد البَاقِي]
[ ٥١٨٦ ]
عَن أُمِّ رُومَانَ أُمِّ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: بَيْنَمَا أَنَا مَعَ عَائِشَةَ جَالِسَتَان؛ إِذْ وَلَجَتْ عَلَيْنَا امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَهِيَ تَقُول: فَعَلَ اللهُ بِفُلاَنٍ وَفَعَل؛ فَقُلْتُ لِمَ ٠٠؟!
قَالَتْ: إِنَّهُ نَمَى ذِكْرَ الحَدِيثِ - أَيْ أَذَاعَهُ - فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: أَيُّ حَدِيث ٠٠؟
فَأَخْبَرَتْهَا؛ قَالَتْ - أَيْ عَائِشَةُ ﵂ فَسَمِعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ٠٠؟
قَالَتْ نَعَمْ؛ فَخَرَّتْ - أَيْ عَائِشَةُ ﵂ مَغْشِيًَّا عَلَيْهَا، فَمَا أَفَاقَتْ إِلاَّ وَعَلَيْهَا حُمَّى بِنَافِض - أَيْ حُمَّى شَدِيدَةٍ يُصَاحِبُهَا رِعْدَة - فَجَاءَ النَّبيُّ ﷺ فَقَالَ مَا لِهَذِهِ ٠٠؟
[ ٥١٨٧ ]
قُلْتُ: حُمَّى أَخَذَتْهَا مِن أَجْلِ حَدِيثٍ تُحُدِّثَ بِه؛ فَقَعَدَتْ - أَيْ عَائِشَةُ ﵂ فَقَالَتْ: وَاللهِ لَئِن حَلَفْتُ لاَ تُصَدِّقُونَني، وَلَئِنِ اعْتَذَرْتُ لاَ تَعْذِرُونَني؛ فَمَثَلي وَمَثَلُكُمْ: كَمَثَلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَبَنِيه؛ فَاللهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُون؛ فَانْصَرَفَ النَّبيُّ ﷺ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ مَا أَنْزَلَ فَأَخْبَرَهَا " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٣٣٨٨ / فَتْح]
[ ٥١٨٨ ]
عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتىَّ إِذَا كُنَّا بِالبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الجَيْش؛ انْقَطَعَ عِقْدٌ لي؛ فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَه، وَلَيْسُواْ عَلَى مَاء وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاء - أَيْ لَمْ يَنْزِلُواْ عَلَى عَينِ مَاءٍ وَلاَ مَعَهُمْ مَاء - فَأَتَى النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ ﵁ فَقَالُواْ: أَلاَ تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَة ٠٠
[ ٥١٨٩ ]
أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ مَعَه، وَلَيْسُواْ عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاء؛ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَام، فَقَالَ ﵁: حَبَسْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَالنَّاسَ وَلَيْسُواْ عَلَى مَاء، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاء؛ فَعَاتَبَني وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُول، وَجَعَلَ يَطْعَنُني بِيَدِهِ في خَاصِرَتي؛ فَلاَ يمْنَعُني مِنَ التَّحَرُّكِ إِلاَّ مَكَانُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتىَّ أَصْبَحَ عَلَى غَيرِ مَاء؛ فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّم؛ فَتَيَمَّمُواْ؛ فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْر رَضِيَ
[ ٥١٩٠ ]
اللهُ عَنهُ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبي بَكْر، فَقَالَتْ عَائِشَة: فَبَعَثْنَا البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْه؛ فَوَجَدْنَا العِقْدَ تحْتَه " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٣٦٧٢ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٣٦٧ / عَبْد البَاقِي]
يَقُولُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ ﵁:
" كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ وَتَقُول: إِنَّهُ الَّذِي قَال:
فَإِنَّ أَبي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي * لِعِرْضِ محَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٤١٤١ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٧٧٠ / عَبْد البَاقِي]
[ ٥١٩١ ]
الظُّلْمُ الَّذِي يَتَعَرَّضُ لَهُ الْكُتَّابُ وَالأُدَبَاءُ وَالدُّعَاةُ في الدُّوَلِ النَّامِيَة
عَن أَبي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" لاَ يَزْدَادُ الأَمْرُ إِلاَّ شِدَّةً " ٠ [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٨٣٥٩]
لَقَدْ عَرَفْتُمُوني كَاتِبًَا، لَمْ أَكُ يَوْمًَا مُشَاغِبًَا، إِلى أَن حَدَثَ عَلَى غَيرِ الْعَادَة؛ وَجَرَتْ بَينَ وَالِدِي وَبَينَ أَحَدِ المجْرِمِينَ مُشَادَّةٌ حَادَّة؛ وَلأَنَّ هَذَا المجْرِمَ تَرْبِطُهُ عَلاَقَةٌ بِأَحَدِ وُلاَةِ الأَمْر، كَانَ مِنَ السَّهْلِ أَنْ يَزُورَني زُوَّارُ الْفَجْر؛ فَأُخِذْتُ مِنْ بَيْتي أَنَا وَأَخِي الثَّانِيَةَ صَبَاحًَا في جُنحِ الظَّلاَم، وَكَأَنَّنَا الجَنَاحُ الأَيمَنُ لأَيمَنَ الظَّوَاهْرِي أَوْ لِعَبْد الله عَزَّام، أَوْ مِنْ مُتَأَصِّلِي الإِجْرَام، كَمَا تَفْعَلُ تَمَامًَا إِسْرَائِيلُ مَعَ المَطْلُوبِين، وَجَمَعُواْ كُلَّ مَا طَالَتْهُ أَيْدِيهِمْ مِنْ دَفَاتِرَ وَدَوَاوِين، وَكُتُبٍ في الأَدَبِ وَالنَّحْوِ وَالدِّين، وَكَأَنَّ سَيبَوَيْهِ وَابْنَ زَيْدُون؛ مِنَ الخَارِجِينَ عِنْدَهُمْ عَلَى القَانُون؛ وَلَمْ
[ ٥١٩٢ ]
فَقُلْتُ في نَفْسِي: إِنَّ لِهَذَا الغُرَابِ لَشَأْنًا؛ فَقَعَدْتُ مِنهُ غيرَ بَعِيدٍ، وَقُلْتُ أَنْظُرُ حَالَهُ العَجِيب، فَبَيْنَمَا شَمْسُ الأَصِيلِ قَدْ آذَنَتْ بِالمَغِيبِ؛ إِذْ بَعَثَ اللهُ غُرَابًَا يَبْحَثُ في الأَرْض، فَأَعْطَى ذَلِكَ الغُرَابَ العَاجِزَ كِسْرَةً مِنَ الخُبْز، كَانَ يَقْضِمُ عَلَيْهَا بِفَمِه؛ فَقُلْتُ في نَفْسِي: وَاللهِ إِنَّ الَّذِي رَزَقَ هَذَا الغُرَابَ العَاجِز؛ لَقَادِرٌ عَلَى أَنْ يَرْزُقَني، فَرَجَعْتُ إِلى بَيْتي وَقَعَدْتُ فِيهِ كَمَا تَرَى ٠٠!!!
هُنَا قَالَ لَه الحَكِيم، وَقَدِ اسْتَوْعَبَ تمَامًَا مَا سَمِعَ: وَلِمَ اخْتَرْتَ لِنَفْسِكَ أَنْ تَكُونَ الغُرَابَ العَاجِز؟! وَلِمَ تخْتَرْ أَنْ تَكُونَ الغُرَابَ القَوِيّ ٠٠؟!!
[ ٥١٩٣ ]
" وَمَاذَا يُضِيرُكُمْ مَا دُمْتُ لاَ أَكْتُبُ في السِّيَاسَة " ٠٠؟!
فَكَانُواْ كُلَّمَا قُلْتُ لهُمْ ذَلِك؛ يَشْتَدُّونَ في ضَرْبي وَيَقُولُونَ لي: أَتُرِيدُ أَنْ تُصْبِحَ أَنِيس مَنْصُور، أَمْ يُوسُف إِدْرِيس؟ يَا ابْنَ كَذَا وَكَذَا ٠٠؟!
وَمِمَّا شَفَّني وَجْدًَا كَرِيمٌ * يُحَاوِلُ قَهْرَهُ قِرْدٌ زَنِيمُ
﴿ابْنُ حَيُّوس بِتَصَرُّف﴾
وَتَرَكُوني في الحَجْزِ عَشْرَةَ أَيَّامٍ عَلَى البَلاَطِ في شَهْرِ طُوبَة؛ حَتىَّ أُصِبْتُ في أَضْلُعِي بِالرُّطُوبَة، ثُمَّ أَخْرَجُوني بَعْدَ حَجْزٍ طَوِيل؛ حَتىَّ يَتَأَكَّدُواْ مِنْ زَوَالِ لَوْنِ الكَدَمَاتِ مِنْ جَسَدِيَ النَّحِيل، إِلاَّ أَنَّ أُصْبُعِي كَانَتْ قَدْ كُسِرَتْ وَأُصِيبَتْ بِعَاهَةٍ مُسْتَدِيمَة؛ تَشْهَدُ عَلَى هَذِهِ الجَرِيمَة ٠٠!!
[ ٥١٩٤ ]
﴿وَلاَ تحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُون﴾ ﴿إِبْرَاهِيم: ٤٢﴾
مَاذَا جَنَيْتَ عَلَيْهِمْ أَيُّهَا القَلَمُ * وَاللهِ مَا فِيكَ إِلاَّ النُّصْحُ وَالحِكَمُ
إِنيِّ لَيَحْزُنُني أَنْ يَسْجُنُوكَ وَهُمْ * لَوْلاَكَ في الأَرْضِ لَمْ تَثْبُتْ لَهُمْ قَدَمُ
قَالُواْ لَقَدْ ظَلَمُواْ بِالدِّينِ أَنْفُسَهُمْ * وَاللهُ يَشْهَدُ أَنَّ الظَّالِمِينَ هُمُ
فَإِنْ سَكَتْنَا يَظُنُّونَا نَكِيدُ لَهُمْ * وَإِنْ نَطَقْنَا يَقُولُواْ فِتْنَةٌ عَمَمُ
﴿البَيْتَانِ الأَوَّلاَنِ لِشَاعِرٍ لاَ أَعْرِفُه، أَمَّا الآخَرَانِ فَلِحَافِظ إِبْرَاهِيم﴾
أَفَكُلَّمَا بَاحَ الضَّعِيفُ بِأَنَّةٍ أَمْسَى إِلى مَعْنى التَّعَصُّبِ يُنْسَبُ
فَاجْعَلْ شِعَارَكَ رَحْمَةً وَمَوَدَّةً إِنَّ القُلُوبَ بمِثْلِ هَذَا تُكْسَبُ
﴿حَافِظ إِبْرَاهِيم﴾
[ ٥١٩٥ ]
وَأَثْنَاءَ تِلْكَ المحْنَةِ الشَّدِيدَة: قُمْتُ بِكِتَابَةِ هَذِهِ الْقَصِيدَة، وَكَمَا قَدْ قَالُواْ في الأَمْثَالِ السَّائِرَة: النَّائِحَةُ الثَّكْلَى لَيْسَتْ كَالمُسْتَأْجَرَة:
إِلىَ كَمْ بِمِصْرَ أَنَا أُظْلَمُ * إِلىَ كَمْ حُقُوقِي بِهَا تُهْضَمُ
إِلىَ كَمْ أُهَانُ وَأَكْظِمُ غَيْظِي * كَأَنيَ أَخْرَسُ أَوْ أَبْكَمُ
تَزِيدُ هُمُومِي وَلاَ تَنْقُصُ * وَيَقْسُو زَمَاني وَلاَ يَرْحَمُ
إِلى كَمْ يُعَذَّبُ في مِصْرَ مِثْلِي * وَيَطْغَى اللَّئِيمُ وَيَسْتَحْكِمُ
فَحَقُّ المُوَاطِنِ أَمْسَى مُبَاحًَا * لِمَنْ لاَ يَفِيقُ وَلا يَنْدَمُ
وَقَوْلُ الحَقِيقَةِ أَصْبَحَ مُرًَّا * وَمَنْ قَالهَا رُبَّمَا يُعْدَمُ
أَمِثْلِيَ إِصْبَعُهُ يُكْسَرُ * وَمِثْلِي عَلَى وَجْهِهِ يُلْطَمُ
وَمَاذَا جَنَيْنَا لِيُجْنى عَلَيْنَا * وَنُضْرَبَ حَتىَّ يَسِيلَ الدَّمُ
[ ٥١٩٦ ]
وَفي أَيْنَ في بَلَدٍ مُسْلِمٍ * وَشَعْبٍ يَقُولُ أَنَا مُسْلِمُ
فَخُضْنَا السِّيَاسَةَ نُؤْذَى وَإِنْ * تَرَكْنَا السِّيَاسَةَ لاَ نَسْلَمُ
فَيَا رَبِّ رُحْمَاكَ إِنَّا ضِعَافٌ * وَأَنْتَ بِأَحْوَالِنَا أَعْلَمُ
وَخَلِّصْ عِبَادَكَ مِنْ ظُلْمِ بَعْضٍ * فَبَعْضُ عِبَادِكَ لاَ يَرْحَمُ
كَمِثْلِ الثَّعَابِينِ في عَضِّهَا * وَمِثْلِ التَّمَاسِيحِ إِذْ تَلْقَمُ
إِلىَ مَنْ سَنَلْجَأُ يَا رَبِّ إِلاَّ * إِلَيْكَ فَخُذْ حَقَّنَا مِنهُمُ
إِلى مَتى هَذَا الإِرْهَابُ وَالتَّخْوِيف، وَمَتى يُنْصَفُ الضَّعِيف؛ في عَهْدِكَ يَا دُكْتُور نَظِيف ٠٠؟
[ ٥١٩٧ ]
مَاذَا يَفْعَلُ المُوَاطِنُ وَهُوَ المحْدُودُ الدَّخْل؛ إِنْ كَانَتْ أَقْسَامُ الشُّرْطَةِ لاَ تَقُومُ بِالْفَصْل؛ إِلاَّ لِصَالِحِ مَنْ يَمُدُّ لَهُمْ حِبَالَ الْوَصْل، هَلْ يَتَحَمَّلُ المُوَاطِنُ إِيذَاءهُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْل؛ الَّذِي يُطَيِّرُ الْعَقْل، أَمْ يَلْجَأُ لِلْقَتْل، مَاذَا تُرِيدُونَ مِنَ المَظْلُومِ الَّذِي تَحَمَّلَ كُلَّ هَذَا الحِمْل ٠٠؟!
لَنْ يُصَدِّقَ الشَّعْبُ أَنَّ الإِصْلاَحَ في الخُطَّة؛ إِنْ لَمْ يَبْدَأْ مِن أَقْسَامِ الشُّرْطَة ٠
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَدَّعِي أَنَّا في أَحْسَنِ حَال، وَأَنَّ الْوَضْعَ عَالُ الْعَال ٠٠
مِثْلُ الَّتي ذَهَبَتْ تُكَاتِمُ حَمْلَهَا وَالضَّرْعُ حَافِلْ
﴿ابْنُ الرُّومِيِّ بِتَصَرُّفٍ يَسِير﴾
[ ٥١٩٨ ]
أَوْ كَالسُّلَحْفَاةِ الَّتي تَكْتَفِي بِإِدْخَالِ رَأَسِهَا في جِسْمِهِمَا إِذَا مَا أَحَسَّتْ بِالخَطَر، لَقَدْ سَأَلْتُهُ يَوْمًَا:
أَلاَ يُرْضِيكَ أَنْ يَعُودَ إِلَيْكُمْ هَذَا الحَقُّ المَسْلُوب؛ الَّذِي حَدَثَ بِسَبَبِهِ كُلُّ هَذَا النِّزَاعِ الطَّوِيل ٠٠؟!
فَقَال: هَبْ أَنَّهُ كَانَ يُرْضِينَا: كَيْفَ نَنْسَى أَنَا وَأَبي وَأَخِي مَا فُعِلَ فِينَا؟
[ ٥١٩٩ ]
وَهَبْ أَنَّهُ عَادَ إِلَيْنَا؛ فَمَنْ يُعِيدُ كَرَامَتَنَا إِلَيْنَا، وَيَرُدُّ حُقُوقَنَا وَهَيْبَتَنَا عَلَيْنَا، هَيْبَتَنَا الَّتي ضَاعَتْ بَينَ النَّاس، وَمِن أَيْنَ لَنَا تحْقِيقُ الأَمْنِ وَالأَمَان، بَعِيدًَا عَن هَذَا المَكَان ٠٠!!
أَصْبَحْتُ مِثْلَ الشُّعْلَةِ * وَتَرَكْتُ حُبَّ الْعُزْلَةِ
لَمْ أَنْجُ رَغْمَ تَسَاهُلِي * مِنْ شَرِّ أَمْنِ الدَّوْلَةِ
إِيذَاؤُهُمْ لِلْخَلْقِ لاَ * يَحْتَاجُ أَيَّ أَدِلَّةِ
﴿يَاسِر الحَمَدَاني﴾
[ ٥٢٠٠ ]
﴿أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُون﴾ ﴿المُطَفِّفِين/٤﴾
فَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ جَبَّار ٠٠ وَلاَ تَفُوتُني طَبْعًَا أَشْهَرُ قَصِيدَةٍ كُتِبَتْ مِنْ وَرَاءِ الْقُضْبَان: قَالَهَا الشَّاعِرُ هَاشِم الرِّفَاعِي؛ رَدًَّا رِسَالَةٍ تَلَقَّاهَا مِنْ مُعْتَقَلٍ سِيَاسِيٍّ حَكَمَ الطُّغَاةُ عَلَيْهِ بِالإِعْدَام؛ طَلَبَ مِنَ الشَّاعِرِ فيهَا أَنْ يُوَاسِيَ أَبَاه؛ فَكَتَبَ هَذِهِ القَصِيدَةَ عَلَى لِسَانِ ابْنِهِ قَائِلًا:
[ ٥٢٠١ ]
أَبَتَاهُ مَاذَا قَدْ يخُطُّ بَنَاني وَالسَّوْطُ وَالجَلاَّدُ مُنْتَظِرَانِ
هَذَا الكِتَابُ إِلَيْكَ مِنْ زِنْزَانَةٍ * مَوْبُوءةٍ صَخْرِيَّةِ الجُدْرَانِ
لَمْ تَبْقَ إِلاَّ لَيْلَةٌ أَحْيى بِهَا * وَأُحِسُّ أَنَّ ظَلاَمَهَا أَكْفَاني
سَتَمُرُّ يَا أَبَتَاهُ لَسْتُ أَشُكُّ في * هَذَا وَتحْمِلُ بَعْدَهَا جُثْمَاني
اللَّيْلُ مِن حَوْلي هُدُوءٌ قَاتِلٌ * وَالذِّكْرَيَاتُ تَمُرُّ في وِجْدَاني
[ ٥٢٠٢ ]
وَيهُدُّني فَزَعِي فَأَنْشُدُ هَدْأَتي * في بِضْعِ آيَاتٍ مِنَ القُرْآنِ
وَالنَّفسُ بَينَ جَوَانِحِي خَفَّاقَةٌ * الخَوْفُ دَبَّ بِهَا فَهَزَّ كِيَاني
قَدْ عِشْتُ أُومِنُ بِالإِلَهِ وَلَمْ أَذُقْ * إِلاَّ أَخِيرًَا لَذَّةَ الإِيمَانِ
وَمُعَذَّبٍ سَمِعَ الدُّجَى أَنَّاتِهِ * مُتَعَلِّلًا بِالصَّبرِ وَالسُّلْوَانِ
يَسْتَعْمِلُ الأَشْرَارُ في تَعْذِيبِهِ * مَا فَاقَ كُلَّ وَسَائِلِ الشَّيْطَانِ
شُكْرًَا لهُمْ أَنَاْ لاَ أُرِيدُ طَعَامَهُمْ * فَليَرْفَعُوهُ فَلَسْتُ بِالجَوْعَانِ
هَذَا الطَّعَامُ المُرُّ مَا صَنَعَتهُ لي * أُمِّي وَلاَ وَضَعُوهُ فَوْقَ خِوَانِ
مَدُّواْ إِليَّ بِهِ يَدًَا مَصْبُوغَةً * بِدَمِي وَهَذَا غَايَةُ الإِحْسَانِ
إِنَّ السُّجُونَ وَلَوْ طَلَوْ جُدْرَانَهَا * بِالمِسْكِ فَهْيَ كَرِيهَةُ الْبُنيَانِ
[ ٥٢٠٣ ]
وَالصَّمْتُ يَقْطَعُهُ رَنِينُ سَلاَسِلٍ * عَبِثَتْ بِهِنَّ أَصَابِعُ السَّجَّانِ
مِنْ كُوَّةٍ بِالبَابِ يَرْقُبُ صَيْدَهُ * وَيَعُودُ في أَمْنٍ إِلى الدَّوَرَانِ
أَنَاْ لاَ أُحِسُّ بِأَيِّ حِقْدٍ نَحْوَهُ * مَاذَا جَنى فَتَمَسَّهُ أَضْغَاني
هُوَ طَيِّبُ الأَخْلاَقِ مِثْلُكَ يَا أَبي * لَمْ يَبْدُ في ظَمَأٍ إِلى العُدْوَانِ
فَلَرُبَّمَا وَهُوَ المُرَوِّعُ سِحْنَةً * لَوْ كَانَ مِثْلِي شَاعِرًَا لَرَثَاني
إِنَّ السَّجِينَ قُيُودُهُ لَوْ أَنَّهَا * ذَهَبٌ فَلاَ يَرْتَاحُ لِلسَّجَّانِ
وَعَلَى الجِدَارِ تُطِلُّ نَافِذَةٌ بِهَا * مَعْنى الحَيَاةِ غَلِيظَةُ القُضْبَانِ
فَلَطَالَمَا شَارَفتُهَا مُتَأَمِّلًا * في الثَّائِرِينَ عَلَى الأَسَى اليَقْظَانِ
فَأَرَى وُجُومًَا في الوُجُوهِ مُصَوِّرًَا * مَا في قُلُوبِ النَّاسِ مِن غَلَيَانِ
[ ٥٢٠٤ ]
نَفْسُ الشُّعُورِ لَدَى الجَمِيعِ وَإِن هُمُ * كَتَمُواْ لأَنَّ المَوْتَ في الإِعْلاَنِ
أَوَكُلُّ حُرٍّ يَرْفُضُ اسْتِعْبَادَهُمْ * يُمْسِي لَدَيْهِمْ خَائِنَ الأَوْطَانِ
خَدَعُواْ المُوَاطِنَ بِالتَّوَدُّدِ عِنْدَمَا * لَبِسُواْ مُسُوحَ الزُّهْدِ وَالرُّهْبَانِ
المَالُ أَفْنَوْهُ فَإِنْ سُئِلُواْ ادَّعَواْ * إِنْفَاقَهُ في الدَّعْمِ وَالعُمْرَانِ
وَيَدُورُ هَمْسٌ في الجَوَانحِ مَا الَّذِي * بِالثَّوْرَةِ الحَمْقَاءِ قَدْ أَغْرَاني
أَوَلَمْ يَكُن خَيرًَا لِنَفْسِيَ أَن أُرَى * بَينَ الْقَطِيعِ أَسِيرُ في إِذْعَانِ
مَا ضَرَّني لَوْ أَنْ سَكَتُّ وَكُلَّمَا * غَلَبَ الأَسَى بَالَغْتُ في الكِتْمَانِ
هَذَا دَمِي سَيَسِيلُ يَجْرِي مُطْفِئًَا * مَا ثَارَ في جَنْبيَّ مِنْ نِيرَانِ
وَالظُّلْمُ بَاقٍ لَنْ يَرِقَّ إِليَّ لَوْ * في يَوْمِ شَنْقِي مَرَّ بي وَرَآني
[ ٥٢٠٥ ]
هَذَا حَدِيثُ النَّفْسِ في أَعْمَاقِهَا * يُنْبِيكَ عَنْ وَحْشِيَّةِ الإِنْسَانِ
وَيَرُدُّ قَلْبي بَلْ تَمُوتُ لِغَايَةٍ * أَسْمَى مِنَ التَّصْفِيقِ لِلطُّغْيَانِ
دَمْعُ السَّجِينِ بمِصْرَ في أَغْلاَلِهِ * وَدَمُ الشَّهِيدِ هُنَاكَ يَلْتَقِيَانِ
إِنَّ احْتِدَامَ النَّارِ في جَوْفِ الثَّرَى * أُولى الخُطَى لإِثَارَةِ البرْكَانِ
فَيَمُوجُ يَقْتَلِعُ الطُّغَاةَ مُزَمْجِرًَا * أَقْوَى مِنَ الجَبرُوتِ وَالسُّلطَانِ
وَتَتَابُعُ القَطَرَاتِ يَنْزِلُ بَعْدَهُ * سَيْلٌ مِنَ الأَمْطَارِ كَالفَيَضَانِ
كَمْ مِنْ ظَلُومٍ غَاشِمٍ قَدْ نَالَهُ * مِنْ شَعْبِهِ مَا لَيْسَ في الحُسْبَانِ
فَارُوقُ مَنْ مِنَّا تخَيَّلَ أَنَّهُ * مُتَنَازِلٌ يَوْمًَا عَنِ السُّلطَانِ
أَنَاْ لَسْتُ أَدْرِي هَلْ سَتُذْكَرُ قِصَّتي * أَمْ سَوْفَ يَطْوِيهَا دُجَى النِّسْيَانِ
[ ٥٢٠٦ ]
أَوْ أَنَّهُ سَيُقَالُ عَنيِّ خَائِنٌ * بَاعَ البِلاَدَ لأَجْلِ مَالٍ فَانِ
كُلُّ الَّذِي أَدْرِيهِ أَنَّ تجَرُّعِي * كَأْسَ المَظَالِمِ لَيْسَ في إِمْكَاني
أَهْوَى الحَيَاةَ كَرِيمَةً لاَ قَيْدَ لاَ * إِرْهَابَ لاَ اسْتِخْفَافَ بِالإِنْسَانِ
فَإِذَا سَقَطْتُ سَقَطْتُ أَحْمِلُ عِزَّتي * يَغْلِي دَمُ الأَحْرَارِ في وِجْدَاني
أَبَتَاهُ إِنْ طَلَعَ الصَّبَاحُ عَلَى الوَرَى * وَأَضَاءَ نُورُ الشَّمْسِ كُلَّ مَكَانِ
وَاسْتَقبَلَ العُصْفُورُ بَينَ غُصُونِهِ * يَوْمًَا جَدِيدًَا مُشْرِقَ الأَلوَانِ
سَأَكُونُ وَقْتَئِذٍ هُنَا مُتَعَلِّقًَا * في الحَبْلِ مَشْدُودًَا عَلَى العِيدَانِ
أَنَاْ لاَ أُرِيدُكَ أَنْ تَعِيشَ محَطَّمًَا * أَوْ عُرْضَةَ الآلاَمِ وَالأَشْجَانِ
إِنَّ ابْنَكَ المَصْفُودَ في أَغْلاَلِهِ * قَدْ سِيقَ نحْوَ المَوْتِ غَيرَ مُدَانِ
[ ٥٢٠٧ ]
وَاذْكُرْ كَلاَمَكَ لي وَمَا عَلَّمْتَني * وَأَنَا صَغِيرٌ عَن هَوَى الأَوْطَانِ
وَإِذَا سمِعْتَ نَشِيجَ أُمِّيَ في الدُّجَى * تَبْكِي شَبَابًَا ضَاعَ في الرَّيْعَانِ
وَتُكَاتِمُ الأَحْزَانَ في أَعْمَاقِهَا * وَعُيُونُهَا عَجَزَتْ عَنِ الْكِتْمَانِ
اطْلُبْ لَدَيْهَا الصَّفْحَ عَنيَ إِنَّني * لاَ أَبْتَغِي مِنهَا سِوَى الرُّضْوَانِ
لاَ زَالَ في سَمْعِي تَرِنُّ وَصِيَّةٌ * كَانَتْ تُرَدِّدُهَا عَلَى آذَاني
أَبُنيَّ أَيَّامِي غَدَتْ مَعْدُودَةً * لَمْ يَبْقَ لي جَلَدٌ عَلَى الأَحْزَانِ
فَأَذِقْ فُؤَادِي فَرْحَةً بِالبَحْثِ عَن * بِنْتِ الحَلاَلِ وَدَعْكَ مِن عِصْيَاني
هَذَا هُوَ الحُلْمُ الَّذِي عَاشَتْ لَهُ * يَا حُسْنَ أَحْلاَمٍ لهَا وَأَمَاني
غَزَلَتْ خُيُوطَ السَّعْدِ نَاعِمَةً وَلَمْ * يَكُنِ انْتِقَاضُ الغَزْلِ في الحُسْبَانِ
[ ٥٢٠٨ ]
هَذَا الَّذِي سَطَّرْتُهُ لَكَ يَا أَبي * بَعْضُ الَّذِي يَجْرِي بِفِكْرِي الْعَاني
لَكِن إِذَا انْتَصَرَ الضِّيَاءوَمُزِّقَتْ * بِيَدِ الإِلَهِ شَرِيعَةُ القُرْصَانِ
فَلَسَوْفَ يَذْكُرُني وَيُكْبرُ هِمَّتي * مَنْ كَانَ في الدُّنيَا حَلِيفَ هَوَانِ
وَإِلى لِقَاءٍ تحْتَ ظِلٍّ عَدَالَةٍ * قُدْسِيَّةِ الأَحْكَامِ وَالمِيزَانِ
﴿هَاشِمٌ الرِّفَاعِي بِتَصَرُّف﴾
لَقَدْ كَثُرَتِ السُّجُونُ وَالمُعْتَقَلاتُ في هَذَا الزَّمَان، الَّذِي عَمَّ فِيهِ الظُّلْمُ وَالطُّغْيَان، وَكَأَنَّهُمْ يَسْتَكْثِرُونَ عَلَى النَّاسِ نِعْمَةَ الحُرِّيَّة؛ حَتىَّ كَادُواْ يَكْتُبُونَ عَلَى أَبْوَابِ السُّجُون: فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنهَا تُخْرَجُون ٠٠ وَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون ٠٠!!
[ ٥٢٠٩ ]
وَمَا تحْلُو السُّجُونُ لِسَاكِنِيهَا * وَلَو فُرِشَتْ بِأَنوَاعِ الدِّمَقْسِ
﴿الدِّمَقْسُ هُوَ الحَرِير ٠ وَالْبَيْتُ لِلشَّاعِر الْعَبْقَرِيّ / نَبِيه سَلامَة﴾
لَيْتَهُمْ يَعْرِفُونَ أَنَّ الحِفَاظَ عَلَى أَمْنِ الْبِلاَد؛ لَيْسَ بِإِيذَاءِ الْعِبَاد ٠٠
لَيْتَ شِعْرِي: هَلْ يَتَقَرَّبُونَ إِلى اللهِ بِإِيذَاءِ النَّاس ٠
يَتَّهِمُونَ الشَّبَابَ بِقِلَّةِ الاِنْتِمَاء؛ وَأَفْعَالهُمْ تَقْتُلُ كُلَّ انْتِمَاء؛ أَيْنَ العَدَالَةُ الَّتي تُعِيدُ حَقَّ هَؤُلاَء، إِنَّ القَضِيَّةَ تُنْظَرُ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ أَمَامَ القَضَاء، وَيَبْدُو أَنَّ صُدُورَ الحُكْمِ لَنْ يَكُونَ وَهُمْ أَحْيَاء ٠٠!!
صَدَقَ أَحَدُ الكُتَّابِ عِنْدَمَا قَال:
" الَّذِي نَفْعَلُهُ في أَنْفُسِنَا؛ أَشَدُّ مِمَّا يَفْعَلُهُ فِينَا أَعْدَاؤُنَا " ٠
[ ٥٢١٠ ]
﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيًَّا وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيرًَا﴾ ﴿النِّسَاء/٧٥﴾ ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِن عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُون﴾ ﴿المُؤْمِنُون/١٠٧﴾
﴿إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًَّا وَمُقَامَا﴾ ﴿الفُرْقَان/٦٦﴾
وَكَمَا نَقُولُ في أَمْثَالِنَا المِصْرِيَّة:
" أَيُّ حَسَنَةٍ أَذْكُرُهَا لَكِ يَا بَصَلَة، وَكُلُّ قَطْمَةٍ بِدَمْعَة " ٠٠؟!
أَبَيْتُ جِوَارَهَا أَرْضَا * بِغَيرِ الظُّلْمِ لاَ تَرْضَى
بِلاَدٌ ظُلْمُهَا أَمْسَى * عَلَى أَبْنَائِهَا فَرْضَا
فَلَوْ عَرَضَ الزَّمَانُ عَلَى * رِجَالِ بِلاَدِنَا عَرْضَا
وَقَالَ مَنَحْتُكُمْ يَا قَوْ * مُ طُولَ الأَرْضِ وَالعَرْضَا
بِشَرْطٍ وَاحِدٍ أَنْ لاَ * يُنَازِعَ بَعْضُكُمْ بَعْضَا
[ ٥٢١١ ]
لَكَانَ جَوَابهُمْ في صَوْ * تِ رَجُلٍ وَاحِدٍ رَفْضَا
نَظَرْتُ فَلمْ أَجِدْ في مِصْـ * ـرَ إِلاَّ الحِقْدَ وَالبُغْضَا
فَدَاءُ عَدَائِنَا اسْتَعْصَى * وَبَيْتُ إِخَائِنَا انْقَضَّا
وَشَرُّ بَلائِنَا حَسَدٌ * يَمُضُّ نُفُوسَنَا مَضَّا
يُصَافِحُني الأَسَى ضَمًَّا * وَيَلْثُمُني الضَّنى عَضَّا
عَجِيبٌ أَنَّني مَيْتٌ * وَعيْنيَ لَمْ تَذُقْ غَمْضَا
أَأَمْطَرَتِ السَّمَا سُمًَّا * فَأَمْسَى رَوْضُنَا رَمْضَا
مَسَكْتُ يَدَ الإِخَاءِ فَمَا * وَجَدْتُ بِقَلْبِهِ نَبْضَا
هُمُومٌ في نَوَاحِي الصَّدْرِ * يَزْحَمُ بَعْضُهَا بعْضَا
فَقَلْبي صَارَ مُسْتَشْفَى * وَكُلُّ جَوَارِحِي مَرْضَى
﴿الشَّاعِرُ القَرَوِي / رَشِيد سَلِيمٌ الخُورِي﴾
وَأَذْكُرُ أَنيِّ كَتَبْتُ هَذَا الْبَيْتَ في الحَجْزِ أُوَاسِي بِهِ نَفْسِي ٠٠
[ ٥٢١٢ ]
وَمَا صَبَّرَ المَرْءَ اللَّبِيبَ كَنَفْسِهِ * وَالمَرْءُ يُصْلِحُهُ الجَلِيسُ الصَّالِح:
﴿لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَة﴾
أَرَى الضِّيقَ مِن خَيْرِ البَشَائِرِ بِالفَرَجْ * وَيُوسُفُ لَوْ لَمْ يَدْخُلِ السِّجْنَ مَا خَرَجْ
﴿يَاسِر الحَمَدَاني﴾
فَالخُرُوجُ مِنَ المَصَائِبِ لاَ بُدَّ وَأَنْ يَسْبِقَهُ دُخُولٌ فِيهَا ٠٠ وَلَوْلاَ الظُّلْمَةُ لَمَا عَرَفْنَا النُّور؛ فَكُنْتُ كَثِيرًَا مَا أَتَمَثَّلُ بِقَوْلِ ابْنِ زَيْدُون:
وَلاَ يَفْرَحِ الأَعْدَاءُ أَنِّيَ في السِّجْنِ * أَرَى الحَبْسَ زَادَ الشَّمْسَ حُسْنًَا عَلَىحُسْنِ
فَيَكْفِي بِأَنيِّ صِرْتُ كَالسَّيْفِ في الجَفْنِ * أَوِ المِسْكِ في كِيسٍ أَوِ الصَّقْرِ في الوَكْنِ
وَكُنْتُ أَتَرَنَّمُ بِقَوْلِ الْقَائِل:
لَقَدْ أَعْلَيْتَ قَدْرَ السِّجْنِ حَتىَّ * أَحَبَّ السِّجْنَ أَصْحَابُ القُصُورِ
[ ٥٢١٣ ]
فَصَبرًَا يَا صَدِيقِي لَيْسَ يَخْلُو * ظَلاَمُ اللَّيْلِ مِنْ نُورِ البُدُورِ
وَإِنْ تَكُ قَدْ حُبِسْتَ وَأَنْتَ حُرٌّ * فَكَمْ في الحَبْسِ مِن أَسَدٍ هَصُورٍ
وَفي الأَقْفَاصِ هَلْ أَبْصَرْتَ طَيرًَا * سِوَى النَّوْعِ المُغَرِّدِ في الطُّيُورِ
وَمَا في صُحْبَةِ الأَشْرَارِ عَيْبٌ * عَلَى الدَّاعِي إِلى تَرْكِ الشُّرُورِ
وَحَسْبُكَ حُبُّ أَهْلِ الفَضْلِ فَخْرًَا * وَحَسْبُ عِدَاكَ تَأْنِيبُ الضَّمِيرِ
كَبِيرُ القَوْمِ أَكْبرُهُمْ خُطُوبًَا * لِذَاكَ رُمِيتَ بِالخَطْبِ الكَبِيرِ
*********
[ ٥٢١٤ ]
لَقَدْ جَاوَزَ الظَّالِمُونَ المَدَىَ * وَسَدُّواْ عَلَيْنَا سَبِيلَ الهُدَى
وَآذَواْ عِبَادَكَ يَا رَبَّنَا * وَفي الأَرْضِ كَمْ أَغْلَقُواْ مَسْجِدَا
﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني ٠ بِاسْتِثْنَاءِ المِصْرَاعِ الأَوَّلِ مِنَ الْبَيْتِ الأَوَّل﴾
لَمَّا قُدِّمَ سُقْرَاطُ لِيُنَفَّذَ فِيهِ حُكْمُ الإِعْدَام - وَكَانَ مُوَحِّدًَا - بَكَتِ امْرَأَتُه؛ فَقَالَ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ ٠٠؟
قَالَتْ: لأَنَّكَ تُقْتَلُ مَظْلُومًَا؛ فَقَالَ لهَا: أَهَذَا خَيرٌ أَمْ أَن أُقْتَلَ ظَالِمًَا ٠٠؟!
[ ٥٢١٥ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: " إِنَّكُمْ في زَمَانٍ: الْقَائِلُ فِيهِ بِالحَقِّ خَيْرٌ مِنَ الصَّامِت، وَالْقَائِمُ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الْقَاعِد، وَإِنَّ بَعْدَكُمْ زَمَانًَا: الصَّامِتُ فِيهِ خَيرٌ مِنَ النَّاطِق، وَالْقَاعِدُ فِيهِ خَيرٌ مِنَ الْقَائِم " ٠٠ فَقَالَ رَجُل: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَن؛ كَيْفَ يَكُونُ أَمْرٌ مِن أَخَذَ بِهِ الْيَوْمَ كَانَ هُدَىً، وَمَن أَخَذَ بِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ كَانَ ضَلاَلَة ٠٠؟!
قَالَ ﵁: قَدْ فَعَلْتُمُوه اعْتَبِرُواْ ذَلِكَ بِرَجُلَينِ مَرَّا بِقَوْمٍ يَعْمَلُونَ بِالمَعَاصِي؛ فَأَنْكَرَ كِلاَهُمَا؛ وَصَمَتَ أَحَدُكُمَا - أَيِ الْيَوْمَ - فَسَلِم، وَتَكَلَّمَ الآخَرُ فَقَال: إِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ وَتَفْعَلُون؛ فَأَخَذُوه وَذَهَبُواْ بِهِ إِلىَ ذِي سُلْطَانِهِمْ؛ فَلَمْ يَزَالُواْ بِهِ حَتىَّ أَخَذَ بِأَخْذِهِ وَعَمِلَ بِعَمَلِه " ٠
[قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٨٣٢٧]
[ ٥٢١٦ ]
وَخَيرُ مَا يُخْتَمُ بِهِ الْكَلاَم: مِسْكُ الخِتَام: قَوْلُ رَبِّنَا ذِي الجَلاَلِ وَالإِكْرَام:
﴿مَن عَمِلَ صَالِحًَا مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون﴾ ﴿النَّحْل/٩٧﴾
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ في اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُون﴾ ﴿النَّحْل/٤١﴾
وَقَالَ تَعَالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِين ﴿١٧١﴾ إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُون ﴿١٧٢﴾ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُون﴾ ﴿الصَّافَّات﴾
[ ٥٢١٧ ]
شِعْرٌ يُفَتِّتُ الضُّلُوع؛ لِشَاعِرٍ ضَلِيع
وَمِن أَرَقَّ مَا قِيلَ في ظُلْمِ الأَدِيبِ وَالصَّدِيق؛ قَوْلُ شَاعِرِنَا هَذَا الرَّقِيق / هَاشِمٍ الرِّفَاعِي:
مَضَى لِلنَّوْمِ سُمَّارُ * قَدِ افْتَقَدَتهُمُ الدَّارُ
فَلَمْ يُسْمَعْ لَهُمْ نَثْرٌ * وَلاَ أَدَبٌ وَأَشْعَارُ
فَعُدْتُ بمُهْجَةٍ حَرَّى * وَقَلْبٍ مِلْؤُهُ النَارُ
وَحَوْلي مِنْ سُكُونِ اللَّيْ * ـلِ وَالأَوْهَامِ أَسْتَارُ
تُعَذِّبُني أَحَاسِيسٌ * لَهَا في القَلْبِ أَظْفَارُ
وَفي رَأْسِي خَيَالاَتٌ * تَمُوجُ بِهِ وَأَفكَارُ
[ ٥٢١٨ ]
كَذَلِكَ في رُبَا الوَادِي * يَذُوقُ المُرَّ أَحْرَارُ
وَلِذَا كُنْتُ كُلَّمَا أَهَلَّ عَلَيَّ الرَّبِيع؛ أَتَمَثَّلُ بِهَذَا الشِّعْرِ الْبَدِيع؛ الَّذِي تَرَاهُ عَينُ المحْزُون؛ لاَ كَمَا تَرَاهُ الْعُيُون، وَلَكِنْ كَمَا يحُسُّهُ المَظْلُومُون؛ الْقَابِعُونَ في غَيَاهِبِ السُّجُون، يَتَعَرَّضُونَ لِلْبَطْشِ وَالعَذَابِ الهُون:
رَبِيعٌ أَظَلَّتْهُ لَيَالٍ سُودُ * وَمَاتَ لَهُ فَوْقَ الشِّفَاهِ نَشِيدُ
فَلاَ النِّيلُ بَسَّامًَا بِيَوْمِ وُرُودِهِ * وَلاَ عِيدُهُ بَينَ المَصَائِبِ عِيدُ
وَأَصْبَحَ إِنْشَادُ البَلاَبِلِ صَرْخَةً * مِنَ الظُّلْمِ في الوَادِي لَهَا تَرْدِيدُ
وَأَصْبَحَ تَغْرِيدُ الطُّيُورِ تَوَجُّعًَا * لِكُلِّ بَرِيءٍ أَثْقَلَتْهُ قُيُودُ
وَسَاقِيَةٍ بَاتَتْ تَئِنُّ فَخِلْتُهَا * عَلَى مِصْرَ بِالدَّمْعِ الغَزِيرِ تَجُودُ
[ ٥٢١٩ ]
ثَلاَثَةُ أَعْوَامٍ رَأَيْنَا خِلالَهَا * لَيَاليَ كَالخَرُّوبِ أَغْلَبُهَا سُودُ
وَذُقْنَا مِنَ الإِرْهَابِ مَا لاَ نُطِيقُهُ * وَلَيْسَ لَهُ مَهْمَا يَطُولُ حُدُودُ
أَفي مِصْرَ نحْيى اليَوْمَ أَمْ في جَهَنَّمٍ * فَقَدْ نَضِجَتْ مِنَّا بِمِصْرَ جُلُودُ
بِنَا مِنْ زُكَامِ الظُّلْمِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ * يُشَمُّ نَسِيمٌ أَوْ تُشَمُّ وُرُودُ
أَلاَ لَيْتَ شِعْرِي هَلْ نَعِيشُ لِمَرَّةٍ * وَلَيْسَ لِبَطْشِ الحَاكِمِينَ وُجُودُ
حَلُمْنَا بِأَنْ نَحْيى بِمَنأَىً عَنِ الأَذَى * فَحَطَّ بِنَا في مِصْرَ مِنهُ مَزِيدُ
وَلَوْ كَانَ ظُلْمًَا يَنْتَهِي خَفَّ أَمْرُهُ * وَلَكِنَّهُ ظُلْمٌ لَهُ تجْدِيدُ
[ ٥٢٢٠ ]
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال:
" كَانَ أَوَّلَ مَن أَظْهَرَ إِسْلاَمَهُ سَبْعَة: رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِر، وَأُمُّهُ سُمَيَّة، وَصُهَيْب، وَبِلاَل، وَالمِقْدَاد ﵃، فَأَمَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَمَنَعَهُ اللهُ بِعَمِّهِ أَبي طَالِب، وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: فَمَنَعَهُ اللهُ بِقَوْمِهِ،
[ ٥٢٢١ ]
وَأَمَّا سَائِرُهُمْ: فَأَخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ وَأَلْبَسُوهُمْ أَدْرَاعَ الحَدِيدِ وَصَهَرُوهُمْ في الشَّمْس، فَمَا مِنهُمْ أَحَدٌ إِلاَّ وَاتَاهُمْ عَلَى مَا أَرَادُواْ، إِلاَّ بِلاَلٌ ﵁ فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ في اللهِ ﷿ وَهَانَ عَلَى قَوْمِهِ؛ فَأَخَذُوهُ فَأَعْطَوْهُ الْوِلْدَانَ فَجَعَلُواْ يَطُوفُونَ بِهِ في شِعَابِ مَكَّةَ وَهُوَ يَقُولُ ﵁ أَحَدٌ أَحَد " ٠
[حَسَّنَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَدِ وَفي صَحِيحِ الإِمَامِ ابْنِ حِبَّان، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ بِرَقْم: ١٥٠]
[ ٥٢٢٢ ]
وَمِمَّا قُلْتُهُ أَنَا في المُوَاسَاةِ قَوْلي لِصَدِيقٍ لي يُقَالُ لَهُ خَالِدٌ سُجِنَ أَحَدَ عَشَرَ عَامًَا في سُجُونِ مِصْر، وَكُنْتُ أَعْرِفُ عَنهُ الاِعْتِدَالَ في الْفِكْر؛ فَقُلْتُ لَهُ مُوَاسِيًَا بَعْدَ الخُرُوج:
لاَ تَبْتَئِسْ يَا خَالِدُ * هَذَا نِظَامٌ فَاسِدُ
الْبَطْشُ فِيهِ سَيِّدٌ * وَالظُّلْمُ فِيهِ سَائِدُ
كَمْ أُقْفِلَتْ بمَزَاعِمِ الإِرْهَابِ فِيهِ مَسَاجِدُ
زَمَنُ الخِلاَفَةِ يَا صَدِيقِي عَنْ قَرِيبٍ عَائِدُ
فَتَجَلَّدْ أَمَامَ جَلاَّدِيك؛ فَكَمَا يَقُولُون: " السِّجْنُ لِلأَشِدَّاء " ٠٠؛ وَاسْتَعْذِبِ التَّعْذِيب؛ حَتىَّ يَأْتِيَكَ اللهُ بِالْفَرَجِ القَرِيب، فَفِي كُلِّ شِبْرٍ جُوَانْتَانَامُو، وَفي كُلِّ وَادٍ أَبُو غُرِيب؛ وَحَذَارِ أَنْ تَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتهَا ٠٠ ﴿بِئْسَ الاَسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَان﴾ ﴿الحُجُرَات/١١﴾
[ ٥٢٢٣ ]
وَلَوْ كَانَ السِّجْنُ في سَبِيلِ الحَقِّ عَارًَا عَلَى الخَلْق؛ لَمَا ابْتُلِيَ بِهِ نَبيُّ اللهِ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ عَلَيْهِ السَّلاَم ٠
كُنْ ثَابِتًَا مِثْلَ الجَبَلْ * مَهْمَا تُوَاجِهُ يَا بَطَلْ
لاَ تَنْدُبَنَّ مُصِيبَةً أَوْ تَبْكِيَنَّ عَلَى طَلَلْ
أَوْ تَيْأَسَنَّ لِعَثْرَةٍ فَالْيَأْسُ مِفْتَاحُ الْفَشَلْ
وَكَأَنَّني بِكَ عَنْ قَرِيبٍ سَوْفَ تَرْفُلُ في الحُلَلْ
﴿يَاسِر الحَمَدَاني﴾
فَتَصَبَّرْ عَلَى ظُلْمِ التَّحْقِيقَات، وَعَلَى مَا فِيهَا مِنَ الاِسْتِفْزَازِ وَالمُضَايَقَات
[ ٥٢٢٤ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" مَوْقِفُ سَاعَةٍ في سَبِيلِ الله؛ خَيرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عِنْدَ الحَجَرِ الأَسْوَد " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: ٦٦٣٦، ١٠٦٨، وَالأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيح الإِمَامِ ابْنِ حِبَّان]
فَتَجَلَّدْ أَيُّهَا الْبَطَل، وَكُنْ عَلَى أَمَل، وَتحَلَّ بِالثَّبَاتِ وَاليَقِينِ بِالصَّبْر، وَبَدَلًا مِن أَنْ تَنْظُرَ لِلبَدْرِ وَهُوَ يَصِيرُ إِلى المِحَاقِ انْظُرْ إِلى المِحَاقِ وَهُوَ يَصِيرُ إِلى بَدْر ٠
[ ٥٢٢٥ ]
أَيُّهَا المَظْلُومُ صَبْرًَا * إِنَّ بَعْدَ العُسْرِ يُسْرًَا
﴿وَسَيَعْلَمْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُون﴾ ﴿الشُّعَرَاء/٢٢٧﴾
أَجْرُ المَظْلُومِين، وَمَنْ يُعَذَّبُونَ في السُّجُون
عَن حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ ﵁ قَال: " كَيْفَ بِكُمْ إِذَا سُئِلْتُمُ الحَقَّ فَأَعْطَيْتُمُوه، وَإِذَا سَأَلْتُمْ حَقَّكُمْ فَمُنِعْتُمُوه ٠٠؟
قَالُواْ: نَصْبر؛ قَالَ ﵁: دَخَلْتُمُوهَا وَرَبِّ الْكَعْبَة " ٠
أَيِ الجَنَّة، جَعَلَنَا اللهُ مِن أَهْلِهَا ٠ [قَالَ الإِمَامَان / الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وَالذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين، رَوَاهُ الحَاكِم]
[ ٥٢٢٦ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ قَال: " كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَطَلَعَتِ الشَّمْس؛ فَقَالَ ﷺ:" يَأْتي اللهَ قَوْمٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُورُهُمْ كَنُورِ الشَّمْس " ٠
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَنَحْنُ هُمْ يَا رَسُولَ الله ٠٠؟
[ ٥٢٢٧ ]
قَالَ ﷺ:" لاَ، وَلَكُمْ خَيرٌ كَثِير، وَلَكِنَّهُمُ الفُقَرَاءُ وَالمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ مِن أَقْطَارِ الأَرْض، طُوبَى لِلْغُرَبَاء، طُوبَى لِلْغُرَبَاء، طُوبَى لِلْغُرَبَاء " ٠
فَقِيل: مَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ الله ٠٠؟
قَالَ ﷺ:" نَاسٌ صَالحُونَ في نَاسِ سَوْءٍ كَثِير، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ "
[صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في التَّرْغِيب بِرَقْم: (٣١٨٨)، وَوَثَّقَهُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَع ص: (٢٨٥/ ١٠)، رَوَاهُ أَحْمَدُ بِرَقْم: ٦٧٧٥]
مَنْزِلَةُ الضُّعَفَاءِ وَالمَظْلُومِينَ عِنْدَ الله
وَهَذِهِ بُشْرَى لِلضُّعَفَاءِ المُسْتَضْعَفِينَ وَالمَظْلُومِين، الَّذِينَ ظُلِمُواْ وَلَمْ يَنْتَصِرُواْ:
[ ٥٢٢٨ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" رُبَّ أَشْعَثٍ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّه " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٢٦٢ / عَبْد البَاقِي]
عَن حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال:" أَلاَ أُخْبرُكُمْ بِأَهْلِ الجَنَّة: كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعَّف، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّه، أَلاَ أُخْبرُكُمْ بِأَهْلِ النَّار: كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبر "
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٤٩١٨ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٨٥٣ / عَبْد البَاقِي]
[ ٥٢٢٩ ]
عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ:
" يَا سُرَاقَة؛ أَلاَ أُخْبِرُكَ بِأَهْلِ الجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّار ٠٠؟
قَالَ ﵁: بَلَى يَا رَسُولَ الله؛ قَالَ ﷺ:
" أَمَّا أَهْلُ النَّار: فَكُلُّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِر، وَأَمَّا أَهْلُ الجَنَّة: الضُّعَفَاءُ المَغْلُوبُون "
[صَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: (٢٥٢٩، ١٧٤١)، وَقَالَ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِم،
وَحَسَّنَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في مجْمَعِ الزَّوَائِدِ ص: (٢٦٥/ ١٠)، رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبَرَانيُّ وَأَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِرَقْم: ١٧١٣٥]
[ ٥٢٣٠ ]
الجَعْظَرِيّ: هُوَ الفَظُّ الغَلِيظ، وَالجَوَّاظ: هُوَ عَظِيمُ الجِسْم ٠
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَهْلِ الجَنَّة ٠٠؟
قَالُواْ: بَلَى يَا رَسُولَ الله؛ قَالَ ﷺ:" الضُّعَفَاءُ المَظْلُومُون " ٠
قَالَ ﷺ: " أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَهْلِ النَّار " ٠
قَالُواْ: بَلَى يَا رَسُولَ الله؛ قَالَ ﷺ:" كُلُّ شَدِيدٍ جَعْظَرِيّ " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ بِرَقْم: ٩٣٢، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَد]
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال:
[ ٥٢٣١ ]
" أَلاَ أُخْبِرُكَ عَنْ مُلُوكِ الجَنَّة " ٠٠؟
قُلْتُ: بَلَى؛ قَالَ ﷺ:" رَجُلٌ ضَعِيفٌ مُسْتَضْعَفٌ ذُو طِمْرَيْنِ لاَ يُؤْبَهُ لَه " ٠
[ذَكَرَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ بِرَقْم: (١٧٤١)، وَضَعَّفَهُ في " سُنَنِ الإِمَامِ ابْنِ مَاجَةَ " بِرَقْم: ٤١١٥]
عَن حُذَيْفَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ عِبَادِ الله ٠٠؟
الفَظُّ المُسْتَكْبِر، أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بخَيْرِ عِبَادِ الله: الضَّعِيفُ المُسْتَضْعَف " ٠
[وَثَّقَهُ الإِمَامُ الهَيْثَمِيُّ في المجْمَعِ وَقَالَ فِيهِ محَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ وَقَدْ وُثِّقَ عَلَى ضَعْفِه، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِرَقْم: ٢٢٩٤٧]
[ ٥٢٣٢ ]
وَذُو الطِّمْرَيْن: أَيْ ذُو الثَّوْبَيْنِ القَدِيمَينِ ٠
وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ لَيْسَتْ دَعْوَةً لِلضَّعْفِ كَمَا يُفَسِّرُهَا الْعَلْمَانِيُّونَ وَمَن عَلَى شَاكِلَتِهِمْ، وَإِنمَا هِيَ بُشْرَى يَسُوقُهَا اللهُ ﷾ لِضُعَفَاءِ المُسْلِمِينَ أَيْنَمَا وُجِدُواْ جَبرًَا لخَوَاطِرِهِمْ ٠
[ ٥٢٣٣ ]
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: " مَنْ قَاتَلَ في سَبِيلِ اللهِ فَوَاقَ نَاقَةٍ - أَيْ وَلَوْ قَدْرَ مَا بَينَ الحَلْبَتَينِ مِنَ الوَقْت - فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّة، وَمَنْ سَأَلَ اللهَ الْقَتْلَ مِنْ نَفْسِهِ صَادِقًَا ثمَّ مَاتَ أَوْ قُتِل؛ فَإِنَّ لَهُ أَجْرَ شَهِيد، وَمَنْ جُرِحَ جُرْحًَا في سَبِيلِ اللهِ أَوْ نُكِبَ نَكْبَةً؛ فَإِنَّهَا تَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَغْزَرِ مَا كَانَتْ، لَوْنُهَا لَوْنُ الزَّعْفَرَانِ وَرِيحُهَا رِيحُ المِسْك، وَمَنْ خَرَجَ بِهِ خُرَاجٌ في سَبِيلِ الله؛ فَإِنَّ عَلَيْهِ طَابَعَ الشُّهَدَاء " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ " بِرَقْم: ٢٥٤١]
[ ٥٢٣٤ ]
وَرَوَى الإِمَامُ النَّسَائِيُّ الحَدِيثَ نَفْسَهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَيْضًَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَيرَ أَنَّهُ قَالَ فِيهَا:
" لَوْنُهَا كَالزَّعْفَرَانِ وَرِيحُهَا كَالمِسْك، وَمَنْ جُرِحَ جُرْحًَا في سَبِيلِ اللهِ فَعَلَيْهِ طَابَعُ الشُّهَدَاء " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " سُنَنِ الإِمَامِ النَّسَائِيِّ " بِرَقْم: ٣١٤١]
وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ مُقْرِنٍ ﵁ أَنَّ النَّبيِّ ﷺ قَال:
" مَنْ قُتِلَ دُونَ مَظْلَمَتِهِ فَهُوَ شَهِيد " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ النَّسَائِيِّ بِرَقْم: ٤٠٩٦، كَمَا صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٢٧٨٠]
[ ٥٢٣٥ ]
عَنِ الإِمَامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَال:
" أَيُّمَا رَجُلٍ حَبَسَهُ السُّلْطَانُ ظُلْمًَا فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيد، وَإِنْ ضَرَبَهُ فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيد " ٠
[الإِمَامُ الغَزَاليُّ في " الإِحْيَاءِ " طَبْعَةِ دَارِ الوَثَائِقِ المِصْرِيَّةِ في " كِتَابِ الصَّبرِ وَالشُّكْر " ص: ١٤٧٩]
وَبَعْدَ أَنِ انْتَهَيْنَا مِنَ الحِدِيثِ عَنِ المَظْلُومِين؛ نَنْتَقِلُ إِلى شَكْوَى المَظْلُومِ إِلى رَبِّ العَالَمِين ٠
مَعْرِفَةُ اللهِ تَعَالى عِنْدَ الشَّدَائِد
يَقُولُ ﷾: ﴿فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون﴾ ﴿الأَنعَام/٤٣﴾
وَقَالَ أَيْضًَا: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المحْسِنِين﴾ ﴿الأَعْرَاف/٥٦﴾
[ ٥٢٣٦ ]
يَقُولُ ابْنُ القَيِّمِ في كِتَابِهِ القَيِّم / عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِين:
" وَقَدْ ذَمَّ سُبْحَانَهُ مَنْ لَمْ يَتَضَرَّعْ إِلَيْهِ وَلَمْ يَسْتَكِنْ لَهُ وَقْتَ البَلاَء؛ قَالَ ﵎:
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿المُؤْمِنُون/٧٦﴾
وَالعَبْدُ أَضْعَفُ مِن أَنْ يَتَجَلَّدَ عَلَى رَبِّه " ٠
[ابْنُ القَيِّمِ في " عُدَّةِ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةِ الشَّاكِرِين " بِالبَابِ التَّاسِع]
إِذَا المَرْءُ لَمْ يَرْكَن إِلى اللهِ في الَّذِي * يحَاذِرُهُ مِنْ دَهْرِهِ فَهْوَ خَاسِرُ
وَإِن هُوَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ اللهَ نَاصِرًَا * فَلَيْسَ لَهُ في غُرْبَةِ الحَقِّ نَاصِرُ
﴿محَمَّدٌ الأَسْمَر أَوْ محْمُود سَامِي البَارُودِي﴾
[ ٥٢٣٧ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " رَحِمَ اللهُ يُوسُف؛ لَوْلاَ الْكَلِمَةُ الَّتي قَالَهَا: [اذْكُرْني عِنْدَ رَبِّكَ] مَا لَبِثَ في السِّجْنِ مَا لَبِثَ " ٠
[حَسَّنَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ الإِمَامِ ابْنِ حِبَّانَ بِرَقْم: ٦٢٠٦]
فَدَعْ كُلَّ طَاغِيَةٍ لِلزَّمَانِ * فَإِنَّ الزَّمَانَ يُقِيمُ الصَّعَرْ
[ ٥٢٣٨ ]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: " لَمَّا رَفَعَ النَّبيُّ ﷺ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَال: " اللهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيد، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَام، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبي رَبِيعَة، وَالمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّة، اللهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَر، اللهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنيِّ يُوسُف " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٦٢٠٠ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٦٧٥ / عَبْد البَاقِي]
[ ٥٢٣٩ ]
المُؤْمِنُ يحْسِنُ الظَّنَّ بِالله؛ مَهْمَا رَأَى مِنَ المُعَانَاة
عَن أَبي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْ رَبِّ العِزَّةِ جَلَّ جَلاَلُهُ أَنَّهُ قَال:
" أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَاني "٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٦٧٥ / عَبْد البَاقِي]
[ ٥٢٤٠ ]
وَيُرْوَى أَنَّ سُلْطَانَ صَقَلِّيَّةَ أَرِقَ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَمُنِعَ النَّوْم؛ فَأَرْسَلَ إِلى قَائِدِ البَحْرِ وَقَالَ لَهُ: أَنْفِذِ الآنَ مَرْكَبًَا إِلى إِفْرِيقْيَةَ يَأْتُوني بِأَخْبَارِهَا؛ فَعَمِدَ القَائِدُ إِلى أَحَدِ الصَّيَّادِينَ وَأَرْسَلَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحُواْ إِذَا بِالمَرْكَبِ في مَوْضِعِهِ كَأَنَّهُ لَمْ يَبرَحْ؛ فَقَالَ المَلِكُ لِقَائِدِ البَحْر: أَلَيْسَ قَدْ فَعَلْتَ مَا أَمَرْتُكَ بِه؟
[ ٥٢٤١ ]
قَالَ نَعَمْ، قَدِ امْتَثَلْتُ أَمْرَكَ وَأَنْفَذْتُ مَرْكَبًَا فَرَجَعَ بَعْدَ سَاعَةٍ وَسَيُحَدِّثُكَ الصَّيَّادُ الَّذِي بَعَثْتُهُ بِالمَرْكَب، فَأَمَرَ المَلِكُ بِإِحْضَارِه، فَجَاءَ وَمَعَهُ رَجُل، فَقَالَ لَهُ المَلِك: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَذْهَبَ حَيْثُ أُمِرْت ٠٠؟
قَال: ذَهَبْتُ بِالمَرْكَب، فَبَيْنَمَا أَنَا في جَوْفِ اللَّيْلِ وَالرِّجَالُ يجَدِّفُونَ إِذَا بِصَوْتٍ يَقُول: يَا اللهُ يَا اللهُ يَا غِيَاثَ المُسْتَغِيثِينَ يُكَرِّرُهَا مِرَارًَا، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ صَوْتُهُ في أَسْمَاعِنَا نَادَيْنَاهُ لَبَّيْكَ لَبَّيْك، وَهُوَ يُنَادِي يَا اللهُ يَا اللهُ يَا غِيَاثَ المُسْتَغِيثِين، فَجَدَّفْنَا بِالمَرْكَبِ نحْوَ الصَّوْت، فَلَقِينَا هَذَا الرَّجُلَ غَرِيقًَا في آخِرِ رَمَقٍ مِنَ الحَيَاة، فَأَخْرَجْنَاهُ عَلَى سَطْحِ المَرْكَبِ وَسَأَلْنَاهُ عَن حَالِهِ فَقَال:
[ ٥٢٤٢ ]
كُنَّا مُقْلِعِينَ مِن إِفْرِيقْيَة، فَغَرِقَتْ سَفِينَتُنَا مُنْذُ أَيَّامٍ وَأَشْرَفْتُ عَلَى المَوْت، وَمَا زِلْتُ أَصِيحُ حَتىَّ أَتَانيَ الغَوْثُ مِنْ نَاحِيَتِكُم؛ فَسُبْحَانَ مَن أَسْهَرَ سُلْطَانًَا وَأَرَّقَهُ في قَصْرِهِ؛ لِغَرِيقٍ في البَحْرِ حَتىَّ اسْتَخْرَجَهُ مِنْ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ الثَّلاَث: ظُلْمَةِ اللَّيْل، وَظُلْمَةِ البَحْر، وَظُلْمَةِ الوِحْدَة، فَسُبْحَانَ مَنْ لاَ إِلَهَ غَيرُهُ وَلاَ مَعْبُودَ سِوَاه ٠ [الأَبْشِيهِيُّ في " المُسْتَطْرَفِ مِنْ كُلِّ فَنٍّ مُسْتَظْرَف " بِالبَابِ السَّابِعِ وَالخَمْسِينَ في مَنَاقِبِ الصَّالحِين]
[ ٥٢٤٣ ]
وَللهِ دَرُّ الْقَائِل:
فَإِنْ كَانَ بَعْضُ النَّوَاطِيرِ نَامُواْ * فَإِنَّ الَّذِي في السَّمَا لَمْ يَنَمْ
﴿عِصَام الْغَزَالي بِتَصَرُّف﴾
وَالنَّوَاطِير: أَيْ وُلاَةُ الأَمْرِ وَرِجَالِ الأَمْن، وَالْبَيْتُ يُشِيرُ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ إِلى بَيْتٍ شَهِيرٍ لِلْمُتَنَبيِّ يَقُولُ فِيه:
نَامَتْ نَوَاطِيرُ مِصْرٍ عَنْ ثَعَالِبِهَا * حَتىَّ بَشِمْنَ وَمَا تَفْنى العَنَاقِيدُ
[ ٥٢٤٤ ]
جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى الظَّالِم
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو فَيَقُول:
" وَانْصُرْني عَلَى مَنْ ظَلَمَني، وَأَرِني مِنهُ ثَأْرِي " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الأَدَبِ المُفْرَدِ بِرَقْم: ٦٤٩، ٦٥٠]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُول:
" اللهُمَّ أَعِنيِّ وَلاَ تُعِن عَلَيّ، وَانْصُرْني وَلاَ تَنْصُرْ عَلَيّ، وَيَسِّرِ الهُدَى ليّ " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الأَدَبِ المُفْرَدِ بِرَقْم: ٦٦٤]
[ ٥٢٤٥ ]
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَيْضًَا زَادَ ﷺ فِيهَا قَوْلَه: " وَانْصُرْني عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيّ " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الأَدَبِ المُفْرَدِ بِرَقْم: ٦٦٥]
عَن أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيَّ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَافَ قَوْمًَا قَال: " اللَّهُمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ في نُحُورِهِمْ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ بِرَقْم: ١٥٣٧، حَسَّنَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَدِ بِرَقْم: ١٩٧١٩]
[ ٥٢٤٦ ]
رَوَى الحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَال:
" إِذَا كَانَ عَلَى أَحَدِكُمْ إِمَامٌ يخَافُ تَغَطْرُسَهُ أَوْ ظُلْمَهُ فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيم؛ كُنْ لي جَارًَا مِنْ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ وَأَحْزَابِهِ مِن خَلاَئِقِك؛ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيَّ أَحَدٌ مِنهُمْ أَوْ يَطْغَى، عَزَّ جَارُك، وَجَلَّ ثَنَاؤُك، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْت " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في صَحِيحِ التَّرْغِيب ح٠ر: ٢٢٣٧، وَفي الأَدَبِ المُفْرَدِ بِرَقْم: ٧٠٧]
[ ٥٢٤٧ ]
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ قَال:
" إِذَا أَتَيْتَ سُلْطَانًَا مَهِيبًَا تَخَافُ أَنْ يَسْطُوَ بِكَ فَقُلْ: اللهُ أَكْبَر، اللهُ أَعَزُّ مِن خَلْقِهِ جَمِيعًَا، اللهُ أَعَزُّ مِمَّا أَخَافُ وَأَحْذَر، وَأَعُوذُ بِاللهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، المُمْسِكِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ أَنْ يَقَعْنَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِه؛ مِنْ شَرِّ عَبْدِكَ فُلاَنٍ وَجُنُودِهِ وَأَتْبَاعِهِ وَأَشْيَاعِهِ مِنَ الجِنِّ وَالإِنْس، اللهُمَّ كُنْ لي جَارًَا مِنْ شَرِّهِمْ، جَلَّ ثَنَاؤُك، وَعَزَّ جَارُك، وَتَبَارَكَ اسْمُك، وَلاَ إِلَهَ غَيرُك، ثَلاَثَ مَرَّات " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في صَحِيحِ التَّرْغِيب ح ٠ ر: ٢٢٣٧، وَفي الأَدَبِ المُفْرَدِ بِرَقْم: ٧٠٨]
[ ٥٢٤٨ ]
وَهَذِهِ بِشَارَةٌ لِلْمَظْلُومِين:
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" ثَلاَثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَات: دَعْوَةُ الصَّائِم، وَدَعْوَةُ المُسَافِر، وَدَعْوَةُ المَظْلُوم " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في صَحِيحِ الجَامِعِ بِرَقْم: ٣٠٣٠، رَوَاهُ الإِمَامُ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإِيمَانِ بِرَقْم: ٣٥٩٤]
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " ثَلاَثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لاَ شَكَّ فِيهِنّ: دَعْوَةُ المَظْلُوم، وَدَعْوَةُ المُسَافِر، وَدَعْوَةُ الوَالِدِ عَلَى وَلَدِه " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٧٥٠١، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الأَدَبِ المُفْرَدِ بِرَقْم: ٤٨١، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَد]
[ ٥٢٤٩ ]
فَكُن عَلَى يَقِين، أَنَّ اللهَ سَيَنْصُرُكَ وَلَوْ بَعْدَ حِين ٠٠
عَن خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " اتَّقُواْ دَعْوَةَ المَظْلُوم؛ فَإِنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَام، يَقُولُ اللهُ جَلَّ جَلاَلُهُ: وَعِزَّتي وَجَلاَلي؛ لأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِين " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: (١١٧، ٨٧٠)، رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبرَانيُّ في الْكَبِير]
[ ٥٢٥٠ ]
حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيل
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَال:
﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيل﴾ ﴿آلِ عِمْرَان/١٧٣﴾
قَالهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ حِينَ أُلْقِيَ في النَّار، وَقَالهَا محَمَّدٌ ﷺ حِينَ قَالُواْ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًَا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيل﴾ ﴿آلِ عِمْرَان/١٧٣﴾ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٤٥٦٣ / فَتْح]
وَعَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَيْضًَا أَنَّهُ قَال:
" كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ في النَّار: حَسْبيَ اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيل " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٤٥٦٤ / فَتْح]
[ ٥٢٥١ ]
مِنْ دُعَائِهِ ﷺ عَلَى الظَّالِمِين: عَنِ الإِمَامِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ الخَنْدَق: " مَلأَ اللهُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًَا كَمَا شَغَلُونَا عَنْ صَلاَةِ الوُسْطَى حَتىَّ غَابَتِ الشَّمْس " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٤١١١ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٦٢٧ / عَبْد البَاقِي]
[ ٥٢٥٢ ]
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال:
" بَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِدٌ وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِين؛ إِذْ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبي مُعَيْطٍ بِسَلَى جَزُور، فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ النَّبيِّ ﷺ، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حَتىَّ جَاءتْ فَاطِمَة ﵂، فَأَخَذَتْ مِنْ ظَهْرِهِ وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ ذَلِك، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ:
[ ٥٢٥٣ ]
" اللهُمَّ عَلَيْكَ المَلأَ مِنْ قُرَيْش ٠٠ اللهُمَّ عَلَيْكَ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَام، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَة، وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَة، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبي مُعَيْط، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَف، أَوْ أُبيَّ بْنَ خَلَف " ٠٠ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُواْ يَوْمَ بَدْرٍ فَأُلْقُواْ في بِئْر، غَيْرَ أُمَيَّةَ أَوْ أُبَيٍّ فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا ضَخْمًَا؛ فَلَمَّا جَرُّوهُ تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ قَبْلَ أَنْ يُلْقَى في البِئْر " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٣١٨٥ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ١٧٩٤ / عَبْد البَاقِي]
[ ٥٢٥٤ ]
حَدَّثَ عِكْرِمَةُ ﵁ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: " مَرَّ أَبُو جَهْلٍ بِالنَّبيِّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي؛ فَقَالَ قَال قَبَّحَهُ الله: أَلَمْ أَنهَكَ عَن أَنْ تُصَلِّيَ يَا محَمَّد؛ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا بِهَا أَحَدٌ أَكْثَرُ نَادِيًَا مِنيِّ؛ فَانْتَهَرَهُ النَّبيُّ ﷺ؛
[ ٥٢٥٥ ]
فَقَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَم:
﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه ﴿١٧﴾ سَنَدْعُو الزَّبَانِيَة﴾ ﴿العَلَق﴾
وَاللهِ لَوْ دَعَا نَادِيَهُ لأَخَذَتْهُ زَبَانِيَةُ الْعَذَاب " ٠
[صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْم: ٣٣٤٩، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٣٨٠٩]
[ ٥٢٥٦ ]
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَيْضًَا قَالَ فِيهَا: " كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ المَقَام؛ فَمَرَّ بِهِ أَبُو جَهْلٍ بْنُ هِشَامٍ فَقَال: يَا محَمَّد؛ أَلَمْ أَنْهَكَ عَن هَذَا ٠٠؟
وَتَوَعَّدَهُ فَأَغْلَظَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَانْتَهَرَه؛ فَقَال: يَا محَمَّد؛ بِأَيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُني ٠٠؟!
أَمَا وَاللهِ إِنيِّ لأَكْثَرُ هَذَا الْوَادِي نَادِيًَا؛ فَأَنْزَلَ اللهُ جَلَّ جَلاَلُهُ:
﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه ﴿١٧﴾ سَنَدْعُو الزَّبَانِيَة﴾ ﴿العَلَق﴾
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁:
[ ٥٢٥٧ ]
" لَوْ دَعَا نَادِيَه؛ أَخَذَتْهُ زَبَانِيَةُ الْعَذَابِ مِنْ سَاعَتِه " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٣٠٤٥، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ بِرَقْم: ٢٧٥]
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَال: " قَالَ أَبُو جَهْل: لَئِنْ رَأَيْتُ محَمَّدًَا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لأَطَأَنَّ عَلَى عُنُقِه؛ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبيَّ ﷺ فَقَال: " لَوْ فَعَلَ لأَخَذَتْهُ المَلاَئِكَةُ عِيَانًَا " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٣٤٨٣، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِه]
[ ٥٢٥٨ ]
وَأَخِيرًَا: لاَ تُغْلِقْ أَخِي المَظْلُومُ عَلَى نَفْسِكَ بَابَ السَّفَر؛ فَقَدْ جَعَلَ اللهُ فِيهِ مخْرَجًَا لِلْعِبَاد، عِنْدَ ظُهُورِ الْفَسَاد، وَازْدِيَادِ الظُّلْمِ وَالاِسْتِبْدَاد ٠٠
قَالَ ﷾: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنْتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ﴾ ﴿النِّسَاء/٩٧﴾
﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ في سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ في الأَرْضِ مُرَاغَمًَا كَثِيرًَا وَسَعَةً وَمَنْ يخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًَا إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ ثمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًَا رَّحِيمَا﴾ ﴿النِّسَاء: ١٠٠﴾
[ ٥٢٥٩ ]
وَإِنْ تُهَاجِرْ فَلَقَدْ هَاجَرَ قَبْلَكَ خَلِيلُ اللهِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَم، وَمِنْ بَعْدِهِ هَاجَرَ المُصْطَفَى عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَم ٠
عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: " هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِسَارَّة، فَدَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ المُلُوك، أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَة، فَقِيلَ - أَيْ قِيلَ لِهَذَا المَلِك - دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ بِامْرَأَةٍ هِيَ مِن أَحْسَنِ النِّسَاء؛ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ يَا إِبْرَاهِيم؛ مَن هَذِهِ الَّتي مَعَك ٠٠؟
[ ٥٢٦٠ ]
قَالَ أُخْتي - أَيْ لأَنَّهُ لَوْ قَالَ زَوْجَتي لَقَتَلَهُ طَمَعًَا فِيهَا - ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا فَقَال: لاَ تُكَذِّبي حَدِيثِي، فَإِنيِّ أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّكِ أُخْتي، وَاللهِ إِن عَلَى الأَرْضِ - أَيْ مَا عَلَى الأَرْضِ - مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُك، فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْه، فَقَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي فَقَالَتْ: اللهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِك، وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلاَّ عَلَى زَوْجِي؛ فَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيَّ الكَافِر؛ فَغُطَّ حَتىَّ رَكَضَ بِرِجْلِه - وَقَالَتْ في رِوَايَةٍ: اللهُمَّ إِنْ يَمُتْ يُقَالُ هِيَ قَتَلَتْهُ - فَأُرْسِلَ، ثمَّ قَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ تُصَلِّي وَتَقُول: اللهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِك، وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلاَ عَلَى زَوْجِي؛ فَلاَ تُسَلِّطْ
[ ٥٢٦١ ]
عَلَيَّ هَذَا الكَافِر؛ فَغُطَّ حَتىَّ رَكَضَ بِرِجْلِه، فَقَالَتْ: اللهُمَّ إِنْ يَمُتْ فَيُقَالُ هِيَ قَتَلَتْهُ؛ فَأُرْسِلَ في الثَّانِيَةِ أَوْ في الثَّالِثَة، فَقَالَ وَاللهِ مَا أَرْسَلْتُمْ إِليَّ إِلاَّ شَيْطَانًَا؛ أَرْجِعُوهَا إِلى إِبْرَاهِيمَ وَأَعْطُوهَا آجَر - أَيْ هَاجَر - فَرَجَعَتْ إِلى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ أَنَّ اللهَ كَبَتَ الكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَة " ٠ [رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٢٢١٧ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٣٧١ / عَبْد البَاقِي]
لاَ تَصْبُوَنَّ إِلى وَطَن فِيهِ تُضَامُ وَتُمْتَهَن
وَارْبَأْ بِنَفْسِكَ أَنْ تُقِيمَ بِحَيْثُ يَغْشَاكَ الدَّرَن
وَارْحَلْ عَنِ الدَّارِ الَّتي قَدْ تَعْتَرِيكَ بِهَا المحَن
وَطُفِ البِلاَدَ فَأَيُّهَا أَرْضَاكَ فَاخْترْهُ سَكَن
[ ٥٢٦٢ ]
﴿الحَرِيرِي صَاحِبُ المَقَامَات﴾
أَمْ صَرَّ الغَزْوُ عَلَيْكَ إِسْتَه ٠٠؟!
لاَ يَسْكُنُ المَرْءُ في أَرْضٍ يُهَانُ بِهَا * إِلاَّ مِنَ العَجْزِ أَوْ مِنْ قِلَّةِ الحِيَلِ
*********
وَفي الأَرْضِ مَنأَىً لِلْكَرِيمِ عَنِ الأَذَى * وَفِيهَا لِمَنْ عَانىَ مِنَ الظُّلْمِ مخْرَجُ
﴿الشَّنْفَرَى بِتَصَرُّف﴾
عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" لاَ تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ حَتىَّ تَنْقَطِعَ التَّوْبَة، وَلاَ تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتىَّ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا " ٠ [صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الجَامِعِ بِرَقْم: (١٣٤٢٦، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في المُسْنَدِ بِرَقْم: ١٦٤٦٣/إِحْيَاءُ التُّرَاث]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ وَقْدَانَ السَّعْدِيِّ ﵁ قَال:
[ ٥٢٦٣ ]
" وَفَدْتُ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ في وَفْد، كُلُّنَا يَطْلُبُ حَاجَةً، وَكُنْتُ آخِرَهُمْ دُخُولًا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله؛ إِنيِّ تَرَكْتُ مَن خَلْفِي وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الهِجْرَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ؛ قَالَ ﷺ:
" لاَ تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّار " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الجَامِعِ بِرَقْم: (٩٣٤٩)، وَصَحَّحَهُ في سُنَنِ الإِمَامِ النَّسَائِيِّ بِرَقْم: (٤١٧٢)، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَد]
الدُّعَاءُ عِنْدَ الْكَرْب
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَال:
" كَانَ النَّبيُّ ﷺ يَدْعُو عِنْدَ الكَرْبِ يَقُول:
[ ٥٢٦٤ ]
" لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ العَظِيمُ الحَلِيم، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيم "
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٦٣٤٦ / فَتْح)، وَالإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٢٧٣٠ / عَبْد البَاقِي]
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَيْضًَا قَال:
" كَانَ النَّبيُّ ﷺ يَقُولُ عِنْدَ الكَرْب:
" لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ العَلِيمُ الحَلِيم، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيم، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيم " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٧٤٢٦ / فَتْح]
[ ٥٢٦٥ ]
عَن أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ﵂ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: " أَلاَ أُعَلِّمُكِ كَلِمَاتٍ تَقُولِينَهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ أَوْ في الْكَرْب: اللهُ اللهُ رَبيِّ لاَ أُشْرِكُ بِهِ شَيْئَا " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ بِرَقْم: ١٥٢٥]
وَفي حَدِيثٍ آخَرَ عَن أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ﵂ أَيْضًَا عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " مَن أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ غَمٌّ أَوْ سَقَمٌ أَوْ شِدَّةٌ فَقَال: اللهُ رَبيِّ لاَ شَرِيكَ لَهُ؛ كُشِفَ ذَلِكَ عَنهُ " [حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " الجَامِعِ " بِرَقْم: (٦٠٤٠)، رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبَرَانيّ]
[ ٥٢٦٦ ]
عَن أَبي بَكْرَةَ الثَّقَفِيِّ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" دَعَوَاتُ المَكْرُوب: اللهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو؛ فَلاَ تَكِلْني إِلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَين، وَأَصْلِحْ لي شَأْنِي كُلَّه، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْت " ٠
[حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَفي الأَدَبِ المُفْرَدِ بِرَقْمَيْ: ١٢١، ٧٠١، وَفي سُنَنِ الإِمَامِ أَبي دَاوُدَ بِرَقْم: ٥٠٩٠]
[ ٥٢٦٧ ]
عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ قَال: " يَا حَيُّ يَا قَيُّوم؛ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيث " ٠
[حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَفي الصَّحِيحِ وَالصَّحِيحَةِ بِرَقْمَيْ: (٤٧٧٧، ٣١٨٢)، رَوَاهُ الإِمَامُ التِّرْمِذِيّ]
[ ٥٢٦٨ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: كَانَ ﷺ إِذَا نَزَلَ بِهِ هَمٌّ أَوْ غَمٌّ قَال: " يَا حَيُّ يَا قَيُّوم؛ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيث " ٠
[حَسَّنَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " الجَامِعِ " بِرَقْم: (٨٩٢٢)، رَوَاهُ الحَاكِم]
[ ٥٢٦٩ ]
عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: " دُعَاءُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا بِهِ وَهُوَ في بَطْنِ الحُوت: لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنيِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين، إِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ في شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ اسْتُجِيبَ لَه " ٠
[صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، وَالْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانيُّ في الْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَفي سُنَنِ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ بِرَقْمَيْ: ١٢٣، ٣٥٠٥]
[ ٥٢٧٠ ]
عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ؛ إِذَا نَزَلَ بِرَجُلٍ مِنْكُمْ كَرْبٌ أَوْ بَلاَءٌ مِن أَمْرِ الدُّنيَا دَعَا بِهِ فَفُرِّجَ عَنهُ ٠٠؟
دُعَاءُ ذِي النُّون: لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنيِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالمِين " ٠
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " الجَامِعِ " بِرَقْم: (٤٣٧٠)، أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَك]
[ ٥٢٧١ ]
﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًَا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى في الظُّلُمَاتِ أَن لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنيِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين﴾ ﴿الأَنْبِيَاء/٨٧﴾
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ في مَعْنىَ هَذِهِ الآيَةِ الْكَرِيمَة:
" ظُلْمَةُ اللَّيْل، وَظُلْمَةُ بَطْنِ الحُوت، وَظُلْمَةُ الْبَحْر " ٠
[قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَين، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٣٤٤٥]
[ ٥٢٧٢ ]
" هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى اسْمِ اللهِ الأَعْظَم، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى ٠٠؟
الدَّعْوَةُ الَّتي دَعَا بِهَا يُونُس: حَيْثُ نَادَاهُ في الظُّلُمَاتِ الثَّلاَث: لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنيِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين " ٠٠
فَقَال رَجُل: يَا رَسُولَ الله، هَلْ كَانَتْ لِيُونُسَ خَاصَّةً أَمْ لِلمُؤْمِنِينَ عَامَّة ٠٠؟
فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: " أَلاَ تَسْمَعُ قَوْلَ اللهِ ﷿:
﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الأَنْبِيَاء/٨٨﴾
[ضَعَّفَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في " التَّرْغِيب " بِرَقْم: (١٠٢٣، ١١٤٩)، وَالحَدِيثُ في " المُسْتَدْرَكِ " بِرَقْم: ١٨٦٥]
[ ٥٢٧٣ ]
عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ وَحَزَن: اللهُمَّ إِنيِّ عَبْدُك، وَابْنُ عَبْدِك، وَابْنُ أَمَتِك، نَاصِيَتي بِيَدِك، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُك، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُك، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَك؛ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَك، أَوْ أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِك، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًَا مِن خَلْقِك، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَك: أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلاَءَ حُزْني، وَذَهَابَ هَمِّي؛ إِلاَّ أَذْهَبَ اللهُ ﷿ هَمَّهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًَا " ٠٠ قَالُواْ: يَا رَسُولَ الله؛ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ هَؤُلاَءِ الكَلِمَات؛ قَالَ ﷺ: " أَجَلْ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ "
[صَحَّحَهُ الْعَلاَّمَةُ الأَلبَانيُّ في الصَّحِيحَةِ وَفي الْكَلِمِ الطَّيِّبِ بِرَقْمَيْ: (١٩٩، ١٢٤)، وَالْعَلاَّمَة أَحْمَد شَاكِر في المُسْنَد، وَالأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في صَحِيحِ ابْنِ حِبَّان]
[ ٥٢٧٤ ]
عَن أَبي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ﵁ عَن عَمِّهِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَخْتَلِفُ إِلىَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ في حَاجَةٍ لَهُ، فَكَانَ عُثْمَانُ لاَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَلاَ يَنْظُرُ في حَاجَتِه، فَلَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ ﵁ فَشَكَا ذَلِكَ إِلَيْه؛ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ حَنِيفٍ ﵁: ائْتِ المِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ ائْتِ المَسْجِدَ فَصَلِّ فِيهِ رَكْعَتَيْن، ثُمَّ قُل: اللَّهُمَّ إِنيِّ أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا محَمَّدٍ ﷺ نَبيِّ الرَّحْمَة ٠٠ يَا محَمَّد؛ إِنيِّ أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلىَ رَبِّكَ جَلَّ جَلاَلُهُ فَيَقْضِي لي حَاجَتي ٠٠ وَتَذْكُرُ حَاجَتَك، وَرُحْ إِليَّ حَتىَّ أَرُوحَ مَعَك، فَانْطَلَقَ الرَّجُل، فَصَنَعَ مَا قَالَ لَهُ عُثْمَانُ ﵁،
[ ٥٢٧٥ ]
ثمَّ أَتَى بَابَ عُثْمَانَ ﵁، فَجَاءَ الْبَوَّابُ حَتىَّ أَخَذَ بِيَدِهِ فَأَدْخَلَهُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى الطِّنْفِسَة [أَيِ الْفِرَاش]، وَقَال: حَاجَتُك؟ فَذَكَرَ حَاجَتَهُ، فَقَضَاهَا لَهُ، ثمَّ قَالَ ﵁ لَهُ: مَا ذَكَرْتُ حَاجَتَكَ حَتىَّ كَانَتْ هَذِهِ السَّاعَة، وَقَالَ لَهُ ﵁: مَا كَانَتْ لَكَ مِن حَاجَةٍ فَأْتِنَا، ثمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ فَلَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ ﵁؛ فَقَالَ لَهُ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًَا، مَا كَانَ يَنْظُرُ في حَاجَتي وَلاَ يَلْتَفِتُ إِليَّ حَتىَّ كَلَّمْتَهُ فيَّ؛ فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ ﵁: وَاللهِ مَا كَلَّمْتُهُ، وَلَكِنْ شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَتَاهُ ضَرِيرٌ فَشَكَا إِلَيْهِ ذَهَابَ بَصَرِه؛ فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ:
[ ٥٢٧٦ ]
" أَفَتَصْبِر " ٠٠؟
قَال: يَا رَسُولَ الله؛ إِنَّهُ لَيْسَ لي قَائِدٌ، وَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ؛ فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ:
" ائْتِ المِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْن، ثُمَّ ادْعُ بِهَذِهِ الدَّعَوَات " ٠
قَالَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ ﵁: فَوَاللهِ مَا تَفَرَّقْنَا وَطَالَ بِنَا الحَدِيثُ حَتىَّ دَخَلَ عَلَيْنَا الرَّجُلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضَرَرٌ قَطّ " ٠ [صَحَّحَهُ الأُسْتَاذ شُعَيْب الأَرْنَؤُوط في المُسْنَدِ بِرَقْم: ١٧٢٤٢، رَوَاهُ الإِمَامُ الطَّبَرَانيُّ في الصَّغِيرِ وَاللَّفْظُ لَهُ]
[ ٥٢٧٧ ]
عَن أُبيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبيِّ ﷺ:
" إِنيِّ أُكْثِرُ الصَّلاَةَ عَلَيْك؛ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنهَا ٠٠؟
قَالَ ﷺ: مَا شِئْت؛ قَالَ ﵁: الرُّبُع ٠٠؟
قَالَ ﷺ:
" مَا شِئْتَ، وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَك "؛ قَالَ ﵁: النِّصْف ٠٠؟
قَالَ ﷺ:
" مَا شِئْتَ، وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَك "؛ قَالَ ﵁: الثُّلُثَين ٠٠؟
قَالَ ﷺ: " مَا شِئْتَ، وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَك "؛ قَالَ ﵁: يَا رَسُولَ الله؛ أَجْعَلُهَا كُلَّهَا لَك ٠٠؟
قَالَ ﷺ: " إِذَنْ تُكْفَى هَمَّك، وَيُغْفَرَ لَكَ ذَنْبُك " ٠
[صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص، رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِرَقْم: ٣٥٧٨]
[ ٥٢٧٨ ]
مِنْ رَوَائِعِ دَعَوَاتِ الدُّعَاةِ الصَّالحِين، وَالأُدَبَاءِ وَالشُّعَرَاءِ المجِيدِين
مِنَ الدَعَوَاتِ الَّتي كُنْتُ أَدْعُو بِهَا في المحَنِ قَوْلي:
اللهُمَّ إِنْ كُنْتُ ضَالًاّ فَاهْدِني وَإِنْ كُنْتُ عَلَى هُدَىً فَأَعِنيِّ، وَاجْعَلْني عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّكَ كَمَا أَنْتَ عِنْدَ حُسْنِ ظَنيِّ ٠٠!!
فَكَمْ قَدْ حُرِمْنَا وَكَمْ قَدْ ظلِمْنَا * إِلى أَنْ نَسِينَا مَذَاقَ السَّعَادَة
﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
[ ٥٢٧٩ ]
نَشْكُو للَّهِ مَوَاجِعَنَا * الظُّلْمُ أَقَضَّ مَضَاجِعَنَا
قَدْ مَلأَتْ لَيْلًا وَنَهَارًَا * صَرَخَاتُ النَّاسِ مَسَامِعَنَا
في كُلِّ طَرِيقٍ نَسْلُكُهُ * نَتَخَيَّلُ فِيهِ مَصَارِعَنَا
مِنْ زَمَنٍ نَبْكِي لَمْ يَمْسَحْ * أَحَدٌ في مِصْرَ مَدَامِعَنَا
فَمَتى الإِعْلاَمُ سَيُنْصِفُنَا * كَيْ نَأْخُذَ فِيهِ مَوَاقِعَنَا
﴿يَاسِر الحَمَدَاني﴾
فَيَا رَبِّ لاَ تُغْلِقْ في وَجْهِي بَابَك، وَلاَ تَقْطَعْ عَنيِّ أَسْبَابَك ٠٠
[ ٥٢٨٠ ]
يَا مَن إِلَيْهِ المُشْتَكَى * أَشْكُو لِمَن إِلاَّ لَكَا
ضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ حَتىَّ لَمْ أَجِدْ لي مَسْلَكَا
﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
يَا كَاشِفَ الضُّرّ، يَا مَنْ لاَ يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ في الأَرْضِ وَلاَ في السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيم؛
إِنيِّ مَسَّنيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين، فَلاَ تَجْعَلْني بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيَّا، فَبي مِنَ المَصَائِب؛ مَا لَوْ حُمِّلَ لِلْجِبَالِ لأَبَيْنَ أَنْ يحْمِلْنَهَا ٠٠!!
[ ٥٢٨١ ]
شَكَوْتُ هُمُومِي إِلى اللهِ رَبيِّ * فَقَدْ ضَاقَ مِنْ كَثْرَةِ الهَمِّ قَلْبي
وَبَلَّتْ دُمُوعِي رِدَائِي وَثَوْبي * فَيَا رَبِّ فَرِّجْ هُمُومِي وَكَرْبي
﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
اللهُمَّ إِنْ كُنْتَ غَاضِبًَا عَلَيَّ فَارْضَ عَنيِّ، وَإِنْ كُنْتَ رَاضِيًَا عَنيِّ فَأَرْضِني!!
[ ٥٢٨٢ ]
يَا رَبِّ عَامِلْني بجُودِكَ لاَ بِمَا كَسَبَتْ يَدِي
إِنيِّ جَعَلْتُكَ وِجْهَتي يَا ذَا الجَلاَلِ وَمَقْصِدِي
أَنَاْ مَا بَغَيْتُ وَلاَ اعْتَدَيْتُ وَلاَ أَعَنْتُ المُعْتَدِي
إِنْ كُنْتُ حِدْتُ عَنِ الطَّرِيقِ فَإِنَّني لَمْ أَبْعُدِ
ذَلِّلْ لِعَبْدِكَ كُلَّ أَمْرٍ مُعْضِلٍ وَمُعَقَّدِ
قَدْ طَالَ صَبرِي في الحَيَاةِ عَلَى الأَذَى وَتجَلُّدِي
﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
إِلَهِي لاَ تُعَذِّبْني فَإِنيِّ * مُقِرٌّ بِالَّذِي قَدْ كَانَ مِنيِّ
﴿أَبُو العَتَاهِيَة﴾
[ ٥٢٨٣ ]
أَعْلَمُ رَبِّي أَنِّي لاَ أَسْتَحِقّ، وَلَكِنَّ الكَرِيمَ يُعْطِي حَتىَّ مَنْ لاَ يَسْتَحِقّ ٠٠!!
إِلَهِي أَقِلْ عَثْرَةَ العَاثِرِ * فَمَا أَجْمَلَ الْعَفْوَ بِالْقَادِرِ
بَلِيتُ فَأَبْقِ عَلَى سَائِرِي * فَإِنِّيَ في الرَّمَقِ الآخِرِ
﴿ابْنُ الرُّومِيِّ بِتَصَرُّف﴾
اللهُمَّ أَصْلِحْ الحَاكِمِينَ وَحَكِّمِ الصَّالحِين، وَانْصِفِ المَظْلُومِينَ وَأَهْلِكِ الظَّالِمِين ٠٠!!
[ ٥٢٨٤ ]
اللهُمَّ إِنيِّ نَاشَدْتُكَ بِكُلِّ دَمْعَةِ أَسَىً ذَرَفْتُهَا أَنْ تُفَرِّجَ عَنيِّ مَا أَنَا فِيه؛ تَخَلَّى عَنَّا النَّاسُ فَلاَ تَتَخَلَّ عَنَّا!!
وَلَمَّا قَسَا قَلْبي وَضَاقَتْ مَذَاهِبي * جَعَلتُ رَجَائِي نحْوَ عَفْوِكَ سُلَّمَا
﴿الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ بِتَصَرُّفٍ يَسِير﴾
أَنْتَ رُكْنيَ الرَّكِين، وَأَنْتَ حَبْلِيَ المَتِين، إِلَيْكَ أَلجَأُ وَبِكَ أَسْتَعِين ٠٠!!
يَا مَن أَلُوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُ * وَمَن أَعُوذُ بِهِ مِمَّا أُحَاذِرُهُ
لاَ يجْبرُ النَّاسُ عَظْمَا أَنْتَ كَاسِرُهُ * وَلاَ يُصِيبُونَ عَظْمَا أَنْتَ جَابِرُهُ
﴿المُتَنَبيِّ﴾
يَا خَفِيَّ الأَلْطَاف؛ نجِّنَا مِمَّا نخَاف ٠
إِلَهِي لَيْسَ لي إِلاَّكَ عَوْنًَا * فَكُن عَوْني عَلَى هَذَا الزَّمَانِ
*********
[ ٥٢٨٥ ]
عَظُمَتْ مَصَائِبُنَا عَلَى أَنْ نَصْبرَا * وَيَصُونُنَا إِيمَانُنَا أَنْ نَضْجَرَا
فَانْصِفْ عِبَادَكَ مِن عِبَادِكَ رَبَّنَا * وَاخْسِفْ بِكُلِّ مَنِ افْتَرَى وَتجَبَّرَا
﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الفَاتِحِين﴾ ﴿الأَعْرَاف/٨٩﴾
مَنْ يَنْصُرُ العَبْدَ إِن خَذَلَهُ مَوْلاَهُ ٠٠؟
سَامحْني يَا رَبّ؛ فَلَقَدْ طَالَ صَبرُنَا حَتىَّ ضَاقَ صَدْرُنَا ٠٠
يَفِيضُ لِسَانُ المَرْءِ إِنْ ضَاقَ صَدْرُهُ * وَيَطْفَحُ مَا بِالقِدْرِ وَالقِدْرُ مُفْعَمُ
﴿محْمُود غُنَيْم﴾
فَاجْعَلْ لَنَا مِن هَذَا الهَمِّ فَرَجَا، وَمِن هَذَا الضِّيقِ مخْرَجَا ٠٠!!
يَا رَبِّ هَيِّئْ لَنَا مِن أَمْرِنَا رَشَدَا * فَكَمْ تَعِبْنَا وَلَمْ نَرْبحْ سِوَى التَّعَبِ
[ ٥٢٨٦ ]
وَكَمْ حُقُوقٍ لَنَا ضَاعَتْ بِلاَ عِوَضٍ * وَكَمْ ظُلِمْنَا بِلاَ ذَنْبٍ وَلاَ سَبَبِ
مَا كُنْتُ آمُلُ أَنْ يَمْتَدَّ بي زَمَني * حَتىَّ يُشَاتِمَني قِرْدٌ بِلاَ ذَنَبِ
مَنْ لِلأَدِيبِ سِوَاكَ يَصُونُ هَيْبَتَهُ * في ظِلِّ جِيلٍ بِلاَ دِينٍ وَلاَ أَدَبِ
﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني ٠ بِاسْتِثْنَاءِ المِصْرَاعِ الثَّاني مِنَ الْبَيْتِ الأَوَّلِ فَهُوَ لِشَاعِرٍ آخَر﴾
مَاذَا تَبَقَّى لَنَا يَا رَبِّ مَا تَرَكَتْ * فِينَا المَصَائِبُ عَظْمًَا غَيرَ مَكْسُورِ
لَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ مَوْتُ
فَلاَ تَتْرُكَنيِّ في الوَبَالِ كَأَنَّني * إِلى النَّاسِ مَطْلِيٌّ بِهِ القَارُ أَجْرَبُ
﴿النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ بِتَصَرُّفٍ يَسِير﴾
رَبَّنَا لاَ تحَمِّلنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ٠٠!!
[ ٥٢٨٧ ]
وَلاَ تَترُكْنَا يَا رَبِّ كَاليَتَامَى الَّذِينَ مَاتَتْ أُمُّهُمْ، وَسُجِنَ أَبُوهُمْ ٠٠!!
يَا رَبِّ لَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتَنَا؛ فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدْتَنَا ٠٠؟!!
حَتىَّ مَتى يَا رَبِّ نَبْقَى هَكَذَا * وَنَظَلُّ نحْتَمِلُ الأَذَى مِنْ ذَا وَذَا
﴿يَاسِرٌ الحَمَدَاني﴾
﴿فَهَلْ إِلىَ خُرُوجٍ مِنْ سَبِيل﴾ ﴿غَافِر/١١﴾
ضَاقَتْ عَلَيْنَا الأَرْضُ بمَا رَحُبَت، وَخَرَجَتِ الرُّوحُ مِنَ الحُلْقُومِ وَالحُلْقُومُ خَرَج؛ فَعَجِّلِ اللهُمَّ بِالفَرَج ٠٠!!
﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿يُونُس/٨٥﴾
﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئًَا﴾ ﴿المَائِدَة/٤١﴾
فَمَا لي ظُلِمْتُ وَمَا لي حُرِمْتُ * وَضُيِّعْتُ في زُمْرَةِ الضَّائِعِينَا
[ ٥٢٨٨ ]
أَشْكُو بَثِّي وَحُزْني إِلى الله، رَبِّ لَقَدْ نَزَلَتْ بي هُمُومٌ تَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُوْلي القُوَّة، وَأَنَا ضَعِيفٌ لاَ حَوْلَ لي وَلاَ قُوَّة؛ فَأَخْرِجْني مِن غَيَابَةِ الهُمُوم؛ يَا حَيُّ يَا قَيُّوم ٠٠!!
أَلَمْ يَأْنِ لهَذَا الجَرِيح - الَّذِي تَعْصِفُ بِهِ رِيح، وَتَقْذِفُهُ رِيح - أَلَمْ يَأْنِ لَهُ أَنْ يَسْتَرِيح ٠٠؟!!
اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنيِّ صَلَوَاتِي وَدَعَوَاتي، وَخَلِّصْني مِنَ الهُمُومِ الَّتي أَفْسَدَتْ عَلَيَّ حَيَاتي ٠٠!!
عَصَيْنَا وَأَجْرَمْنَا فَعَاقَبْتَ عَادِلًا * وَحَكَّمْتَ فِينَا اليَوْمَ مَنْ لَيْسَ يَرْحَمُ
*********
تَرَفَّقْ أَيُّهَا المَوْلى عَلَيْنَا * فَإِنَّ الرِّفْقَ بِالجَانِي عِتَابُ
﴿المُتَنَبيِّ﴾
بِكَ أَسْتَجِيرُ وَمَنْ يُجِيرُ سِوَاكَا * فَارْحَمْ ضَعِيفًَا يحْتَمِي بحِمَاكَا
[ ٥٢٨٩ ]
يَا رَبِّ تُبْتُ إِلَيْكَ فَاقْبَلْ تَوْبَتي * أَنْتَ المجِيبُ لِكُلِّ مَنْ نَادَاكَا
اللهُمَّ اجْعَلهُ ابْتِلاَءً لاَ غَضَبًَا ٠٠ وَإِنْ كَانَ ابْتِلاَءً فَأَنَا رَاضٍ لأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى محَبَّتِك، وَلَكِن عَافِيَتُكَ أَوْسَعُ لي، وَإِنْ كَانَ غَضَبًَا فَأَنَا رَاضٍ لأَنَّهُ بِذُنُوبي، وَلَكِن عَفْوُكَ أَوْسَعُ لي ٠٠!!
يَهُونُ جَمْرُ الغَضَى؛ إِنْ نِلْتُ مِنْكَ الرِّضَى ٠٠
فَلَيْتَكَ تَحْلُو وَالحَيَاةُ مَرِيرَةٌ * وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالأَنَامُ غِضَابُ
وَلَيْتَ الَّذِي بَيْني وَبَيْنَكَ عَامِرٌ * وَبَيْني وَبَينَ العَالَمِينَ خَرَابُ
إِذَا نِلْتُ مِنْكَ الْوُدَّ فَالكُلُّ هَينٌ * وَكُلُّ الَّذِي فَوْقَ التُّرَابُ تُرَابُ
﴿أَبُو فِرَاسٍ الحَمَدَانيّ، بِاسْتِثْنَاءِ الْبَيْتِ الأَخِيرِ فَهْوَ لِلْمُتَنَبيّ﴾
[ ٥٢٩٠ ]
أَعُوذُ بِكَ اللهُمَّ مِنَ الخَوْفِ إِلاَّ مِنْك، وَمِنَ الذُّلِّ إِلاَّ لَك، وَمِنَ الاِفْتِقَارِ إِلاَّ إِلَيْك ٠٠
محْنَةُ أَبي أَيُّوبَ الْكَاتِب
أَلاَ تَعْرِفُ حِكَايَةَ أَبي أَيُّوبَ الكَاتِب ٠٠؟
كَانَ قَدْ سُجِنَ وَطَالَ بِهِ السِّجْن؛ فَكَتَبَ إِلى أَخِيهِ الحَسَنِ بْنِ وَهْبٍ يَشْكُو لَهُ ظُلْمَةَ السِّجْن؛ فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَخُوه:
اصْبِرْ أَبَا أَيُّوبَ صَبْرًَا طَيِبًَا * فَإِذَا جَزِعْتَ عَنِ الهُمُومِ فَمَنْ لهَا
فَرَدَّ عَلَيْهِ أَبُو أَيُّوب:
صَبَّرْتَني وَوَعَظْتَني وَأَنَا لهَا * وَسَتَنْجَلِي بَلْ لاَ أَقُولُ لَعَلَّهَا
فَلَمْ تَمْضِ سِوَى أَيَّامٍ مَعْدُودَات؛ حَتىَّ أَظهَرَ اللهُ بَرَاءتَهُ وَأُفْرِجَ عَنهُ، وَخَرَجَ في مَوْكِبٍ عَظِيمٍ شَهِدَهُ كُلُّ العُلَمَاءِ وَالأَعْيَان، وَكَانَ يَوْمًَا مَشْهُودَا ٠٠
[ ٥٢٩١ ]
[الْقِصَّةُ ذَكَرَهَا التَّنُوخِيُّ في كِتَابِ الفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّة، وَالطَّرْطُوشِيُّ في سِرَاجِ المُلُوك ٠ بِتَصَرُّف]
فَاحْتَسِبِ اللهَ فِيمَا أَصَابَك ٠٠ وَاعْمَلْ بِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِين﴾ ﴿البَقَرَة/١٥٣﴾
[ ٥٢٩٢ ]