=================
تَبَارَكَ مَنْ لَهُ الحَمْدُ عَلَى الدَّوَام، تَبَارَكَ مَنْ لاَ يَغْفَلُ وَلاَ يَنَام، لَهُ الحَمْدُ في الأُولى وَالآخِرَة، وَلَهُ الحَمدُ دَائِمًَا وَأَبَدَا، سُبْحَانَه سُبحَانَه، لَهُ العِزَّةُ وَالجَبَرُوت، وَلَهُ المُلكُ وَالمَلَكُوت، يحْبي وَيمِيتُ وَهْوَ حَيٌّ لاَ يمُوت، يُسَبِّحُ بحَمْدِهِ كُلُّ مَنْ في الأَرْضِ وَالسَّمَاوَات، بَدْءًَا مِنَ الذّرَّاتِ وَحَتى المجَرَّات ٠٠!!
إِلهِي لكَ الحَمْدُ الَّذِي أَنتَ أَهْلهُ * علَى نِعَمٍ مَا كُنتُ قطُّ لهَا أَهْلاَ
إِذَا زِدْتُّ عِصْيانًا تزِدْني تَفضُّلاَ * كَأَنِّيَ بِالعِصْيَان أَسْتوْجِبُ الفَضْلاَ
نُسِيءُ إِلَيْهِ وَيحْسِنُ إِلَيْنَا؛ فَمَا قَطَعَ إِحْسَانَهُ وَلاَ نحْنُ اسْتَحْيَيْنَا ٠٠!!
اللهُمَّ خُذْ بِأَيْدِينَا؛ حَتى نُرْضِيَكَ كَمَا تُرْضِينَا ٠٠!!
[ ٨١١٤ ]
أَنْتَ الَّذِي أَرْشَدْتَني مِنْ بَعْدِ مَا * في الأَرْضِ كُنتُ أَتِيهُ كَالحَيرَانِ
وَزَرَعْتَ لي بَينَ القُلُوبِ محَبَّةً * حَتى أَحَبَّتْ يَاسِرَ الحَمَدَاني
وَنَشَرْتَ لي في العَالمِينَ محَاسِنًَا * وَسَتَرْتَ عَن أَبْصَارِهِمْ عِصْيَاني
وَاللهِ لَوْ عَلِمُواْ بمَا كَسَبَتْ يَدِي * لأَبَى السَّلاَمَ عَلَيَّ مَنْ يَلقَاني
يَا رَبِّ سَاعِدْنِي عَلَى نَفسِي بِمَا * تَرْضَى وَسَاعِدْنِي عَلَى الشَّيْطَانِ
**********
إِلهِي لَقَدْ أَحْسَنتَ رَغْمَ إِسَاءَتي * إلَيكَ فَلَمْ يَنهَضْ بِإِحْسَانِكَ الشُّكرُ
فَمَنْ كانَ مُعْتَذِرًَا إِلَيْكَ بحُجَّةٍ * فَعُذرِيَ إِقْرَارِي بأَنْ لَيْسَ لي عُذرُ
﴿﴿﴿﴿﴿﴿﴿
[ ٨١١٥ ]
وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَه، وَأَشْهَدُ أَنَّ محَمَّدًَا عَبْدُهُ وَرَسُولُه، أَرْسَلَه اللهُ هَادِيًَا وَمُبَشِّرًَا وَنَذِيرَا، وَدَاعِيًَا إِلى اللهُ بِإِذنِهِ وَسِرَاجًَا مُنِيرَا، اللهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيهِ وَعَلَى مَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِ تَسلِيمًَا كَثِيرَا ٠٠
أَنْتَ الذِي لَمَّا رُفِعْتَ إِلى السَّمَا * بِكَ قَدْ سَمَتْ وَتَزَيَّنَتْ لِلقَاكَا
أَنْتَ الذِي مِنْ نُورِكَ البَدْرُ اكْتَسَى * وَالشَّمْسُ قِنْدِيلٌ أَمَامَ ضِيَاكَا
نَادَيْتَ أَشْجَارًَا أَتَتْكَ مُطِيعَةً * وَشَكَا الْبَعِيرُ إِلَيْكَ حِينَ رَآكَا
وَالمَاءُ فَاضَ بِرَاحَتَيْكَ وَسَبَّحَتْ * صُمُّ الحَصَى للهِ فِي يمْنَاكَا
وَالجِذْعُ حَنَّ إِلَيْكَ حِينَ تَرَكتَهُ * وَعَلَى سِوَاهُ أُوقِفَتْ قَدَمَاكَا
[ ٨١١٦ ]
مَاذَا يَقُولُ المَادِحُونَ وَمَا عَسَى * أَنْ يجْمَعَ الكُتَّابُ مِنْ مَعْنَاكَا
صَلَّى عَلَيْكَ اللهُ يَا عَلَمَ الهُدَى * مَا اشْتَاقَ مُشْتَاقٌ إِلىَ رُؤْيَاكَا
اللهمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا محَمَّدٍ عَدَدَ أَورَاقِ الشَّجَر، وَعَدَدَ حَبَّاتِ المَطَر، وَعَدَدَ مَا خَلَقتَ مِنَ البَشَر٠
ثمَّ أَمَّا بَعْد
فَسَوْفَ أَتَنَاوَلُ في هَذَا البَحْثِ جَانِبًَا مِن حَيَاةِ صَاحِبِ السِّيرَةِ العَطِرَة، أَلاَ وَهُوَ حَادِثُ الهِجْرَة، وَمَا يَتَخَلَّلُهَا مِنَ العِظَةِ وَالعِبرَة ٠
هَذَا ٠٠ مَعَ مُرَاعَاةِ عَدَمِ التَّطْوِيل، وَعَلَى اللهُ قَصْدُ السَّبِيل، عَلَيْهِ تَوَكَّلنَا وَهُوَ نِعْمَ الوَكِيل ٠
﴿البَاحِث / يَاسِر أَحْمَد محْمُود ٠ الشَّهِير بِيَاسِرٍ الحَمَدَاني﴾
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
_________________
(١) الهِجْرَةُ لُغَةً
[ ٨١١٧ ]
يُقَالُ الهِجْرَةُ وَالهُجْرَة: وَهِيَ مُفَارَقَةُ الوَطَن، وَالخُرُوجُ مِن أَرْضٍ لأَرْض، وَالسَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَاب ٠
[٢٧٧٩]ـ عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: " السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ؛ يمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ؛ فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلى أَهْلِهِ " ٠٠!!
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ٠ في مَوْسُوعَةِ صَخْرٍ العَالَمِيَّةُ بِرَقمَي: ٢٧٧٩، ٣٥٥٤]
[ ٨١١٨ ]
فَهِيَ لَفْظَةٌ مُرْتَبِطَةٌ بِالمَشَقَّةِ فَمِنهَا الهَجْرُ وَالهِجْرَانُ وَمَا فِيهِمَا مِنَ المَشَقَّةِ وَالحَنِين، وَالمَهْجُورُ وَمَا يُلاَقِيهِ وَيُعَانِيهِ مِنَ الأَنِين، وَمِنهَا وَمِنهَا التَّهْجِيرُ أَيِ الخُرُوجُ بِالهَجِير، الهَجِيرُ أَوِ الهَاجِرَة: أَيْ مُنْتَصَفِ النَّهَار، عِنْدَ بَدْءِ تَنَحِّي الظِّلِّ مِنْ تحْتِ الشَّيْء؛ وَمِنهُ قَوْلُ جَابِر:
" كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ " ٠٠!! [الإِمَامُ البُخَارِيّ ٠ في مَوْسُوعَةِ صَخْرٍ بِرَقم: ٥٣٢]
فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبهِمْ
[ ٨١١٩ ]
وَيحْلُو لي أَن أُرَدِّدَ في مِثْلِ هَذَا المَقَامِ الكَرِيم: أَبْيَاتًَا لِشَاعِرِنَا العَظِيم / هَاشِم الرِّفَاعِي، قَالهَا في مُنَاسَبَةِ الاَحْتِفَالِ بِالعَامِ الهِجْرِيِّ الجَدِيدِ، في فَترَةٍ سَادَ فِيهَا الظُّلْمُ وَالاَسْتِبْدَاد؛ فَأَنْشَدَ وَأَجَادَ الإِنْشَاد:
عِيدٌ عَلَى الوَادِي أَتَى مخْتَالاَ * يحْكِي الرَّبِيعَ بَشَاشَةً وَجَمَالاَ
إِنَّا لَنَذْكُرُ بِالمُحَرَّمِ فِتيَةً * بِكِفَاحِهِمْ ضَرَبُواْ لَنَا الأَمْثَالاَ
خَرَجُواْ لِيَثرِبَ هَارِبِينَ بِدِينِهِمْ * قَدْ فَارَقُواْ أَصْحَابهُمْ وَالآلاَ
وَلِنُصْرَةِ الحَقِّ الذِي خَرَجُواْ لَهِ * بَذَلُواْ النُّفُوسَ وَقَدَّمُواْ الأَمْوَالاَ
وَمَنِ ابْتَغَى الإِصْلاَحَ في دُنيَا الوَرَى * رَكِبَ الشَّدَائِدَ وَامْتَطَى الأَهْوَلاَ
[ ٨١٢٠ ]
كَمْ مَرَّ بِالوَادِي حَكِيمٌ ضَائِعٌ * يَبْكِي عُلاَهُ وَيَشْتَكِي الإِذْلاَلاَ
فَالنِّيلُ عَبْدٌ وَالكِنَانَةُ في أَسَىً * وَالشَّعْبُ يَشْكُو الجُوعَ وَالإِقْلاَلاَ
مَا أَنْتَ إِلاَ عِيدُ كُلِّ مُعَذَّبٍ * في الأَرْضِ قَدْ ذَاقَ الضَّنى أَشْكَالاَ
أَمْسَى وَأَصْبِحَ في القُيُودِ مُكَبَّلًا * وَقَدِ ارْتَدَى مِنْ بُؤْسِهِ سِرْبَالاَ
أَحْدَاثُ الهِجْرَة
[ ٨١٢١ ]
لَمَّا ازْدَادَ إِيذَاءُ المُؤْمِنِينَ في مَكَّةَ وَرَأَواْ أَنهُمْ قَدْ أُحِيطَ بهِمْ وَضَاقَ بهِمْ ذَرْعًَا بَدَأُواْ في الهِجْرَة، وَكَانَتْ هِجْرَتهُمْ بَادِئَ بَدْءٍ إِلى الحَبَشَة، حَتى بَدَأَتِ المُبَشِّرَاتُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأَنَّ اللهَ جَاعِلٌ لَهُ مُتَنَفَّسًَا في أَرْضِ يَثرِب؛ فَطَفِقَتْ جُمُوعُ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في شَدِّ الرِّحَالِ إِلَيْهَا لَمَّا رَأَوْهَا قَدْ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًَّا وَمُقَامَا ٠
إِنهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدَا
قال ابْنُ إِسْحَاقَ بِاخْتِصَار:
[ ٨١٢٢ ]
" لَمَّا رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم عرفوا أنهم قد نزلوا دارا - يَعْني المَدِينَة - وأصابوا منهم منعة؛ فَحَذَروا خروج رسول الله ﷺ إليهم وعرفوا أنهم قد أُجمِعَ لحربهم؛ فاجتمعوا له في دار الندوة، وهي دار قصي بن كلاَب التي كانت قريش لاَ تقضي أمرا إلاَ فيها، يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله ﷺ حين خافوه، غدوا في اليوم الذي اتعدوا له، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الرحمة، فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل عليه بتلة - أَيْ عَبَاءةٌ مُوَشَّاة - فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفا على بابها قالوا من الشيخ ٠٠؟
[ ٨١٢٣ ]
قال شيخ من أهل نجد، سَمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى أن لاَ يعدمكم منه رأيا ونصحا، قالوا أجل فادخل معهم، وقد اجتمع فيها أشراف قريشٍ فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم؛ فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا؛ فأجمعوا فيه رأيا ٠٠؟
فتشاوروا ثم قال قائل منهم: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهيرا والنابغة وَمن مَضَى منهم من هَذَا المَوتِ حَتى يصيبَه مَا أَصَابهم، فقال الشيخ النجدي لاَ والله ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كما تقولون ليُخْرِجَنَّ أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينزعوه من أيديكم ثُمَّ يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم ٠٠ ما هذا لكم برأيٍ فانظروا في غيره ٠٠
[ ٨١٢٤ ]
فتشاوروا ثم قال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلاَدنا؛ إِذَن والله ما نبالي أين ذهب ولاَ حيث وقع إِذَن، وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وَأُلفَتَنَا كما كانت؛ فقال الشيخ النجدي لاَ والله ما هذا لكم برأي؛ أَلَم تَرَوا حسنَ حَديثه وَحَلاَوَةَ مَنطقه وَغَلَبَته عَلَى قلوب الرجَال بمَا يَأتي به؛ وَالله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حيٍّ من العرب فيغلِب عليهِم بِذلِك مِن قولِهِ وحدِيثِهِ حتى يتابعوه عليه ثُمَّ يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم في بلاَدكم فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد، فقال أبو جهل بن هشام والله إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد، قالوا وما هو يا أبا الحكم ٠٠؟
[ ٨١٢٥ ]
قال أرى أن يُنفَذَ من كل قَبيلَة فَتى شَابا جليدا نسيبا وسيطا فينا - أَيْ حَسِيبًَا شَرِيفًَا - ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها حصول رجل واحدٍ فيقتُلُوهُ فنستريحُ منهُ؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دَمُهُ في القبائل جميعا فلم يقدر بنُو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فرضوا منا بالعقلِ - أَيْ بِالدِّيَةِ - فَعَقَلنَاهُ لهم ٠٠
فقال الشيخ النَّجدي القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي لاَ رأي غيرَه، فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له " ٠٠!! [السِّيرَةُ لاَبْنِ هِشَام ٠ الطَّبْعَةُ الأُولى لِدَارِ الجَبَل ٠ بَيرُوت: ٥ - ٩/ ٣]
وَفَاءُ الأَنْبِيَاء ٠٠ حَتى
مَعَ الأَعْدَاء
[ ٨١٢٦ ]
فأتى جبريل رسول الله ﷺ فقال لاَ تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم قال لعلي بن أبي طالب نم على فراشي وتسج ببردي هذا الحضرميِّ الأخضر؛ فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم، وكان رسول الله ﷺ ينام في برده ذلك إذا نام، وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ أَنهُمْ لَمَّا اجتمعوا له وفيهم أبو جهل بن هشام قال وهم على بابه - أَيْ يُعَرِّضُ المَلعُونُ بِرَسُولِ اللهِ قَائِلًا - إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم منْ بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجِنان الأردن، وإن لَمْ تفعلوا كان ذبحٌ ثم بعثتم من بعد موتكم ثم جُعِلَتْ لكم نارٌ تحرقون فيها، وخرج
[ ٨١٢٧ ]
عليهم رسول الله ﷺ فأخذ حفنة من تراب في يده ثُم قال أنا أقول ذلك، أنت أحدهم، وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلاَ يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هؤلاَء الآيات:
" يَسِ، وَالقُرْآنِ الحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، تَنزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ، لِتُنْذِرَ قَوْمًَا مَّا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ، لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُون، إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلًا فَهِيَ إِلى الأذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ، وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًَّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًَّا فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُون " ٠٠!! ﴿يَسِ/١ - ٩﴾
[ ٨١٢٨ ]
حتى فرغ رسول الله ﷺ من هؤلاَء الآيات وَلَمْ يبق منهم رجل إلاَ قد وضع على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال ما تنتظرون ها هنا ٠٠؟
قالوا محمدا، قال خيبكم الله؛ قد والله خرج عليكم محمدٌ ثم ما ترك منكم رجلاَ إلاَ وقد وضع على رأسه ترابًا وانطلق لحاجته؛ أفما ترون ما بكم ٠٠!؟
فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليَّا على فِرَاشِهِ مُسَجِّيًَا - أَيْ مُغَطَّىً - ببرد رسول الله ﷺ فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائمًا عليه برده؛ فلم يبرحوا كذلك - أَيْ ظَنُّواْ أَنَّ ذَلِكَ الآتيَ مِنْ شِيعَتِهِ وَيُرِيدُ تَضْلِيلَهُمْ فَكَذَّبُوه - حتى أصبحوا فقام عليٌّ ﵁ عنِ الفِرَاشِ فقالُواْ والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا " ٠٠!!
[ ٨١٢٩ ]
حَدِيثُ الهِجْرَةِ في البُخَارِي
[٠٠٠] عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
" لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلاَ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ - أَيِ الإِسْلاَمَ - وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ؛ إِلاَ يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَرَفيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُليَ المُسْلِمُون؛ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًَا نحْوَ أَرْضِ الحَبَشَة، حَتى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الغِمَاد - مَوْضِعًَا أَسْفَلَ مَكَّةَ في طَرِيقِ الحَبَشَة - لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ وَهُوَ سَيِّدُ القَارَةِ - اسْمُ قَبِيلَةِ ابْنِ الدُّغُنَّة - فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْر ٠٠؟
[ ٨١٣٠ ]
فَقَالَ أَبُو بَكْر: أَخْرَجَني قَوْمِي؛ فَأُرِيدُ أَن أَسِيحَ في الأَرْضِ وَأَعْبُدَ رَبِّي، قَالَ ابْنُ الدَّغِنَة: فَإِنَّ مِثْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ لاَ يَخْرُجُ وَلاَ يُخْرَج؛ إِنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُوم، وَتَصِلُ الرَّحِم، وَتحْمِلُ الكَلّ - أَيِ العِبْءَ الثَّقِيل - وَتَقْرِي الضَّيْف، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقّ؛ فَأَنَا لَكَ جَارٌ ٠٠ ارْجِعْ وَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِك، فَرَجَعَ وَارْتَحَلَ مَعَهُ ابْنُ الدَّغِنَة، فَطَافَ ابْنُ الدَّغِنَةِ عَشِيَّةً في أَشْرَافِ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لاَ يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلاَ يُخْرَج؛ أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يَكْسِبُ المَعْدُومَ وَيَصِلُ الرَّحِم، وَيحْمِلُ الكَلَّ وَيَقْرِي الضَّيْفَ وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ ٠٠!؟
[ ٨١٣١ ]
فَلَمْ تُكَذِّبْ قُرَيْشٌ بجِوَارِ ابْنِ الدَّغِنَةِ وَقَالُواْ لاَبْنِ الدَّغِنَة: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ في دَارِه، فَلْيُصَلِّ فِيهَا وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ وَلاَ يُؤْذِينَا بِذَلِكَ وَلاَ يَسْتَعْلِنْ بِه؛ فَإِنَّا نخْشَى أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءنَا وَأَبْنَاءنَا، فَقَالَ ذَلِكَ ابْنُ الدَّغِنَةِ لأَبي بَكْر، فَلَبِثَ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ يَعْبُدُ رَبَّهُ في دَارِهِ، وَلاَ يَسْتَعْلِنُ بِصَلاَتِهِ وَلاَ يَقْرَأُ في غَيْرِ دَارِه، ثُمَّ بَدَا لأَبي بَكْرٍ - أَيْ رَأَى غَيرَ ذَلِكَ - فَابْتَنى مَسْجِدًَا بِفِنَاءِ دَارِهِ وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ القُرْآن، فَيَنْقَذِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ - أَيْ يَنْدَفِعُونَ إِلَيْهِ - وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْه، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً:
[ ٨١٣٢ ]
لاَ يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ القُرْآن؛ وَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِين؛ فَأَرْسَلُواْ إِلى ابْنِ الدَّغِنَة، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَقَالُواْ: إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ بجِوَارِك، عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ في دَارِه، فَقَدْ جَاوَزَ ذَلِكَ فَابْتَنى مَسْجِدًَا بِفِنَاءِ دَارِه، فَأَعْلَنَ بِالصَّلاَةِ وَالقِرَاءةِ فِيه؛ وَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءنَا وَأَبْنَاءنَا فَانْهَهُ، فَإِن أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ في دَارِهِ فَعَل، وَإِن أَبى إِلاَ أَنْ يُعْلِنَ بِذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَك؛ فَإِنَّا قَدْ كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ، وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لأَبي بَكْرٍ الاَسْتِعْلاَن، فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ إِلى أَبي بَكْرٍ فَقَال: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي
[ ٨١٣٣ ]
عَاقَدْتُ لَكَ عَلَيْه؛ فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ وَإِمَّا أَنْ تُرْجِعَ إِليَّ ذِمَّتي؛ فَإِني لاَ أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ العَرَبُ أَني أُخْفِرْتُ في رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ؛ فَقَالَ أَبُو بَكْر: فَإِني أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ وَأَرْضَى بجِوَارِ اللهِ ﷿، وَالنَّبيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ بمَكَّة، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ لِلْمُسْلِمِين: " إِني أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، ذَاتَ نخْلٍ بَينَ لاَبَتَينِ: وَهُمَا الحَرَّتَان " ٠٠
[ ٨١٣٤ ]
ـ أَيْ بُقْعَتَانِ كَبِيرَتَانِ ذَوَاتَا حِجَارَةٍ سُود - فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ المَدِينَة، وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ إِلى المَدِينَة، وَتجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ قِبَلَ المَدِينَة، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " عَلَى رِسْلِكَ؛ فَإِني أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لي " ٠٠
ـ أَيْ أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لي فَأَصْحَبَكَ مَعِي - فَقَالَ أَبُو بَكْر: وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبي أَنْتَ ٠٠!؟
[ ٨١٣٥ ]
قَالَ نَعَمْ، فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَصْحَبَهُ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُر: وَهُوَ الخَبَط - أَيْ نَوْعٌ مِنَ الشَّجَر - أَرْبَعَةَ أَشْهُر، فَبَيْنَمَا نحْنُ يَوْمًَا جُلُوسٌ في بَيْتِ أَبي بَكْرٍ في نحْرِ الظَّهِيرَةِ - أَيْ في وَسْطِهَا - قَالَ قَائِلٌ لأَبي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللهِ مُتَقَنِّعًَا - أَيْ مُتَلَثِّمًَا - في سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْر: فِدَاءٌ لَهُ أَبي وَأُمِّي، وَاللهِ مَا جَاءَ بِهِ في هَذِهِ السَّاعَةِ إِلاَ أَمْر، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَه، فَدَخَلَ فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ لأَبي بَكْرٍ: " أَخْرِجْ مَن عِنْدَك " ٠٠ فَقَالَ
[ ٨١٣٦ ]
أَبُو بَكْر: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبي أَنْتَ يَا رَسُولَ الله، قَالَ ﷺ: " فَإِني قَدْ أُذِنَ لي في الخُرُوج " ٠٠ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّحَابَةَ - أَيِ الصُّحْبَةَ - بِأَبي أَنْتَ يَا رَسُولَ الله ٠٠؟
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " نَعَمْ " ٠٠ قَالَ أَبُو بَكْر: فَخُذْ بِأَبي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ إِحْدَى رَاحِلَتيَّ هَاتَيْنِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " بِالثَّمَن " ٠٠ قَالَتْ عَائِشَة: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الجِهَاز - أَيْ أَسْرَعَ الجِهَاز - وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً - أَيْ زَادَ المُسَافِرِ - في جِرَاب، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا، فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الجِرَاب؛ فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْن ٠
[ ٨١٣٧ ]
ثمَّ لحِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ في جَبَلِ ثَوْر، فَكَمَنَا فِيهِ ثَلاَثَ لَيَالٍ، يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبي بَكْرٍ وَهُوَ غُلاَمٌ شَابّ، ثَقِفٌ لَقِن - أَيْ ذَكِيٌّ حَاذِق - فَيُدْلِجُ مِن عِنْدِهِمَا بِسَحَر، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بمَكَّةَ كَبَائِتٍ - أَيْ بَيْنَهُمْ - فَلاَ يَسْمَعُ أَمْرًَا يُكْتَادَانِ بِهِ - أَيْ يَكِيدَانِهِ - إِلاَ وَعَاهُ حَتى يَأْتِيَهُمَا بخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يخْتَلِطُ الظَّلاَم، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَة، مَوْلى أَبي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ - أَيْ غَنَمَاتٍ يَقُومُ بِرَعْيِهَا مَقَابِلَ الاَنْتِفَاعِ بِأَلْبَانهَا - فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ العِشَاء، فَيَبِيتَانِ - أَيْ رَسُولُ اللهِ ﷺ
[ ٨١٣٨ ]
وَأَبُو بَكْر - في رِسْلٍ: وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا، حَتى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَس، يَفْعَلُ ذَلِكَ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالي الثَّلاَث، وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَني الدِّيَل - اسْمُ قَبِيلَةٍ - وَهُوَ مِنْ بَني عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ، هَادِيَا خِرِّيتًَا، وَالخِرِّيتُ المَاهِرُ بِالهِدَايَة - أَيْ بِإِرْشَادِ السَّالِكِين - قَدْ غَمَسَ حِلْفًَا في آلِ العَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيّ، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْش، فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا،
[ ٨١٣٩ ]
وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاَثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا - أَيْ بمُقَابِلِ رَاحِلَتَيْهِمَا - صُبْحَ ثَلاَث، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَالدَّلِيل، فَأَخَذَ بهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِل " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٣٩٠٥ / فَتْح]
[ ٨١٤٠ ]
عَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: " جَاءنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْش، يجْعَلُونَ في رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبي بَكْرٍ دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، مَنْ قَتَلَهُ أَوْ أَسَرَهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ في مجْلِسٍ مِنْ مجَالِسِ قَوْمِي بَني مُدْلِج؛ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتى قَامَ عَلَيْنَا وَنحْنُ جُلُوس، فَقَالَ يَا سُرَاقَة: إِني قَدْ رَأَيْتُ آنِفًَا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ أُرَاهَا محَمَّدًَا وَأَصْحَابَه، قَالَ سُرَاقَة: فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ، فَقُلْتُ لَهُ إِنَّهُمْ لَيْسُواْ بهِمْ، وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلاَنًَا وَفُلاَنًَا انْطَلَقُواْ بِأَعْيُنِنَا - أَيْ ضَلَّلَهُ - ثمَّ لَبِثْتُ في المجْلِسِ سَاعَةً ثُمَّ قُمْت، فَدَخَلْتُ فَأَمَرْتُ جَارِيَتي أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي، وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ - أَيْ
[ ٨١٤١ ]
تَنْتَظِرَني بهَا - وَأَخَذْتُ رُمحِي فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ البَيْت، فَحَطَطْتُ بِزُجِّهِ الأَرْضَ وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ - أَيْ يَرْشُقُهُ في الأَرْضِ ثمَّ يَأْخُذُهُ - حَتى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا، فَرَفَعْتُهَا - أَيِ أَسْرَعْتُ بهَا - تُقَرِّبُ بي حَتى دَنَوْتُ مِنْهُمْ، فَعَثَرَتْ بي فَرَسِي فَخَرَرْتُ عَنْهَا، فَقُمْتُ فَأَهْوَيْتُ يَدِي إِلى كِنَانَتي فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الأَزْلاَم - أَيْ شَيْئًَا كَالقُرْعَةِ كَانُواْ في الجَاهِلِيَّة يَسْتَخِيرُونَ بِهِ الأَصْنَام - فَاسْتَقْسَمْتُ بهَا أَضُرُّهُمْ أَمْ لاَ ٠٠؟
[ ٨١٤٢ ]
فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ - أَيْ لاَ أَضُرُّهُمْ - فَرَكِبْتُ فَرَسِي وَعَصَيْتُ الأَزْلاَمَ تُقَرِّبُ بي، حَتى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ لاَ يَلْتَفِتُ وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الاَلتِفَات؛ سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي في الأَرْض، حَتى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْن، فَخَرَرْتُ عَنْهَا ثمَّ زَجَرْتُهَا فَنهَضَتْ، فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا، فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً؛ إِذَا لأَثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ سَاطِعٌ في السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَان - أَيْ يَنْبَعِثُ مِنْ مَغْرِزِ قَدَمَيْهَا الأَمَامِيَّتَين - فَاسْتَقْسَمْتُ بِالأَزْلاَمِ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَه - أَيْ لاَ أَضُرُّهُمْ - فَنَادَيْتُهُمْ بِالأَمَانِ فَوَقَفُواْ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتى جِئْتُهُمْ، وَوَقَعَ في نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنَ
[ ٨١٤٣ ]
الحَبْسِ عَنْهُمْ؛ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُواْ فِيكَ الدِّيَة، وَأَخْبَرْتُهُمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الزَّادَ وَالمَتَاعَ فَلَمْ يَرْزَآني - أَيْ لَمْ يُكَلِّفَاني شَيْئًَا - وَلَمْ يَسْأَلاَني، إِلاَّ أَنْ قَال: " أَخْفِ عَنَّا " فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لي كِتَابَ أَمْن، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ في رُقْعَةٍ مِن أَدِيم - أَيْ مِنْ جِلْد - ثمَّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَقِيَ الزُّبَيْرَ في رَكْبٍ مِنَ المُسْلِمِين، كَانُواْ تُجَّارًَا قَافِلِينَ مِنَ الشَّام، فَكَسَا الزُّبَيْرُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى
[ ٨١٤٤ ]
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ ثِيَابَ بَيَاض، وَسَمِعَ المُسْلِمُونَ بِالمَدِينَةِ مخْرَجَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مَكَّة، فَكَانُواْ يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلى الحَرَّةِ فَيَنْتَظِرُونَهُ، حَتى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَة، فَانْقَلَبُواْ يَوْمًَا بَعْدَ مَا أَطَالُواْ انْتِظَارَهُمْ، فَلَمَّا أَوَوْا إِلى بُيُوتِهِمْ؛ أَوْفى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ لأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ - أَيْ عَلَى حِصْنٍ مُرْتَفِع - فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مُبَيَّضِينَ - أَيْ بِيضَ اللَّوْنِ - يَزُولُ بِهِمُ السَّرَاب، فَلَمْ يمْلِكِ اليَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِه: يَا مَعَاشِرَ العَرَب، هَذَا جَدُّكُمُ الَّذِي تَنْتَظِرُون، فَثَارَ المُسْلِمُونَ إِلى
[ ٨١٤٥ ]
السِّلاَحِ فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ بِظَهْرِ الحَرَّة - أَرْضٌ عَلَى مَشَارِفِ المَدِينَة - فَعَدَلَ بهِمْ ذَاتَ اليَمِين، حَتى نَزَلَ بِهِمْ في بَني عَمْرِو بْنِ عَوْف، وَذَلِكَ يَوْمَ الاَثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّل، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ وَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَامِتًَا، فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُحَيِّي أَبَا بَكْر، حَتى أَصَابَتِ الشَّمْسُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ؛ فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِك، فَلَبِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في بَني عَمْرِو بْنِ
[ ٨١٤٦ ]
عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَة، وَأَسِّسَ المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَسَارَ يَمْشِي مَعَهُ النَّاس، حَتى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ بِالمَدِينَة، وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ يَوْمَئِذٍ رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِين، وَكَانَ مِرْبَدًَا لِلتَّمْرِ لِسُهَيْلٍ وَسَهْل: غُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ في حِجْرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَة، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُه: " هَذَا إِنْ شَاءَ اللهُ المَنْزِل " ٠٠ ثمَّ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الغُلاَمَيْن، فَسَاوَمَهُمَا بِالمِرْبَدِ لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًَا، فَقَالاَ لاَ، بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ الله،
[ ٨١٤٧ ]
فَأَبى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً حَتى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا، ثمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًَا، وَطَفِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ في بُنْيَانِه " ٠
[رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: ٣٩٠٦ / فَتْح]
مِنَ الدُّرُوسِ المُسْتَفَادَةِ مِن حَادِثِ الهِجْرَةِ الشَّجَاعَةُ وَالبُطُولَةُ وَالتي تجَلَّتْ في مَوْقِفِ عَلِيّ، وَهْوَ شِبْهُ صَبيّ
الصَّدَاقَةُ الصَّادِقَة
وَمِنَ الدُّرُوسِ المُسْتَفَادَةِ مِن حَادِثِ الهِجْرَةِ أَيْضًَا الصَّدَاقَةُ الصَّادِقَةُ وَالإِخَاء، وَالإِخْلاَصُ النَّادِرُ وَالوَفَاء، في جَمِيعِ مَوَاقِفِ أَبي بَكْرٍ التي وَقَفَهَا، وَالمَشَاهِدِ التي شَهِدَهَا ٠
[ ٨١٤٨ ]
رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ أَنهَا قَالَتْ:
" فوالله ما شعرت فط قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ - أَيْ يَوْمَ بُشِّرَ بِالصُّحْبَة - ثم قال يا نبي الله: إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا، فاستأجرا عبد الله بن أرقط: رجلاَ من بني الدئل بن بكر وكانت أمه امرأة من بني سهم بن عمرو، وكان مشركا يدلهما على الطريق، فدفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهم لميعادهما ٠٠٠٠ إِلخ " ٠٠!!
[السِّيرَةُ لاَبْنِ هِشَام ٠ الطَّبْعَةُ الأُولى لِدَارِ الجَبَل ٠ بَيرُوت: ١١/ ٣]
وَرَوَى ابْنُ هِشَامٍ عَنِ الحسن البصري ﵁ أَنَّهُ قال:
[ ٨١٤٩ ]
" انتهى رسول الله ﷺ وأبو بكر إلى الغار ليلاَ فدخل أبو بكر ﵁ قبل رسول الله ﷺ فَلَمَسَ الغَارَ ليَنظرَ أَفيه سَبع أَو حَيَّة يَقي رسول الله ﷺ بنفسه " ٠٠!! [السِّيرَةُ لاَبْنِ هِشَام ٠ الطَّبْعَةُ الأُولى لِدَارِ الجَبَل ٠ بَيرُوت: ١٢/ ٣]
[٠٠٠] عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَال: قُلْتُ لِلنَّبيِّ ﷺ وَأَنَا في الغَار: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تحْتَ قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا ٠٠ فَقَالَ ﷺ: " مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا " ٠
[٠٠٠] رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ بِرَقْم: (٣٦٥٣ / فَتْح) ٠
﴿إِنَّهَا ذَاتُ النِّطَاقَين﴾
[ ٨١٥٠ ]
عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبي بَكْرٍ ﵂ قَالَتْ: " لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَخَرَجَ مَعَهُ أَبُو بَكْر؛ احْتَمَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ مَالَهُ كُلَّهُ مَعَهُ [خَمْسَةَ آلافِ دِرْهَمٍ أَوْ سِتَّةَ آلافِ دِرْهَم]، وَانْطَلَقَ بِهَا مَعَه، فَدَخَلَ عَلَيْنَا جَدِّي أَبُو قُحَافَةَ وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ فَقَال: وَاللهِ إِني لأَرَاهُ قَدْ فَجَعَكُمْ بِمَالِهِ مَعَ نَفْسِهِ، قُلْتُ كَلاَّ يَا أَبَتِ؛ إِنَّهُ قَدْ تَرَكَ لَنَا خَيْرًا كَثِيرَا؛ فَأَخَذْتُ أَحْجَارًَا فَتَرَكْتُهَا فَوَضَعْتُهَا في كُوَّةِ الِبَيْت؛ كَانَ أَبي ﵁ يَضَعُ فِيهَا مَالَه، ثُمَّ وَضَعْتُ عَلَيْهَا ثَوْبًا ثمَّ أَخَذْتُ بِيَدِهِ فَقُلْت: يَا أَبَتِ؛
[ ٨١٥١ ]
ضَعْ يَدَكَ عَلَى هَذَا المَال، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَقَال: لا بَأْس، إِنْ كَانَ قَدْ تَرَكَ لَكُمْ هَذَا فَقَدْ أَحْسَن، وَفي هَذَا لَكُمْ بَلاَغ، قَالَتْ أَسْمَاءُ ﵂ وَعَنْ وَالِدَيْهَا: لا وَاللهِ مَا تَرَكَ لَنَا شَيْئَا، وَلَكِنيِّ قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أُسْكِنَ الشَّيْخَ بِذَلِك " ٠
[حَسَّنَهُ الأُسْتَاذ شُعَيب الأَرْنَؤُوطُ في المُسْنَدِ بِرَقْم: ٢٧٠٠٢، وَقَالَ فِيهِ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في التَّلْخِيص: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِم]
[ ٨١٥٢ ]
عَلَيْهِ فَقَال: لاَ بَأْس، إِنْ كَانَ قَدْ تَرَكَ لَكُمْ هَذَا فَقَدْ أَحْسَنَ، وَفي هَذَا لَكُمْ بَلاَغ، قَالَتْ أَسْمَاء: لاَ وَاللهِ مَا تَرَكَ لَنَا شَيْئَا، وَلَكِني قَدْ أَرَدْتُ أَن أُسْكِنَ الشَّيْخَ بِذَلِك " ٠٠!!
[٠٠٠] صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِم ٠ انْظُرِ " المُسْتَدْرَك " بِرَقْم: (٤٢٦٧)، وَالحَدِيثُ رَوَاهُ أَحْمَدُ في " مُسْنَدِهِ " بِرَقْم: (٢٦٤١٧)
انْظُرْ كَيْفَ كَانَ الصِّدِّيقُ ﵁ يخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ٠٠!!
النَّاسُ مَعَادِن
وَمِنَ الدُّرُوسِ المُسْتَفَادَةِ مِن حَادِثِ الهِجْرَةِ أَنَّ المُؤْمِنَ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ حَكِيمًَا وَدَقِيقًَا، عِنْدَمَا يخْتَارُ رَفِيقًَا؛ فَكَمَا قَالَ ** ﷺ **: " النَّاسُ مَعَادِن " ٠٠!!
[ ٨١٥٣ ]
[الإِمَامُ البُخَارِيُّ مُسْلِم ٠ مَوْسُوعَةُ صَخْرٍ العَالَمِيَّةُ بِرَقم: ٣١٣١، ٤٧٧٤]
فَبِالمُرُوءةِ يُؤْتمَنُ الكَافِر، وَبِالخِيَانَةِ يحْذَرُ المُسْلِمُ الغَادِر ٠٠!!
وَنَتَعَلَّمُ مِنَ الحَدِيثِ جَوَازَ اسْتِئْجَارِ المُشْرِكِينَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إِنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ في كَفَاءَتهِ مِنَ المُسْلِمِين ٠
[ ٨١٥٤ ]
[٢١٠٣]ـ عَن أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَني الدِّيلِ ثمَّ مِنْ بَني عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ هَادِيًَا خِرِّيتًَا - الخِرِّيتُ المَاهِرُ بِالهِدَايَة - قَدْ غَمَسَ يَمِينَ حِلْفٍ في آلِ العَاصِ بْنِ وَائِلٍ وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْش، فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صَبِيحَةَ لَيَالٍ ثَلاَث، فَارْتَحَلاَ وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ - أَيْ خَادِمُ أَبي بَكْرٍ - وَالدَّلِيلُ الدِّيلِيّ، فَأَخَذَ بهِمْ أَسْفَلَ مَكَّةَ وَهُوَ طَرِيقُ السَّاحِل " ٠٠!!
[الإِمَامُ البُخَارِيّ ٠ مَوْسُوعَةُ صَخْرٍ العَالَمِيَّةُ بِرَقم: ٢١٠٣]
[ ٨١٥٥ ]
أَيْ لَمْ يَتَّجِهْ بهِمَا مُبَاشَرَةً جِهَةَ الشَّمَالِ نَاحِيَةَ المَدِينَةِ وَلَكِنِ اتجَهَ بهِمَا جَنُوبًَا بمَيْلٍ جِهَةَ الغَرْبِ نَاحِيَةَ البَحْرِ الأَحْمَر، ثمَّ سَارَ بهِمَا شَمَالًا حَتى إِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ حَازَ المَدِينَةَ يمَّمَ جِهَتَهَا شَرْقًَا ٠
وَنَتَعَلَّمُ بِرَّ أَسْمَاءَ بِوَالِدِهَا أَبي بَكْر، وَتَضْحِيَتُهَا في الدَّعْوَةِ كَمَا سَيَأْتي وَشَقُهَا لِنِطَاقِهَا في سَبِيلِ الله ٠
ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ وَمَا أَجْمَلَهُ مِنْ لَقَب
[٢٧٥٧]ـ عَن أَسْمَاءَ ﵂ قَالَتْ:
[ ٨١٥٦ ]
" صَنَعْتُ سُفْرَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في بَيْتِ أَبي بَكْرٍ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلى المَدِينَة، فَلَمْ نجِدْ لِسُفْرَتِهِ وَلاَ لِسِقَائِهِ مَا نَرْبِطُهُمَا بِه؛ فَقُلْتُ لأَبي بَكْرٍ وَاللهِ مَا أَجِدُ شَيْئًَا أَرْبِطُ بِهِ إِلاَ نِطَاقِي ٠٠!؟
قَالَ فَشُقِّيهِ بِاثْنَيْنِ فَارْبِطِيهِ: بِوَاحِدٍ السِّقَاءَ وَبِالآخَرِ السُّفْرَة، فَفَعَلْتُ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ " ٠٠!!
[الإِمَامُ البُخَارِيّ ٠ مَوْسُوعَةُ صَخْرٍ العَالَمِيَّةُ بِرَقم: ٢٧٥٧]
وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عن أسْماء بنت أبي بكر ﵂ أنها قالت:
" لَمَّا خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فوقفوا على باب أبي بكر فخرجت إليهم فقالوا أين أبوك يا بنت أبي بكر ٠٠؟
[ ٨١٥٧ ]
قلت لاَ أدري والله أين أبي؛ فرفع أبو جهل يده - وكان فاحشا خبيثا - فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي، ثم انصرفوا، فمكثنا ثلاَث ليال وما ندري أين وجه رسول الله ﷺ " ٠٠!!
[السِّيرَةُ لاَبْنِ هِشَام ٠ الطَّبْعَةُ الأُولى لِدَارِ الجَبَل ٠ بَيرُوت: ١٤/ ٣]
وَبَيْنَمَا قُرَيْشٌ تجُوسُ بِكُلِّ دَار؛ بحْثًَا عَنِ النَّبي المخْتَار: إِذْ سَمِعَتْ صَوْتًَا يَقُولُ هَذِهِ الأَشْعَار:
جَزَى الله رَبُّ النَّاسِ خَيرَ جَزَائِهِ * رَفِيقَينِ حَلاَّ خَيْمَتي أُمَّ مَعْبَدِ
همَا نَزَلاَ بِالبِرِّ ثُم تَرَوَّحَا * فَأَفْلَحَ مَن أَمْسَى رفِيقَ محمَّدِ
[السِّيرَةُ لاَبْنِ هِشَام ٠ الطَّبْعَةُ الأُولى لِدَارِ الجَبَل ٠ بَيرُوت: ١٤/ ٣]
[ ٨١٥٨ ]
وَنَتَعَلَّمُ ذَكَاءَ العَرَبيِّ وَقُوَّةَ مُلاَحَظِتِهِ وَكَيْفَ كَانَ لَمَّاحًَا لِكُلِّ مَا يَنْتَابُهُ وَيَعْترِيه؛ انْظُرْ سُرَاقَةَ كَمْ مَرَّةً أَخْرَجَ أَزْلاَمَهُ وَاسْتَقْسَمَ بهَا ٠٠ وَإِقْرَارَهُ بِالحَقِّ إِذْ تَبَينَ وَعَدَمَ المُكَابَرَةِ كَمَا سَيَأْتي ٠٠
انْظُرْ: كَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ مُنَقِّبًَا عَنهُمْ، وَصَارَ آخِرَ النَّهَارِ مخَذِّلًا عَنهُمْ ٠٠!!
كَادَتْ تُسْرَقُ رُوحُكَ يَا سُرَاقَة
[٣٦١٨]ـ عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَال:
" لَمَّا أَقْبَلَ النَّبيُّ ﷺ إِلى المَدِينَةِ تَبِعَهُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُم، فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبيُّ ﷺ فَسَاخَتْ بِهِ فَرَسُه، قَالَ ادْعُ اللهَ لي وَلاَ أَضُرُّكَ فَدَعَا لَهُ " ٠٠!!
[الإِمَامُ البُخَارِيّ ٠ مَوْسُوعَةُ صَخْرٍ العَالَمِيَّةُ بِرَقم: ٣٦١٨]
[ ٨١٥٩ ]
[٤١٧٧]ـ عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَال:
" قَدِمَ النَّبيُّ ﷺ مِنْ مَكَّةَ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ، قَالَ أَبُو بَكْر: مَرَرْنَا بِرَاعٍ وَقَدْ عَطِشَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ فَحَلَبْتُ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ في قَدَحٍ فَشَرِبَ حَتى رَضِيت، وَأَتَانَا سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ عَلَى فَرَسٍ فَدَعَا عَلَيْه؛ فَطَلَبَ إِلَيْهِ سُرَاقَةُ أَنْ لاَ يَدْعُوَ عَلَيْهِ وَأَنْ يَرْجِعَ فَفَعَل " ٠٠!! [الإِمَامُ البُخَارِيّ ٠ مَوْسُوعَةُ صَخْرٍ العَالَمِيَّةُ بِرَقم: ٤١٧٧]
[ ٨١٦٠ ]
إِسْلاَمُ سُرَاقَة
رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ سُرَاقَةَ قَوْلَه: فكتب لي كتابا في عظم أو في رقعة أو في خِرفةٍ ثم ألقاه إليَّ، فأخذتهُ فجعلته في كنانتي، ثم رجعت فسكت فلم أذكر شيئا مما كان، حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله ﷺ وفرغ من حُنَينٍ والطائفِ خرجت ومعي الكتاب لألقاهُ فلقيته بالجعرانة، فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار، فجعلوا يَقرَعُونَني بالرماح ويقولون إليك ماذا تريد ٠٠!؟
[ ٨١٦١ ]
فدنوت من رسول الله ﷺ وهو على ناقته، والله لكأني أنظر إلى ساقه في غزرة كأنها جُمارة - أَيْ بَيْضَاء - فرفعت يدي بالكتاب ثم قلت يا رسول الله هذا كتابك أنا سراقة بن جعشم، فَقَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ يوم وفاء وبر، ادنُهْ - أَيِ ادْنُ مِني - فدنوت منه فأسلمت، ثم تذكرت شيئا أَسأل رسول الله ﷺ عنه فما أذكره، إلاَ أني قلت يا رسول الله: الضالةُ من الإبل تغشى حياضي وقد ملأتها لأبلي: هل لي أجر في أن أسقيَهَا ٠٠؟ قال " نعم؛ في كل ذات كبد حرى أجر " ٠٠!!
ثم رجعت إلى قومي فسقت إلى رسول الله ﷺ صدقتي " ٠٠!!
[السِّيرَةُ لاَبْنِ هِشَام ٠ الطَّبْعَةُ الأُولى لِدَارِ الجَبَل ٠ بَيرُوت: ١٧/ ٣]
[ ٨١٦٢ ]
[٢٨٥٣]ـ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﵁ قَال:
" ذَهَبْنَا نَتَلَقَّى رَسُولَ اللهِ ﷺ مَعَ الصِّبْيَانِ إِلى ثَنِيَّةِ الوَدَاعِ " ٠٠!!
[الإِمَامُ البُخَارِيّ ٠ مَوْسُوعَةُ صَخْرٍ العَالَمِيَّةُ بِرَقم: ٢٨٥٣]
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلأَمَانَةِ العِلمِيَّةِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ في مَقْدِمِهِ ﷺ مِن غَزْوَةِ تَبُوك
[ ٨١٦٣ ]
حَدَّثَ ثَابِتٌ الْبُنَانيُّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّهُ قَال:
" إِنيِّ لأَسْعَى في الْغِلْمَانِ يَقُولُونَ جَاءَ محَمَّد؛ فَأَسْعَى فَلاَ أَرَى شَيْئًَا، ثُمَّ يَقُولُون: جَاءَ محَمَّد، فَأَسْعَى فَلاَ أَرَى شَيْئًَا، حَتىَّ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَكَمَنَّا في بَعْضِ حِرَارِ المَدِينَة، ثُمَّ بَعَثَا رَجُلًاَ مِن أَهْلِ البَادِيَةِ لِيُؤْذِنَ بِهِمَا الأَنْصَار؛ فَاسْتَقْبَلَهُمَا زُهَاءُ خَمْسِمِاْئَةٍ مِنَ الأَنْصَار، حَتىَّ انْتَهَوْا إِلَيْهِمَا، فَقَالَتِ الأَنْصَار: انْطَلِقَا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْن؛ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَصَاحِبُهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ؛ فَخَرَجَ أَهْلُ المَدِينَة، حَتىَّ إِنَّ العَوَاتِقَ لَفَوْقَ البُيُوتِ يَتَرَاءَيْنَه [الْعَاتِق: هِيَ الْبِنْتُ إِذَا بَلَغَتْ سِنَّ الزَّوَاج]، يَقُلْنَ: أَيُّهُمْ هُوَ، أَيُّهُمْ هُوَ " ٠٠؟ [صَحَّحَهُ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء / طَبْعَةُ الرِّسَالَةِ (٣) بَابِ السِّيرَةِ ٠ ص: ٤١٦/ ١، رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِه]
[ ٨١٦٤ ]
قال ابْنُ إِسْحَاقَ: فأقام رسول الله ﷺ بقباء في بني عمرو بن عوف يَوْمَ الاَثنين وَيَوْمَ الثلاَثاء وَيَوْمَ الأَربعاء وَيَوْمَ الخميس وأسس مسجده " ٠٠!!
[السِّيرَةُ لاَبْنِ هِشَام ٠ الطَّبْعَةُ الأُولى لِدَارِ الجَبَل ٠ بَيرُوت: ٢٢/ ٣]
وَنَتَعَلَّمُ إِكْرَامَ الصَّالحِينَ وَالأَوْلِيَاء، وَأَدَبُ الكِرَامِ مَعَ الأَنْبِيَاء: يَتَجَلَّى هَذَا وَاضِحًَا في شَمَائِلِ الأَنْصَار، وَمَا تحَلَّواْ بِهِ مِنَ الكَرَمِ وَالإِيثَار ٠
[ ٨١٦٥ ]
كَرَمُ الأَنْصَار مَعَ النَّبي المُخْتَار
رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ مخْتَصَرًَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ مَرَّ بِنَاقَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى عتبانَ بن مالك وعباس ابن عُبَادَةَ في رجال من بني سالِم بن عوف فقالوا يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة ٠٠؟
قالَ خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها فانطلقت، حتى إذا وازنت دار بني بياضة تلقاه زياد بن الوليد وفروة بن عمرو في رجال من بني بياضة فقالوا يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة ٠٠؟
[ ٨١٦٦ ]
قال خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني ساعدة اعترضه سعد بن عبادة والمنذر بن عمروٍ في رجال من بني ساعدة فقالوا يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة ٠٠؟
قال خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها فانطلقت حتى وازنت دار بني الحارث بن الخزرج، اعترضه سعد ابن الربيع وخارجة بن زيد وعبدُ الله بن رواحة في رجال من بني الحارث بن الخزرج فقالوا يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة ٠٠؟
قال خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها فانطلقت، حتى إذا مرت بدار بني عدي بن النجار وهُمْ أخوالُهُ؛ أُمُّ عبد المطلب سلمى بنت عمرو: إحدى نسائهم، اعترضه سليط بن قيس وأبو سليط في رجال من بني عدي بن النجار فقالوا يا رسول الله هلم إلى أخوالك إلى العدد والعدة والمنعة ٠٠؟
[ ٨١٦٧ ]
قال خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلوا سبيلها فانطلقت، حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار بركت على باب مسجده ** ﷺ **: وهو يومئذ مربد لغلاَمين يتيمين من بني النجار، ثم من بني مالك بن النجارِ وهما في حجر معاذ بن عفراء، فلما بركت ورسول الله ﷺ عليها لَمْ ينزل وثبت فَسَارَتْ غَيرَ بعيدٍ ورسول الله ﷺ واضع لها زمامها لاَ يُثْنِيهَا، ثم التفتت إلى خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرةٍ فَبَرَكَت فيه ثُم تحلحلت وَأَرْزَمَت - أَيِ اسْتَقَرَّتْ - وَأَلقَتْ بجرانها - أَيْ بِرَقَبَتِهَا عَلَى الأَرْض - فَنَزَلَ عنها رسول الله ﷺ، فاحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله فوضعه في بيته، ونزل عليه رسول الله ﷺ وسأل عن المِرْبَدِ لمن هو ٠٠؟
[ ٨١٦٨ ]
فقال له معاذ بن عفراءهو يا رسول الله لِسَهْل وسهَيْلٍ ابني عمرو: وهما يتيمان لي وسأرضيهما منه؛ فاتخذه مسجدا " ٠٠!! [السِّيرَةُ لاَبْنِ هِشَام ٠ الطَّبْعَةُ الأُولى لِدَارِ الجَبَل ٠ بَيرُوت: ٢٣/ ٣]
وَنَتَعَلَّمُ كَرَمُ الضِّيَافَةِ مِن أَبي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ وَمَا تحَلَّى بِهِ مِنَ الإِيثَار، وَحِرْصُهِ الشَّدِيدُ عَلَى رَاحَةِ النَّبي المُخْتَار، فَمَا أَكْرَمَ المَزُورِ وَأَكْرَمَ المُزَار ٠
أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيّ
[٣٨٢٨]ـ عَن أَبي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَال:
" نَزَلَ النَّبيُّ ﷺ في السُّفْلِ وَأَبُو أَيُّوبَ في العِلْو، فَانْتَبهَ أَبُو أَيُّوبَ لَيْلَةً فَقَالَ نَمْشِي فَوْقَ رَأْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ٠٠!؟
[ ٨١٦٩ ]
فَتَنَحَّوْا فَبَاتُواْ في جَانِبٍ، ثمَّ قَالَ لِلنَّبيِّ ﷺ ٠٠!؟
فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ السُّفْلُ أَرْفَق، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ لاَ أَعْلُو سَقِيفَةً أَنْتَ تَحْتَهَا، فَتَحَوَّلَ النَّبيُّ ﷺ في العُلُوِّ وَأَبُو أَيُّوبَ في السُّفْل، فَكَانَ يَصْنَعُ لِلنَّبيِّ ﷺ طَعَامًَا، فَإِذَا جِيءَ بِهِ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِهِ فَيَتَتَبَّعُ مَوْضِعَ أَصَابِعِهِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًَا فِيهِ ثُوم، فَلَمَّا رُدَّ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِ النَّبيِّ ﷺ فَقِيلَ لَهُ لَمْ يَأْكُلْ؛ فَفَزِعَ وَصَعِدَ إِلَيْهِ فَقَالَ أَحَرَامٌ هُوَ ٠٠؟
[ ٨١٧٠ ]
فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ لاَ وَلَكِني أَكْرَهُه، قَالَ فَإِني أَكْرَهُ مَا تَكْرَه، أَوْ مَا كَرِهْت " ٠٠!!
[الإِمَامُ مُسْلِم ٠ مَوْسُوعَةُ صَخْرٍ العَالَمِيَّةُ بِرَقم: ٣٨٢٨]
[٢٢٤٦٧]ـ عَن أَبي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَال:
[ ٨١٧١ ]
" نَزَلَ النَّبيُّ ﷺ في بَيْتِنَا الأَسْفَل، وَكُنْتُ في الْغُرْفَةِ - أَيْ أَعْلَى - فَأُهْرِيقَ مَاءٌ في الغُرْفَة؛ فَقُمْتُ أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ بِقَطِيفَةٍ لَنَا نَتْبَعُ المَاءَ شَفَقَةَ يخْلُصُ المَاءُ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنَزَلْتُ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنَا مُشْفِقٌ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ نَكُونَ فَوْقَك، انْتَقِلْ إِلى الْغُرْفَة، فَأَمَرَ النَّبيُّ ﷺ بمَتَاعِهِ فَنُقِلَ وَمَتَاعُهُ قَلِيل، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ كُنْتَ تُرْسِلُ إِليَّ بِالطَّعَامِ فَأَنْظُرُ فَإِذَا رَأَيْتُ أَثَرَ أَصَابِعِكَ وَضَعْتُ يَدِي فِيه، حَتى إِذَا كَانَ هَذَا الطَّعَامُ الَّذِي أَرْسَلْتَ بِهِ إِليَّ فَنَظَرْتُ
[ ٨١٧٢ ]
فِيهِ فَلَمْ أَرَ فِيهِ أَثَرَ أَصَابِعِك ٠٠!؟
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجَلْ إِنَّ فِيهِ بَصَلًا؛ فَكَرِهْتُ أَنْ آكُلَهُ مِن أَجْلِ المَلَكِ الَّذِي يَأْتِيني وَأَمَّا أَنْتُمْ فَكُلُوهُ " ٠٠!!
[صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِم ٠ المُسْتَدْرَكُ بِرَقم: ٥٩٣٩/الطَّبرَانيُّ وَأَحْمَد في صَخْرٍ بِرَقم: ٢٢٤٦٧]
وَنَتَعَلَّمُ أَيْضًَا أَهَمِّيَّةَ بِنَاءِ المَسْجِدِ قَبْلَ بِنَاءِ الدَّوْلَةِ الإِسْلاَمِيَّة، وَلِذَا اهْتَمَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ بَادِئَ بَدْءٍ ٠
بِنَاءُ المَسْجِد
[٠٠٠] عَن أَنَسِ بْنُ مَالِكٍ ﵁ قَال:
[ ٨١٧٣ ]
" لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ نَزَلَ في عُلْوِ المَدِينَةِ في حَيٍّ يُقَالُ لهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْف، فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثمَّ أَرْسَلَ إِلى مَلإِ بَني النَّجَّارِ فَجَاءواْ مُتَقَلِّدِي سُيُوفِهِمْ قَالَ أَنَس: وَكَأَني أَنْظُرُ إِلى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفَهُ وَمَلأُ بَني النَّجَّارِ حَوْلَهُ حَتى أَلْقَى - أَيْ نَزَلَ - بِفِنَاءِ أَبي أَيُّوبَ، فَكَانَ يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَة، وَيُصَلِّي في مَرَابِضِ الغَنَم، ثمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ فَأَرْسَلَ إِلى مَلإِ بَني النَّجَّارِ فَجَاءواْ، فَقَالَ ﷺ:
" يَا بَني النَّجَّارِ ثَامِنُوني حَائِطَكُمْ هَذَا " ٠٠؟
[ ٨١٧٤ ]
* - أَيِ اعْرِضُواْ عَلَيَّ لَهُ ثَمَنًَا - فَقَالُواْ: لاَ وَاللهِ لاَ نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَ إِلى الله ٠٠ فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ: كَانَتْ فِيهِ قُبُورُ المُشْرِكِين، وَكَانَتْ فِيهِ خِرَب، وَكَانَ فِيهِ نخْل، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، وَبِالخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِع، فَصَفُّواْ النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ وَجَعَلُواْ عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً " ٠
عِضَادَتَيْهِ أَيْ عَمُودَيْ بَوَّابَتِهِ ٠
الإِمَامُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ المَنَاقِبِ بَابِ مَقْدِمِ النَّبيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ ﵃ المَدِينَة ٠ حَدِيثٌ رَقْم: (٣٩٣٢)، الإِمَامُ مُسْلِمٌ في كِتَابِ المَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلاَةِ مِنهَا، بَابِ ابْتِنَاءِ مَسْجِدِ النَّبيِّ ﷺ ٠ حَدِيثٌ رَقْم: (٥٢٤) ٠
[ ٨١٧٥ ]
[٤٢٨]ـ عَن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ في بِنَاءِ المَسْجِدِ:
" كُنَّا نحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْن، فَرَآهُ النَّبيُّ ﷺ فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ وَيْحَ عَمَّار؛ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلى الجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلى النَّار، قَالَ عَمَّار: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الفِتَنِ " ٠٠!! [الإِمَامُ البُخَارِيّ ٠ مَوْسُوعَةُ صَخْرٍ العَالَمِيَّةُ بِرَقم: ٤٢٨]
وَنَتَعَلَّمُ أَيْضًَا رَفْضَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لأُمُورِ الجَاهِلِيَّةِ وَالسُّخْرِيَّةِ بِالضُّعَفَاءِ وَالفُقَرَاءِ ٠
[ ٨١٧٦ ]
مَا لَكُمْ وَلِعَمَّار
يَقُولُ ابْنُ إِسْحَاقَ في سِيرَةِ ابْنِ هِشَام:
" فدخل عمار بن ياسر وقد أثقلوه باللبن؛ فقال يا رسول الله قتلوني: يحملون عليَّ ما لاَ يحملون، قالت أم سلمة زوج النبي ** ﷺ **:
" فرأيتُ رسُول الله ﷺ ينفُضُ وفرتهُ بيده - أَيْ يَنْفُضُ مَا بَيْنَ أُذُنِهِ وَمَنْكِبِه - وكان رجلاَ جعدا، وهو يقول ويح ابن سمية، ليسوا بالذين يقتلونك، إنما تقتلك الفئة الباغية " ٠٠!!
[ ٨١٧٧ ]
قال ابْنُ إِسْحَاقَ:
وَكَانَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ يَنْقِلُ اللَّبنَ وَهُوَ يَتَمَثَّلُ بهَذَا البَيْت:
لاَ يَسْتَوِي مَنْ يَعْمُرُ المَسَاجِدَا * يَدْأَبُ فِيهَا قَائِمًَا وَقَاعِدَا
فأخذها عمار بن ياسر فجعل يرتجز بها " ٠٠!!
[ ٨١٧٨ ]
قَالَ ابْنُ هِشَام:
" فلما أكثر ظن رجلٌ من أصحاب رسول الله ﷺ أنه إنما يعرض به؛ فقال قد سمعت ما تقول منذ اليوم يا ابن سمية؛ والله إني لأراني سأعرض هذه العصا لأنفك - أَيْ سَأُوسِعُكَ بهَا ضَرْبًَا وَإِذْلاَلًا - وفي يده عصًا؛ فغضب رسول الله ﷺ ثم قال: " ما لهم ولعمار ٠٠!؟
يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ٠٠!!
إن عمارا جلدة ما بين عيني وأنفي؛ فإذا بلغ ذلك من الرجل فلم يستبق - فاجتنبوه " ٠٠!!
[السِّيرَةُ لاَبْنِ هِشَام ٠ الطَّبْعَةُ الأُولى لِدَارِ الجَبَل ٠ بَيرُوت: ٢٥/ ٣]
[ ٨١٧٩ ]
انْتِقَامُ قُرَيْش
وَنَتَعَلَّمُ أَيْضًَا الصَّبرَ وَالاَحْتِسَابَ لأَنَّ اكْتِسَابَ الدِّينِ غَالِبًَا يَكُونُ عَلَى حِسَابِ الدُّنيَا، وَاكْتِسَابُ الدُّنيَا يَكُونُ غَالِبًَا عَلَى حِسَابِ الدِّين ٠
" لَمَّا خرج بنو جحش بن رئاب من دارهم عدا عليها أبو سفيان بن حرب فباعها من عمرو بن علقمة أخي بني عامرِ بن لؤي، فلما بلغ بني جحشٍ ما صنع أبو سفيان بدارهم ذكر ذلك عبدُ الله بن جحش لرسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ " ألاَ ترضى يا عبد الله أن يعطيك بها الله دارا خيرا منها في الجنة " ٠٠!!؟
قال بلى، قال فذلك لك " ٠٠!!
[السِّيرَةُ لاَبْنِ هِشَام ٠ الطَّبْعَةُ الأُولى لِدَارِ الجَبَل ٠ بَيرُوت: ٢٨/ ٣]
[ ٨١٨٠ ]
يَقُولُ ابْنُ إِسْحَاقَ في سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ بِاخْتِصَار: " واستجمع إسلاَم هذا الحيِّ من الأنصار فلم يبق دار من دور الأنصار إلاَ أسلم أهلها إِلاَ بِضْعَةُ دُورٍ بَقِيَتْ عَلَى الشِّرْك " ٠٠!!
[السِّيرَةُ لاَبْنِ هِشَام ٠ الطَّبْعَةُ الأُولى لِدَارِ الجَبَل ٠ بَيرُوت: ٢٩/ ٣]
هِجْرَةُ خَلِيلِ اللهِ إِبْرَاهِيمَ
وَمَا أَجْمَلَ مجِيءَ حَادِثِ الهِجْرَةِ بَعْدَ مَوْسِمِ الحَجِّ وَتَذْكَارِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَهِجْرَتِهُ بِسَارَّة، وَكَأَنَّ اللهَ تَعَالى يُرِيدُ أَنْ يُذَكِّرَنَا أَنَّهُ كَمَا أَكْرَمَ بِالهِجْرَةِ إِبْرَاهِيمَ أَبَا الأَنْبِيَاء، في هَاجَرَ بِالصَّحْرَاء: وَفَجَّرَ لهَا يُنْبُوعِ المَاء: كَذَلِكَ بِالهِجْرَةِ أَكْرَمَ محَمَّدًَا في المَدِينَةِ بِسِنيِّ الرَّخَاء، بَعْدَ سِنيِّ البَلاَءِ وَالعَنَاءِ وَالشَّقَاء ٠
[ ٨١٨١ ]
فَقَبْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَبُو الأَنْبِيَاءِ هَاجَر بِسَارَّة:
[٢٠٦٥]ـ عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَم بِسَارَةَ فَدَخَلَ بهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ المُلُوك، أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَة، فَقِيلَ دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ بِامْرَأَةٍ هِيَ مِن أَحْسَنِ النِّسَاء؛ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ مَنْ هَذِهِ الَّتي مَعَك ٠٠؟
[ ٨١٨٢ ]
قَالَ أُخْتي، ثمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا فَقَالَ لاَ تُكَذِّبي حَدِيثِي: فَإِني أَخْبَرْتهُمْ أَنَّكِ أُخْتي، وَاللهِ إِن عَلَى الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُك، فَأَرْسَلَ بهَا إِلَيْه، فَقَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، فَقَالَتِ اللهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِك، وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلاَ عَلَى زَوْجِي؛ فَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيَّ الكَافِرَ؛ فَغُطَّ - أَيْ غَاصَتْ قَدَمَاه - حَتى رَكَضَ بِرِجْلِهِ، قَالَتِ اللهُمَّ إِنْ يَمُتْ يُقَالُ هِيَ قَتَلَتْهُ؛ فَأُرْسِلَ ثمَّ قَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ تُصَلِّي وَتَقُولُ اللهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلاَ عَلَى زَوْجِي؛ فَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيَّ هَذَا الكَافِرَ؛ فَغُطَّ حَتى رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَقَالَتِ اللهُمَّ إِنْ يمُتْ
[ ٨١٨٣ ]
فَيُقَالُ هِيَ قَتَلَتْهُ؛ فَأُرْسِلَ في الثَّانِيَةِ أَوْ في الثَّالِثَةِ فَقَالَ وَاللهِ مَا أَرْسَلْتُمْ إِليَّ إِلاَ شَيْطَانًَا؛ ارْجِعُوهَا إِلى إِبْرَاهِيمَ وَأَعْطُوهَا آجَرَ - أَيْ هَاجَرَ - فَرَجَعَتْ إِلى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَتْ أَشَعَرْتَ - أَيْ أَرَأَيْتَ - أَنَّ اللهَ كَبَتَ الكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً " ٠٠!!
[الوَلِيدَةُ أَيِ الخَادِمَة ٠ الإِمَامُ البُخَارِيّ ٠ مَوْسُوعَةُ صَخْرٍ العَالَمِيَّةُ بِرَقم: ٢١٣٤]
[٣١٠٨]ـ عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
[ ٨١٨٤ ]
" لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلاَ ثَلاَثًَا وَفي رِوَايَةٍ عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: " لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَم إِلاَ ثَلاَثَ كَذَبَات: ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ في ذَاتِ اللهِ ﷿: قَوْلُهُ " إِني سَقِيمٌ " وَقَوْلُهُ " بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا " وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الجَبَابِرَة، فَقِيلَ لَهُ إِنَّ هَا هُنَا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأَةٌ مِن أَحْسَنِ النَّاس، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ مَنْ هَذِهِ ٠٠؟
[ ٨١٨٥ ]
قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أُخْتي، فَأَتَى سَارَةَ قَالَ يَا سَارَة: لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَني فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتي فَلاَ تُكَذِّبِيني فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ، فَقَالَ ادْعِي اللهَ لي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللهَ فَأُطْلِقَ، ثمَّ تَنَاوَلهَا الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ، فَقَالَ ادْعِي اللهَ لي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ، فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ فَقَالَ إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُوني بِإِنْسَان، إِنمَا أَتَيْتُمُوني بِشَيْطَان، فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ، فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ مَهْيَا ٠٠؟ قَالَتْ رَدَّ اللهُ كَيْدَ الكَافِرِ أَوِ الفَاجِرِ في نحْرِه، وَأَخْدَمَ هَاجَر،
[ ٨١٨٦ ]
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَني مَاءِ السَّمَاءِ " ٠٠!!
[أَيْ يَا مَعْشَرَ العَرَب، مَهْيَا أَيْ مَا الخَبر ٠٠؟ / الإِمَامُ البُخَارِيّ ٠ مَوْسُوعَةُ صَخْرٍ بِرَقم: ٣١٠٨]
هِجْرَةُ العُلَمَاء
وَمِنَ الدُّرُوسِ المُسْتَفَادَةِ مِن حَادِثِ الهِجْرَةِ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّهُ لاَ حَرَجَ في سَفَرِ الدُّعَاةِ وَالعُلَمَاءِ عِنْدَمَا يُضْطَهَدُواْ في بِلاَدِهِمْ بِغَيرِ ذَنْب، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُواْ فَقَدْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ بِنَصِّ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَة:
" إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنْتُمْ ٠٠!؟ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُن أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ٠٠!؟ فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًَا " ﴿النِّسَاء/٩٧﴾
[ ٨١٨٧ ]
بُسْتَانُ الأُدَبَاء:
=========
[انْظُرْ مُعْجَمَ " الأَلفَاظِ المُؤْتَلِفَة "]
[وَانْظُرْ أَيْضًَا كِتَاب " اتِّفَاقُ المَبَاني وَاخْتِلاَفُ المَعَاني "]
°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°
الطَّبْعَةُ المُعْتَمَدَةُ لِلِسَانِ الْعَرَبِ في هَذِهِ الرِّسَالَة:
[هِيَ طَبْعَةُ دَارِ صَادِر ٠ بَيرُوت]
°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°*°
[ ٨١٨٨ ]
أَوْ يُضْطَرُّواْ إِلى بَيْعِ ضَمَائِرِهِمْ لِلمُؤَسَّسَاتِ العِلمَانِيَّةِ وَالصَّهَايِنَةِ مِن أَجْلِ لُقْمَةِ العَيْش، وَإِذَا مَا مَاتَ ضَمِيرُ العَالِمِ فَإِنَّهُ لاَ يُشْبِعُهُ العَالَم ٠٠!!
أَهَذَا خَيرٌ أَمْ خُرُوجُهُمْ عَلَى القَانُون؛ وَقَضَاؤُهُمْ زَهْرَةَ شَبَابهِمْ في السُّجُون، وَلَكَ أَنْ تَتَخَيَّلَ هَوَانَ العَالِمِ بَينَ المَسَاجِين، أَوْ يُفضِي بِهِ الأَمْرُ في النِّهَايَةِ إِلى المَصَحَّاتِ النَّفسِيَّةِ مَعَ المجَانِين ٠٠!!
ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْض ٠٠ فَالمُهِمُّ هُوَ نجَاحُ البَاحِثُ لاَ يهُمُّ في أَيِّ بَلَد ٠٠!!
كَرَامَةُ اللهِ لِلمُهَاجِرِينَ
[ ٨١٨٩ ]
وَلِكَوْنِ الهِجْرَةِ بَالِغَةَ الشُّقَّة، وَالأَجْرُ عَلَى قَدْرِ المَشَقَّة: لِذَا شَكَرَ اللهُ ﵎ صَنِيعَ المهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ وَتَضْحِيَاتهِمْ فجَاءَ في صَحِيحِ الأَثَر:
فَعَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو بْنِ العَاصِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال:
" أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن خَلقِ اللهُ الفقراءُ المُهَاجِرُون، الذِينَ تُسَدُّ بهِمُ الثغُورُ وَتُتَّقَى بهمُ المكَارِه، وَيموتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ في صَدْرِهِ لاَ يَستَطِيعُ لهَا قَضَاءًَا، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالى لمَلاَئِكَتِهِ اِيتُوهُمْ فَحَيُّوهُمْ، فَتَقُولُ المَلاَئِكَةُ نحْنُ سُكَّانُ سَمَائِك، وَخِيرَتُكَ مِن خَلقِك؛ أَفَتَأَمُرنَا أَنْ نَأتِيَ هَؤلاَءِ فَنُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ ٠٠!؟
[ ٨١٩٠ ]
ـ سُؤَالُ تَعَجُّبٍ طَبْعًَا وَلَيْسَ اسْتِكْبَار - فَيَقُولُ اللهُ إِنهُمْ تَعَالى كَانُواْ عِبَادًَا يَعْبُدُونَني لاَ يُشْرِكُونَ بي شَيْئَا، وَتُسَدُّ بهمُ الثغُور، وَتُتَّقَى بهمُ المكَارِه، وَيَموتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَته في صَدْرِهِ لاَ يَستَطِيعُ لهَا قَضَاءًَا؛ فَتَأتِيهِمُ المَلاَئِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ فَيَدْخُلُونَ عَلَيهِم مِنْ كل بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيكم بما صَبرتم فَنِعمَ عقبي الدَّار " ٠٠!!
[صَحَّحَهُ العَلاَمَة أَحْمَدْ شَاكِرْ بِالمُسْنَدْ: ٦٥٧٠ / الكَنْز: ١٦٦٣٦]
[١٠٧٨]ـ عَن أَبي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَال:
[ ٨١٩١ ]
" يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله، فَإِنْ كَانُواْ في القِرَاءةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّة، فَإِنْ كَانُواْ في السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَة، فَإِنْ كَانُواْ في الهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًَّا، وَلاَ يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلْطَانِه، وَلاَ يَقْعُدْ في بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلاَ بِإِذْنِهِ " ٠٠!!
[التَّكْرِمَةُ هِيَ مَوْضِعُ جُلُوسِ رَبِّ البَيْت ٠ الإِمَامُ مُسْلِم ٠ مَوْسُوعَةُ صَخْرٍ العَالَمِيَّةُ بِرَقم: ١٠٧٨]
[١١٩٧]ـ عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ ﵁ قَال:
[ ٨١٩٢ ]
" هَاجَرْنَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ نَلْتَمِسُ وَجْهَ الله؛ فَوَقَعَ - أَيْ وَجَبَ - أَجْرُنَا عَلَى الله، فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِن أَجْرِهِ شَيْئًَا مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْر، وَمِنَّا مَن أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إِلاَ بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلاَه، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُه؛ فَأَمَرَنَا النَّبيُّ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ وَأَنْ نجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ " ٠٠!!
[يَهْدِبهَا أَيْ يُهَذِّبهَا ٠ الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِم ٠ في صَخْرٍ بِرَقمَيْ: ١١٩٧، ١٥٦٢]
[٤٩٨]ـ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ ﵁ قَال:
[ ٨١٩٣ ]
" خَرَجَ رَسُولُ اللهِ في أَصْحَابِهِ إِلى بَقِيعِ الغَرقَد - أَيْ مَقَابِرِ الصَّحَابَة - فَقَالَ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ القُبُور، لَو تَعْلَمُونَ مَا نجَّاكُمُ اللهُ مِنهُ مِمَّا هُوَ كَائِن بَعْدَكُمْ ٠٠!!
ثمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ هَؤلاَءِ خَير لي مِنْكُم؛ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ إِخوَانُنَا أَسلَمْنَا كَمَا أَسْلَمُوا، وَهَاجَرْنَا كَمَا هَاجَرُواْ، وَجَاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُواْ، وَأَتَواْ عَلَى آجَالهِمْ فَمَضَواْ فِيهَا وَبَقِينَا في آجَالِنَا؛ فَمَا بجْعَلُهُمْ خَيرَا مِنَّا ٠٠!؟
[ ٨١٩٤ ]
قَالَ إِنَّ هَؤلاَءِ خَرَجُواْ مِنَ الدُّنيَا وَلَمْ يَأْكُلُواْ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئًَا، وَخَرَجُواْ وَأَنَا الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ - أَيْ شَهِيدٌ عَلَى حُسْنِ خَاتمَتِهِمْ - وَإِنَّكُمْ قَدْ أَكَلتُمْ مِن أُجُورِكُمْ وَلاَ أَدْرِي مَا تحْدِثُونَ بَعْدِي ٠٠!!
فَلَمَّا سَمِعَهَا القَوْمُ وَاللهِ عَقَلُوهَا وَانْتَفَعُواْ بهَا، قَالواْ وَإِنَا لمحَاسَبُونَ بمَا أَصَبْنَا مِنَ الدُّنيَا، وَإِنَهُ لَيُنْقَصُ بِهِ مِن أُجُورِنَا ٠٠!؟
فَأَكَلُواْ وَاللهِ طَيِّبَا وَأَنْفَقُواْ قَصْدَا وَقَدَّمُواْ فَضْلاَ " ٠٠!!
[ابْنُ القَيِّمِ في عُدَّةِ الصَّابِرِينَ بِالبَابِ رَقم: ٢٣ // الزُّهْدُ لاَبْنِ المُبَارَكِ بِرَقم: ٤٩٨]
المُؤَاخَاةُ بَينَ المهَاجِرِينَ وَالأَنْصَار
[ ٨١٩٥ ]
وَتَأَمَّلْ مَوقفَ المهَاجرينَ وَالأَنصَار - وَمَا أَروَعَ المَوقِفَين - كَيفَ كَانَ الأَنصَارِيُّ يَأتي بمالِهِ وَيُقَسِّمُهُ إِلى شَطرَين وَيَقُولُ لأَخِيهِ المهَاجِر خُذ أَحَبَّهُمَا إِلَيْك، وَيخيرُهُ بَين زَوجَاتِهِ وَيَقُولُ لَه انظُر خَيرَهُن أُطلقُهَا لَكَ فَتَتَزَوَّجُهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتهَا، فَمَا يَكُونُ مِنَ المهاجر إِلاَ أَنْ يجِيبَهُ - وَالعِفةُ تَتَجَلى في أَسْمَى مَعَانِيهَا - بَارَكَ اللهُ لَكَ يَا أَخِي في مَالكَ وَفي أَهْلِكَ وَلَكِنْ دُلَّني عَلَى السُّوق ٠٠!!
[٣٤٩٦]ـ عَن عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَال:
[ ٨١٩٦ ]
" لَمَّا قَدِمُواْ المَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيع، قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ إِني أَكْثَرُ الأَنْصَارِ مَالًا؛ فَأَقْسِمُ مَالي نِصْفَيْن، وَليَ امْرَأَتَان؛ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَسَمِّهَا لي أُطَلِّقْهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجْهَا، قَالَ بَارَكَ اللهُ لَكَ في أَهْلِكَ وَمَالِكَ أَيْنَ سُوقُكُمْ ٠٠؟
فَدَلُّوهُ عَلَى سُوقِ بَني قَيْنُقَاع، فَمَا انْقَلَبَ إِلاَ وَمَعَهُ فَضْلٌ مِن أَقِطٍ وَسَمْن، ثُمَّ تَابَعَ الغُدُوّ ٠٠!!
ثُمَّ جَاءَ يَوْمًَا وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَة - أَيْ صِبْغٌ كَالحِنَّاء - فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ مَهْيمْ ٠٠؟
[ ٨١٩٧ ]
قَالَ تَزَوَّجْتُ، قَالَ كَمْ سُقْتَ إِلَيْهَا ٠٠؟ قَالَ نَوَاةً مِنْ ذَهَب، أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ " ٠٠!!
[الإِمَامُ البُخَارِيّ ٠ مَوْسُوعَةُ صَخْرٍ العَالَمِيَّةُ بِرَقم: ٣٤٩٦]
[٣٦٤٤]ـ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَال: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحمَنِ بْنُ عَوْفٍ المَدِينَةَ فَآخَى النَّبيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيّ؛ فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحمَن: بَارَكَ اللهُ لَكَ في أَهْلِكَ وَمَالِكَ دُلَّني عَلَى السُّوق، فَرَبحَ شَيْئًَا مِن أَقِطٍ وَسَمْن، فَرَآهُ النَّبيُّ ﷺ بَعْدَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ - أَيْ خِضَابٌ أَصْفَرُ كَالحِنَّاء - فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ:
[ ٨١٩٨ ]
" مَهْيمْ - أَيْ مَا الخَبرُ - يَا عَبْدَ الرَّحمَن ٠٠!؟
قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَار، قَالَ فَمَا سُقْتَ فِيهَا ٠٠؟
فَقَالَ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَب، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ " ٠٠!!
[الإِمَامُ البُخَارِيّ ٠ مَوْسُوعَةُ صَخْرٍ العَالَمِيَّةُ بِرَقم: ٣٦٤٤]
طِيبَةُ الأَنْصَار
[٢٢٠٣]ـ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَال:
" أَرَادَ النَّبيُّ ﷺ أَنْ يُقْطِعَ مِنَ البَحْرَيْنِ - أَيْ أَرَادَ تَقْسِيمَهَا - فَقَالَتِ الأَنْصَارُ حَتى تُقْطِعَ لإِخْوَانِنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ مِثْلَ الَّذِي تُقْطِعُ لَنَا قَالَ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُواْ حَتى تَلْقَوْني " ٠٠!!
[ ٨١٩٩ ]
[الإِمَامُ البُخَارِيّ ٠ مَوْسُوعَةُ صَخْرٍ العَالَمِيَّةُ بِرَقم: ٢٢٠٣]
[٢١٢٨]ـ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَال:
" كَانَ المُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُواْ المَدِينَةَ يَرِثُ المُهَاجِرُ الأَنْصَارِيَّ دُونَ - أَيْ يَتَقَدَّمُ بِذَلِكَ - ذَوِي رَحِمِهِ؛ لِلأُخُوَّةِ الَّتي آخَى النَّبيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ " ٠٠!!
[الإِمَامُ البُخَارِيّ ٠ مَوْسُوعَةُ صَخْرٍ العَالَمِيَّةُ بِرَقم: ٢١٢٨]
كَرَامَةُ اللهِ لِلأَنْصَار
وَمِنْ كَرَمِ اللهِ تَعَلى لِلأَنْصَارِ قَوْلَهُ في فَضْلِ المُهَاجِرِينَ وَفَضْلِهِمْ:
[ ٨٢٠٠ ]
" لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًَا وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءواْ الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ " ٠٠!! ﴿الحَشْر/٩﴾
[٣٤٩٢]ـ عَن غَيْلاَنَ بْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ قَال:
" قُلْتُ لأَنَسٍ أَرَأَيْتَ اسْمَ الأَنْصَارِ كُنْتُمْ تُسَمَّوْنَ بِهِ أَمْ سَمَّاكُمُ الله ٠٠؟
قَالَ بَلْ سَمَّانَا اللهُ ﷿ " ٠٠!! [الإِمَامُ البُخَارِيّ ٠ مَوْسُوعَةُ صَخْرٍ العَالَمِيَّةُ بِرَقم: ٣٤٩٢]
﴿أَعَدَّهُ وَكَتَبَهُ: الفَقِيرُ إِلى عَفْوِ اللهِ وَدُعَائِكُم / يَاسِرٌ بِيَاسِرٍ الحَمَدَاني﴾
[ ٨٢٠١ ]