ومن أسمائه الحسنى ﷿: الحيي.
عن يعلى بن أمية - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يغتسل بالبراز بلا إزار، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ ﷿ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُّحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِر» أخرجه أبو داود والنسائي (١).
وعن سلمان - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّ رَبَّكُمْ ﵎ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إليه أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» أخرجه أبو داود والترمذي (٢).
الله ﵎ هو الحيي كثير الحياء، وحياؤه ﷿ على ما يليق بجلاله، ليس كحياء المخلوقين الذي هو تغير وانكسار يعتري الشخص عند خوف ما يعاب أو يذم، بل حياؤه ﷿ هو ترك ما لا يتناسب مع سعة رحمته، وكمال جوده وكرمه، وعظيم عفوه وحلمه.
فالعبد يجاهر بالمعصية، مع أنه أفقر شيء إلى الله، وأضعفه لديه، ويستعين بنعمه على معصيته، ولكن الله ﷿ مع كمال غناه، وتمام مقدرته عليه، يستحي من هتك ستره وفضيحته، فيستر العبد بما يهيئه له من أسباب الستر، ثم بعد ذلك يعفو عنه ويغفر له.
عن ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ اللهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا: أتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأى فِي نَفْسِهِ أنَّهُ هَلَكَ، قال: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأنَا أغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ» متفق عليه (٣).
_________________
(١) صحيح: أخرجه أبو داود برقم (٤٠١٢)، وهذا لفظه، صحيح سنن أبي داود رقم (٣٣٨٧). وأخرجه النسائي برقم (٤٠٦)، صحيح سنن النسائي رقم (٣٩٣).
(٢) صحيح: أخرجه أبو داود برقم (١٤٨٨) وهذا لفظه، صحيح سنن أبي داود رقم (١٣٢٠). وأخرجه الترمذي برقم (٣٥٥٦)، صحيح سنن الترمذي رقم (٢٨١٩).
(٣) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٢٤٤١) واللفظ له، ومسلم برقم (٢٧٦٨).
[ ١ / ٣٣٢ ]
وكان النبي - ﷺ - أشد حياءً من العذراء في خدرها، فعلى المسلم أن يستحي من خالقه أعظم الحياء، فهو يتقلب في نعمه وإحسانه آناء الليل والنهار، ولا يستغني عنه طرفة عين، وهو سبحانه يرانا في جميع أحوالنا، ولا يخفى عليه شيء من أمرنا.
ومن علم أن الله السميع البصير مطلع عليه استحى أن يراه على معصية: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١].
وعن ابن عمر ﵄، أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأنْصَارِ، وَهُوَ يَعِظُ أخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «دَعْهُ فَإنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإيمَانِ» متفق عليه (١).
فسبحان العليم الخبير، الذي اتصف بالحياة، وخلق الحياء، ومنَّ به على من شاء من خلقه.
فكل حياء في الملائكة والجن والإنس فمن خزائنه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٢٤) واللفظ له، ومسلم برقم (٣٦).
[ ١ / ٣٣٣ ]