ومن أسمائه الحسنى ﷿: الشكور .. والشاكر.
قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ [التغابن: ١٧].
وقال الله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧].
الله ﵎ هو الشكور، الذي يشكر اليسير من الطاعة، ويثب عليه الكثير من الثواب، ويعطي الجزيل من النعم، ويرضى باليسير من الشكر، والذي يقبل اليسير الذي لا ينفعه من الطاعة، ويبذل العظيم الذي ينتفع به كل من سواه ممن أطاعه.
وهو سبحانه الشاكر، الذي يشكر القليل من العمل، ويغفر الكثير من الزلل، ويشكر الشاكرين، ويذكر من ذكره، ويزيد من شكره، ويرحم من استرحمه.
فهو الغفور الرحيم، الشكور الحليم، الذي يفعل ذلك بعباده الشاكرين: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾ [فاطر: ٣٠].
ومن عظيم شكره سبحانه لعباده وفضله عليهم، أنه يضاعف لهم الأعمال الصالحة أضعافًا كثيرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ [البقرة: ٢٤٥].
أما السيئات فإنها تكتب كما هي ولا تضاعف، وتمحى بالتوبة والاستغفار.
وجميع النعم التي يتنعم بها الخلق من رزق وعافية، وأمن وسرور، وأهل ومال وولد، هي من رب العالمين وحده كما قال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ [النحل: ٥٣، ٥٤].
[ ١ / ٢٠٨ ]
وواجب العباد أن يشكروا الله على كل نعمة .. فهو سبحانه المحمود على نعمه التي لا يحصيها أحد .. وهو المحمود على خلقه وأمره .. وعلى قضائه وقدره .. وعلى آلائه ونعمائه .. وعلى دينه وشرعه.
أما الكافر فإنما سمي كافرًا، لأنه يغطي نعمة الله التي أسبغها عليه، ويجحدها ولا يقر بها كما قال سبحانه عن الكفار: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) [النحل: ٧٢].
وقد أكثر الله ﷿ من تعداد نعمه على عباده، فلم يترك لجاحد مجالًا أن ينكر نعم الله عليه، بل لو أراد الإنسان أن يحصي ما في جسده من نعم الله وأفضاله لعجز، فكيف لو أراد أن يحصي نعم الله سبحانه على الناس في حياتهم على هذه الأرض، وكيف لو أراد أن يحصي نعم الله في السموات والأرض، ونعم الله في الدنيا والآخرة، إن ذلك لا يمكن تصوره، فضلًا عن عده: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨].
وأكثر الناس عن شكر هذه النعم غافلون، وهم في نعم الله غارقون: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ [غافر: ٦١].
وأعظم الشكر لله على نعمه هو توحيده، والإيمان به، وعبادته وحده لا شريك له، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والثناء عليه، واستعمالها في طاعته، لأنه سبحانه هو الذي خلق وأوجد من العدم، ورزق الإنسان وسائر المخلوقات، ولم يشاركه في ذلك أحد، فلا يستحق العبادة معه أحد.
ولكن أكثر الناس غرهم الشيطان، فأعرضوا عن ذلك، وجعلوا لله أندادًا، ونسبوا لها الضر والنفع، والتصرف في الأرزاق، ودفع الأمراض، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ [العنكبوت: ١٧].
وهو سبحانه الشاكر، المادح لمن يعطيه، والمثني عليه، والمثيب له بطاعته
[ ١ / ٢٠٩ ]
فضلًا عن نعمته.
وقد مدح الله الرسول - ﷺ - وأصحابه بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].
ومن شكره سبحانه لعباده أنه يجازي عدوه بما يفعله من الخير والمعروف في الدنيا، ويخفف به عنه العذاب يوم القيامة، فلا يضيع عليه ما يعمله من الإحسان، وهو من أبغض خلقه إليه.
ومن شكره سبحانه لعباده أنه يخرج العبد من النار بأدنى مثقال ذرة من إيمان أو خير، ولا يضيع عليه هذا القدر.
ومن شكره لعباده أنه لا يضيع أجر محسن، ولا يعذب غير مسيء.
ومن شكره لعباده سبحانه أن العبد من عباده يقوم له مقامًا يرضيه بين الناس فيشكره له، وينوه بذكره، ويخبر به ملائكته وعباده المؤمنين.
فسبحانه من غفور شكور، يغفر الكثير من الزلل، ويشكر القليل من العمل.
وأحب خلق الله إليه من اتصف بموجب صفاته، وأبغضهم إليه من اتصف بأضدادها، ولهذا يبغض الله الكفور والظلوم، واللئيم والبخيل ويحب الكريم المحسن، التقي الرحيم، الشكور الغفور.
والله سبحانه شكور يشكر لعباده حسن الأداء، أفلا يشكرون له حسن العطاء: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، وعظيم سلطانك، وجزيل عطائك، وتتابع إحسانك.
اللهم لك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السماء، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعده.
[ ١ / ٢١٠ ]