ومن أسمائه الحسنى ﷿: المحسن.
قال الله تعالى عن يوسف - ﷺ -: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾ [يوسف: ١٠٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ [القصص: ٧٧].
وقال النبي - ﷺ -: «إنَّ اللهَ كَتَبَ الإحْسانَ عَلَى كُلَِ شَيْءٍ، فَإذَا قَتَلْتُمْ فَأحْسنُوا القِتْلَةَ، وَإذَا ذَبّحْتُم فّأحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيِحدَ أحَدكُم شَفْرَتَهُ، فَليُرِحْ ذَبيحَتَهُ» أخرجه مسلم (١).
الله ﵎ هو المحسن، الذي غمر الخلق جميعًا بإحسانه وإنعامه، برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم.
وهو سبحانه المحسن الكريم الذي لا يخلو موجود من إحسانه طرفة عين:
فهو المحسن إلى كل مخلوق بنعمة الإيجاد .. ونعمة الإمداد .. وللمؤمن مع ذلك بنعمة الهداية .. ولا خفاء بإحسان الله تعالى إلى خلقه .. ومنته عليهم بما غمرهم من الإحسان والإنعام، والفضل والجود.
وهو سبحانه المحسن إلى الخلق كلهم بصنوف النعم، ولو غفل عن ذلك الغافلون، وجحد فضله الجاحدون، وأعرض عن شكره الكافرون، فلا قيام للخلق ولا بقاء لهم إلا به سبحانه، وبجوده وإنعامه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣].
ومن إحسان الله ﷿ وجوده وفضله على الإنسان أن أخرجه من عدم،
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (١٩٥٥).
[ ١ / ٣٣٦ ]
وصوره في أحسن صورة، وهي صورة آدم، وهي أحسن صور العالم كما قال سبحانه: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤)﴾ [غافر: ٦٤].
ومن إحسانه على الإنسان أن جعله عاقلًا لا معتوهًا ولا سفيهًا .. حتى يمتاز عن البهائم .. وهداه للإسلام .. وهذا أعظم أنواع الإحسان والإنعام .. وجعله من أمة محمد - ﷺ - .. وعلمه كتابه .. وأحسن إليه بإعانته على العمل بما علم .. ووفقه لنشر ما علم بين عباده .. ليكون نور بلاده .. ويستضاء بسراجه.
وهو سبحانه المحسن الذي أحسن إلى الإنسان، وأنعم عليه بكمال الصورة، واعتدال الخلقة، وفصاحة اللسان، وحسن السمع والبصر، وسلامة البدن من نقص أو خلل، حتى يبقى صحيحًا سليمًا: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].
وهو سبحانه المحسن الذي أنعم على الإنسان بانتظام الحال، واتساع المال، حتى لا يحتاج إلى أحد من الخلق في اكتساب الرزق، ويحتاج إليه غيره، وهذه وتلك نعمة يجب شكرها، إذ ليس كل أحد يعطاها.
ومن نعم الله على الإنسان ما أنعم عليه بالعصبة والعشيرة، والأصحاب والأتباع، الذين تآلفت قلوبهم على محبته وتقديره، وقاموا جنة بينه وبين أعدائه، فعاش في أمن بين جميع الخلائق، يُنظر إليه بعين الإجلال والوقار، وتقضى حوائجه حيثما كان.
ومن إحسانه إليه ما رزقه الله من الزوجة والأولاد، حتى يكون من ذريته في أمة محمد - ﷺ - عدد وافر، وكلهم موحد لربه، ولآلائه ذاكر وشاكر.
يشتد بهم في الدنيا أزره، ويحبط بهم في الآخرة وزره بدعائهم له، وتزيد حسناته بفعلهم القرب عنه.
ومنها ما أنعم الله به عليه من صحة الجسم، وفراغ البال، ونعم الله على العباد لا
[ ١ / ٣٣٧ ]
تحصى كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨].
والله ﷿ يحب من خلقه التعبد بمعاني أسمائه وصفاته، فهو تواب يحب التوابين، ومحسن يحب المحسنين كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
فعلى المسلم أن يحسن كما أحسن الله إليه بتلك النعم، فيعبد الله عبادة تامة كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فهو يراه، وعليه أن يحسن إلى العباد بإيصال جميع أنواع الخير لهم، وقد وعده الله بالثواب على ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾ [التوبة: ١٢٠].
[ ١ / ٣٣٨ ]