ومن أسمائه الحسنى ﷿: الهادي.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾ [الحج: ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ [الفرقان: ٣١].
الله ﵎ هو الهادي، الذي هدى خلقه إلى معرفته، وهدى عباده إلى صراطه المستقيم، الذي منَّ بهداه على من أراد من عباده، فخصه بهدايته، وأكرمه بنور التوحيد والإيمان واليقين.
وهو سبحانه الهادي الذي بهدايته اهتدى أهل ولايته، الدال على سبيل النجاة، المبين لها، لئلا يزيغ العبد ويضل، فيقع فيما يرديه ويهلكه.
وهو سبحانه الهادي الذي يهدي عباده إلى جميع المنافع، ويرشدهم إلى دفع المضار، ويعلمهم ما لا يعلمون.
وهو سبحانه الهادي لعباده .. المبين لهم طريق الحق والإيمان .. بما أرسل من الرسل .. وما أنزل من الكتب .. وما نصب من الدلائل في السموات والأرض.
والله ﷿ هو الهادي، الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الحكيم العليم بمن يصلح للهدى ومن لا يصلح، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا.
فجميع العباد يتقلبون في مشيءته بين فضله وعدله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾ [الأعراف: ١٧٨].
فالله ﵎ هو الهادي إلى كل خير في الدنيا والآخرة.
والهداية تنقسم إلى مرتبتين:
الأولى: هداية التوفيق والإلهام، وهذه بيد الله وحده لا شريك له كما قال سبحانه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ
[ ١ / ٢٩٢ ]
بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦].
الثانية: هداية الدلالة والإرشاد والبيان، وهي التي أكرم الله بها الرسل وأتباعهم كما قال سبحانه لرسوله - ﷺ -: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣].
فمن هداه الله ﷿ للإيمان فبفضله وله الحمد كما قال سبحانه عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ [الأعراف: ٤٣].
ومن أضله الله فبعدًا له، فقد أرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، ومكنه من أسباب الهداية بما أكرمه به من السمع والبصر والعقل، ولكنه لا يصلح للهداية، فلم يقبل الهدى، فكذب وتولى كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ [الزمر: ٣].
وزاغ وانصرف كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ [الصف: ٥].
واختار الضلال كما قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)﴾ [فصلت: ١٧].
والله حكيم عليم يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو بعباده خبير بمن يصلح للكرامة، ومن يصلح للإهانة، وهو على كل شيء قدير: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [النحل: ٩٣].
وهو سبحانه الهادي الذي جعل كتبه المنزلة هداية للناس كما قال سبحانه عن القرآن الكريم: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩].
وهو سبحانه الذي أرسل رسله لهداية الناس إلى الحق كما قال سبحانه: ﴿هُوَ
[ ١ / ٢٩٣ ]
الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾ [الصف: ٩].
وجعل بيته العتيق مباركًا وهدىً للعالمين إلى يوم القيامة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦].
والهداية أكبر نعمة ينعم بها الهادي سبحانه على عبده، وكل نعمة دونها فهي ناقصة زائلة، وبقدر هداية العبد تكون سعادته في الدنيا والآخرة.
والأنبياء والرسل، وهم أكمل الناس هدايةً وإيمانًا، يسألون الله تعالى أن يهديهم إلى كمال الإيمان والتقوى، كما قال موسى - ﷺ -: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾ [القصص: ٢٢].
وقال النبي - ﷺ -: «اللَّهُمَّ! رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السموات وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» أخرجه مسلم (١).
وأمرت هذه الأمة أن تسأل ربها ﵎ الهداية في كل ركعة من صلاتها في قوله سبحانه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦، ٧].
وهو سبحانه الهادي الذي يهدي إلى الحق، ويهدي إليه من أناب، ويهدي من يريد، ويهدي من يشاء، وهدى الله هو الهدى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣].
والله ﷿ هو الهادي، الذي خلق جميع المخلوقات، وهداها إلى جلب مصالحها، ودفع مضارها كما قال سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ١ - ٣].
_________________
(١) أخرجه مسلم برقم (٧٧٠).
[ ١ / ٢٩٤ ]
فهو سبحانه الهادي الذي هدى كل مخلوق إلى ما لا بد منه في قضاء حاجاته، فهدى الطفل إلى التقام الثدي عند انفصاله .. وهدى الفرخ إلى التقاط الحب وقت خروجه .. وهدى النحل إلى بناء بيوتها بما يناسب حالها .. وهدى النبات أن يشق في الأرض عروقًا .. وفوق الأرض أغصانًا وأوراقًا .. وأزهارًا وثمارًا.
وهدى الشمس والقمر والنجوم للسير والإنارة .. وهدى الملائكة للطاعة والتسبيح .. وهدى الحيوانات والطيور إلى مصالحها ومنافعها .. وهدي الإنسان إلى ما يسعده في دنياه وأخراه.
فسبحان الخلاق العليم: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه: ٥٠].
[ ١ / ٢٩٥ ]