الحمد لله الذي نصب الكائنات على وحدانيته دليلا، رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له حث على التفكر في آياته المسموعة وعلى التفكر في آياته المشهودة. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام المتفكرين، وقدوة العاملين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة دائمة إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله أكثر الله تعالى في كتابه الكريم من ذكر (الأرض) ودعا عباده إلى النظر فيها والتفكر في خلقها- والنظر هو التفات القلب إلى المنظور فيه- فقال سبحانه ﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذّاريَات: ٢٠] .
فآيات الأرض أنواع كثيرة جدًا. منها: خلقها وحدوثها بعد عدمها، وشواهد الحدوث والافتقار إلى الصانع عليها لا تجحد؛ فإنها شواهد قائمة بها. ومنها: بروز هذا الجانب من الأرض فيها عن الماء مع كون مقتضى الطبيعة أن يكون مغمورًا به. ومنها: سعتها وكبر خلقها. ومنها: تسطيحها، كما قال تعالى ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغَاشِيَة: ٢٠] . ولا ينافي ذلك كونها كروية فهي كرة في الحقيقة لها سطح يستقر عليه الحيوان. ومنها أنه جعلها فراشًا لتكون مقرًا للحيوان ومساكنه.
[ ٦٢ ]
وجعلها مهادًا ذلولًا توطأ بالأقدام، وتضرب بالمعاول والفؤوس، وتحمل على ظهرها الأبنية الثقال فهي ذلول مسخرة لما يريد العبد منها. وجعلها بساطًا. وجعلها كفاتا للأحياء تضمهم على ظهرها، وللأموات تضمهم في بطنها. وطحاها فمدها وبسطها ووسعها. ودحاها فهيئها لما يراد منها بأن أخرج منها ماءها ومراعاها وشق فيها الأنهار وجعل فيها السبل والفجاج.
ونبه بجعلها مهادًا وفراشًا على حكمته في جعلها ساكنة واقفة، وذلك آية أخرى، إذ لا دعامة تحتها تمسكها، ولا علاقة فوقها، ولكنها لما كانت على وجه الماء كانت تكفأ كما تكفأ السفينة فاقتضت العناية الأزلية والحكمة الإلهية أن وضع عليها رواسي يثبتها بها لئلا تميد وليستقر عليها الأنام والحيوان والنبات والأمتعة، وتمكين الحيوان والناس من السعي عليها في مآربهم، والجلوس لراحاتهم والنوم لهدوئهم، والتمكن من أعمالهم (١) .
_________________
(١) قلت: وفرق بين القول «بكروية الأرض» وبين القول بدوران الأرض قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم﵀-: أما القول بكروية الأرض فهي كروية الشكل، ولا ينافي كونها «بساطا» و«سطحًا» وأشباه ذلك. و«دوران الأرض» قول باطل؛ فإنه لا يكاد يقوم عليه دليل يسلمه أحد، لكن أهل هذا الفن اتبعوا الفلاسفة في هذا، وهي أمور ظنية، حتى هم لا يجزمون. والقول بأن «الشمس واقفة» من أبطل الباطل، ومناف للآية الكريمة: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] . وغلط أيضًا من يقول المراد تجري حول نفسها (فتاويه ورسائله) انرظ ج ١٣/١٠٧- ١١٠. ولسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز كتاب «الأدلة النقلية والحسية: على جريان الشمس، وسكون الأرض، وإمكان الصعود إلى الكواكب» استقصى فيه الأدلة، ورد فيه على المعترض (من مطبوعات الجامعة الإسلامية ١٣٩٥هـ) . ونقل فيه عن الكاتب الشهير محمد فريد وجدي بعد ذكره اختلاف الفلكيين في كتابه «الإسلام في عصر العلم» ج (٢/١٤١) قوله: «ومن هنا ترى تأكيدهم أن الأرض تدور لا معنى له؛ لأنه لا يوجد ما يثبته بالتجربة» ونقل عنه أيضًا قوْله: «يرى من تضارب أفكار أكبر علماء الأرض- يعني الفلكيين والطبيعيين المتأخرين- إن دوران الأرض غير حاصل على ما يجعله من الأمور البديهية» إلى أن قال: «ولو كان المعلمون في أثناء تدريسهم للعلوم الطبيعية يسلكون مسلك العلماء في الإقرار بالجهل لأدوا إلى تلاميذهم أكبر خدمة»؛ لأنهم بهذا يعودونهم على الأدب النفسي فتنشأ نفوسهم معتادة على التواضع أمام فخامة الكون وجلالته والسجود أمام مبدعه ومصوره، ولكن أكثرهم يدرسون لهم العلوم المشكوك فيها والفروض الطبيعية الظنية بصفة حقائق ثابتة، فيتذرع بها أولئك التلاميذ الأغرار متى كبروا إلى «الإلحاد، ونفي الروح والخلود» ولا يدرون أنهم يتمسكون بالظنون، وأن الظن لا يغني من الحق شيئًا. اهـ. قال سماحة الشيخ عبد العزيز: «وما أحسن ما قاله هذا العلامة في شأن المدرسين، وأن الواجب عليهم أن يوضحوا لتلاميذهم حقائق الأمور على ما هي عليه، ومدى علمهم بها، وأن يسلكوا مسلك العلماء في الاعتراف بالجهل بكثير من الأمور حتى يعتاد الطالب التوقف عما لا يعلم، والتثبت في الأمور، والتمييز بين المعلومات القطعية والظنية» اهـ. أقول: وما ذكره محمد فريد وجدي من أن هذه النظريات المشكوك فيها عندهم سببت الإلحاد إلخ. هو كما قال؛ فقد فعلت في العقائد أكثر مما فعلته كتب المنطق والكلام. وكذلك قوله: «ولكن أكثر المعلمين يدرسون لهم هذه العلوم المشكوك فيها بصفة حقائق ثابتة» هو كما قال أيضًا، حتى ولا يذكرون ما جاء عن الله في القرآن من وصف السموات والأرض- ولو كقول آخر- فكأنه يراهم بهذه الطريقة مدلسين على التلاميذ.. فقد ذكر الله سبحانه خلقه للسموات والأرض والنجوم بل وآدم أبي البشر والملائكة والجن وصفاتها والمواد التي خلقها الله منها والمدة التي خلقها الله فيها؛ بل والعرش والكرسي والجنة والنار، وأن ذلك صادر عن علم وحكمة، وإرادة وقدرة؛ لا عن اتفاق وصدفة. وكذلك لا يذكرون في نظرياتهم رب العالمين وعظمته وصفاته التي وصف بها نفسه. وأنه هو «الأول» قبل كل شيء وأمره الذي افترضه على عباده، وأن ما سواه محدث كائن بعد أن لم يكن. فإهمالهم هذه الأشياء العظيمة وتركيزهم على تلك النظريات مما سبب الإلحاد الذي ذكره. والقول بدوران الأرض حلقة من سلسلة هذه النظريات. و«الحلقة الثاني» قولهم: «إن الكرة الأرضية تكونت نتيجة تساقط ذرات دقيقة من المواد الصلبة في تجمع غير منتظم بحيث أدى تجمع الكثير منها إلى تكوين أجزاء يابسة مرتفعة، بينما تعرضت الأجزاء التي قل فيها تساقط الكويكبات إلى تكوين أحواض المحيطات، ويرجع سبب تكوين الكويكبات إلى حدوث تمدد انبعاجي في سطح الشمس بسبب مرور نجم آخر أكبر بجوارها، ونتيجة انفجارات عديدة في سطح الشمس تولدت التفاعلات الذرية، وظل تأثير النجم الآخر حتى أثر في دوران الأجزاء المنفصلة حول نفسها وحول الشمس إلخ. انظر في «جغرافية القارات» ص (٦٩) ط (١٤١٧) نقلًا عن عبد العزيز طريح شرف في «الجغرافيا الطبيعية» ص (٦٨، ٦٩، ٥٣)» . «الحلق الثالثة» «نظرية الغاز الكوني الأول المتفق عليها عندهم» . قالوا: «اتفق العلماء على أصول هذه النظرية وهي تقول: نشأ العالم المادي من غاز كوني أول كان شديد التخلخل وساخنًا إلى حد مَّا وكان مالئًا للفضاء ومنتشرًا فيه بانتظام ومؤلفًا من دقائق تكونت منها أنواع المادة الثلاثة» ثم ذكر «نظرية السدم» أو المجرات. (انظر معجزة القرآن في وصف الكائنات ص٨٠) وذكر عنهم نظريات مشابهة. قال صاحب المنجد- وهو أعلم بلغة قومه- «سُدُمْ» الضباب، أو الرقيق منه، بقع في الكرة السماوية ضعيفة النور: منها ما هو تجمع غازات مضيئة، ومنها يضم العديد من الكواكب. اهـ. ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ١٥] . وذكر في معجزة القرآن قولهم: «فالأرض تلف حول نفسها في أربعة وعشرين ساعة بسرعة ألف ميل ونصف الميل في الساعة على طول محيطها، وتجري في فلكها حول الشمس بسرعة ثمانية عشر ميل ونصف ميل في الثانية» . أقول: الطائرات تطير في كل اتجاه على مدار الساعة، فأيها الموافق لدورة الأرض اليومية، وأيها المخالف لدورتها، وما نتيجة التخالف في السرعة بالأميلا إذا كانت. وإن قيل: الهواء تابع للأرض فإن كان بحيث يمسك من صعد إليه فلم يغادر أحد ولم يقدم أحد. وقولهم: إن الأرض تدور حول الشمس تسعمائة وأربعون مليون كيلو مترًا، بسرعة ٧٦/٢٩ كيلو متر في الثانية. أقول: ليتصور أحدهم أنه في سيارة مكشوفة أو على جناح إحدى الطائرات وهي تسير بسرعة تسعة وعشرين كيلو متر في الثانية، كيف يكون حاله وتماسكه؟! وماذا عليهم لو رسموا الأرض في الموضع الذي رسموا فيه الشمس «في أطلس العلوم الطبيعية» ص (١٢٠) ورسموا الشمس في المواضع التي رسموا فيها الأرض- إذا صحت هذه المسافات-. علمًا بأن الانتفاع بالشمس وتغير فصول السنة والأرض ساكنة هو، هو، وأن معرفة تنقل الشمس في بروجها الاثني عشر، القمر في منازله الثمانية والعشرين كافية، ولا فائدة تتوقف على القول بدوران الأرض.
[ ٦٣ ]
ولو كانت رجراجة متكفئة لم يستطعوا على ظهرها قرارًا ولا هدوءًا ولا ثبت لهم عليها بناء ولا أمكنهم عليها صناعة ولا تجارة ولا حراثة ولا مصلحة، وكيف كانوا يتهنون بالعيش والأرض ترتج من تحتهم، واعتبر ذلك بما يصيبهم من الزلازل على قلة مكثها كيف يضطرهم إلى ترك منازلهم والهرب عنها، وقد نبه الله تعالى على ذلك
[ ٦٥ ]
بقوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [غَافر: ٦٤] وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: ٥٣] وفي جامع الترمذي وغيره من حديث أنس بن مالك ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال عليها فاستقرت، فتعجبت الملائكة من شدة الجبال، فقالوا: يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم، الحديد، قالوا: يا رب هل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار. قالوا: يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال نعم: الريح. قالوا: يا رب فهل من خلقك أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم يتصدق صدقة بيمينه يخفيها عن
شماله» .
ومن آياتها أن جعلها مختلفة الأجناس والصفات والمنافع مع أنها قطع متجاورات متلاصقة: فهذه سهلة وهذه حزنة تجاورها وتلاصقها، وهذه طيبة تنبت وتلاصقها أرض لا تنبت، وهذه تربة وتلاصقها رمال، وهذه صلبة ويلاصقها أرض رخوة، وهذه سوداء ويليها أرض بيضاء، وهذه حصا كلها ويجاورها أرض لا يوجد فيها حجر، وهذه تصلح لنبات كذا وكذا وهذه لا تصلح له بل تصلح لغيره، وهذه سبخة مالحة وهذه بضدها، وهذه ليس فيها جبل ولا معلم وهذه مسجرة بالجبال، وهذه لا تصلح إلا على المطر وهذه لا ينفعها المطر بل لا تصلح إلا على سقي الأنهار فيمطر الله سبحانه
الماء على الأرض البعيدة ويسوق الماء إليها على وجه الأرض.
[ ٦٦ ]
وانظر قطعها المتجاورات، وكيف ينزل عليها ماء واحد فتنبت الأزواج المختلفة المتباينة في الشكل واللون والرائحة والطعم والمنفعة كما قال سبحانه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد: ٤] .
فكيف كانت هذه الأجنة المختلفة مودعة في بطن هذه الأم وكيف حملها من لقاح واحد صنع الله الذي اتقن كل شيء لا إله إلا هو، ولولا أن هذا من أعظم آياته لما نبه عليه عباده ودعاهم إلى التفكير فيه.
وقال سبحانه: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ ميتة: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾ فتحركت ﴿وَرَبَتْ﴾ ارتفعت واخضرت ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحَجّ: ٥] فأخرجت عجائب النبات في المنظر والمخبر «بهيج» للناظرين «كريم» للمتناولين فأخرجت الأقوات على اختلافها وتباين مقاديرها وأشكالها وألوانها ومنافعها، والفواكه والثمار وأنواع الأدوية، ومراعي الدواب والطير.
وجعلها ذلولًا على الحكمة في أن لم تكن في غاية الصلابة والشدة كالحديد والحجر فيمتنع حفرها وشقها وشق أنهارها والبناء فيها والغرس والزرع، وبعث النوم عليها والمشي فيها.
ونبه بكونها «قرارًا» على الحكمة في أنها لم تخلق في غاية اللين والرخاوة والدماثة والطين فلا تمسك بناء ولا يستقر عليها الحيوان ولا الأجسام الثقيلة، وكذلك لم يجعلها شفافة لا يستقر عليها النور ولا تقبل السخونة فتبقى في غاية البرد فلا يستقر عليها الحيوان ولا يتأتى فيه النبات، وكذلك لم يجعلها صقيلة براقة لئلا يحترق ما عليها
[ ٦٧ ]
بسبب انعكاس أشعة الشمس بل جعلها كثيفة غبراء فصلحت أن تكون مستقرًا للحيوان والأنام والنبات.
فلو سألتها: من نوعها هذا التنوع، ومن فوق أجزاءها هذا التفريق، ومن خصص كل قطعة منها بما خصها به، ومن ألقى عليها رواسيها وفتح فيها السبل وأخرج منها الماء والمرعى، ومن أمسكها عن الزوال، ومن بارك فيها وقدر فيها أقواتها، وأنشأ منها ماءها وحيوانها ونباتها، ومن وضع فيها معادنها وجواهرها ومنافعها، ومن هيأها مستقرًا للأنام، ومن يبدأ الخلق ثم يعيده إليها ثم يخرج منها، ومن جعلها ذلولًا غير مستعصية ولا ممتنعة، ومن وطأ مناكبها وذلل مسالكها ووسع مخارجها وشق أنهارها وأنبت أشجارها وأخرج ثمارها، ومن صدعها عن النبات وأودع فيها جميع الأقوات، ومن بسطها وفرشها ومهدها وذللها وطحاها ودحاها وجعل ما عليها زينة لها، ومن الذي يمسكها أن تتحرك فتتزلزل فيسقط ما عليها من بناء ومعلم أو يخسفها بمن عليها فإذا هي تمور.
ومن الذي أنشأ منها النوع الإنساني الذي هو أبدع المخلوقات وأحسن المصنوعات؛ بل أنشأ منها آدم ونوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا - ﷺ - وعليهم أجمعين، وأنشأ منها أولياءه وأحباءه وعباده الصالحين، ومن جعلها حافظة لما استودع فيها من المياه والأرزاق والمعادن والحيوان، ومن جعل بينها وبين الشمس والقمر هذا المقدار من المسافة؛ فلو زادت على ذلك لضعف تأثرها بحرارة الشمس ونور القمر فتعطلت المنفعة الواصلة إلى الحيوان والنبات بسبب ذلك، ولو زادت في القرب لاشتدت الحرارة والسخونة- كما
[ ٦٨ ]
نشاهده في الصيف- فاحترقت أبدان الحيوان والنبات.
وبالجملة فكانت تفوت هذه الحكمة التي بها انتظام العالم.
ومن الذي جعل فيها الجنات والحدائق والعيون، ومن الذي جعل باطنها بيوتًا للأموات وظاهرها بيوتًا للأحياء.
ومن الذي يحييها بعد موتها فينزل عليها الماء من السماء ثم يرسل عليها الريح ويطلع عليها الشمس فتأخذ في الحبل فإذا كان وقت الولادة مخضت للوضع واهتزت وأنبتت من كل زوج بهيج فسبحان من جعل الماء كالأب والأرض كالأم والقطر كالماء الذي ينعقد منه الولد فإذا حصل الحب في الأرض ووقع عليه الماء أثرت نداوة الطين فيه وأعانتها السخونة المختفية في باطن الأرض فوصلت النداوة والحرارة إلى باطن الحبة فاتسعت الحبة وربت وانتفخت وانفلقت عن ساقين ساق من فوقها وهي الشجرة وساق من تحتها وهو العرق، ثم عظم ذلك الولد حتى لم يبق لأبيه نسبة إليه، ثم وضع من الأولاد بعد أبيه آلافا مؤلفة، كل ذلك صنع الرب الحكيم في حبة واحدة لعلها تبلغ في الصغر إلى الغاية وذلك من البركة التي وضعها الله سبحانه في هذه الأم.
فيا لها من آية تكفي وحدها في الدلالة على وجود الخالق وصفات كماله وأفعاله وصدق رسله فيما أخبروا به بإخراج من في القبور، ليوم البعث والنشور.
فتأمل اجتماع هذه العناصر الأربعة وتجاورها وامتزاجها وحاجة بعضها إلى بعض وانفعال بعضها ببعض وتأثيره فيه وتأثره به بحيث لا يمكنه إلا الاتباع من التأثر والانفعال، ولا يستقل الآخر بالتأثير،
[ ٦٩ ]
ولا يستغني عن صاحبه وفي ذلك أظهر دلالة على أنها مخلوقة مصنوعة، مربوبة، مدبرة، حادثة بعد عدمها، فقير إلى موجد غني عنها مؤثر فيها غير متأثر، قديم غير محدث، تنقاد المخلوقات كلها لقدرته، وتجيب داعي مشيئته، وتلبي داعي وحدانيته وربوبيته، وتشهد بعلمه وحكمته، وتدعو عباده إلى ذكره وشكره وطاعته وعبوديته ومحبته، وتحذرهم من بأسه ونقمته، وتحثهم على المبادرة إلى رضوانه وجنته.
فإذا كان يوم الوقت المعلوم وقد ثقلها حملها وحان وقت الولادة ودنو المخاض أوحى إليها ربها وفاطرها أن تضع حملها وتخرج أثقالها، فتخرج الناس من بطنها إلى ظهرها، وتقول: يا رب: هذا ما استودعتني، وتخرج كنوزها بإذنه تعالى، ثم تحدث أخبارها وتشهد على بنيها بما عملوا على ظهرها من خير وشر. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ [الزّلزَلة: ١] إلى آخر السورة.
الخطبة الثانية
الحمد لله نحمده ونستيعنه ونستغفره ونتوب إليه
وبعد: فقد قال سبحانه: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النَّازعَات: ٣٢] وقال بعد ذكر الأمر بالنظر إلى الإبل والسماء ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغَاشِيَة: ١٩] .
ثم انظر كيف أحكم جوانب الأرض بالجبال الراسيات الشوامخ
[ ٧٠ ]
الصم الصلاب، وكيف نصبها فأحسن نصبها، وكيف رفعها وجعلها أصلب أجزاء الأرض لئلا تضمحل على تطاول السنين وترادف الأمطار والرياح.
هذه الجبال التي يحسبها الجاهل فضلة في الأرض لا حاجة إليها وفيها من المنافع ما لا يحصيه إلا خالقها وناصبها.
وفي حديث ضمام بن ثعلبة قوله للنبي - ﷺ -: «بالذي نصب الجبال وأودع فيها المنافع آلله أمرك بكذا وكذا؟ قال: اللَّهم نعم» .
فمن فمنافعها أن الثلج يسقط عليها فيبقى في قللها حاملًا لشراب الناس إلى حين نفاده (١) .
ومن منافعها ما يكون في حصونها وقللها من المغارات والكهوف والمعاقل التي بمنزلة الحصون والقلاع أكنان للناس والحيوان. ومن منافعها ما ينحت من أحجارها للأبنية على اختلاف أصنافعها والأرحية وغيرها.
ومنافعها ما يوجد فيها من المعادن على اختلاف أصنافعها من الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والزبرجد والزمرد وأضعاف ذلك من أنواع المعادن التي يعجز البشر عن معرفتها على التفصيل، ثم هدى تعالى الناس إلى استخراج تلك المعاد منها وألهمهم كيف يصنعون منها النقود والحلي والزينة واللباس والسلاح
_________________
(١) جعل فيها ليذوب أولًا فأولًا فتجيء منه السيول الغزيرة، وتسيل منه الأنهار والأودية، فينبت في المروج والوهاد والربا ضروب النبات والفواكه والأدوية التي لا يكون مثلها في السهل والرمل، فلولا الجبال لسقط الثلج على وجه الأرض فانحل جملة وساح دفعة فعدم وقت الحاجة إليه، وكانت في انحلاله جملةً السيول التي تهلك ما مرت عليه فيضر بالناس ضررًا لا يمكن تلافيه ولا دفعهم لأذيته.
[ ٧١ ]
وآلة المعاش على اختلافها، ولولا هدايته سبحانه لهم إلى ذلك لما كان لهم علم شيء منه.
ومن منافعها أيضًا أنها ترد الرياح العاصفة وتكسر حدتها فلا تدعها تصدم ما تحتها. ومن منافعها أيضًا أنها ترد عنهم السيول إذا كانت في مجاريها فتصرفها عنهم ذات اليمين وذات الشمال، ولولاها خربت السيول في مجاريها ما مرت به فتكون لهم بمنزلة السد. ومن منافعها أنها أعلام يستدل بها في الطرقات، ولهذا سماها الله أعلامًا، فقال: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الشّورى: ٣٢] فالجواري السفن، والأعلام الجبال. ومن منافعها ما ينبت فيها من العقاقير والأدوية التي لا تكون في السهول والرمال، كما أن ما ينبت في السهول والرمال لا ينبت مثله في الجبال.
وفيها من المنافع ما لا يعلمه إلا خالقها ومبدعها سبحانه.
وإذا تأملت خلقتها العجيبة البديعة وجدتها في غاية المطابقة للحكمة؛ فإنها لو طالت واستدقت كالحائط لتعذر الصعود عليها والانتفاع بها وسترت عن الناس الشمس والهواء فلم يتمكنوا من الانتفاع بها، ولو بسطت على وجه الأرض لضيقت عليهم المزارع والمساكن ولملئت السهل، ولو جعلت مستديرة شكل الكرة لم يتمكنوا من صعودها ولما حصل لهم بها الانتفاع التام.
فخلقها ومنافعها من أكبر الشواهد على قدرة بارئها وفاطرها وعلمه وحكمته ووحدانيته.
[ ٧٢ ]
هذا مع أنها تسبح بحمده، وتخشع له، وتتشقق وتهبط من خشيته، وهي التي خافت من ربها وفاطرها وخالقها على شدتها وعظم خلقها من الأمانة التي عرضها عليها وأشفقت من حملها.
هذا وإنها لتعلم أن لها موعدًا ويومًا تنسف فيه نسفًا وتصير كالعهن من هوله وعظمه، فهي مشفقة من هول ذلك الموعد منتظرة له، وكانت أم الدرداء ﵂ إذا سافرت فصعدت على جبل تقول لمن معها: أسمعت الجبال ما وعدها ربها؟ فيقال: ما أسمعها؟ فتقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ (١) [طه: ١٠٥- ١٠٧] .
فهذا حال الجبال وهي الحجارة الصلبة، وهذه رقتها وخشيتها وتدكدكها من جلال ربها وعظمته، وقد أخبر عنها فاطرها وبارئها أنه لو أنزل عليها كلامه لخشعت وتصدعت من خشية الله.
فيا عجبًا من مضغة لحم أقسى من هذه الجبال تسمع آيات الله تتلى عليها ويذكر الرب تعالى فلا تلين ولا تخشع ولا تنيب، فليس بمستنكر على الله - ﷿ - ولا يخالف حكمته أن يخلق لها نارًا تذيبها إذا لم تلن بكلامه وذكره وزواجره ومواعظه، فمن لم يلن الله في هذه الدار قلبه ولم ينب إليه ولم يذبه بحبه والبكاء من خشيته فليتمتع قليلًا فإن أمامه الملين الأعظم، وسيرد إلى عالم الغيب والشهادة فيرى ويعلم. إن أحسن.
_________________
(١) مفتاح دار السعادة ص (١٩٩، ٢١٧، ٢٢١، ٢٢٠، ٢١٩، ٢١٨) التبيان ص (١٨٣، ١٨٤، ١٦) فتاوى ج (١٨) ص (٢١٤، ٢١٥) ج (٥/٥٤٣، ٥٤٤، ٥٦٤) .
[ ٧٣ ]