ودلالتها على خالقها العظيم
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو العزيز الغفور. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أشهد بها مع الشاهدين، وأدخرها عند الله عدة ليوم الدين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى، الصادق الذي لا ينطق عن الهوى. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة دائمة بدوام السموات والأرضين.
أما بعد: فيا عباد الله: قد أثنى الله في كتابه على المتفكرين في خلق السموات والأرض فقال ﷾: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٠- ١٩٤] .
[ ٧٤ ]
وذم المعرضين عن ذلك فقال: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبيَاء: ٣٢] ذلك أن التفكر فيها يدل على عظمة خالقها وبانيها، ويدعو إلى تعظيم أمره وشرعه، ويثمر زيادة الإيمان في قلوب ذوي الألباب.
عباد الله لنتأمل ولنتفكر في صنعه في ملكوت «السموات» وعلوها، وسعتها، واستدارتها، وعظم خلقها، وحسن بنائها ولونها. وعجائب شمسها وقمرها وكواكبها، ومقاديرها وأشكالها، وتفاوت مشارقها ومغاربها، فهي أحكم خلقًا، وأتقن صنعًا، وأجمع للعجائب من بدن الإنسان، قال الله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧- ٢٩] والأرض والبحار والهواء وكل ما تحت السموات بالإضافة إلى السموات كقطرة في بحر، قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٦٤] فبدأ بذكر خلق السموات؛ ولهذا قل أن تجيء سورة في القرآن إلا وفيها ذكرها: إما إخبارًا عن عظمتها وسعتها، وإما إقسامًا بها، وإما دعاءً إلى النظر فيها، وإما إرشادًا للعباد أن يستدلوا بها على عظمة بانيها ورافعها، وإما استدلالًا منه سبحانه بخلقها على ما أخبر به من المعاد والقيامة، وإما استدلالًا منه بربوبيته لها على وحدانيته وأنه الله الذي لا إله إلا هو، وإما استدلالًا منه بحسنها
[ ٧٥ ]
واستوائها والتئام أجزائها وعدم الفطور والشقوق فيها على تمام حكمته وقدرته. وكذلك ما فيها من الشمس والقمر والكواكب والعجائب التي تتقاصر عقول البشر عن قليلها، ثم هي مع ذلك مقر ملائكته الرب، وحل دار جزائه؛ ومهبط ملائكته ووحيه، وإليها تصعد الأرواح وأعمالها وكلماتها الطيبة.
بدأ سبحانه خلقها من بخار الماء المتصاعد منه حين خلقت الأرض وهو الدخان، قال تعالى (١): ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فُصّلَت: ١١] . فتأمل خلق السماء وارجع البصر فيها كرة بعد كرة كيف تراها من أعظم الآيات في ارتفاعها وسعتها، وقرارها بحيث لا تصعد علوًا كالنار، ولا تهبط نازلة كالأجسام الثقيلة، ولا عمد تحتها تقلها أو علاقة ترفعها؛ بل هي ممسوكة بقدرة الله الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا.
ثم تأمل ما وضعت عليه من هذا اللون الذي هو أحسن
_________________
(١) قال سبحانه: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ٩، ١٠] ففصل هنا ما يختص بالأرض ما اختص بالسماء؛ فذكر أنه خلق الأرض أولًا لأنها كالأساس، والأصل أن يبدأ بالأساس ثم بعده بالسقف، خلق الأرض قبل خلق السماء بالنص، ودحوها بعد خلق السماء. فخلق الأرض وما فيها في أربعة أيام. وخلق السموات في يومين. ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والرمال والجماد والآكام على هذه الأرض ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فُصّلَت: ١٢] أي ورتب مقرًا في كل سماء ما تحتاج إليه من الملائكة وما فيها من الأشياء التي لا يعلمها إلا الله ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [فُصّلَت: ١٢] وهي الكواكب المنيرة المشرقة على أهل الأرض. اهـ ابن كثير.
[ ٧٦ ]
الألوان وأشدها موافقة للبصر وتقوية له (١) .
وهذه «الشمس» أكبر من الأرض بأكثر من مائة مرة إذا فكرت في طلوعها وغروبها لإقامة دولتي الليل والنهار، ولولا طلوعها لبطل أمر هذا العالم؛ فكم في طلوعها من الحكم والمصالح، وكيف كان حال الحيوان لو أمسكت عنهم وجعل الليل عليهم سرمدًا والدنيا مظلمة عليهم؛ فبأي نور كانوا يتصرفون ويتقلبون، وكيف كانت تنضج ثمارهم، وتكمل أقواتهم، وتعتدل صورهم وأبدانهم فالحِكَمُ في طلوعها أعظم من أن تخفى أو تحصى.
ولكن تأمل الحكمة في غروبها فلولا غروبها لم يكن
للحيوان هدوء ولا قرا مع شدة حاجتهم إلى الهدوء لراحة أبدانهم وإجمام حواسهم. وأيضًا لو دامت على الأرض لاشتد حموها بدوام طلوعها عليها فأحرق كل ما عليها من حيوان ونبات، فاقتضت حكمة الخلاق العليم والعزيز الحكيم أن جعلها تطلع عليهم في
وقت وتغيب في وقت بمنزلة سراج يرفع لأهل الدار مليًا ليقضوا مآربهم ثم يغيب عنهم مثل ذلك ليقروا ويهدءوا وصار ضياء النهار وحرارته وظلام الليل وبرده على تضادهما وما فيهما متظاهرين
_________________
(١) حتى أن من أصابه شيء أضر ببصره يؤمر بإدمان النظر إلى الخضرة، وما قرب منها إلى السواد. قلت: فالسموات التي وصفها الله سبحانه في القرآن بأنه بناها وأنها سقف محفوظ إلى آخر ما ذكر عنها في القرآن والسنة هي التي نراها بأعيننا خضراء؛ ليست هي النجوم والمجرات إلخ. ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] فهي مبنية، والنجوم زينة لها- العطف يقتضي المغايرة- ولو كانت هي هذه النجوم لكانت كلها فروج.
[ ٧٧ ]
متعاونين على ما فيه صلاح العالم وقوامه ومنافع أهله (١) .
ثم اقتضت حكمته سبحانه أن جعل للشمس ارتفاعًا وانخفاضًا لإقامة الفصول الأربعة من السنة- ففي زمن «الشتاء» تغور الحرارة في الأجواف وبطون الأرض والجبال والشجر والنبات فيتولد فيها مواد الثمار وغيرها، وتبرد الظواهر، ويغلظ الهواء بسبب البرد فينشأ منه السحاب وينعقد فيحدث المطر والثلج والبَرَد الذي به حياة الأرض ونماء أبدان الحيوان والنبات. فإذا جاء «الربيع» تحركت الطبائع وظهرت المواد الكامنة في الشتاء، فخرج النبات، وأخذت الأرض زخرفها وازينت وأنبتت من كل زوج بهيج، وتحرك الحيوان للتناسل، فإذا جاء «الصيف» سخن الهواء فنضجت الثمار ويبست الحبوب فصلحت للحفظ والخزن، وتحللت فضلات الأبدان. فإذا جاء «الخريف» انكسر ذلك السموم والحر وصفا الهواء واعتدل، وأخذت الأرض والشجر في الراحة والجموم والاستعداد للحمل والنبات مرة ثانية. ولو كان الزمان كلُّه فصلًا واحدًا لفاتت مصالح الفصول الباقية فيه.
وجعل سبحانه «الخريف» برزخًا بين سموم الصيف وبرد الشتاء؛ لئلا ينتقل الحيوان وهلة واحدة من الحر الشديد إلى البرد الشديد فيجد إذاه ويعظم ضره. وكذلك «الربيع» برزخ بين الشتاء والصيف ينتقل فيه الحيوان من برد هذا إلى حر هذا بتدريج وترتيب، حكمة بالغة، وآية قاهرة، فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين.
_________________
(١) وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى ونبه عباده عليه بقول: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ [القَصَص: ٧١] الآيات.
[ ٧٨ ]
وجعل سبحانه طلوع الشمس دولًا بين أهل الأرض لينال نفعها وتأثيرها البقاع فلا يبقى موضع من المواضع التي يمكن أن تطلع عليها إلا أخذ بقسطه منها.
واقتضى هذا التدبير المحكم أن وقع مقدار الليل والنهار على أربعة وعشرين ساعة، ويأخذ كل منهما من صاحبه، ومنتهى كل منهما إذا امتد خمسة عشر ساعة، فلو زاد مقدار النهار على ذلك إلى خمسين ساعة مثلًا أو أكثر اختل نظام العالم وفسد أكثر الحيوان والنبات، ولو نقص مقداره عن ذلك لاختل النظام أيضًا وتعطلت المصالح، ولو استويا لما اختلفت فصول السنة التي باختلافها مصالح العباد والحيوان فكان في هذا التقدير والتدبير المحكم من الآيات والمصالح والمنافع ما شهد بأن ذلك تقدير العزيز العليم، كما قال تعالى: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٧، ٣٨] .
وانظر إلى «القمر» وعجائب آياته كيف يبديه الله كالخيط الدقيق، ثم يتزايد نوره ويتكامل شيئًا فشيئًا كل ليلة حتى ينتهي إلى إبداره وكماله وتمامه، ثم يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حالته الأولى؛ ليظهر من ذلك مواقيت العباد في معاشهم وعبادتهم ومناسكهم، مع ما في ذلك من الحكم والآيات والعبر التي لا يحصيها إلا الله. وأما تأثير نور القمر في ترطيب أبدان الحيوان والنبات وتصليبها ليقابل ما في ضوء الشمس من التسخين والتحليل، وتأثيره في المياه وجزر البحر ومده وبحرانات الأمراض وتنقلها من حال إلى حال، وغير ذلك من المنافع فأمر ظاهر.
[ ٧٩ ]
ولما كان الحيوان قد يحتاج في الليل إلى حركة ومسير وعمل لا يتهيأ له بالنهار لضيق النهار أو لشدة الحر أو لخوفه بالنهار كحال كثير من الحيوان- جعل سبحانه من أضواء الكواكب وضوء القمر ما يتأتى معه أعمال كثيرة كالسفر والحرث وغير ذلك.
فسل ﴿الْجَرِيَاتِ يُسْرًا﴾ من الكواكب والشمس والقمر من الذي خلقها وأحسن خلقها، ورفع مكانها، وزين بها قبة العالم، وفاوت بين أشكالها ومقاديرها وألوانها وحركاتها وأماكنها من السماء (١) تدلك على وجود الخالق، وصفات كماله، وربوبيته، وحكمته، ووحدانيته: أعظم دلالة، وكلما دل على صفات جلاله ونعوت كماله دل على صدق رسله. فكما جعل الله النجوم هداية في طريق البر والبحر فهي هداية في طرق العلم بالخالق سبحانه وقدرته وعلمه وحكمته والمبدأ والمعاد والنبوة (٢) .
_________________
(١) فمنها الكبير، ومنها الصغي، والمتوسط، والأبيض، والأحمر، والزجاجي اللون، والدري اللون، والمتوسط في قبة الفلك، والمتطرف في جوانبها، وبين ذلك. ومنها ما يقطع الفلك في شهر، ومنها ما يقطعه في عام، ومنها ما يقطعه في ثلاثين عامًا، ومنها ما يقطعه في أضعاف ذلك. ومنها ما لا يزال ظاهرًا أبدًا، ومنها أبدي الخفاء، ومنها ما له حالتان حالة ظهور واختفاء، ومنها ما له حركتان حركة عرضية من المشرق إلى المغرب وحركة ذاتية من المغرب إلى المشرق، فحالما يأخذ كوكب في الغروب فإذا كوكب آخر في مقابلته، وكوكب آخر قد طلع وهو آخذ في الارتفاع، وكوكب آخر في الربع الشرقي، وكوكب آخر في وسط السماء، وكوكب آخر قد مال عن الوسط وآخر قد دنا من الغروب وكأنه رقيبه ينتظر بطلوعه غيبته.
(٢) فأذا تأمل البصير القمر -مثلًا- وافتقاره إلى محل يقوم به، وسيره دائمًا لا يفتر، مسير، مسخر، مدبر، وهبوطه تارة، وارتفاعه تارة، وأفوله تارة، وظهوره تارة، وذاهب نوره شيئًا فشيئًا، ثم عوده إليه كذلك، وسلب ضوئه جملة واحدة حتى يعود قطعة مظلمة بالكسوف- علم قطعًا أنه خلق مربوب- مسخر تحت أمر خالق قاهر مسخر له كما يشاء، وعلم أن الرب سبحانه لم يخلق هذا باطلًا، وأن هذه الحركة فيه لا بد أن تنتهي على ضده، وأن هذا السلطان لا بد أن ينتهي إلى العزل، وسيجمع بينهما جامع المتفرقات بعد أن لم يكونا مجتمعين؛ ويذهب بهما حيث شاء، ويري المشركين من عبدتهما حال آلهتهم التي عبدوها من دونه، كما يري عباد الكواكب انتثارها، وعباد السماء انفاطارها، وعباد الشمس تكويرها، وعباد الأصنام إهانتها وإلقاءها في النار أحقر شيء وأذله وأصغره، كما أرى عباد العجل في الدنيا حاله ومبارد عباده تسحقه وتمحقه، والريح تمزقه وتذروه وتنسقه في اليم، وكما أرى عباد الأصنام في الدنيا صورها مكسرة مخردلة ملقاة بالأمكنة القذرة، ومعاول الموحدين قد هشمت فيها تلك الوجوه، وكسرت تلك الرءوس، وقطعت تلك الأيدي والأرجل التي كانت لا يوصل إليها بغير التقبيل والاستلام. وهذه سنة الله التي لا تتبدل وعادته التي لا تتحول أنه يرى عابده حال معبوده في الدنيا والآخرة، ويريه تبريه منه ومعاداته أحوج ما يكون إليه. ولو شاء تعالى لأبقى القمر على حالة واحدة لا يتغير، وجعل التغيير في الشمس، ولو شاء لغيرهما جميعًا، ولو شاء لأبقاهما على حالة واحدة، ولكن يري عباده آياته في أنواع تصاريفها ليدلهم على أنه الذي لا إله إلا هو الملك الحق المبين والفعال لما يريد. قلت: ومما قرأت في كتب ابن تيمية﵀- وأظنه نقض تأسيس الجهمية قوله: ثلاثة أشياء لا نظير لها في المخلوقات: الروح، والشمس، والقمر. يعني فيعتبر بها، ولله المثل الأعلى.
[ ٨٠ ]
فاتقوا الله عباد الله وتفكروا في خلق السموات والأرض يصل بكم إلى ما أوصل أولي الألباب؛ فقالوا: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عِمرَان: ١٩١] .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] بارك الله لي ولكم
[ ٨١ ]
الخطبة الثانية
الحمد لله نحمده ونستعينه
أما بعد: فقد قال الله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعرَاف: ١٨٥] .
عباد الله: النظر في السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم وأمثالها نوعان: نظر إليها بالبصر الظاهر- فيرى مثلًا زرقة السماء ونجومها وعلوها وسعتها- وهذا نظر يشارك الإنسان فيه غيره من الحيوانات، وليس هو المقصود بالأمر. الثاني: أن يتجاوز هذا إلى النظر بالبصيرة الباطنة فتفتح له أبواب السماء فيجول في أقطارها وملكوتها وبين ملائكتها، ثم يفتح له باب بعد باب حتى ينتهي به سير القلب إلى عرش الرحمن فينظر سعته وعظمته وجلاله ومجده ورفعته، ويرى السموات السبع والأرضين السبع بالنسبة إليه كحلقة ملقاة بأرض فلاة (١) ويرى الملائكة حافين من حوله لهم زجل بالتسبيح والتحميد والتقديس والتكبير، والأمر ينزل من فوقه بتدبر الممالك والجنود التي لا يعلمها إلا ربها ومليكها ينزل الأمر بإحياء قوم وإماتة آخرين، وإعزاز قوم وإذلال آخرين، وإسعاد قوم وشقاوة آخرين، وإنشاء مُلك
_________________
(١) وهذه المخلوقات بعضها فوق بعض، وليس بعضها محتاجًا لبعض في حمله له. وعلو الأرض وجهها من كل جانب، وأسفلها ما تحت وجهها، والماء يحيط بأكثرها، والهواء يحيط بالماء، والسماء فوق الأرض محيطة بها من كل جانب، والثانية كذلك، وكذا الباقي، والكرسي بين يدي العرش، والسموات السبع والأرضون السبع في الكرسي كحلقة ملقاة في أرض فلاة، والكرسي في العرش كتلك الحلقة في الفلاة، يعني بالنسبة إليه في العظم، وكذلك السموات والأرض بالنسبة إلى الكرسي. وتحت العرش بحر، والعرش فوق جميع المخلوقات مثل القبة، وهو أوسعها وأجمعها لصفات الحسن وبهاء المنظر وعلو القدر والرتبة والذات، ولا يقدر قدر عظمته إلا الله. ومجده مستفاد من مجد خالقه ومبدعه، وهو سقف جنة عدن التي هي أعلا الجنة، وله قوائم، والله فوق العرش.
[ ٨٢ ]
وسلب مُلك، وتحويل نعمة من محل إلى محل. وقضاء الحاجات على اختلافها وتباينها وكثرتها: من جبر كسير، وإغناء فقير، وشفاء مريض، وتفريج كرب، ومغفرة ذنب، وكشف ضر، ونصر مظلوم، وهداية حيران، وتعليم جاهل، ورد آبق، وأمان خائف، وغجارة مستجير، ومددٍ لضعيف، وإغاثة لملهوف، وإعانة لعاجز، وانتقام من ظالم، وكف لعدوان- فهي مراسيم دائرة بين العدل والفضل، والحكمة والرحمة، تنفذ في أقطار العوالم، لا يشغله سمع شيء منها عن سمع غيره، ولا تغلطه كثرة المسائل والحوائج على اختلافها وتباينها واتحاد وقتها، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، ولا تنقص ذرة من خزائنه، لا إله إلا هو العزيز الحكيم فحينئذ يقوم القلب بين يدي الرحمن مطرقًا لهيبته خاشعًا لعظمته، عان لعزته، فيسجد بين يدي الحق المبين سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم القيامة.
فهذا سفر القلب وهو في وطنه وداره ومحل ملكه، وهذا من أعظم آيات الله وعجائب صنعه، فيا له من سفر ما أبركه وأروحه، وأعظم ثمرته وأربحه، وأجل منفعته وأحسن عاقبته، سفر هو حياة الأرواح، ومفتاح السعادة، وغنيمة العقول والألباب؛ لا كالسفر الذي هو قطعة من العذاب ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١) [يُونس: ١٠١] . وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] عباد الله إن أحسن الحديث كتاب الله
_________________
(١) مفتاح دار السعادة ص (١٩٧، ١٩٨، ٢٠٧، ١٥٦، ١٢٥، ١٢٦)، التبيان ص (١٦٥، ١٠٥، ١٧٥، ١٧٦، ٦١)، بدائع الفوائد ج (١/١١٦، ١١٥)، الصواعق المرسلة ص (١٥٦٧)، مجموع الفتاوى ج (٦/٥٩٦، ٥٩٩) ج (٥/٦٤، ١٥١، ١٥٠) ج (١٧/٢٢٣) .
[ ٨٣ ]