الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين.
أما بعد: «فإن أحسن ما أنفقت فيه الأنفاس هو التفكر في آيات الله وعجائب صنعه، والانتقال منها إلى تعلق القلب والهمة به دون شيء من مخلوقاته» .
«وآيات الرَّب هي دلائله وبراهينه التي بها يعرفه العباد، ويَعرفون أسماءه، وصفاته، وأفعاله، وتوحيده، وأمره، ونهيه» .
هاتان العبارتان مما جادت به قريحة الإمام العلامة محمد بن أبي بكر -ابن قيم الجوزية﵀ (ت ٧٥١هـ) وسال به قلمه الذي طال النفع به الخلق الكثير.
وقال في الثناء على كتابه «مفتاح دار السعادة»: إن شئت اقتبست منه معرفة الصانع بطرق واضحات جليات تلج القلوب بغير استئذان، ومعرفة حكمته في خلقه وأمره. وإن شئت اقتبست منه معرفة قدر الشريعة وشدة الحاجة إليها؛ ومعرفة جلالتها وحكمتها، وإن شئت
[ ٧ ]
اقتبست منه معرفة النبوة وشدة الحاجة إليها؛ بل وضرورة الوجود إليها، وأنه يستحيل من أحكم الحاكمين أن يخلي العالم منها. وإن شئت اقتبست منه ما فطر الله عليه العقول من تحسين الحسن وتقبيح القبح، وأن ذلك عقلي وفطري اهـ.
ومن هنا انطلقت؛ فاقتبست من هذا الكتاب ومن غيره من مؤلفاته ما يتعلق بمعرفة الله ﷾ بطرقه ودلائله، ومعرفة حكمته في خلقه وأمره، ومعرفة قدر الشريعة من حيث العموم وفي مسائل معينة ذكرتها، ومعرفة معجزات النبوة، ومسائل تتعلق بأعمال القلوب، ومبدأ الإنسان وميزانه ومصيره، إلى غير ذلك مما ستراه مفصلًا بصور خطب. وفيها عدد قليل ليس من كتبه.
وبما أن هذه الخطب السبع والثلاثين (٣٧) ليست من إنشائي، وإنما اخترتها، وجمعتها، ورتبتها، واختصرت بعض العبارات، وربطت بينها، وعلقت عليها ببعض العبارات التي رأيت الحاجة داعية إليها من كلام ابن القيم وغيره، وبعضها من عندي، وعزوت كلاَّ إلى صاحبه، وذكرت مراجع كل خطبة بعد نهايتها فقد سميتها (موضوعات صالحة للخطب والوعظ) ليستعمل منها الخطيب والواعظ ما يريدانه.
وكان من همي قديمًا التطلع إلى ما يتعلق بإثبات وجود الله ﷻ وتوحيد ربوبيته والرد على الملحدين، فقد قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب -﵀-: «فأما توحيد الربوبية فهو الأصل، ولا يغلط في الإلهية إلا من لم يعطه حقه» . وقد يسر الله في هذه كثيرًا مما أردت.
وقال النبي - ﷺ -: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض:
[ ٨ ]
الله، الله» (١)، وقال: «ولا تقوم الساعة حتى تعبد فئام من أمتي الأوثان» وقال أيضًا: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎» (٢) .
وقد كان ما أخبر به النبي - ﷺ - من عبادة الأوثان في فئام من الأمة، وجَدُّوا في تعظيم القبور وإحياء آثار أصحابها للتبرك بها.
ومن ناحية أخرى وجود الزهد في العبادات في فئام أخرى من الأمة هجروا ما جاء به الرسول - ﷺ - كُلِّيًا واتخذوه وراءهم ظهْريًا أو تخيروا فيما أنزل الله فعملوا ببعض وتركوا بعضًا.
فأولئك في طرف. وهؤلاء في طرف.
والإسلام وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين.
ولا تزال طائفة من أمة محمد - ﷺ - على الحق منصورة. فنسأل الله أن يجعلنا منهم، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب.
ومن مبادئ العزوف عن ذكر اسم الله تعالى ما اعتاده بعض الناس في تبادل التحيات بينهم، كقوله: صباح النور. صباح الفل. مساء الخير. مساء النور. لا يقول: صبحكم الله بالخير. مساكم الله بالخير. وبدلًا من أن يقول: في أمان الله. في حفظ الله. يقول: مع السلامة. فهذا يشبه «عِمْ صَبَاحًا» .
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ج (٣/١٠٧) .
(٢) رواه البرقاني في صحيحه.
[ ٩ ]
وكان شيخنا﵀- إذا لاقاه أحد في الطريق فقال: صبحك الله بالخير. رد عليه: «عليكم السلام» ليعلمه السنة. فكيف لو سمع: صباح الفل. صباح الياسمين.
اللهم اجعلنا ممن يقدرك حق قدرك، وأعنا على امتثال أمرك، واجعل أعمالنا خالصة لوجهك، وسببًا للنجاة من الجحيم والفوز بدار النعيم، فإنك رحيم كريم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين.
محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم
٦/١٤١٩هـ
[ ١٠ ]