وفضله، وما في إيجاده وذريته من الحكم
الحمد لله الذي افتتح خلق هذا العالم بالقلم ليكتب المقادير قبل كونها ثم خلق الأرض والسموات، مهد الدار قبل الساكن وجعل آدم آخر المخلوقات، وأظهر فضله وشرفه بأنه خلقه بيديه، وعلمه أسماء كل شيء، وأباحه جنته يسكن منها حيث شاء، ويأكل منها ما شاء، وأسجد له الملائكة المقربة لديه. وأظهر ما في قلب عدوه من الكبر والحسد والشر الكامن لديه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق خلقه أصنافًا وأطوارًا، وسبق في حُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ تفضيل آدم وبنيه على كثير ممن خلق تفضيلا. وجعل عبوديتهم أكمل من عبودية غيرهم يخشون ربهم بالغيب، ويأتون بالطاعات طوعًا واختيارًا، لا كرهًا واضطرارا.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كُتُبَ نبيًا وآدم بين الروح والجسد، ونهى عن الحرص والحسد. اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وجميع أصحابه وكل من اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
[ ١٠٢ ]
أما بعد: فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٣٠] .
عباد الله ذكر الله جل وعلا بداية خلق «الإنسان الأول» آدم أبي البشر - ﵇ -، ومادته التي خلق منها، وفضائله، وسكناه الجنة، وما جرى عليه وعلى عدوه من شؤم المعصية ومخالفة الأمر ذكر الله حالهما ومآلهما؛ ليكون عظة وعبرة لأولادهما.
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البَقَرَة: ٣٠] يخبر عن امتنانه على بني آدم بتنويهه بذكرهم في الملأ الأعلى قبل إيجادهم ﴿خَلِيفَةً﴾ قومًا يخلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل (١) .
ولما اعترضت الملائكة على خلق هذا الخليفة و﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البَقَرَة: ٣٠] . أجابهم سبحانه بأن في خلقه من الحكم والمصالح ما لا تعلمه الملائكة والخالق سبحانه يعلمه.
وأظهر سبحانه من علمه وحكمته الذي خفي على الملائكة من أمر هذه الخليفة ما لم يكونوا يعلمونه بأن جعل من نسله من أوليائه وأحبابه ورسله وأنبيائه من يتقربون إليه بأنواع القرب، ويبذلون أنفسهم في محبته ومرضاته يسبحون بحمده آناء الليل وأطراف
النهار، ويذكرونه قائمين وقاعدين وعلى جنوبهم، ويعبدونه
_________________
(١) لا أنهم خلفاء الله في الأرض، فإن الخليفة لا يصير خليفة إلا مع مغيب المستخلف أو موته والله منزه عن الموت والنوم والغيبة وهو الذي يخلف العبد.
[ ١٠٣ ]
ويشكرونه في السراء والضراء، والشدة والرخاء، والعافية والبلاء، ويعبدونه مع معارضة الشهوة وغلبة الهوى، ومعادات بني جنسهم وغيرهم، فلا يصدهم عن عبادته وشكره وذكره والتقرب إليه صاد فإن كانت عبادتكم لي بلا معارض ولا ممانع فعبادة هؤلاء لي مع هذه المعارضات والموانع والشواغل.
وأظهر لهم سبحانه من علمه ما لم يكونوا يعلمون من شرف آدم وفضله؛ فإن الملائكة لما رأته مصورًا فزعت منه، وقالت: ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقًا أكرم عليه منا. فلما خلق آدم وأمرهم بالسجود له ظهر بذلك فضله وشرفه عليهم. وذكر عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إن الله لما أخذ في خلق آدم - ﵇ - قالت الملائكة: ما الله خالق خلقًا أكرم عليه منا. فابتلوا بخلق آدم، وكل خلق مبتلى، كما ابتليت السموات والأرض بالطاعة، قال الله: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فُصّلَت: ١١] .
ثم أظهر سبحانه فضل آدم على الملائكة بالعلم الذي خص به دونهم ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البَقَرَة: ٣١] وكان ذلك بعد سجودهم له علمه الأِشياء كلها: ذواتها وصفاتها وأفعالها إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها (١) ثم ﴿عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ [البَقَرَة: ٣١] عرض الخلق على الملائكة ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أني لم أخلق خلقًا إلا كنتم أعلم منه وأكرم.
_________________
(١) ولولا ذلك لما فرق بين الغذاء والدواء، ولا بين السموم القاتلة والشفاء، ولا اهتدى بالنجوم في البر والبحر؛ وكان هو المدبر لأولاده مدة حياته، ثم قام بالأمر بعده ولده إلخ.
[ ١٠٤ ]
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البَقَرَة: ٣١- ٣٣] عرفوا أن الله فضل عليهم آدم بالعلم.
فلما وقع في الذنب ظنت الملائكة إن ذلك الفضل قد نسخ ولم تطلع على عبودية التوبة الكامنة، فلما تاب إلى ربه وأتى بتلك العبودية علمت الملائكة أن لله في خلقه سرًا لا يعلمه سواه.
وأظهر لهم سبحانه من علمه ما خفي عليهم من شأن من كانوا يعظمونه ويجلُّونه ما لم يكونوا يعلمون؛ فإن الرب تعالى لما أمر الملائكة بالسجود ظهر ما في قلوبهم من الطاعة والمحبة والخشية والانقياد فبادروا إلى الامتثال، وظهر ما في قلب عدوه من الكبر والغش والحسد فأبى واستكبر وكان من الكافرين، و﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعرَاف: ١٢] فاللعين لقصور نظره وضعف بصيرته رأى صورة الطين ترابًا ممزوجًا بماء فاحتقره، ولم يعلم أن الطين مركب من الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي، والتراب الذي هو خزانة المنافع والنعم، ثم لم يتجاوز نظره محل المادة إلى كمال الصورة الإنسانية التامة المحاسن خَلْقًا وخُلُقًا، ثم لم يدر اللعين أن المادة التي خلق منها هو فيها الإحراق والعلو والفساد ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحِجر: ٢٧] (١) .
عباد الله! ولما سبق في حكم الله وحكمته بأن يجعل في
_________________
(١) إبليس عارض النص بالقياس وقدمه عليه، وتأول لنفسه أن هذا القياس العقلي مقدم على الأمر بالسجود. فإنه قال: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعرَاف: ١٢] وأن الفاضل لا يخضع للمفضول؛ فكانت النتيجة امتناعه عن السجود. وانظر الوجوه التي فيها الرد عليه في قوله: أنا خير منه في (الصواعق ص١٠٠٢) .
[ ١٠٥ ]
الأرض خليفة لم يكن بد من إخراج آدم من الجنة فكان من أسباب إخراجه النهي عن تلك الشجرة، وتخليته بينه وبين عدوه حتى وسوس إليه بالأكل، وتخليته بينه وبين نفسه حتى وقع في المعصية، قال الله تعالى:
﴿وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٩- ٢٣] (١) .
ومن الحكمة في إخراجه من الجنة إظهارُ كمال أسماء الله الحسنى وإن كان لم يزل كاملًا فمن كماله ظهور آثار كماله في خلقه وأمره.
فإنه الملك الحق المبين، والملك هو الذي يأمر وينهي ويكرم
_________________
(١) لما قاسمه عدو الله أنه ناصح، وأخرج الكلام على أنواع متعددة من التأكيد ١- القسم.٢- الإتيان بالجملة الإسمية. ٣- تصديرها بأداة التأكيد. ٤- الإتيان بلام التأكيد في الخبر. ٥- الإتيان به اسم فاعل، لا فعلا دالًا على الحدث. ٦- تقديم المعمول على العامل ولم يكن آدم يظن أن أحدًا يقسم بالله كاذبًا يمين غموس يتجرأ فيها على الله هذه الجرأة، فغره عدو الله بهذا التأكيد والمبالغة فظن آدم صدقه، وأنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة، ورأى أن الأكل وإن كان فيه مفسدة فمصلحة الخلود أرجح، ولعله يأتي له استدراك مفسدة النهي أثناء ذلك. إما باعتذار، وإما بتوبة، أو بغير ذلك (الصواعق ٣٧١) .
[ ١٠٦ ]
ويهين، ويثيب ويعاقب، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرَّحمن: ٢٩] .
فأنزل الأبوين والذرية إلى دار تجري عليهم هذه الأحكام. أنزلوا إلى دار يكون إيمانهم فيها تامًا، فإن الإيمان قول وعمل وجهاد وصبر واحتمال، فكان إخراجهم من الجنة تكميلًا لهم وإتمامًا لنعمته عليهم ليزدادوا من الدار التي خلقوا منها وفيها إلى الدار التي خلقوا لها، وليعرفوا قدر تلك الدار التي أخرجوا منها.
فآدم أخرج من جنة الخلد التي في السماء ليعود إليها على أحسن أحواله. فما قدر أحكم الحاكمين ذلك باطلًا، ولا دبره عبثًا، ولا أخلاه من حكمته البالغة، وحمده التام. وخلق بنيه من تمام الحكمة والرحمة والمصلحة، وإن كان وجودهم مستلزمًا لشر فهو شر مغمور فيما في إيجادهم من الخير (١) .
فاشكروه عباد الله على أن كرَّمَ أباكم، وفضلكم على كثير ممن خلق تفضيلا، واعتبروا بما قصه الله عن ابتلاء أبوي الجن والإنس بالذنب، وجعل هذا الأب عبرة لمن أصر وأقام على ذنبه، وهذا الأبَ عبرة لمن تاب ورجع إلى ربه. فأشبهوا أباكُم، وأطيعوا
مولاكم، واحذروا عدو أبيكم، فهو وذريته أعداكم. واحذروا الذنوب كلها فقد هبط آدم بلقمة تناولها، وطرد إبليس ولعن من أجل سجدة لأبيكم استكبر عنها. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
_________________
(١) كإنزال المطر والثلج وهبوب الرياح وطلوع الشمس. فكم في طلوع الشمس من ألم لمسافر وحاضر، وكم في نزول الغيث والثلوج من أذى، وكم في هذا الحر والبرد والرياح من أذى موجب لأنواع من الآلام، وما فيها من المنافع أضعاف أضعاف ذلك.
[ ١٠٧ ]
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٧١- ٨٥] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ضد ولا معين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله سيد البشر أجمعين. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فيا عباد الله! إن الله سبحانه لما أراد خلق آدم - ﵇ - أخذ من جميع الأرض قبضة من التراب، ثم ألقى عليها الماء فصارت طينًا أملس، ثم أرسل عليها الريح فجففها حتى صارت ترابًا
يابسًا، ثم قدر لها الأعضاء، والمنافذ، والأوصال، والرطوبات، وصورها فأبدع في تصويرها، وأظهرها في أحسن الأشكال، وهيأ
[ ١٠٨ ]
كل جزء منها لما يراد له، وقدره لما خلق له على أبلغ الوجوه، وألقاها على باب الجنة أربعين سنة (١) والملائكة تراها ولا تعرف ما يراد منها، وإبليس يمر على جسده فيعجب منه ويقول: خلقتَ لأمر عظيم؛ ولئن سلطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطت علي لأعصينك. ولم يعلم أن هلاكه على يده.
فلما تكامل تصويرها وصارت جسدًا مصورًا مشكلًا كأنه ينطق إلا أنه لا روح فيه ولا حياة أرسل الله إليه روحه (جبريل) فنفخ فيه نفخة، وانقلب ذلك الطين لحمًا ودمًا وعظامًا وعروقًا وسمعًا وبصرًا وشمًَّا ولُمْسًا وحركة وكلامًا، فأول شيء بدأ به أن قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فقال له خالقه وباريه ومصوره: يرحمك الله يا آدم. فاستوى جالسًا أجمل شيء وأحسنه منظرًا، وأتمه خلقًا، وأبدعه صورة. فقال الرب تعالى لجميع ملائكته: ﴿اسْجُدُوا لِآَدَمَ﴾ [البَقَرَة: ٣٤] فبادروا بالسجود، تعظيمًا وطاعة لأمر الواحد المعبود (٢) . ثم قال لهم: لنا في هذه القبضة من التراب شرع أبدع مما ترون، وجمال باطنٍ أحسنُ مما تبصرون، فلنزين باطنه أحسن من زينة ظاهره، ولنجعلنه من أعظم آياتنا، نعلمه أسماء كل شيء مما لا تحسنه الملائكة. ثم اشتق منه صورة هي مثله في الحسن والجمال (حواء) ليسكن إليها وتقر نفسه، وليخرج من بينهما من لا يحصي عدده سواه من الرجال والنساء.
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، عن
_________________
(١) لأن دأب المحب الوقوف على باب الحبيب (الفوائد ص٦٤) .
(٢) فالسجدة لآدم إكرامًا وإعظامًا واحترامًا وسلامًا، وهي طاعة لله، لأنها امتثال لأمره تعالى.
[ ١٠٩ ]
رسول الله - ﷺ - قال: «خلق الله آدم - ﵇ - وطوله ستون ذراعًا، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم. قال: فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن» وروى الترمذي وأبو داود عن أبي موسى الأِشعري ﵁، قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله ﵎ خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض: منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسهل والحزن، والخبيث والطيب» . كما أن المادة التي خلق منها الجن فيها الإحراق والعلو والفساد، وفيها الإشراق والإضاءة والنور، فأخرج منها سبحانه هذا وهذا، حكمة باهرة، وقدرة قاهرة، وآية دالة على أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (١) . إن أحسن الحديث
_________________
(١) شفاء العليل ص (٢٤٩، ٢٤١، ٢٤٢، ١٠، ٩، ٢٣٦، ٢٤٣، ٢٤٧) الفوائد ص (٦٤)، التفسير القيم (١٣٤، ١٣٠)، الوابل الصيب ص (١٦٤)، فتاوى ابن تيمية ج (١٧/٢٦٧، ٢٥١) بدائع ج (٤/١٤١، ١٤٢) .
[ ١١٠ ]