الأسباب الجالبة لمحبته، وعلامات صدقها
الحمد لله الذي نصب طاعته والخضوع له على صدق محبته دليلا، وفَضَّل أهل محبته ومحبة كتابه ورسوله على سائر المحبين تفضيلا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مقر بربوبيته، شاهد بوحدانيته، منقاد إليه لمحبته، مذعن له بطاعته، معترف بنعمته، فارٍّ إليه من ذنبه وخطيئته، لا يبتغي سواه ربا، ولا يتخذ من دونه وليًا ولا وكيلا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده، أحبهم إليه، وأكرمهم عليه. فصلى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله وجميع عباده المؤمنين عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.
أما بعد: فروى الترمذي وحسنه عن ابن عباس مرفوعًا: «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة» .
والمحبة يا عباد الله تنشأ من الإحسان ومطالعة الآلاء والنعم؛ فإن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها، ولا أحد أعظم إحسانًا من الله سبحانه، فإن إحسانه على عبده في كل نفس ولحظة، وهو يتقلب في إحسانه في جميع أحواله، ولا سبيل له إلى ضبط أجناس هذا الإحسان، فضلًا عن أنواع أو أفراده. ويكفي
[ ١٣٥ ]
أن من بعض أنواعه نعمة النفَس التي لا تكاد تخطر ببال العبد، له عليه في كل يوم وليلة أربعة وعشرون ألف نعمة، فإنه يتنفس في اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس، فما الظن بما فوق ذلك وأعظم منه ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] .
هذا إلى ما يصرف عنه من المضرات وأنواع الأذى التي تقصده، ولعلها توازن النعم في الكثرة، والعبد لا شعور له بأكثرها ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبيَاء: ٤٢] أي هو سبحانه المنعم عليهم بحفظهم وحراستهم مما يؤذيهم بالليل والنهار وحده، لا حافظ لهم غيره.
هذا مع غناه التام عنهم وفقرهم التام إليه سبحانه. وفي بعض الآثار: «أنا الجواد، ومن أعظم مني جودًا وكرمًا، أبيت أكلأ عبادي في مضاجعهم وهم يبارزونني بالعظائم» وفي الترمذي، أن النبي - ﷺ - لما رأى السحاب قال: «هذه روايا الأرض يسقوها الله إلى قوم لا يذكرونه ولا يعبدونه» وفي الصحيحين عنه - ﷺ - أنه قال: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم ليجعلون له الولد وهو يرزقهم ويعافيهم» وفي بعض الآثار يقول الله تعالى: «ابن آدم خيري إليك صاعد، كم أتحبب إليك بالنعت وأنا غني عنك، وكم تتبغض إلي بالمعاصي وأنت فقير إلي، ولا يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيح» .
ولو لم يكن من تحببه إلى عباده وإحسانه إليهم وبره بهم إلا أنه خلق لهم ما في السموات والأرض وما في الدنيا والآخرة، ثم أهلهم وكرمهم، وأرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وشرع لهم
[ ١٣٦ ]
شرائعه، وأذن لهم في مناجاته كل وقت أرادوا، وكتب لهم بكل حسنة يعملونها عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وكتب لهم بالسيئة واحدة، فإن تابوا منها محاها وأثبت مكانها حسنة، وإذا بلغت ذنوب أحدهم عنان السماء ثم استغفره غفر له، ولو لقيه بقراب الأرض خطايا ثم لقيه بالتوحيد لا يشرك به شيئًا لأتاه بقرابها مغفرة.
وشرع لهم الحج الذي يهدم ما كان قبله، فوفقهم لفعله وكفر عنهم سيئاتهم به؛ وكذلك ما شرعه لهم من الطاعات والقرابات هو الذي أمرهم بها، وخلقها لهم، وأعطاهم إياها، ورتب عليها جزاءها، فمنه السبب، ومنه الجزاء، ومنه التوفيق، ومنه العطاء أولًا وآخرًا.
أعطى عبده ماله وقال: تقرب بهذا إلى أقبله منك. فالعبد له، والمال له، والثواب منه؛ فهو المعطي أوَّلًا وآخرًا. فكيف لا يُحَبُّ من هذا شأنه، وكيف لا يستحيي العبد أن يصرف شيئًا من محبته إلى غيره. ومن أولى بالحمد والثناء والمحبة منه؟! ومن أولى بالكرم والجود والإحسان منه؟! فسبحانه وبحمده لا إله إلا هو العزيز الحكيم.
ويفرح ﷾ بتوبة أحدهم إذا تاب إليه أعظم فرح وأكمله، ويكفر عنه ذنوبه، ويوجب له محبته بالتوبة، وهو الذي ألهمه إياها، ووفقه لها، وأعانه عليها. وملأ سبحانه سمواته من ملائكته واستعملهم في الاستغفار لأهل الأرض، واستعمل حملة العرش منهم في الدعاء لعباده المؤمنين، والاستغفار لذنوبهم، ووقايتهم عذاب الجحيم، والشفاعة إليه بإذنه أن يدخلهم جناته.
[ ١٣٧ ]
فانظروا إلى هذه العناية وهذا الإحسان وهذا التحنن والعطف والتحبب إلى العباد واللطف التام بهم.
ومع هذا بعد أن أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه وتعرف إليهم بأسمائه وصفاته وآلائه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا يسأل عنهم ويستعرض حوائجهم بنفسه، ويدعوهم إلى سؤاله فيدعو مُسِيئهم إلى التوبة، ومريضهم إلى أن يشفيه، وفقيرهم إلى أن يسأله غناه، وذا حاجتهم أن يسأله قضاءها كل ليلة.
ويدعوهم إلى التوبة وقد حاربوه وعذبوا أولياءه وأحرقوهم بالنار، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البُرُوج: ١٠] وقال بعض السلف: انظروا إلى كرمه كيف عذبوا أولياءه وحرقوهم بالنار وهو يدعوهم إلى التوبة.
فهذا الباب يدخل منه كل أحد إلى محبته ﷾؛ فإن نعمته على عباده مشهودة لهم يتقلبون فيها عَدَدَ الأنفاس واللحظات.
فإذا انضم داعي الإحسان والإنعام إلى داعي الكمال والجمال لم يتخلف عن محبة من هذا شأنه إلا أردأ القلوب وأخبثها، وأشدها نقصًا وأبعدها من كل خير؛ فإن الله فطر القلوب على محبة المحسن الكامل في أوصافه وأخلاقه، ولا أحد أعظم إحسانًا منه ﷾، ولا شيء أكمل منه ولا أجمل فكل كمال وجمال في المخلوق من آثار صنعه ﷾ ودال على كمال مبدعه، كما أن كل علم في الوجود فهو من آثار علمه، وكل قدرة فمن آثار
[ ١٣٨ ]
قدرته؛ ولا نسبة أصلًا بين كمالات العَالَم وكمال الله سبحانه (١) فيجب أن يكون حب العبد له أعظم من حبه لكل شيء بما لا نسبة بينهما. ومن لم يتحقق بمحبته علمًا وعملًا لم يتحقق بشهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها، وتخضع له وتذل له، وتخافه وترجوه، وتنيب إليه في شدائدها، وتدعوه في مهماتها، وتتوكل عليه في مصالحها، وتلجأ إليه وتطمئن بذكره، وتسكن إلى حبه؛ وليس ذلك إلا الله وحده؛ ولهذا كانت لا إله إلا الله أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداؤه وأهل غضبه ونقمته.
فاتقوا الله عباد الله، وأحبوا الله بكل قلوبكم، فهذا شأن المؤمنين به. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البَقَرَة: ١٦٥] . بارك الله لي ولكم
_________________
(١) ونذكر من ذلك صفة واحدة تعتبر بها سائر الصفات، وهو أنك لو فرضت جمال الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم اجتمع لشخص واحد منهم، ثم كان الخلق كلهم على جمال ذلك الشخص لكان نسبته إلى جمال الرب ﵎ دون نسبة سراج ضعيف إلى جرم الشمس، وكذلك قوته سبحانه وعلمه وسمعه وبصره وكلامه وقدرته ورحمته وحكمته ووجوده وسائر صفاته. هذا مما دلت عليه آياته الكونية السمعية وأخبرت به رسله عنه، كما في الصحيح عنه - ﷺ - أنه قال: «إن الله لا ينام » إلى أن قال: «حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» فإذا كانت سبحات وجهه الأعلى لا يقوم لها شيء من خلقه، ولو كشف حجاب النور عن تلك السبحات لأحرق العالم العلوي والسفلي، فما الظن بجلال ذلك الوجه الكريم وعظمته وكبريائه وكماله وجلاله. وإذا كانت السموات مع عظمتها وسعتها يجعلها على إصبع من أصابعه، والأرض على إصبع، والجبال على إصبع، والبحار على إصبع فما الظن باليد الكريمة التي هي صفة من صفات ذاته (الصواعق ص١٠٨٢) .
[ ١٣٩ ]
الخطبة الثانية
الحمد لله على نعمه وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكامل في صفاته وأسمائه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أعرف الخلق بربه، وأشدهم حبًا له وطلبًا لرضوانه. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه الذين عرفوا أن الغاية من الخلق هي العبادة، والعبادة هي غاية المحبة والذل له سبحانه.
أما بعد: عباد الله: تظهر حقيقة المحبة في مواطن أربعة: أحدها: عند أخذ مضجعه وتفرغ حواسه وجوارحه من الشواغل، فإنه لا ينام إلا على ذكر من يحبه وشغل قلبه به. الثاني: عند انتباه من النوم فأول شيء يسبق إلى قلبه ذكر محبوبه الذي كان قد غاب عنه في النوم. الثالث: عند دخوله في الصلاة فإنها محك الأحوال، وميزان الإيمان بها يوزن إيمان الرجل ويتحقق حاله ومقامه ومقدار قربه من الله ونصيبه منه، فإذا قام إلى الصلاة واطمأن بذكره وقرت عينه بالمثول بين يديه ومناجاته وانفسح قلبه وانشرح واستراح دل على حقيقة المحبة. الرابع: عند الشدائد والأهوال؛ فإن القلب في هذا الموطن لا يذكر إلا أحب الأشياء إليه، ولا يهرب إلا إلى محبوبه الأعظم عنده. والمحب يتسلى بمحبوبه عن كل مصيبة يصاب بها دونه؛ ولهذا لما خرجت تلك المرأة الأنصارية يوم أُحد تنظر ما فعل رسول الله - ﷺ - مرت بأبيها وأخيها مقتولين فلم تقف عندهما، وجاوزتهما تقول: ما فعل رسول الله؟ فقيل لها: ها هو ذا حي، فلما نظرت إليه قالت: ما أبالي إذا سلمت هلك من
[ ١٤٠ ]
هلك. وهكذا مصائب الموت وما بعده ومصائب القيامة إنما تسهل وتهون بالمحبة، وأعظم المصائب مصيبة النار ولا يدفعها إلا محبة الله وحده ومتابعة رسوله - ﷺ -؛ فالمحبة أصل كل خير في الدنيا والآخرة؛ كما قال سحنون: ذهب المحبون بشرف الدنيا والآخرة، فإن النبي - ﷺ - قال: «المرء مع من أحب» فهم مع الله (١) اللهم اجعل حبك أحب إلينا من أنفسنا ومن الماء البارد على الظمأ. إن أحسن الحديث
_________________
(١) روضة المحبين ص (٣١٥)، طريق الهجرتين ص (٣١٥- ٣١٨، ٣٠٦، ٣٢٢) الصواعق ص (١٠٨٢) والجواب الكافي ص (٤٢) .
[ ١٤١ ]