وشروره، وما يعتصم به منها
الحمد لله القائل في كتابه المبين: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأعرَاف: ٢٠٠] أحمده سبحانه، من أقبل عليه تلقاه، ومن أعرض عنه لم يكله إلى عدوه إذا تاب مما أتاه، ومن أصر على العصيان وصالح عدوه وقاطع سيده ولاه ما تولاه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جل عن الأِشباه والأمثال، وتقدس عن الأضداد والأنداد والشركاء والأشكال. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله القائل: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن» قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم» (١) صلى الله عليه وعلى آله وجميع أصحابه العارفين بمكائد أعدائهم، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ .
عباد الله قد جعل الله لكل إنسان عدوًا لدودًا، له دخول ونفوذ
_________________
(١) المسند ج (١) ص٥٦١) «أسلم» استسلم فصار لا يأمره بشر.
[ ١٩٨ ]
إلى قلب ابن آدم وصدره، ذلك هو «الشيطان» أعاذنا الله منه يجري من ابن آدم مجرى الدم، قد وكل بالعبد من حين ولادته لا يفارقه إلى الممات: يوسوس إليه، ويخطر الذنب بباله فيصوره له ويمنيه، ويشهيه فيصير «شهوة» . ويزينها له ويحسنها ويخيلها له في خيال تميل نفسه إليه فيصير «إرادة» ثم لا يزال يمثل ويخيل ويمني ويشهي، وينسيه علمه بضررها، ويطوي عنه سوء عاقبتها، فلا يرى إلا صورة المعصية والتذاذه بها، فتصير الإرادة «عزيمة» فيشتد الحرص عليها من القلب، فيبعث الجنود في الطلب، فيبعث الشيطان مددًا لهم وعونًا، فإن فتروا حركهم، وإن ونوا أزعجتهم، فلا تزال بالعبد تقوده إلى الذنب، وتنظم شمل الاجتماع عليه بألطف حيلة، وأتم مكيدة. قال عروة بن رويم: «إن المسيح - ﵇ - سأل ربه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم فجلي له، فإذا رأسه رأس الحية، واضع رأسه على ثمرة القلب، فإذا ذكر العبد ربه خنس، وإذا لم يذكر وضع رأسه على ثمرة قلبه فمناه وحدثه» . وفي الصحيحين من حديث الزهري، عن صفية بنت حيي، قالت: كان رسول الله - ﷺ - معتكفًا فأتيته أزوره ليلًا، فحدثته، ثم قمت فانقلبت فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي - ﷺ - أسرعا. فقال النبي - ﷺ - «على رسلكما، إنها صفية بنت حيي» فقالا: سبحان الله يا رسول الله فقال: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءًا»، أو قال: «شرًا» وفي الصحيح أيضًا عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط، فإذا قضى أقبل، فإذا ثوب بها أدبر، فإذا
[ ١٩٩ ]
قضى أقبل حتى يخطر بين الإنسان وقلبه، فيقول: اذكر كذا اذكر كذا حتى لا يدري أثلاثًا صلى أم أربعًا، فإذا لم يدر ثلاثًا صلى أم أربعًا سجد سجدتي السهو» .
ولذلك أمرنا الله بالاستعاذة من شره، والوسوسة أعظم شره.
ومن شره: أنه لص سارق لأموال الناس، فكل طعام أو شراب لم يذكر اسم الله عليه فله فيه حظ بالسرقة والخطف. وكذلك يبيت في البيت الذي لم يذكر فيه اسم الله فيأكل طعام الإنس بغير إذنهم، ويبيت في بيوتهم بغير إذنهم. ذكر ابن أبي الدنيا عن بعض السلف: أن شيطانًا لقي شيطانًا فقال: مالي أراك نحيلًا؟ فقال: إني مع رجل إن أكل ذكر اسم الله فلا آكل معه، وإن شرب ذكر اسم الله فلا أشرب معه، وإن دخل بيته ذكر اسم الله فأبيت خارج الدار. فقال الآخر: لكني مع رجل إن أكل لم يسم الله فآكل أنا وهو جميعًا، وإن شرب لم يسم الله فأشرب معه، وإن دخل داره لم يسم الله فأدخل معه، وإن جامع امرأته لم يسم الله فأجامعها.
ومن شره أنه يدل على عورات الناس- فيأمر العبد بالمعصية، ثم يوسوس إلى الناس بما فعل، فيصبح الناس يتحدثون به.
ومن شره أنه إذا نام العبد عقد على رأسه عقدًا تمنعه من اليقظة، كما في صحيح البخاري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله - ﷺ - قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة مكانها عليك ليل طويل فارقد. فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة. فإن توضأ انحلت عقدة. فإن صلى انحلت عقده كلها فأصبح نشيطًا
[ ٢٠٠ ]
طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» .
ومن شره أنه يبول في أذن العبد حتى ينام إلى الصباح، كما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه ذكر عنده رجل نام ليلة حتى أصبح، قال: «ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه، أو قال في أذنه» رواه البخاري.
ومن شره أنه قعد لابن آدم بطرق الخير كلها فما من طريق من طرق الخير إلا والشيطان مرصد عليه يمنعه بجهده أن يسلكه، فإن خالفه وسلكه ثبطه فيه وعوقه وشوش عليه بالمعارضات والقواطع، فإن عمله وفرغ منه قيض له ما يبطل أثره ويرده على حافرته.
ويكفي من شره أنه أقسم بالله ليقعدن لبني آدم صراطه المستقيم، وليأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم.
ولقد بلغ شره أن أعمل المكيدة وبالغ في الحيلة حتى أخرج آدم من الجنة، ثم لم يكفه ذلك حتى استقطع من أولاده شرطه إلى النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، ثم لم يكفه ذلك حتى أعمل الحيلة في إبطال دعوة الله من الأرض، وقصد أن تَكون الدعوة له،
وأن يعبد من دون الله، فهو ساع بأقصى جهده على إطفاء نور الله وإبطال دعوته، وإقامة دعوة الشرك، ومحو التوحيد وأعلامه من الأرض.
ويكفي من شره أنه تصدى لإبراهيم خليل الرحمن حتى رماه قومه بالمنجنيق في النار فرد الله كيده عليه، وجعل النار على خليله بردًا وسلامًا. وتصدى للمسيح - ﷺ - حتى أراد اليهود قتله وصلبه فرد
[ ٢٠١ ]
الله كيده، وصان المسيح ورفعه إليه. وتصدى لزكريا ويحيى حتى قتلا. واستثار فرعون حتى زين له الفساد العظيم في الأرض، ودعوى أنه ربهم الأعلى. وتصدى للنبي - ﷺ - وظاهر الكفار على قتله بجهده، والله تعالى يكبته ويرده خاسئًا. وتفلت على النبي - ﷺ - بشهاب من نار يريد أن يرميه به في الصلاة فجعل النبي - ﷺ - يقول: «ألعنك بلعنة الله» وأعان اليهود على سحرهم للنبي - ﷺ -.
ولا يمكن حصر أجناس شره فضلًا عن آحادها إذ كل شر في العالم فهو السبب فيه. ولكن ينحصر شره في ستة أجناس لا يزال بابن آدم حتى ينال واحدًا منها أو أكثر- الشر الأول: شر «الكفر، والشرك» ومعاداة الله ورسوله، فإذا ظفر بذلك من ابن آدم برد أنينه واستراح من تعبه معه، وصيره من جنده وعسكره، واستنابه على أمثاله وأشكاله، فصار من دعاة إبليس ونوابه. فإن يئس منه من ذلك وكان ممن سبق له الإسلام في بطن أمه نقله إلى المرتبة الثاني من الشر، وهو «البدعة» وهي أحب إليه من الفسوق والمعاصي؛ لأن ضررها في نفس الدين، وهو ضرر متعد، وهي ذنب لا يتاب منه، وهي باب الكفر والشرك. فإذا نال منه البدعة وجعله من أهلها بقي أيضًا نائبه وداعيًا من دعاته. فإذا أعجزه من هذه المرتبة وكان العبد ممن سبقت له من الله موهبة السنة، ومعاداة أهل البدع والضلال، نقله إلى المرتبة الثالثة من الشر وهي «الكبائر» على اختلاف أنواعها، فهو أشد حرصًا على أن يوقعه فيها، لا سيما إذا كان عالمًا متبوعًا لينفر الناس عنه، ثم يشيع من ذنوبه ومعاصيه في الناس، ويستنيب منهم من يشيعها ويذيعها تدينًا وتقربًا بزعمه إلى الله تعالى وهو نائب إبليس ولا
يشعر فإن ﴿الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا
[ ٢٠٢ ]
لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النُّور: ١٩] فكيف إذا تولوا هم إشاعتها وإذاعتها. فإن عجز الشيطان عن هذه المرتبة نقله إلى المرتبة الرابع وهي «الصغائر» التي إذا اجتمعت فربما أهلكت صاحبها، كما قال النبي - ﷺ -: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإن مثل ذلك مثل قوم نزلوا بفلاة من الأرض فجاء كل واحد منهم بعود حطب حتى أوقدوا نارًا عظيمة فطبخوا واشتووا» أو كما قال - ﷺ -: «ولا يزال يسهل عليه أمر الصغائر حتى يستهين بها فيكون صاحب الكبيرة الخائف منها أحْسَنَ حالًا منه» . فإن أعجزه العبد عن هذه المرتبة نقله إلى «المرتبة الخامسة» وهي إشغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب بل عاقبتها فوت الثواب الذي اضع عليه باشتغاله بها. فإن أعجزه العبد عن هذه المرتبة وكان حافظًا لوقته شحيحًا به يعلم مقدر أنفاسه وانقطاعها وما يقابلها من النعيم والعذاب نقله إلى «المرتبة السادسة» وهو أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه ليزيح عنه الفضيلة، ويفوته ثواب العمل الفاضل. فإذا أعجزه العبد من هذه المراتب الست وأعين عليه سلط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع الأذى والتكفير والتضليل والتبديع والتحذير منه وقصد إخماله وإطفائه، ليشوش عليه قلبه، ويشغل بحربه فكره، وليمنع الناس من الانتفاع به، فحينئذ يلبس المؤمن لامة الحرب ولا يضعها عنه إلى الموت، ومتى وضعها أسر أو أصيب.
عباد الله: هذه إحدى صفات الشيطان الثلاث (الوسواس) . وقد وصفه الله بالخناس الذي إذا ذكر العبد الله انخنس وتجمع وانقبض، وإذا غفل عن ذكر الله التقم القلب وألقى إليه الوساوس التي هي مبادئ الشر كله.
[ ٢٠٣ ]
والذي يوسوس نوعان: إنس، وجن. فالجني: يوسوس في صدور الإنس. والإنس أيضًا يوسوس إلى الإنس؛ فلذلك أمرنا الله بالاستعاذة من شر نوعي شياطين الإنس والجن.
فاتقوا الله عباد الله، واحذروا من عدو الله وعدوكم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس: ١- ٣] بارك الله
الخطبة الثانية
الحمد لله أمر بشكره وذكره، أحمده سبحانه لا أحصي ثناء عليه بل هو تعالى كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له من توكل عليه واستعاذ به كان في حفظه وحرزه. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أعانه على قرينه حتى استسلم له وذلك معجزة وعبرة.
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وحزبه.
أما بعد: فيا عباد الله اتقوا الله تعالى، فتقواه هي وصيته
للأولين والآخرين، واعرفوا عدوكم من صديقكم في هذه الدار، واعلموا أن الله ﵎ الذي ابتلى الإنسان بهذا العدو الذي لا يفارقه طرفة عين، ولا يدع أمرًا يكيده به ويقدر على إيصاله إليه إلا أوصله إليه- ويقول لأعوانه من الجن والإنس: دونكم عدوكم وعدو أبيكم لا يفوتكم، لا يكون حظه الجنة وحظكم النار- أن الله قد أيد
[ ٢٠٤ ]
عبده المؤمن بجند من الملائكة لا يفارقونه يثبتونه ويأمرونه بالخير ويحضونه عليه، ويدعونه بكرامة الله، ويقولون: إنما هو صبر ساعة وقد استرحت راحة الأبد. وأمده مع ذلك بالعقل وزيرًا له ومدبرًا، وبالمعرفة مشيرة عليه وناصحة له، وبالإيمان مثبتًا له وناصرًا ومؤيدًا، وباليقين كاشفًا له عن حقيقة الأمر حتى كأنه يعاين ما وعد الله تعالى أولياءه وحزبه على جهاد أعدائه، وأقام ملائكته وحملة عرشه يستغفرون له ويسألون له أن يقيه الله السيئات ويدخله الجنات، وهو تعالى ناصر حزبه وجنده. وليس هذا التسليط من بغض الرب لعبده المؤمن، وإنما هو لرفع درجاته، وامتحان صدقه في إيمانه ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محَمَّد: ٣١] .
عباد الله وقد جعل الله بفضله ومنه للعبد ما يعتصم به من الشيطان، ويستدفع به منه، وذلك عشرة أسباب (١) الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم. (٢) قراءة سورتي الفلق والناس (٣) قراءة آية الكرسي (٤) قراءة سورة البقرة (٥) قراءة خاتمة سورة البقرة (٦) قراءة أول سورة حَم المؤمن إلى قوله إليه المصير (٧) قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة (٨) كثرة ذكر الله فذكر الله يقمعه ويؤلمه ويؤذيه (٩) الوضوء والصلاة (١٠) إمساك فضول النظر، وفضول الكلام، وفضول الطعام، وفضول مخالطة الناس (١) . (٢) . إن أحسن الحديث
_________________
(١) وانظر مضار هذه الفضول في «بدائع الفوائد» ج (٢) ص (٢٦٧) .
(٢) الإغاثة والمدارج.
[ ٢٠٥ ]
غض البصر