جعلنا الله وإياكم عاملين بكتابه، متبعين لأوليائه، حتى يحلنا وإياكم دار المقامة من فضله، إنه حميد مجيد. رواه الدينوري، وابن عساكر (١).
٦١ - وعن علي رضي الله تعالى عنه أنه خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أما بعد: فإن الدنيا قد أدبرتْ وآذنتْ بوداع، وإن الآخرة قد أقبلتْ وأشرفْت باطّلاع، وإن المضمار (٢) اليوم، وغدًا السباق، ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه (٣) أجل، فمن قصَّر في أيام أمله، قبل حضور أجله، فقد خيب عمله، ألا فاعملوا لله (٤) في الرغبة كما تعملون له في الرهبة.
ألا وإني لم أر (٥) كالجنة نام (٦) طالبها، ولم أر كالنار نام هاربها.
ألا وإنه مَنْ لم ينفعه الحق ضره الباطل، ومَنْ لم يستقم به الهدى حار (٧) به الضلال.
_________________
(١) انظر: المجالسة ٥/ ٢٨١ - ٢٨٣، وتاريخ دمشق ٤٢/ ٥٠٠ - ٥٠١، وهو يروي من طريق الدينوري، والخطبة في الكنز ١٦/ ٢٠٠ - ٢٠٢، وجزء منها في نهج البلاغة ٢/ ٢١٩ - ٢٢٠. وقال محقق المجالسة عن إسناد الدينوري: (ضعيف جدًّا، ومنقطع).
(٢) في س وح: الضمار.
(٣) في س وح: وراء.
(٤) في س وح: فيه لله. ولم أر (فيه) في المجالسة وتاريخ دمشق والكنز، فحذفتها.
(٥) في ح: أدر!.
(٦) في س وح: نائم. في الموضعين.
(٧) هكذا في س وح وتاريخ دمشق. ولكن في المجالسة والكنز: جار. وفي نهج البلاغة ١/ ٧٢: يجر به الضلال إلى الردى.
[ ٩٥ ]
ألا وإنكم قد أُمرتم بالظعن، ودُللتم على الزاد (١).
ألا أيها الناس إنما الدنيا عرضٌ حاضر، يأكل منها البر والفاجر، وإن الآخرة وعدٌ صادق، يحكم فيها الملك القادر.
ألا إن ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢).
أيها الناس أحسنوا في عمركم تحفظوا في عقبكم، فإن الله ﵎ وعد جنته مَنْ أطاعه، وأوعد ناره مَنْ عصاه، إنها نار لا يهدأ زفيرها، ولا يفك أسيرها، ولا يجبر كسيرها، حرها شديد، وقعرها بعيد، وماؤها صديد، وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى، وطول الأمل. رواه الدينوري وابن عساكر (٣).
٦٢ - وعن العلاء بن زياد الأعرابي قال سمعت أبي يقول:
صَعِدَ أم ري المؤمنين علي بن أبي طالب منبر الكوفة، بعد الفتنة وفراغه من النهروان، فحمد الله، وخنقنه العبرة فبكى حتى أخضلت لحيته بدموعه،
_________________
(١) في س وح: الرد!
(٢) من سورة البقرة، الآية: ٢٦٨.
(٣) انظر: المجالسة ٤/ ١١٦ - ١٢١، وتاريخ دمشق ٤٢/ ٤٩٧، وكنز العمال ١٦/ ٢٠٢ - ٢٠٤ وقد حكم محقق المجالسة على سند الدنيوري بقوله: (ضعيف، لانقطاعه بين أوفى بن دلهم وعلي) ثم نقل عن ابن كثير قوله في البداية والنهاية ٨/ ٧: (هذه الخطبة بليغة نافعة جامعة للخير، ناهية عن الشر، وقد روي لها شواهد من وجوه أخر متصلة، ولله الحمد والمنة). وقد أوردها كثيرون. ذَكَرَهم المحقق فانظر ما كتبه -إن شئت-.
[ ٩٦ ]
وجرت، ثم نفض لحيته فوقع رشاشها على ناموس الناس (١)، فكنا نقول: إن من أصابه من دموعه فقد حرَّمه الله على النار (٢).
ثم قال: يا أيها الناس لا تكونوا ممن يرجو الآخرة بغير العمل (٣)، ويؤخر التوبة لطول الأمل، يقولُ في الدنيا قول الزاهدين، ويعمل فيها عمل الراغبين، إن أعطي منها لم يشبع، وإن منع منها لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتي، ويبتغي الزيادة فيما بقي، ويأمر ولا يأتي، وينهى ولا ينتهي، يحب الصالحين ولا يعمل بأعمالهم، ويبغض الظالمين وهو منهم، تغلبه نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن، إن استغنى فتن، وإن مرض حزن، وإن افتقر قنط ووهن، فهو بين الذنب والنعمة يرتع، يُعافى فلا يشكر، ويبتلى فلا يصبر، كأن المحذَّر من الموت سواه، وكأن مَنْ وعد وزجر ما عداه.
يا أغراض (٤) المنايا، يا رهائن الموت، يا وعاء الأسقام، ويا نهبة الأيام، ويا نقل (٥) الدهر، ويا فاكهة الزمان، ويا نور الحدثان (٦)، ويا خرس (٧) عند الحجج، ويا من غمرته الفتن، وحيل بينه وبين معرفة الخبر (٨)، بحقٍّ أقول: ما
_________________
(١) هكذا في س وح. والذي في الكنز: ناس من أناس. وإذا صح ما في س وح فلعل المراد: على لباسهم، ففي جمهرة اللغة ٢/ ٨٦١: (كل شيء سترت فيه شيئًا فهو ناموس له)!.
(٢) كذا.
(٣) في الكنز: عمل.
(٤) في س وح: يا عراض. وأثبت ما في الكنز، والأغراض جمع غرض وهو هدف يرمى فيه. القاموس ص ٨٣٦.
(٥) في الكنز: ثقل!.
(٦) ينظر في معنى هذه الجملة وما قبلها.
(٧) في س وح: خرسى. وأثبت ما في الكنز.
(٨) في الكنز: العبر.
[ ٩٧ ]