نِعَمُ الله سبحانه، وإن كانت لا تحصى مفصلة، فجملتها منحصرة في خمسة أنواع: الأول السعادة الآخروية، التي هي بقاء لا فناء له، وسرور لا غم فيه، وعلم لا جهل معه، وغنى لا فقر معه يخالطه، ولن يتوصل إليه إلا بالله ولا يكمل إلا بالنوع الثاني، وهو الفضائل النفسية، التي حصرنا جملتها من قبل في أربعة أمور: العقل وكماله العلم، والعفة وكمالها الورع، والشجاعة وكمالها المجاهدة، والعدالة وكمالها الانصاف، وهي على التحقيق أصول الدين. وإنما تتكامل هذه الفضائل بالنوع الثالث، وهي الفضائل البدنية المنحصرة في أربعة أمور: في الصحة
[ ٢٩٤ ]
والقوة والجمال وطول العمر، ويهممها النوع الرابع، وهي الفضائل المطيفة بالإنسان، المنحصرة في أربعة أمور: وهي المال والأهل والعز وكرم العشيرة. ولا يتم الانتفاع بشيء من ذلك إلا بالنوع الخامس، وهي الفضائل التوفيقية، وهي أربعة: هدايا الله ورشده وتسديده وتأييده، فهذه السعادات بعد السعادة الآخروية، ستة عشر ضربًا. ولا مدخل للاجتهاد في اكتساب شيء منها إلا الفضائل النفسية، على الوجه الذي سبق. فقد عرفت أن هذه الخيرات خمسة: وهي الآخروية
[ ٢٩٥ ]
والنفسية والبدنية والخارجة والتوفيقية. والبعض منها يحتاج إلى البعض، أما حاجة ضرورية، كالفضائل النفسية التي لا مطمح في الوصول إلى نعيم الآخرة إلا بها، وصحة البدن الذي لا وصول إلى تحصيل الفضائل النفسية إلا به، وإما حاجة نافعة كحاجة هذه الفضائل الخارجة، فإن المال والأهل والعشيرة، إن عدمت، تطرق الخلل إلى أسباب هذه الفضائل.
فإن قلت: فما وجه الحاجة إلى الفضائل الخارجة، من المال والأهل والعز وكرم العشيرة. فاعلم أن هذه الأمور جارية مجرى الجناح المبلغ، والآلة المسهلة للمقصود. أما المال، فالفقير في طلب الكمال، كساع إلى الهيجاء بغير سلاح، وكباز متصيد بلا جناح. ولذلك قال ﵇: " نعمَ المال الصالح للرجل الصالح ". وقال: " نعمَ العون على تقوى الله المال ". كيف ومن عدم المال، صار مستغرق الأوقات
[ ٢٩٦ ]
في طلب القوت واللباس والمسكن وضرورات المعيشة، فلا يتفرغ لاقتناء العلم الذي هو أشرف الفضائل. ثم يحرم عن فضيلة الحج والصدقة والزكاة وإفاضة الخيرات. وأما الأهل والولد الصالح، فالحاجة إليهما ظاهرة. أما المرأة الصالحة، فحرث الرجل وحصين دينه. قال ﵇: " نعم العون على الدين المرأة الصالحة "، وقال في الولد: " إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له "، ومهما كثر أهل الرجل وأقاربه وساعدوه، كانوا له بمنزلة الآذان والأعين والأيدي، فيتيسر له بسببهم من الأمور الدنيوية، ما يطول فيه شغله لو انفرد. وكلما تخففت الأشغال الضرورية في الدنيا، تفرغ القلب للعبادة والعلم، فهو معين على الدين.
وأما العز فيه يدفع الإنسان عن نفسه الضيم، ولا يستغني عنه مسلم، فإنه لا ينفك عن عدوه يؤذيه، وظالم يقصده، فيشوش عليه وقته ويشغل قلبه. ولذلك قيل: " الدين والسلطان توأمان ".
[ ٢٩٧ ]
وقيل: " الدين أس والسلطان حارس وما أسّ له فمهدوم وما لا حارس له فضايع ". ولذلك قال تعالى: (وَلَوْلاَ دَفْعُ الله النَّاسِ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ) وبالجملة دفع الأذى لا بد منه للفراغ للعبادة، ولا يتم ذلك إلا بنوع من العز. وكما أن الموصل إلى الخير خير، فدفع الصارف عن الخير خير أيضًا. وأما كرم العشيرة وشرف الآباء، فقد يستهان به ويقال: " المرء بنفسه، والناس أبناء ما يحسنون، وقيمة كل امرئ ما يحسنه ". ولعمري إذا قوبل شرف الأصل دون شرف النفس، بشرف النفس دون شرف الأصل استحقر شرف الأصل. أما إذا انضم إليه لم تنكر فضيلته، " فأين السري إذا سرى أسراهما ". وقد شرط النسب في الإمامة، وقيل: " الأئمة من قريش ". كيف لا، والأخلاق تتبع الأمزجة، وتسري من الأصول إلى الفروع، ولذلك قال ﵇: " تخيروا لنطفكم "،
[ ٢٩٨ ]
وقال: " إياكم وخضراء الدمن "، وهي المرأة الحسناء في المنبت السوء. فهذا أيضًا من السعادات، ولا نعني به الانتساب إلى بني الدنيا ورؤسها وأمرائها، ولكن الانتساب إلى النفوس الزكية الطاهرة المزينة بالعلم والعبادة والعقل.
فإن قلت: فما غناء هذه الفضائل الجسمية؟ فنقول: أما الحاجة إلى الصحة والقوة وطول العمر، فلا شك فيه. وإنما يستحقر أمر الجمال، فيقال: يكفي أن يكون البدن سليمًا من الأمراض الشاغلة عن تحري الفضائل. ولعمري أن الجمال لقليل الغناء، ولكنه من السعادات والخيرات على الجملة. اما في الدنيا فلا يخفي وجهه. وأما في الآخرة فمن وجهين: أحدهما أن القبح مذموم، والطباع منه نافرة، وحاجات الجميل إلى الاجابة أقرب، فكأنه جناح مبلّغ، مثال المال، والمعين على قضاء حاجات الدنيا معين على الآخرة، إذ الوصول إلى الآخرة بهذه الأسباب الدنيوية. والثاني أن الجمال في الأكثر يدل على فضيلة النفس، لأن نور النفس، إذا تم إشراقه تبدى إلى البدن.
[ ٢٩٩ ]
والمنظر والمخبر كثيرًا ما يتلازمان. ولذلك عوّل أصحاب الفراسة على هيئات البدن واستدلوا بها على الأخلاق الباطنة. والعين والوجه كالمرآة للباطن، ولذلك يظهر فيهما أثر الغضب والشر. وقيل: " طلاقة الوجه عنوان ما في النفس، وما في الأرض قبيح إلا وجهه أقبح منه ". واستعرض المأمون جيشًا، فعرض عليه رجل قبيح فاستنطقه، فإذا هو ألكن، فأسقط اسمه.
وقال: " الروح إن أشرقت على الظاهر ففصاحة وهذا ليس له ظاهر ولا باطن ". وقد قال ﵇: " اطلبوا الحاجة عند حسان الوجوه "، وقال: " إذا بعثتم رسولًا، فاطلبوا حسن الوجه وحسن الاسم "، وقال: " الفقهاء إذا تساوت درجات المصلين، فأحسنهم وجهًا أولاهم بالإمامة ". وقال تعالى ممتنًا به: (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ والجِسْمِ)، ولسنا نعني بالجمال ما يحرك الشهوة، فإن ذلك أنوثة، وإنما نعني به ارتفاع القامة على الاستقامة، مع الاعتدال في اللحم وتناسب الأعضاء وتناصف خلقة الوجه، بحيث لا تنبو
[ ٣٠٠ ]
الطباع عن النظر إليها.
فإن قلت فما معنى الفضائل التوفيقية، التي هي الهداية والرشد والتسديد والتأييد؟ فاعلم أن التوفيق هو الذي لا يستغني عنه الإنسان في كل حال، ومعناه موافقة إرادة الإنسان وفعله قضاء الله تعالى وقدره. وهو صالح للاستعمال في الخير والشر، ولكن صار متعارفًا في الخير والسعادة. ووجه الحاجة إلى التوفيق بيّن، ولذلك قيل:
إذا لم يكن عونٌ من الله للفَتَى فأكثر مَا يَجني عَليهِ اجتهادهُ
وأما الهداية، فلا سبيل لأحد إلى طلب الفضائل إلا بها فهي مبدأ الخيرات كما قال تعالى: (أَعْطَى كُلَّ خُلْقَهُ ثُمّ هَدَى) وقال تعالى: (وَلَولاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُم مِنْ أَحَدٍ أَبَدًَا وَلَكِنّ الله يزكِّي مَنْ يَشَاءَ) . وقال ﵇: " ما من أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله " أي بهدايته. قيل: " ولا أنت يا رسول الله " قال: " ولا أنا ".
[ ٣٠١ ]
والهداية ثلاث منازل: الأولى تعريف طريق الخير والشر المشار إليه بقوله ﷿: (وَهَدَيْنَاهُ النّجْدَينِ)، وقد أنعم الله به على كافة عباده، بعضهم بالعقل وبعضهم على ألسنة رسله. ولذلك قال تعالى: (وَأَمَّا ثمودَ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا العَمَى عَلى الهُدَى) . والثانية ما يمد به العبد حالًا بعد حال بحسب ترقيه في العلوم، وزيادته في صالح الأعمال. وإياه عني بقوله تعالى: (وَالَّذينَ اهْتَدُوا زَادَهُمْ هُدى وآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)، والثالثة هو النور الذي يشرق في عالم الولاية والنبوة، فيهتدي به إلى ما لا يهتدي إليه، ببضاعة العقل الذي به يحصل التكليف وإمكان التعلم. وإياه عني بقوله تعالى: (قُلْ إِنّ هُدَى الله هُوَ الهُدَى)،
[ ٣٠٢ ]
فإضافة إلى نفسه وسماه الهدى المطلق. وهو المسمى حياة في قوله: (أَوْ مَنْ كَانَ مَيّتًَا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًَا يَمْشي به في النَّاسِس)، وقوله تعال: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ للإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) .
وأما الرشد فنعني به العناية الإلهية، التي تعين الإنسان على توجهه إلى مقاصده، فتوجيه على ما فيه صلاحه، وتفتره عما فيه فساده، ويكون ذلك من الباطن كما قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَينَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ) .
وأما التسديد، فهو أن يقوم إرادته وحركاته نحو الغرض المطلوب، ليهجم عليه في أسرع وقت، فالرشد تنبيه بالتعريف، والتسديد إعانة ونصرة بالتحريك، وأما التأييد، فهو تقوية أمره بالبصيرة من داخل، وتقوية البطش من خارج، وهو المراد بقوله تعالى: (إذْ أَيَّدتُكَ بروحِ القُدُسِ)، ويقرب منه العصمة، وهو فيض إلهي يقوى به الإنسان
[ ٣٠٣ ]
على تحري الخير، وتجنب الشر، حتى يصير كمانع من باطنه غير محسوس. وإياه عنى بقوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمّ بِهَا لَوْلاَ أَن رَأَى بُرْهَانَ رَبِّه)، ولن تستتب هذه الأمور، إلا بما يمد الله به عبده من الفهم الثاقب الصافي، والسمع المصغي الواعي، والقلب البصير المراعي، والمعلم الناصح، والمال الزائد، على مقتضى المهمات لقلة القاصر، لا ما يشغل عن الدين لكثرته، والعشيرة والعز الذي يصون عن سفه السفهاء، ويرفع ظلم الأعداء. فبهذه الأسباب تكمل السعادات.