إعلم أن العقل ينقسم إلى غريزي وإلى مكتسب. فالغريزي هو القوة المستعدة لقبول العلم، ووجوده في الطفل، كوجود النخل في النواة. والمكتسب المستفاد هو الذي يحصل من العلوم، إما من حيث لا يدري، كفيضان العلوم الضرورية عليه، بعد التمييز من غير تعلم، وإما من حيث يعلم مدركه، وهو التعلم. ولانقسام العقل إلى قسمين قال الإمام علي رضي الله تعالى عنه:
رَأيتُ العقلَ عقلين فمطبوعٌ ومسموع
ولا ينفعُ مسموعٌ إذا لم يك مطبوع
كما لا تنفعُ الشمسُ وَضَوءَ العَينِ ممنوع
والأول هو المراد بقوله: " ما خلق الله خلقًا أكرم عليه من العقل "، والثاني هو المراد بقوله ﵇ لعلي: " إذا تقرب الناس بأبواب البر، فتقرب أنت بعقلك ". والأول يجري مجرى البصر للجسم، والثاني يجري مجرى نور الشمس،
[ ٣٣٧ ]
ولا منفعة في النور عند عمي البصر، ولا يجدي البصر عند عدم النور. فكذلك بصر الباطن، وهو العقل، وهو أشرف من البصر الظاهر إذ النفس كالفارس، والبدن كالفرس، وعمي الفأس أضّر من عمى الفرس. ولمشابهة بصره الباطن الظاهر قال تعالى: (مَا كَذَبَ الفُؤادُ مَا رَأَى)، وقال: (وَكَذَلِكَ نُري إبراهيمَ مَلَكوتَ السَّمَواتِ والأَرْض) . وسمي ضده عمى، قال تعالى: (فَإِنّها لا تَعْمَى الأبصار وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ التي في الصّدُور) . وقال: (وَمَنْ كَانَ فِي هَذه أَعْمَى فَهُوَ في الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبيلًا) . وبالجملة من لم يكن بصيرة عقله نافذة، فلا تعلق به من الدين إلا قشوره، بل خيالاته وأمثلته، دون لبابه وحقيقته. فلا تدرك العلوم الشرعية، إلا بالعلوم العقلية، فإن العقلية كالأدوية للصحة،
[ ٣٣٨ ]
والشرعية كالغذاء، والنقل جاء من العقل، وليس لك أن تعكس. والنفس المريضة المحرومة من الدواء تتضرر بالأغذية ولا تنتفع. ولذلك قال تعالى: (في قُلُوبِهِم مَرَضٌ)، لما كانوا لا ينتفعون بالقرآن. والمقلد الأعمى، إذا تأمل أمور مواد الشرع يتراءى له أمور متناقضة، وهي كذلك بالإضافة إلى ما فهمه. ثم قد تجبن نفسه عن التأمل فيه لضعف عقله وخور طبعه، فيتكلف الغفلة عنه خيفة أن ينكسر تقليده، وقد يتأمله فيدرك تناقضه، فيتحير ويبطل يقينه. ولو نظر بعين البصيرة، لبطل التناقض ورأى كل شيء في موضعه. ومثاله مثال الأعمى الذي دخل دارًا فعثر بالكوز والطشت وأثاث الدار، فقال: لمَ وضعتم هذا على الطريق، لم لا تردونها إلى محلها. فقيل له: إن كلًا في موضعه، ولكن الخلل في البصر. فهذا بيان نسبة العلم المستفاد من العقل.
واعلم أن المكتسب من العلوم بواسطة العقل ينقسم إلى المعارف الدنيوية
[ ٣٣٩ ]
والآخروية، وطريقاهما متنافيان. فمن صرف عنايته إلى أحدهما، اقتصرت بصيرته في الآخر على الأكثر. ولذلك ضرب الإمام علي ﵁ ثلاثة أمثلة. فقال: " إن مثل الدنيا والآخرة ككفتي ميزان، وكالمشرق والمغرب، وكالضرتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى ". ولذلك نرى الأكياس في أمور الدنيا جهالًا في أمور الآخرة، وبالعكس. ولذلك قال ﵇: " الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ". وقال لمن نسب بعض الصالحين إلى البله: " أكثر أهل الجنة البله "، يعني في أمور الدنيا. ولذلك قال الحسن البصري: " أدركنا أقوامًا لو رأيتموهم لقلتم مجانين، ولو رأوكم لقالوا شياطين ". ومهما سمعت أمرًا غريبًا من أمور الدين، فلا يبعدنّك عن قبوله أنه لو كان حقيقيًا لأدركه الأكياس من أرباب الدنيا ودقائق الصناعات الهندسية وغيرها، إذ من المحال أن يظفر سالك طريق المشرق بما يوجد في المغرب، فكذلك أمر الدنيا والآخر. ولذلك قال تعالى: (إن الَّذِينَ لاَ يَرْجَوْنَ لِقَاءَنَا وَرَضَوا بالحياةِ الدُّنْيا
[ ٣٤٠ ]
واَطْمَأَنّوا بها) الآيتين. وقوله تعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخرَةِ هُمْ غَافِلُون) . ولا يكاد يجمع بينهما إلا من رشحه الله لتدبير الخلق في معاشهم ومعادَهم وهم الأنبياء المؤيدون بروح القدس، المستمدون من قوة تتسع لجميع الأمور، ولا تضيع. فأما النفوس الضيقة، إذا شغلت بأمر انصرفت عن غيره، ولن نقدر على الاستكمال منهما جميعًا.