فإن قلت: فقد مهّدت للسعادة طريقين متباينين، فأيهما أولى عندك؟ فاعلم أن الحكم في مثل هذه الأمور بحسب الاجتهاد الذي يقتضيه حال المجتهد، ومقامه الذي هو فيه. والحق الذي يلوح لي، والعلم عند الله فيه، إن الحكم بالنفي أو الإثبات في هذا على الإطلاق خطأ، بل يختلف بالإضافة إلى الأشخاص والأحوال.
[ ٢٢٦ ]
فكل من رغب في السلوك، فقد كبر شأنه، فالأولى به أن يقتنع بطريق الصوفية، وهو المواظبة على العبادة، وقطع العلائق. فإن البحث عن العلوم الكسبية لتحصل ملكة كتابته في النفس شديد، ولا يتيسّر إلا في عنفوان العمر، والتعلم في الصغر كالنقش على الحجر. ومن العناء رياضة الهرم.
وقيل لأحد الأكابر: من أراد أن يتعلم شيخًا، ما يفعل؟ فقال: إغسل مسخًا فعساه يبيض. وقد خرج من هذا أن الأولى بأكثر الخلق الاشتغال بالعمل والاقتصاد من العلم على القدر الذي يعرف به العمل. فإن الأكثر لا ينتبهون لهذا الأمر في عنفوان الشباب، وإن تنبه في عنفوان شبابه، نظر إلى طبعه وذكائه. فإن علم أنه لا يستعدّ لفهم الحقائق العقلية الدقيقة، وجب عليه أن يشتغل بالعمل أيضًا، فلا فائدة في اشتغاله بالعلوم النظرية، وهم الأكثرون من الأقل، الذي تتبعناه. فإن ذكيًا قابلًا للعلوم، فإن لم يكن في بلده أو في العصر مستقلّ بالعلوم النظرية، مترق عن رتبة تقليد من سبقه، فالأولى به العمل. فإن هذه لا يمكن تحصيلها إلا بمعلم، فليس في القوة البشرية، في شخص واحد، الوصول إليها إلا قليل بطول الزمن. ولذلك لو لم يكن علم الطب مثلًا صار متقنًا بالخواطر المتعاونة، في الأزمنة المتطاولة، لافتقر أذكى الناس إلى عمر طويل، في معرفة علاج علة واحدة، فضلًا عن الجميع. والغالب في البلاد الخلّو عن مثل هذا العالم المستقل.
[ ٢٢٧ ]
فإذن لم يبق إلا قليل من قليل وهو ذكيّ تنبه في عنفوان عمره لهذا الأمر، وهو مستعد لفهم العلوم، وصادف عالمًا مستقلًا بالعلوم تحقيقًا لا إسمًا، وحسبة لا رسمًا، كما ترى أكثر العلماء، فهم إما مقلّدون في أعيان المذاهب، أو في أعيان المذاهب وأدلة تلك المذاهب جميعًا، على الوجه الذي تلقوه من أرباب المذاهب. ومن قلد أعمى، فلا خير في متابعة العميان وأتباعهم أو شاب نشأ في طلب العلم وهو زكي في نفسه، وتنبه له بعد الارتياض بأنواع العلوم، ولكن بهذا النوع من العلم الذي تنبه له، فمثل هذا الشخص مستعد للطريقين جميعًا. فالأولى به أن يقدّم طريق التعلم، فيحصّل من العلوم البرهانية ما للقوة البشرية إدراكه بالجهد والتعلم، فقد كفى المؤنة فيه تعب من قبله، فإذا حصّل ذلك على قدر إمكانه، حتى لم يبق علم من جنس هذه العلوم، إلا وقد حصّله، فلا بأس بعده أن يؤثر الاعتزال عن هذا الخلق، والإعراض عن الدنيا، والتجرد لله وأن ينتظر، فعساه ينفتح له بذلك الطريق ما التبس على سالكي هذا الطريق. هذا ما أراه، والعلم عند الله.
وقد يخرج منه أن الصواب لأكثر الاشتغال بالعمل،
[ ٢٢٨ ]
ومن العمل العلم العملي أعني ما يعرف به كيفيته. فإن العلم العملي ليس بأشرف من العمل، بل هو دونه، فإن مراد له دون العلم الذي يراد منه المعلوم، كالعلم بالله وملائكته وكتبه ورسله والعلم بالنفس وصفاتها. والعلم بملكوت السموات والأرض وغيره. فهذه العلوم نظرية، وليست بعملية وإن كان قد ينتفع بها في العمل، على سبيل العرض، لا على سبيل القصد، ولكون الصواب في العمل لأكثر الخلق استقصاء النبي ﷺ، تفصيلًا وتأصيلًا، حتى علّم الخلق الاستنجاء وكيفيته، ولما آل الأمر إلى العلوم النظرية أجمل ولم يفصّل، ولم يذكر من صفات الله إلا أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. نعم بعد إجمال العلم، ذكر من تعظيمه وتشريفه وتقديمه على العمل ما لا يكاد يحصى كقوله: " تفكر ساعة خير من عبادة سنة " وكقوله: " فضل العالم على العابد، كفضل القمر ليلة البدر " إلى غير ذلك مما ورد فيه. ثم ذلك العلم المقدم على العمل لا يخلو أما أن يكون هو العلم بكيفية العمل وهو الفقه وعلم العبادات وأما أن يكون علمًا سواه. وباطل أن يكون الأول هو المراد لوجهين:
[ ٢٢٩ ]
أحدهما أنه فضل العالم على العابد، والعابد هو الذي له العلم بالعبادة وإلا فهو عابد فاسق. والثاني: أن العلم بالعمل لا يكون أشرف من العمل لأن العلم العملي لا يراد لنفسه، وإنما يراد للعمل. وما يراد لغيره يستحيل أن يكون أشرف منه.