مهما كان الإنسان آمنًا في سربه، معافى في بدنه، وله قوت يومه، فحزنه وغمه بسبب أمر الدنيا أمارة نقصانه وحماقته، فإن غمه ليس يخلو إما أن يكون تأسفًا على ماضٍ، أو خوفًا من مستقبل، أو حزنًا على سبب حاضر في الحال. فإن كان على فائت فالعاقل بصير بأن الجزع لا ما فات لا يلم شعثًا، ولا يرم انتكث. وما لا حيلة له، فالغم عليه خرق. ولذلك قال تعالى: (ِلَكْيلا تَأسُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ) . وقال الشاعر: وهل جزع مجد عليّ فأجزعا.
وإن كان حاضر، فأما أن يكون حسدًا لوصول نعمة إلى من يعرفه، أو يكون حزنًا للفقر، وفقدان المال والجاه، وأسباب الدنيا. وسبب هذا الجهل بغوائل الدنيا وسمومها، ولو عرفها معرفتها لشكر الله تعالى على كونه من المخففين، دون المثقلين.
[ ٣٨٨ ]
ولو فكّر العاشق في منتهى حسن الذي يعشقه، لم يعشقه، إذ يعلم أن الدنيا حمالة المصائب، كدرة المشارب، تورث للبرية أنواع البلية، مع كل لقمة غصمة، فما أحد فيها، إلا وهو في كل حال غرض لأسهم ثلاثة، سهم نقمة وسهم رزية وسهم منية:
تناضِلهُ الأوقاتِ مِنْ كلِّ جَانبٍ فَتخطئهُ طَورًا وطَورًا تصيبهُ
فمن كان معتبرًا بما يتجدد كل يوم من ارتجاع النعم من أربابها، وحلول القوارع بأصحابها، وشدة اغتمامهم بفقدها، لم يتأسف على فواتها. ولذلك قيل لبعضهم: لم لا تغتم؟ قال: لأني لا أقتني ما يغمني فقده. ومهما أمعن الإنسان فكره في غفلة أرباب الدنيا عن الآخرة وكثرة مصائبهم فيها، تسلى عنها، وهان عليه تركها. وكان بعض الصوفية وظّف على نفسه كل يوم أن يحضر دار المرضى " أي البيمارستان " ليشاهدهم، ويشاهد عللهم ومنحهم، ويحضر حبس السلطان أيضًا، ويشاهد أرباب الجنايات ومجيئهم لإقامة العقوبات، وأيضًا يحضر المقابر، فيشاهد أرباب العزاء وسفهم على
[ ٣٨٩ ]
ما لا ينفع، مع اشتغال الموتى بما هم فيه، كان يعود إلى بيته بالشكر طول النهار على نعم الله عليه في تخليصه من كل البلايا. وحق للإنسان في الدنيا أن ينظر أبدًا ما عاش إلى من هو دونه، ليشكر، وفي الدين إلى من هو فوقه، ليشمّر. والشيطان إذا استولى نكس هذا النظر وعكسه. فإذا قيل له: لمَ تتعاطى هذا الفعل القبيح؟ اعتذر بأن بلانًا يتعاطى ما هو أكبر منه، مع أنه ليس في المعصية، ولا في الكفر مناظرة. وإذا قيل له: لما لا تقنع بهذا الموجود؟ فيقول: فلان أغنى مني، فلم أصبر على ما ليس يصبر عنه؟ وهذا عين الضلال والجهل المحض. ومهما التقى الهم بهذا العائق، بطل غمّ الحسد. فمن أنعم الله عليه بنعمة، فإن كان يستحقها، لم يغتم به وإن كان لا يستحقها، فوبالها عليه أكثر من نفعها. فأما إن كان الغم في الأمر المستقبل، فإن كان على أمر ممتنع كونه أو واجب كونه، مثل الموت فعلاجه محال. وإن كان ممكنًا كونه نظر، فإن كان لا يقبل الدفع، كالموت قبل الهرم، فالحزن له حماقة.
[ ٣٩٠ ]
وإن كان قابلًا للدفع، فلا معنى للغم، بل ينبغي أن يحتال الدفعبعقل غير مشوب بحزن. فإذا فعل ما قدر عليه، من تمهيد حيل الدفع، بقي ساكن القلب، منظرًا لقضاء الله وقدره عالمًا بأنه لا مرد لما قضاه، فيتلقاه بصبر، إن لم يندفع ويتحقق إن ما قدر فهو كائن. ويتذكر قوله تعالى: (ما أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ في الأرض وَلا في أَنْسِكُمْ إلا في كتابٍ مِنْ قَبْل أن نَبْرأهَا) الآية. وإنما حرض الناس على تهيئة أسباب الدنيا، منشأه الغرور وحسن الظن بانحسار الآفات وتقدم صفاء الأوقات، وهيهات، ثم هيهات! قال الإمام علي، ﵁: " ما قال الناس لقوم طوبى لكم، إلا وقد خبأهم الدهر ليوم سوء ". وصدق الشاعر، فيما قال:
إنّ الليالي لم تُحسنْ إلى أحَدٍ إلاّ أسَاءَتْ إليهِ بَعْدَ إحْسَانِ
وما قصر أبو منصور الثعالبي في وصف الدنيا، حيث قال:
تَسَلِّ الدّنيا وَلاَ تَخطبنّها ولا تخطبنّ قتاله من تناكَح
فليسَ يفي مرجوّهًا بمخوفها ومكروهها لما تدبَّرت راجح
لقد قالَ فيها الواصِفونَ فأكثروا وَعندِي لَها وصفٌ لعمري صالح
سلاف قصاراه زعاف، ومركب شهي، إذا استلذذته فهو جامح
وشخصٌ جميلُ يونقُ الناس حسنهُ، ولكن له أسرار سوء قبائح
فالعاقل، إذا أمعن النظر في هذه الأمور، خفّ على قلبه أكثر الغموم، إلا إذا كانت العلاقة قد استحكمت بينه وبين معشوق،
[ ٣٩١ ]
من آدمي أو مال أو عقار، أو حرفة، أو رياسة أو ولاية، أو امر من الأمور، فلا خلاص له عن غمومها، إلا بعد قطع العلائق عنها. ولا يمكن ذلك إلا بكفّ النفس عنها تدريجيًا، والاشتغال بغيرها، وإن كان ذلك الغير أيضًا مما يجانسها في وجوب التباعد عنه، ولكن لا بأس بغسل الدم بالدم، إذا كان الأول أشد لصوقًا والتزاقًا، وهذه من دقائق الرياضيات، فإن النزوع عما وقع الألف به دفعة واحدة عسر، بل ممتنع. ولذلك يرقى الصبي الذي يعلم الأدب بالترغيب في اللعب بالصولجان والطيور، ثم يكفّ عن اللعب بالترغيب في الثروة والمال، والتزيين بالثياب الجميلة وغيرها، ثم يرقيه من ذلك بالترغيب في المحمدة والثناء، ونيل الكرامة والرئاسة، ثم يرقيه بالترغيب في سعادة الآخرة، ويكون الرئاسة آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين. ولقد كانت هذه المعالجة بأمور محذورة في نفسها، ولكن مطلوبة بالإضافة إلى ما هو شرّ منها، وكأنها منازل وأطوار الآدمي يرتقي فيها واحدًا، ولا يمكن الخلاص إلا بهذا التدريج، فليراع ذلك في كل صفة استولت على النفس، واشتدت علاقتها، وبقطع العلائق تمحّى الغموم.
[ ٣٩٢ ]