أما فضائل العفة فهي الحياء، والخجل، والمسامحة، والصبر، والسخاء، وحسن التقدير، والانبساط، والدماثة، والانتظام، وحسن الهيئة، والقناعة، والهدوء، والورع، والطلاقة، والمساعدة، والتسخط،
[ ٢٨٠ ]
والظرف. أما الحياء فهو وسطبينقاحة والخنوثة، وقيل في حده أنه ألم يعرض للنفس عند الفزع من النقيصة. وقيل: إنه خوف الإنسان من تقصير، يقع فيه عند من هو أفضل منه، وقيل أنه رقة الوجه عند إتيان القبائح، وتحفظ النفس عن مذمومة يتوجه عليها الحق فيها. وبالجملة، فإنه يستعمل في الانقباض عن القبح ويستعمل في الانقباض عمّا يظنه المستحي قبحًا. وهذا الأخير يليق بالصبيان والنساء وهو مذموم من العقلاء.
والأول جميل من كل أحد والمراد بقوله: " إن الله يستحي من ذي شيبة في الإسلام أن يعذبه "، أنه يترك تعذيبه. وأما الخجل، فهو فترة النفس لفرط الحياء، وإنما يحمد في الصبيان والنساء، دون الرجال. وإنما يستحي الإنسان ممن يكبر في نفسه. فأما من يستحي من الناس، فنفسه أخسّ عنده من غيره، ومن لا يستحي من الله فلعدم معرفته لجلاله، ولذلك قال ﵇: " استحيوا من الله حق الحياء ". ولذلك قال تعالى:
[ ٢٨١ ]
(أَلَمْ يَعْلَمْ بَأَنَّ اللهَ يَرَى)، فإنه مهما أحس في نفسه أن الله يراه، فيستحي لا محالة إن كان متدينًا معظمًا، كما قال ﵇: " لاَ إيمانَ لمنْ لاَ حَيَاءَ لَهُ " لأن الحياء للإنسان، هو أول إمارات العقل، والإيمان آخر مراتب العقل، وكيف ينال المرتبة الأخيرة من لم يجاوز الأولى؟.
وأما المسامحة، فهو التجافي عن بعض الاستحقاق باختيار وطيب نفس، وهو وسط بين المنافسة والإهمال. وأما الصبر، فهو مقاومة النفس للهوى، واحتماؤها عن اللذات القبيحة. وأما السخاء فهو وسط بين التبذير والتقتير، وهو سهولة الانفاق وتجنب اكتساب الشيء من غير وجهه. وأما حسن التقدير، فهو الاعتدال في النفقات احترازًا عن طرفي التقتير والتبذير. وأما الدماثة، فهو حسن هيئة النفس الشهوانية في الاشتياق إلى المشتهيات. وأما الانتظام، فهو حال للنفس يدعوها إلى نظر ما يقدّره من النفقات حتى يناسب بعضها بعضًا. وأما حسن الهيئة فمحبة الزينة الواجبة التي لا رعونة فيها. وأما القناعة، فحسن تدبير المعاش، من غير خب. وأما الهدوء، فسكون النفس فيما تناله من اللذات الجميلة. وأما الورع، فوسط بين الرياء والهتكة، وهو تزيين النفس
[ ٢٨٢ ]
بالأعمال الصالحة الفاضلة طلبًا لكمال النفس، وتقربًا إلى الله دون الرياء والسمعة. وأما الطلاقة فهو المزاج بالأدب من غير فحش وافتراء، وهو وسط بين الإفراط والتفريط في الجد والهزل، وأما الظرف، فهو وسط بين التقطيب الذي هو الإفراط في التحاشي وبين الهزل، وهو أن يعرف الإنسان طبقات الجلساء، ويحفظ أوقات الأنس ويعطي كلًا ما هو أهله من المباسطة في الوقت معه.
ولما كان الإنسان مفتقرًا إلى استراحة ضرورية ترويحًا للقلب، لم يكن بد من نوع من العشرة. والدعابة مستطابة غير مترقية إلى الهزل، لكن بمقدار ما يفارق به الإنسان حدّ التوحش وسيرة الجفاء غير مجاوز إلى دأب المساخر في المضحكات. وقد نقل من دعابة رسول الله وأصحابه ما ينبّه على جنسه، ولسنا نطول به، وأما المساعدة، فهو وسط بين الشكاسة والملق، وهو ترك الخلاف، والإنكار على المعاشرين في الأمور الاعتيادية إيثارًا للتلذذ بالمخاطبة. وأما التسخط، فهو وسط بين الحسد والشماتة، وهو الاغتمام بالخيرات الواصلة إلى من لم يستحقها، والشرور التي تلحق من لا يستحقها.
وأما الرذائل المندرجة تحت رذيلتي العفة، فهي الشره،
[ ٢٨٣ ]
وكلال الشهوة، والوقاحة، والتخنث، والتبذير، والتقتير، والرياء، والهتكة، والكزازة، والمجانة، والعبث، والتحاشي، والشكاسة، والملق، والحسد، والشماتة. فأما الوقاحة، فلجاج النفس في تعاطي القبيح، من غير احتزاز من الذم. وأما التخنث، فحال يعتري النفس من إفراط الحياء، يقبض النفس عن الانبساط قولًا وفعلًا. وأما التبذير فإفناء المال، فيما لا يجب وفي الوقت الذي لا يجب فيه، وأكثر مما يجب. وأما التقتير، فهو الامتناع من إنفاق ما يجب، وسببه البخل والشح واللؤم. ولكل واحد من هذه الثلاثة رتبة، وأما التقتير، فهو الامتناع من إنفاق ما يجب، وسببه البخل والشح واللؤم. ولكل واحد من هذه الثلاثة رتبة.
[ ٢٨٤ ]
أما البخيل، فهو الذي يفرط ويقصر في الإنفاق، خوفًا من أن تضطره الفاقة إلى المسئلة، والتذلل للأعداء، وكأن سبب البخل هو الجبن عند البحث. وأما الشحيح فهو الذي يجمع إلى ما ذكرناه أن يكره حسن حال غيره، طمعًا في أن يضطره إلى الحاجة إليه، فينال به الجاه والرفعة، ومنشأ هذا ضرب من الجهل. وأما اللئيم، فهو الذي يجمع إلى هذه الصفات احتمال العار في الشيء الحقير، وسببه نوع من الخبث، وذلك مثل المتلصص والدّيوث. وأما الرياء فهو التشبه بذوي الأعمال الفاضلة، طلبًا للسمعة والمفاخرة. وأما الهتكة، فالإعراض عن تزيين النفس بالأعمال الفاضلة، والمجاهرة بأضدادها، وأما الكزازة، فاإفراط في الجد. وأما المجانة فالإفراط في الهزل، وأما العبث فالإفراط في الإعجاب بلقاء الجليس والأنيس. وأما التحاشي، فإفراط في التبرم بالجليس. وأما الشكاسة، فمخالفة المعاشرين، في شرائط الأنس، وأما الملق فالتحبب إلى المعاشرين، مع التغافل عما يلحقه من عار الاستخفاف.
[ ٢٨٥ ]
وأما الحسد، فالاغتمام بالخير الواصل إلى المستحق، الذي يعرفه الحاسد. وأما الشماتة، فالفرح بالشر الواصل إلى غير المستحق، ممن يعرفه الشامت. وأما العدالة، فجامعة لجميع الفضائل والجور المقابل لها، فجامع لجميع الرذائل، وما من خلق من هذه الأخلاق، إلا وقد ورد في فضائله أخبار باعثة عليه، وفي رذائله زواجر عنه، ولم نر تطويل الكتاب بها، فليطلب ذلك من آداب النبي ﵇، وغيره من الكتب، وإنما الغرض بيان أن الإنسان بسبب هذه القوى الثلاث يحصّل هذه الأخلاق كلها. ولكل واحد طرفان وواسطة، وهو مأمور بالتوسط والاستقامة بين طرفي الإفراط والتفريط في جملة ذلك. حتى إذا حصل ذلك كله، كمل كمالًا بقربه إلى الله تقريبًا، بالرتبة لا بالمكان، بحسب قرب الملائكة المقربين من الله ﷿. فلله البهاء الأعظم، والكمال الأتم. وكل موجود فمشتاق إلى الكمال الممكن له، وهو غايته المطلوبة منه، فإن ناله التحق بأفق العالم الذي فوقه،
[ ٢٨٦ ]
وإن حرم عنه انحط إلى الحضيض الذي تحته، فالإنسان بين أن ينال الكمال، فليلتحق في القرب من الله بأفق الملائكة، وذلك سعادته، أو يقبل على ما هو مشترك بينه وبين البهائم، من رذائل الشهوة والغضب، فينحط إلى درجة البهائم، ويملك هلاكًا مؤبدًا، وهو شقاوته، ومثاله الفرس الجواد الذي كماله في شدة عدوه، فإن عجز عن ذلك حط إلى رتبة ما دونه، فاتخذ حمولة وأكولة. ومراتب الكمال للإنسان بحسب هذه الأخلاق وبحسب العلوم غير منحصرة، ولذلك تتفاوت درجات الخلق في الآخرة، كما تتفاوت في الدنيا في الخلق والأخلاق، والثورة واليسار وسائر الأحوال.