السعادة التي اتفق عليها المحققون من الصوفية بأجمعهم، وساعدهم من النظار طوائف سواهم: إن تأثير العمل لإزالة ما لا ينبغي، والسعي في العلم، سعي في تحصيل ما ينبغي وإزالة ما لا ينبغي، شرط لتفريغ المحل لما ينبغي، والمشروط هو المقصود، وهو أشرف من الشرط. ومثاله من أراد استيلاد إمرأة بها علة، تمنع العلوق، فعليه وظيفتان: إحداهما إماطة العلة المفسدة للحمل، المانعة من العلوق، والأخرى إيداع النطفة بعد إزالة العلة المانعة. فالأولى شرط للثانية، والثانية هي الغاية المطلوبة. وإذا فرضت دارًا بنيت لملك، رتبة تلك الدار نزول الملك فيها، وقد اغتصبها القردة والخنازير، فجمال تلك الدار وكمالها موقوف على أمرين: أحدهما إزعاج القردة النازلين فيها بغير حق والآخر نزول المستحق.
[ ٢١٧ ]
وإذا فرضنا مرآة صدئة قد ستر الخبث صفاها، ومنع انطباع صورنا فيها، فكمال المرآة أن تستعدّ لقبول الصور، فتحكيها كما هي عليها، وعلى مكملها وظيفتان: إحداهما الجلاء والثقل، وهي إزالة الخبث الذي ينبغي أن لا يكون، والثانية أن يحاذي بها نحو المطلوب حكاية صورته. فكذلك نفس الآدمي مستعدة لأن تصير مرآة، يحاذي بها شطر الحق في كل شيء، فتنطبع به كأنها هو من وجه، وإن كانت غيره من وجه آخر، كما في الصورة والمرآة. وكمالها في مثل هذه الدرجة وهذه الخاصة التي فارقت بها ما تحتها من الحيوانات، إذ هذا الاستعداد مسلوب عن الحيوانات كلها، سوى الآدمي بالقوة والفعل جميعًا، كما انسلب عن التراب والخشب الاستعداد لحكاية الصور، وأن يكون مرآة لها، وهو موجود بالفعل أبدًا للملائكة، لا يفارقها، كما أنه موجود للماء الصافي، فإنه يحكي الصورة بطبعه حكاية مخصوصة، وهو موجود للآدمي بالقوة لا بالفعل. فإن جاهد نفسه التحق بأفق الملائكة، وإن استمر على الأسباب الموجبة لتراكم الخبث على مرآة النفس، باتباع الشهوات، اسودّ قلبه وتراكمت ظلمته، وبطل بالكلية استعداده، والتحق بأفق البهائم، وحرم سعادته وكماله حرمانًا أبديًا، لا تدارك له.
فإذن العمل معناه كسر الشهوات بصرف النفس عن
[ ٢١٨ ]
صوبها، إلى الجنبة العالية الآلهية، ليمحي عن النفس الهيئات الخبيثة، والعلائق الردية التي ربطتها بالجنبة السافلة. حتى إذا محقت تلك العلائق، أو ضعفت حوذي بها نحو النظر في الحقائق الآلهية، ففاضت عليه من جهة الله تعالى تلك الأمور الشريفة، كما فاضت على الأولياء والأنبياء والصديقين. وذلك صيد ينفق على قدر الرزق، وبأحكام الأصل فيه يزيد الاسترزاق، كما يعرضن من زيادة الاسترزاق بالأسباب في اقتناص الصيد، بل في اقتناص الربح والتجارة، بل في اقتناص فقه النفس. فإن القليل بالاجتهاد قد يجاوز حد المجتهدين بمزيد ذكاء فطري، فكذا طهارة النفس عن هذه العلائق في أول الفطرة في غاية الاختلاف. ثم الجهد أيضًا يختلف وينشأ من ذلك تفاوت لا ينحصر، فكذا سعادة الآخرة. ففيضان هذه الرحمة من الله ﷿ على النفس غاية المطلوب، وهو عين السعادة التي للنفس بعد الموت، ولكنها مشروطة بإزالة العلائق ومحو الصفات الردية التي تأكدت للنفس باتباع الشهوات.
فإذن العمل يرجع إلى مجاهدة النفس بإزالة ما لا ينبغي. وإذا نسب إلى اتباع الشهوات ظهرت فضيلتها، وإذا نسب إلى تحصيل ما ينبغي كانت رتبتها منه مرتبة
[ ٢١٩ ]
الشرط من المشروط، والخادم من المخدوم، وما أريد لغيره بالنسبة إلى ما أريد لنفسه، وعليه نبه النبي ﷺ إذا قال: " الإيمان بضع وسبعون بابًا، أدناها إماطة الأذى من الطريق. والمجاهدة بالعبادات أكثر أغراضها إماطة الأذى عن الطريق.
ولقائل أن يقول المراد بالحديث التقاط الزجاج العظم والحجارة من الشوارع، وأن هذا هو السابق إلى فهم الأكثرين. ولقائل آخر: أن يقول إن الناس يتفاوتون في فهم معاني الألفاظ، على حسب تفاوت رتبهم، ولذلك قال ﵇: " نضر الله أمرًا سمع مقالتي فوعاها، ثم أدّاها كما سمعها، فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ". فلولا أن في ألفاظه ما يسبق إلى فهم غير الفقيه خلاف ما يسبق إلى فهم الفقيه، لما أكد الوصية بذلك. ثم ليت شعري إذا فهم غير الفقيه خلاف ما يسبق إلى فهم الفقيه، لما أكد الوصية بذلك. ثم ليت شعري إذا فهم غير الفقيه خلاف ما يسبق إلى فهم الفقيه أو الأفقه أو في جانب غيرهم؟ ولا شك أن هذا عزيز نادر، والغالب خلافه. فالسابق إلى فهم الجماهير يكاد الحق يجانبه، وينحاز إلى ما يفهمه الفقيه والأفقه، ولا سيما في لفظ لا يصرح بالتخصيص. فإن لفظ الأذى عام، ولفظ الطريق عام. ولو أريد الخاص لذكر الزجاج أو المدر ونبه على أمثاله. وذلك الظاهر أيضًا مندرج تحت العموم، فإنه بذلك العمل
[ ٢٢٠ ]
أيضًا مصلح نفسه، ومهذب خلقه، ومميط عن النفس رذيلة الغفلة والغشاوة، وقلة الشفقة، على ما سنذكره في تفصيل سوء الأخلاق وحسنها.
فقد عرفت أن سعادة النفس وكمالها أن تنتقش بحقائق الأمور الآلهية وتتحد بها حتى كأنها هي، وأن ذلك لا يكون إلا بتطهير النفس عن هيئات ردية تقتضيها الشهوة والغضب، وذلك بالمجاهدة والعمل. فالعمل للطهارة، والطهارة شرط ذلك الكمال. ولذلك قال ﵇: " بني الدين على النظافة ".