للإنسان حالتان، حالة قبل الموت، وحالة بعد الموت. أما قبل الموت، فينبغي أن يكون الإنسان فيها دائم الذكر للموت، كما قال ﵇: " أكثروا من ذكر هازم اللذات، فإنه ما ذكره أحد في ضيق إلا وسعه عليه، ولا في سعة إلا ضيقها عليه ". والناس فيها قسمان: غافل وهو الأحمق الحقيقي الذي لا يتفكر في الموت وما بعده إلا نظرًا، في حال أولاده وتركاته عند موته، ولا ينظر ويتدبر في أحوال نفسه، ولكن لا يتذكر إلا إذا رأى جنازة فيقول بلسانه: (إنا لله وَإِنَّا إِليهِ راجِعُون)، ولا يرجع إلى الله ﷿ بأفعاله إلا بأقواله، فيكون كاذبًا في أقواله تحقيقًا. وأما العاقل الكيس فلا يفارقه ذكر الموت، كالمسافر إلى مقصد الحاج مثلًا، فإنه لا يفارقه ذكر المقصد، وأشغال المنازل في الحط والترحال لا تنسيه مقصوده. وعلى الجملة، فذكر الموت يطرد فضول الأمل، ويكف غرب المنى، فتهون المصائب ويحول بين الإنسان وبين الطغيان.
[ ٣٩٣ ]
ومن ذكر الموت، تتولد القناعة بما رزق والمبادرة إلى التوبة، وترك المحاسدة والحرص على الدنيا والنشاط في العبادة، وينبغي أن يكون المتراخي عن عبادته، ألا يصبح يومًا إلا ويقدّر أنه سيموت تقديرًا للموت العاجل، فإنه ممكن. ومهما قدّر الموت بعد سنين، لم يحرص على العبادة، ولم تفتر رغبته في الدنيا، بل لا ينبغي أن يهمل نفسه أكثر من يوم، فيصبح كل يوم على تقدير الاستعداد للرحلة نهارًا. فكل من ينتظر أن يدعوه ملك من الملوك كل ساعة، فينبغي أن يكون مستعدًا للإجابة، فإن لم يكن فربما يأتيه الرسول، وهو غافل فيحرم عن السعادة. وما من وقت، إلا ويرى فيه الموت ممكنًا، فإن قلت: الموت فجأة بعيد، قلت: فإذا وقع المرض، فالموت غير بعيد. وذلك يمكن في أقل من يوم، ولا يكون بعيدًا.
وأما الاغتمام لأجل الموت، فليس من العقل أيضًا، فإن ذلك الغم لا يخلو من أربعة أوجه: إما لشهوة بطنه وفرجه، وإما على ما يخلّفه من ماله، وإما على جهله بحاله بعد الموت وماله، وإما لخوفه على ما قدّمه من عصيانه. فإن كان ذلك لشهوة بطنه وفرجه، فهو كمشتهي داء ليقابله بداء مثله، فإن معنى لذة الطعام إزالة ألم الجوع، ولذلك إذا
[ ٣٩٤ ]
زال الجوع وامتلأت المعدة، كره عين ما اشتهاه، كمن يشتهي القعود في الشمس ليناله الحر، حتى يتلذذ بالرجوع إلى الظل، وكن يشتهي الحبس في حمام حار، ليدرك لذة ماء الثلج، إذا شربه، وهو عين الرقاعة والخرق. وإن كان ذلك على ما يخالفه من ماله، فهو بجهله بخساسة الدنيا وحقارتها، بالإضافة إلى الملك الكبير والنعيم المقيم الموعود للمتقين. وإن كان ذلك لجهله بعاقبة أمره بعد الموت، فعليه أن يطلب العلم الحقيقي، الذي يكشف له حال الإنسان بعد موته، كما قال حارثة للنبي ﷺ: " كأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتلا عنون فيها "، وهذا العلم إنما يحصل بالبحث عن حقيقة النفس وماهيتها، ووجه علاقتها بالبدن، ووجه خاصيتها التي خلقت لها، ووجه التذاذه بخاصيته وكماله، مع معرفة الرذائل المانعة له من كماله، وقد نبه الشرع عليه في مواضع كثيرة، وأمر بالتفكر في النفس، كما أمر بالتفكر في ملكوت السموات والأرض. وإن كان ذلك لما سبق من عصيانه، فلا ينفع الغم فيه، بل المداواة، وهو المبادرة إلى التوبة وإصلاح ما فرط من أمره، بل مثاله في الاغتمام وترك التدارك مثل من فتح عرق من عروقه، وقد خرج بعض دمه، وهو قادر على تعصيبه وحفظ حشاشه،
[ ٣٩٥ ]
فأهمله وجلس متأسفًا على خروج ما خرج من دمه. وذلك أيضًا من الحماقة فإن الفائت لا تدارك له، ولا ينفع فه التأسف، فليشتغل بالمستقبل.
الحالة الثانية حال الإنسان عند الموت، والناس عنده ثلاثة أقسام: الأول ذو بصيرة، علم أن الموت يعتقه، والحياة تسترقه، وإن الإنسان، وإن طال في الدنيا مكثه، فهو كخطفه برق، لمعت في أكناف السماء، ثم عادت للاختفاء. فلا يثقل عليه الخروج من الدنيا، إلا بقدر ما يفوت من خدمة ربه، ﷿، والازدياد من تقربه والاشفاق مما يقول أو يقال له. كما قال بعضهم، لما قيل له: لم تجزع؟ قال: لأني أسلك طريقًا لم أعهده، وأقدم على رب لم أره ولا أدري ما أقول وما يقال لي. ومثل هذا الشخص لا ينفر من الموت بل إذا عجز عن زيادة العبادة ربما اشتاق إليه. وقال بعضهم في مناجاته: إلهي إن سألتك الحياة في دار الممات فقد رغبت في البعد عنك وزهدت في القرب منك. فقد قال نبيك وصفيك ﷺ: " من حب لقاء الله أحب الله لقاءه
[ ٣٩٦ ]
ومن كره لقاء الله فقد كره الله لقاءه ". والثاني رجل رديء البصيرة متلطخ السريرة منهمك في الدنيا منغمس في علائقها، رضي بالحياة الدنيا وطمئن بها ويئس من الدار الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور. فإذا خرج إلى دار الخلود أضر به كما تضر رياح الورد بالجعل. وإذا خرج من قاذورات الدنيا لم يوافقه عالم العلاء ومصباح الملأ الأعلى فكان كما قال الله تعالى: (وَمَنْ كَانَ فِي هَذه أَعْمَى فَهُوَ في الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلّ سَبِيلًا)، فإن الدنيا سجن الأول وجنة الثاني. والأول كعبد دعاه مولاه فأجابه طوعًا فقدم عليه مسرورًا يتوفره على الخدمة، والثاني كعبد آبق رد إلى مولاه مأسورًا وقيد إلى حضرته مقهورًا، فيبقى ناكس الرأس بين يدي مولاه مختزيًا من جنايته، وشتان ما بين الحالين. والقسم الثالث رتبة بين الرتبتين: رجل عرف غوائل هذا العالم وكره صحبته ولكن أنس به وألفه، فسبيله سبيل من ألف بيتًا مظلمًا قذرًا ولم ير غيره. فهو يكره الخروج منه وإن كان قد كره دخوله. فإذا خرج رأى ما أعد الله للصالحين لم يتأسف على
[ ٣٩٧ ]
ما كره فواته بل قال: (الحَمْدُ للهِ الّذي أَذْهَبَ عَنّا الحُزْنَ إنّ رَبّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ، الّذي أَحَلَّنَا دَارَ المُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) . ولا يبعد أن يكره الإنسان مفارقة شيء ثم إذا فارقه لا يتأسف عليه، فالصبي وقت الولادة يبكي لما يناله من ألم الانتقال، ثم إذا عقل لم يتمن العود إليه. والموت ولادة ثانية يستفاد بها كما لم يكن قبل، بشرط أن لا يكون قد تقدم ذلك الكمال من الآفات والعوارض ما أبطل قبول المحل للكمال، كما أن الولادة سبب لكمال مغبوط لم يكن عند الاجتنان، بشرط أن لا يكون قد تمكن في رحم الأم من الأسباب والعلل والعوارض ما منع قبول الكمال، ولكون الموت سبب كمال قال بعضهم: ينبغي أن يكون دعاؤنا لعزرائيل ﵇ وشكرنا له مثل دعاؤنا لجبرائيل وميكائيل وإسرافيل. فإن جبرائيل وميكائيل هما سببان لا علامنا بما فيه خلاصنا من الدنيا ونجاتنا في الآخرة، وذلك بواسطة محمد ﷺ، وملك الموت سبب إخراجنا إلى ذلك العالم فحقه عظيم وشكره لازم، وقد حكي عن طائفة من حكماء الأمم السابقة أنهم كانوا
[ ٣٩٨ ]
يعظمون رجلًا بالتقديس والتسبيح من حيث اعتقدوا أنه لا يعين على الحياة العرضية، بل هو سبب للهلاك الذي به الخلاص من هذه الدنيا الدنية.