اعلم أن شرف العقل، من حيث كونه مظنة العلم والحكمة وآلة له، ولكن نفس الإنسان معدن للعلم والحكمة، ومنبع لها، وهي مركوزة فيها بالقوة في أول الفطرة، لا بالفعل، كالنار في الحجر والماء في الأرض والنخل في النواة. ولا بد من سعي في إبرازه بالفعل، كما لا بد من سعي في حفر الآبار لخروج الماء. ولكن كما أن من الماء ما يجري من غير فعل بشري، ومنه ما هو كامن محتاج في استنباطه إلى حفر وتعب، ومنه ما يحتاج فيه إلى تعب قليل، كذلك العلم في النفوس البشرية، ممننه ما يخرج إلى الفعل من القوة بغر تعلم بشري، كحال الأنبياء ﵈، فإن علومهم تظهر من جهة الملأ الأعلى، من غير واسطة بشريّ، ومنه ما يطول الجهد فيه كأحوال العامة من الناس، لا سيما ذوو البلادة، الذين كبر سنهم في الغفلة والجهل، ولم يتعلموا زمن الصبا،
[ ٣٣٤ ]
ومنه ما يكفي فيه السعي القليل، كحال الأذكياء من الصبيان.
ولكون العلوم مركوزة في النفوس، قال الله تعالى: (وَإِذَا أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالوا بَلَى) . فالمراد بإقرار نفوسهم المعنى الذي أشرنا إليه، من كونها موجودة بالقوة دون إقرار الألسنة، فإنها لم تحصل من كلّهم عند الظهور، بل من بعضهم، وكذلك قوله تعالى: (وَلَئَنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُن الله)، معناه لئن اعتبرت أحوالهم شهدت نفوسهم وبواطنهم بذلك، " فطرة الله التي فطر الناس عليها ". فكل آدمي فطر على الإيمان وما جاء الأنبياء إلا بالوحيد. ولذلك قال: " قولوا لا إله إلا الله ". فإنه لن يصادف إلا من هو مصدق بالإله، وإنما غلط في عينه أو صفته. ثم لما كان الإيمان بالله مركوزًا في النفوس بالفطرة، انقسم الناس إلى من أعرض فنسي، وهم الكفار، وإلى من أجال خاطره، فتذكر وكان كمن جمل شهادة
[ ٣٣٥ ]
فنسيها بغفلة ثم تذكرها. ولذلك قال تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرون)، (وَلْيذَكّرّ أوْلوا الألبابِ)، (وَاذْكُروا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقُهُ الذي وَاثَقَكُمْ بِه)، (وَلَقَدْ يَسّرنا القُرآنَ لِلذِّكر فَهَلْ مِنْ مُذَّكِر) . والتذكير هو أكثر ما يعبر به، وتسمية هذا النمط تذكرًا ليس ببعيد. وكأن التذكير ضربان: أحدهما أن يتذكر صورة كانت مكتسبة في قلبه بالعقل، ثم غابت عنه، والآخر أن يكون تذكره لصورة مضمّنة بالفطرة في الإنسان. ولذلك قال المحققون: التعلم ليس يجلب للإنسان شيئًا من خارج بل يكشف الغطاء عما حصل في النفوس بالفطرة، كحال مظهر الماء من الأرض، ومظهر الصور في المرآة بالجلاء. وهذه حقائق ظاهرة للناظرين بعين العقل، ثقيلة على من جمد به قصوره على أول رتبة صبيان المكتب، في اعتلاق طبعهم بسوابق الخيالات، من ظواهر الألفاظ، من غير تحقيق لها.
[ ٣٣٦ ]