إن الأزمنة الفاضلة محل لاستجابة الدعاء قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
وهذه الآية اكتنفها قبلها وبعدها تشريع الصيام، ولهذا قال في التحرير والتنوير: (١) وفي هذه الآية إيماء إلى أن الصائم مرجو الإجابة، وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من رمضان.
قال الحافظ ابن كثير: (٢) وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء، متخللة بين أحكام الصيام إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة بل وعند كل فطر، كما روى أبو داود الطيالسي (٣) في مسنده عن عبد الله بن عمرو - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول: «للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة» فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر جمع أهله وولده ودعا.
_________________
(١) التحرير والتنوير ٢/ ١٧٩.
(٢) تفسير ابن كثير دار طيبة ١/ ٥٠٩.
(٣) أخرجه الطيالسي (رقم: ٢٢٦٢) والبيهقي في شعب الإيمان (رقم: ٣٩٠٧).
[ ١٠٧ ]
وروى ابن ماجه: (١) عن عبد الله بن عمرو - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد» وكان عبد الله يقول إذا أفطر: اللهم إنى أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي» (٢).
وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبى هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاثة لا ترد دعوتهم الإمام العادل والصائم حين يفطر ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الرب وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين» (٣) ا. هـ.
وقد أخرج أحمد (٤) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -، وأبي سعيد - ﵁ -، أن النبي - ﷺ -، قال: «لله عتقاء في كل ليلة ولكل مسلم دعوة مستجابة» وله شاهد عند أحمد من حديث أبي أمامة (٥) (٦).
_________________
(١) ابن ماجه (رقم: ١٧٥٣) قال البوصيري (٢/ ٨١): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.
(٢) وذكره الحكيم (١/ ٢٩٩) وابن السني في عمل يوم وليلة (رقم: ٤٨٢) والحاكم (رقم: ١٥٣٥) والبيهقي في شعب الإيمان (رقم: ٣٩٠٤).
(٣) أخرجه أحمد (رقم: ٩٧٤١) والترمذي (رقم: ٣٥٩٨) وقال: هذا حديث حسن. وابن ماجه (رقم: ١٧٥٢) وابن حبان (رقم: ٨٧٤) والبيهقي (رقم: ٦١٨٦) وابن خزيمة (رقم: ١٩٠١).
(٤) أخرجه أحمد (رقم: ٧٤٤٣) قال الهيثمي (١٠/ ٢١٦): رجاله رجال الصحيح.
(٥) هو: صدي بن عجلان بن وهب، أبو أمامة، الباهلي. غلبت عليه كنيته. صحابي. كان مع علي في «صفين». روى عن النبي - ﷺ - وعن عمر وعثمان وعلي وأبي عبيدة ومعاذ وأبي الدرداء عبادة بن الصامت وغيرهم - ﵃ -. روى عنه أبو سلام الأسود ومحمد ابن زياد الألهاني وخالد بن معدان وغيرهم. توفي في أرض حمص. وهو آخر من مات من الصحابة بالشام. له في الصحيحين ٢٥٠ حديثًا. انظر: الإصابة ٢/ ١٨٢، والاستيعاب ٢/ ٧٣٦، وطبقات ابن سعد ٧/ ٤١١ والأعلام ٣/ ٢٩١.
(٦) بلفظ: «إن لله - ﷿ - عند كل فطر عتقاء» أخرجه أحمد (رقم: ٢٢٢٥٦).
[ ١٠٨ ]
وثالث عن جابر - ﵁ - عند ابن ماجة (١)، ومن الأدلة على استجابة الدعاء ما ثبت في الصحيحين عنه ﵊، أنه قال: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة» (٢) وفي رواية: «أبواب السماء» (٣) وهذا مستلزم لإجابة الدعاء؛ كما أنه مستلزم لقبول العمل، ففتح أبواب السماء ترغيبًا للعابدين والداعين، وأيضا شهر رمضان شهر قرب من الله لمن وفق للعمل الصالح، فهو يشبه حال الساجد في الصلاة، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وأيضًا دلت الأدلة بالاستقراء أن الثلث الأخير أحظى بإجابة الدعاء؛ كما في ثلث الليل الآخر، وفيه وقت التنزيل الإلهي للمولى سبحانه على ما يليق به، وعشر رمضان الأواخر، فكذا الشهور الأربعة في السنة الهلالية فثلثها الأخير أفضل أثلاثها ومبدؤه رمضان، وهذا بالاتفاق، ولهذا في الصحيح قال - ﷺ -: «شهرا عيد لا ينقصان» (٤) وهما رمضان وذو الحجة، وأيضًا ثلث النهار الآخر تقع الصلاة الوسطى، وهي صلاة العصر بلا مراء، وبعده الأصيل وختم النهار، وفي التنزيل: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ١٠٦]. فسرت بالعصر فيحلف، وهذا من باب تغليظ اليمين في زمانه؛ لأن هذا وقت فاضل ولهذا في الصحيح: «ورجل حلف بعد العصر كاذبًا» (٥) وهذا يدل على شدة الكذب في هذا الزمان الفاضل، والخلاصة أن الزمن الفاضل بالاستقراء ظرف لاستجابة الدعاء، هذا
_________________
(١) بلفظ: «إن لله عند كل فطر عتقاء، وذلك في كل ليلة» أخرجه ابن ماجه (رقم: ١٦٤٣).
(٢) أخرجه البخاري (رقم: ١٧٩٩) ومسلم (رقم: ١٠٧٩).
(٣) البخاري (رقم: ١٨٠٠) ومسلم (رقم: ١٠٧٩).
(٤) أخرجه البخاري (رقم: ١٨١٣) ومسلم (رقم: ١٠٨٩).
(٥) أخرجه البخاري (٢/ ٨٣٤، رقم ٢٢٤٠)، ومسلم (١/ ١٠٣، رقم ١٠٨).
[ ١٠٩ ]
هو الأصل الذي دلت عليه النصوص؛ إما نصًا أو إيماءً.
هل من أوقات الإجابة ما أخرجه أحمد (١)، وابن عبد البر في التمهيد: (٢) من طريق كثير يعني بن زيد حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك حدثني جابر يعني بن عبد الله - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - دعا في مسجد الفتح ثلاثًا يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين، فعرف البشر في وجهه، قال جابر - ﵁ -: فلم ينزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة. (٣)
والجواب: أن الخبر غير ثابت، ولو صح لكان المعول على الإلحاح بالتكرار، فهذا هو المعهود في أنه من أسباب الإجابة، فإن قيل هذا يدفعه كلام جابر - ﵁ -.
فالجواب: لا يلزم فإن دعاء المؤمن مستجاب في الأصل، فكيف بخاصة أوليائه من أصحاب النبي - ﷺ -، وإنما هو ظن منه - ﷺ - بالخصيصة.
_________________
(١) أحمد (رقم: ١٤٥٦٣).
(٢) التمهيد (١٩/ ٢٠١).
(٣) سئل: يحيى بن معين عن كثير بن زيد، فقال: ليس بذاك القوى. وقال عبد الرحمن: سئل أبى عن كثير بن زيد، فقال: صالح ليس بالقوي يكتب حديثه. وسئل أبو زرعة عن كثير بن زيد، فقال: هو صدوق فيه لين. الجرح والتعديل لعبد الرحمن الرازي (٧/ ١٥٠) وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن كثير بن زيد، فقال: ما أرى به بأس. العلل ومعرفة الرجال (رقم: ٢٤٠٦).
[ ١١٠ ]