الأصل أن الأذكار لابد من الإتيان بها بألفاظها دون زيادة أو نقص أو تبديل؛ لأن ألفاظ الشارع مقصودة يتعبد له بها، وهذا يفوت بالمخالفة؛ لأن الذكر عبادة بابها التوقيف، والوقوف على الرسوم وهذا بخلاف الأدعية النبوية، وهي وإن كانت متلقاة من الشارع لكن للعبد فيها سعة، ولهذا في حديث جابر بن عبد الله - ﵁ -، قال: كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن. الحديث. (١)
قال القسطلاني في إرشاد الساري (٢) ما نصه: «كما يعلمنا السورة من القرآن»، قال في البهجة: التشبيه في تحفظ حروفه وترتيب كلماته ومنع الزيادة والنقص منه والدرس له والمحافظة عليه. ا. هـ.
وفي حديث ابن مسعود - ﵁ - يقول: علمني رسول الله - ﷺ - وكفي بين كفيه التشهد كما يعلمني السورة من القرآن. الحديث متفق عليه. (٣)
قال أبو الفضل في الفتح (٤) ما نصه: وفي رواية الأسود بن يزيد
_________________
(١) البخاري (رقم: ١١٠٩ - ٦٠١٩).
(٢) أرشاد الساري ٩/ ٢١٦.
(٣) البخاري (رقم: ٥٩١٠) ومسلم (رقم: ٤٠٢).
(٤) الفتح (١١/ ١٨٤).
[ ١٧٦ ]
عن ابن مسعود - ﵁ - أخذت التشهد من في رسول الله كلمة كلمة. أخرجها الطحاوي (١) وفي حديث سلمان نحوه وقال: حرفًا حرفًا. أخرجه الطبراني. (٢)
وعند ابن خزيمة (٣) من طريق عبد الله بن مسعود - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - علمه التشهد في الصلاة، قال: كنا نحفظه عن عبد الله بن مسعود كما نحفظ حروف القرآن الواو والألف. الحديث.
ولذا في حديث البراء بن عازب - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به» قال فرددتها على النبي - ﷺ - فلما بلغت اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت قلت ورسولك، قال: «لا ونبيك الذي أرسلت» متفق عليه. (٤)
وفي لفظ للترمذي: (٥) فقلت: وبرسولك الذي أرسلت، قال: فطعن بيده في صدري، ثم قال: «وبنبيك الذي أرسلت».
قال في فتح الباري (٦) ما نصه: وأولى ما قيل في الحكمة في رده - ﵁ - على من قال الرسول بدل النبي، أن ألفاظ الأذكار توقيفية،
_________________
(١) شرح معاني الآثار (رقم: ١٥٦٢).
(٢) المعجم الكبير الطبراني (رقم: ٦١٧١).
(٣) صحيح ابن خزيمة (رقم: ٧٠٢).
(٤) البخاري (رقم: ٢٤٤)، ومسلم (رقم: ٢٧١٠).
(٥) الترمذي (رقم: ٣٣٩٤).
(٦) فتح الباري ١١/ ١١١.
[ ١٧٧ ]
ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس، فتجنب المحافظة على اللفظ الذي وردت به، وهذا اختيار المازري، قال: فيقتصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه، وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف، ولعله أوحى إليه بهذه الكلمات فيتعين أداؤها بحروفها.
وهذا كلام متين غاية في التحرير، ولهذا جاء في فتاوي اللجنة: (١) ما نصه: سؤال: إذا قال المسلم بعد الأذان: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد. فهل قوله في ذلك: إنك لا تخلف الميعاد بدعة؟
الجواب: الأصل في الأذكار وسائر العبادات الوقوف عند ما ورد من عباراتها وكيفياتها في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، لما رواه البخاري (٢) وغيره عن البراء بن عازب - ﵁ -، قال: قال النبي - ﷺ - «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تقول، فقلت - أستذكرهن: وبرسولك الذي أرسلت، قال: لا، ونبيك الذي أرسلت». فأبى النبي - ﷺ - على البراء بن عازب أن يضع كلمة: ورسولك، مكان كلمة: ونبيك، في الذكر والدعاء عند النوم. الخ. ا. هـ.
_________________
(١) فتاوي اللجنة ٦/ ٩٠.
(٢) البخاري (رقم: ٢٤٤)، وأخرجه: مسلم (رقم: ٢٧١٠) الترمذي (رقم: ٣٣٩٤).
[ ١٧٨ ]