الأصل أن يقوم العبد بالذكر من تِلقاء نفسه ولا يقوم به غيرُه، فالذكر عبادة لا تدخلها النيابة كالصلاة فلا يصلي أحد عن أحد. وهذا لا يمنع الإعانة بالتلقين للجاهل والتعويذ للصبية، وقد أخرج البخاري في صحيحة (١) من طريق: سعيد بن جبير، عن ابن عباس - ﵄ -، قال: كان النبي - ﷺ - يعوذ الحسن والحسين، ويقول: «إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق، أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة». ولفظه عند ابن ماجة: (٢) «أعيذكما بكلمات الله التامة».
ورواه أبو داود: (٣) من طريق محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله - ﷺ - كان يعلمهم من الفزع كلمات: «أعوذ بكلمات الله التامة، من غضبه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون». وكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من عقل من بنيه، ومن لم يعقل كتبه فأعلقه عليه ا. هـ.
ولفظه عند أحمد في مسنده: (٤) من طريق ابن إسحاق به، قال:
_________________
(١) البخاري (رقم: ٣١٩١).
(٢) ابن ماجه (رقم: ٣٥٢٥).
(٣) أبو داود (رقم: ٤٧٣٩).
(٤) أحمد (رقم: ١٦٥٧٣).
[ ٢٥٤ ]
كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع: «بسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة، من غضبه وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون» قال: فكان عبد الله بن عمرو: يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم صغيرًا لا يعقل أن يحفظها كتبها له فعلقها في عنقه.
ومداره على ابن إسحاق، ويخشى من تدليسه، ولم يصرح بالسماع، فهذا الخبر الموقوف على ابن عمرو فيه نظر، والمحفوظ في الأحاديث التعويذ للصبية لا التعليق عليهم.
فائدة أخرج البخاري: (١) تحت باب: ما يتعوذ من الجبن. من طريق عمرو بن ميمون الأودي، قال: كان سعد يعلم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة ويقول: إن رسول الله - ﷺ - كان يتعوذ منهن دبر الصلاة: «اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر»، فحدثت به مصعبًا فصدقه. ا. هـ.
وأما تعليق التعاويذ ولو كانت بكلام الله أو الأدعية النبوية فلا يجوز، وقد روى أحمد: (٢) من طريق الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أخي زينب، عن زينب، امرأة عبد الله، قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب، تنحنح وبزق، كراهية أن يهجم منا على شيء يكرهه، قالت: وإنه جاء ذات يوم، فتنحنح، قالت: وعندي عجوز ترقيني من الحمرة، فأدخلتها تحت السرير، فدخل، فجلس إلى جنبي، فرأى في عنقي خيطًا، قال: ما
_________________
(١) صحيح البخاري (٤/ ٢٣) (رقم: ٢٨٢٢).
(٢) أحمد (رقم: ٣٦١٥).
[ ٢٥٥ ]
هذا الخيط؟ قالت: قلت خيط أرقي لي فيه، قالت: فأخذه فقطعه، ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الرقى، والتمائم، والتولة شرك». إسناده حسن. والحديث عام في كل ما يعلق من التمائم.
وثانيًا: ما يفضي إلى تعلق قلب العبد بهذه التميمة وضعف توكله. والغالب ميل قلبه إليها ميلًا تامًا والعياذ بالله.
وثالثًا: أن من تعلق مثل هذه لا تسلم من الامتهان والتدنيس لكثرة تنقله بها.
وأما التعليم للجاهل والتذكير للناسي فلا بأس بذلك؛ كما لو عطس شخص فلم يحمد الله لجهله بالسنة فيعلم ويشمت.
وأما المعرض فلا يذكّر بالحمد وضابط المعرض أن يكون مثله لا يجهل فيدع الحمد، فيعزر بترك تشميته.
وقد أخرج الشيخان في صحيحيهما: (١) من طريق سليمان التيمي، عن أنس بن مالك - ﵁ -، قال: عطس عند النبي - ﷺ - رجلان، فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر، فقال الذي لم يشمته: عطس فلان فشمته، وعطست أنا فلم تشمتني، قال: «إن هذا حمد الله، وإنك لم تحمد الله» لفظ مسلم.
ومن اللطائف ما أخرجه البيهقي: (٢) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، سمعت الحسن بن محمد بن حليم، سمعت أبا العباس بن سعيد، يذكر عن مشايخه فقالوا: شُكي سوار بن عبد الله القاضي إلى أبي
_________________
(١) البخاري (رقم: ٦٢٢١ - ٦٢٢٥) ومسلم (رقم: ٢٩٩١).
(٢) البيهقي في شعب الإيمان ١١/ ٤٩٣.
[ ٢٥٦ ]
جعفر المنصور، وأُثني عليه عنده شرّا، قال: فاستقدمه، فلما أن قدم دخل عليه فعطس المنصور، فلم يشمته سوّار، فقال: ما يمنعك من التشميت؟ قال: لأنك لم تحمد الله، قال: قد حمدته في نفسي. قال فقد شمتك في نفسي، فقال: ارجع إلى عملك فإنك إن لم تحابني؛ لا تحابي غيري.
قال ابن القيم في الزاد: (١) وقد اختلف الناس في مسألتين: الثانية: إذا ترك الحمد فهل يستحب لمن حضره أن يذكره الحمد؟ قال ابن العربي: لا يذكره، قال: وهذا جهل من فاعله. وقال النووي: أخطأ من زعم ذلك، بل يذكره، وهو مروي عن إبراهيم النخعي، قال: وهو من باب النصيحة، والأمر بالمعروف، والتعاون على البر والتقوى، وظاهر السنة يقوي قول ابن العربي؛ لأن النبي - ﷺ - لم يشمت الذي عطس، ولم يحمد الله، ولم يذكره وهذا تعزير له وحرمان لبركة الدعاء لما حرم نفسه بركة الحمد، فنسي الله، فصرف قلوب المؤمنين وألسنتهم عن تشميته والدعاء له، ولو كان تذكيره سنة، لكان النبي - ﷺ - أولى بفعلها وتعليمها، والإعانة عليها. ا. هـ وتقدم تحرير المسألة.
تنبيه: لا تسقط الفاتحة عن كل مصل قادر على الإتيان بها، ولا يتحملها الإمام عمن خلفه، وإنما تسقط عن المأموم في حالة واحدة: إذا جاء والإمام راكع. لأن الاقتداء لا أثر له في إسقاط الأذكار بالإجماع. قاله في بدائع الصنائع. (٢)
وقال في البناية شرح الهداية: (٣) ويستوي عندهم في استحباب الأذكار الإمام والمأموم والمنفرد ا. هـ.
_________________
(١) زاد المعاد ٢/ ٣٩٧.
(٢) بدائع الصنائع ١/ ٢٠٩.
(٣) البناية شرح الهداية ٢/ ٢٢٨.
[ ٢٥٧ ]
وقال أيضًا: (١) وقال الشافعي: إذا قرأ الإمام آية الرحمة فيستحب له أن يسأل الله تعالى، أو آية العذاب يستحب له أن يستعيذ، أو آية تنزيه يستحب له أن يسبح؛ لما روي عن النبي - ﷺ - أنه ما مر بآية رحمة إلا سألها، أو آية عذاب إلا استعاذ منها. ويستحب للمقتدي أن يتابعه على ذلك نقله المزني في «المختصر»؛ لأن كل ذكر يسن للإمام فيسن للمقتدي كسائر الأذكار. ا. هـ.
وقال في الشرح الممتع: (٢) وله التعوذ عند آية وعيد، والسؤال عند آية رحمة، ولو في فرض.
قوله: «وله التعوذ» أي: للمصلِّي أن يتعوَّذ بالله. والتعوُّذ هو الاعتصام بالله تعالى من كل مكروه.
قوله: «عند آية وعيد» أي: إذا مَرَّ بآية وعيد، فله أن يقول: أعوذ بالله من ذلك، وظاهر كلام المؤلف أنه لا فَرْقَ بين الإمام والمأموم والمنفرد.
أما المنفرد والإمام فمُسلم أن لهما أن يتعوذا عند آية الوعيد، ويسألا عند آية الرحمة.
وأما المأموم فغير مُسلَّم على الإطلاق، بل في ذلك تفصيل وهو: إن أدَّى ذلك إلى عدم الإنصات للإِمام فإنه ينهى عنه، وإن لم يؤدِّ إلى عدم الإنصات فإن له ذلك.
مثال الأول: لو كانت آيةُ الوعيد في أثناء قراءة الإمام، فإن المأموم إذا تعوَّذ في هذه الحال والإمام لم يسكت انشغل بتعوُّذه عن
_________________
(١) البناية شرح الهداية ٢/ ٣٢١.
(٢) الشرح الممتع ٣/ ٢٨٧.
[ ٢٥٨ ]
الإنصات للإِمام، وقد نِهى النبيُّ - ﷺ - المأمومَ أن يقرأ والإمامُ يقرأ؛ إلاَّ بأمِّ القرآن. (١)
ولهذا لو دخلت في صلاة جهرية والإمام يقرأ فلا تستفتح، بل كبر، واستعذْ بالله من الشيطان الرجيم، واقرأ الفاتحة، فصار ظاهر كلام المؤلف فيه تفصيل بالنسبة للمأموم.
وقوله: «عند آية وعيد» أي: كل ما يدل على الوعيد، سواء كان بذكْرِ النار، أم بذكْرِ شيء من أنواع العذاب فيها، أم بذكْرِ أحوال المجرمين، وما أشبه ذلك.
قوله: «والسؤال عند آية رحمة» أي: وللمصلِّي أن يسأل الرحمة إذا مرَّ بآية رحمة. مثاله: مرَّ ذكر الجنة يقول: اللهم إنِّي أسألك الجنة، وله أن يسأله من فضله، ولو مرَّ ثناء على الأنبياء أو الأولياء أو ما أشبه ذلك فله أن يقول: أسأل الله من فضله، أو أسأل الله أن يلحقني بهم، أو ما أشبه ذلك.
قوله: «ولو في فرض» هذا إشارة خلاف: هل له ذلك في الفرض، أو ليس له ذلك؟
والصحيح: ما قاله المؤلف أنَّ له ذلك: لأن هذا لا يعدو أن يكون دعاء، والصَّلاةُ لا بأس بالدُّعاء فيها فله أن يتعوَّذ عند آية الوعيد، ويسأل عند آية الرحمة، ولو كان في الفرض.
والدليل: حديث (٢) حذيفة بن اليمان - ﵁ -: أنه صَلَّى مع النبي صلّى - ﷺ - ذات ليلة فقرأ النبي - ﷺ - بالبقرة، والنساء، وآل عمران، لا يمرّ بآية
_________________
(١) البخاري (رقم: ٧٥٦) ومسلم (رقم: ٣٩٤).
(٢) صحيح مسلم (رقم: ٧٧٢).
[ ٢٥٩ ]
رحمة إلا سأل، ولا بآية وعيد إلا تعوَّذ. وهذا فعل الرسول - ﷺ -، والأصل أنه أسوة لنا، وأن ما فعله فلنا أن نتأسَّى به، إلا ما دَلَّ عليه الدليل، فإذا قال قائل:
هذا في النَّفْلِ فما دليلكم على جوازه في الفرض؟.
فالجواب: أن ما ثبت في النَّفْل ثبت في الفرض إلا بدليل، وهنا لا دليل على الفرق بين الفرض وبين النفل.
والراجح في حكم هذه المسألة أن نقول:
أما في النفل، ولا سيما في صلاة الليل، فإنه يُسنّ له أن يتعوّذ عند آية الوعيد، ويسأل عند آية الرحمة؛ اقتداءً برسول الله - ﷺ -، ولأن ذلك أحضرُ للقلب وأبلغُ في التدبر، وصلاة الليل يُسَنّ فيها التطويل، وكثرة القراءة والركوع والسجود، وما أشبه ذلك.
وأما في صلاة الفرض فليس بسُنة وإنْ كان جائزًا.
فإن قال قائل: ما دليلك على هذا التفريق، وأنت تقول: إنَّ ما ثبت في النَّفْلِ ثبت في الفرض، فليكن سُنة في الفرض كما هو في النفل.
فالجواب: الدليل على هذا أن الرسول - ﷺ - كان يصلي في كل يوم وليلة ثلاث صلوات، كلَّها جهر فيها بالقراءة، ويقرأ آيات فيها وعيد وآيات فيها رحمة، ولم ينقل الصَّحابةُ الذين نقلوا صفة صلاة الرسول - ﷺ - أنه كان يفعل ذلك في الفَرْض، ولو كان سُنة لفعله ولو فعله لنقل، فلمَّا لم ينقل علمنا أنه لم يفعله، ولما لم يفعله علمنا أنه ليس بسُنة، والصَّحابةُ - ﵃ - حريصون على تتُّبع حركات النبيِّ - ﷺ - وسكناته حتى إنِهم كانوا يستدلُّون على قراءته في السرِّية باضطراب لحيته، ولمَّا سكت بين التكبير والقراءة سأله أبو هريرة - ﵁ - ماذا يقول؟
[ ٢٦٠ ]
ولو كان يسكت عند آية الوعيد مِن أجل أن يتعوَّذ، أو آية الرحمة من أجل أن يسأل لنقلوا ذلك بلا شكّ.
فإذا قال قائل: إذا كان الأمر كذلك؛ فلماذا لا تمنعونه في صلاة الفرض كما مَنَعَهُ بعضُ أهل العلم؛ لأن النبي - ﷺ -، قال: «صَلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (١)؟
فالجواب على هذه أن نقول: ترك النبي - ﷺ - له لا يدلُّ على تحريمه؛ لأنه أعطانا ﵊، قاعدة: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء مِن كلام الناس، إنَّما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (٢) والدعاء ليس من كلام الناس، فلا يبطل الصَّلاة، فيكون الأصل فيه الجواز، لكننا لا نندب الإنسان أن يفعل ذلك في صلاة الفريضة لما تقدم تقريره.
مسألة: لو قرأ القارئ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]؟ فهذه ليست آية وعيد ولا آية رحمة فله أن يقول: بلى، أو سبحانك فبلى؛ لأنه ورد في حديث عن النبي ﵊، ونص الإمام أحمد عليه، قال الإمام أحمد: (٣) إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] في الصلاة وغير الصلاة، قال: سبحانك فبلى، في فَرْضٍ ونفْلٍ.
وإذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] فيقول: «سبحانك فبلى».
_________________
(١) البخاري (رقم: ١١١٧).
(٢) أخرجه أحمد (رقم: ٢٣٨١٣) ومسلم (رقم: ٢٣٧) وأبو داود (رقم: ٩٣٠ (والنسائي (رقم: ١٢١٨).
(٣) أحمد (رقم: ٧٣٩١).
[ ٢٦١ ]
ولو قرأ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. فهنا لا يقول: يأتي به الله؛ لأن هذا إنما جاء في سياق التهديد والوعيد، فالله أمرِ الرسوِل - ﷺ - أن يقول لهؤلاء المكذبين: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] والعامَّة نسمعهم يقولون: يأتي به اللهُ، وهذا لا يصلح.
وفيه آيات كثيرة؛ كقوله في سورة النمل: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٠]؟ فهل يصحُّ أن يقول: لا؟
الجواب: نعم، يصحُّ أن يقول: لا إله مع الله. ا. هـ كلام الشيخ - ﵀ - وعلى كلام الشيخ تنبيهات:
الأول: قوله عن المأموم غير مسلّم إن أدى ذلك إلى عدم الإنصات.
قلت: هذا غير مسلّم، فسبب تعوذه إنصاته لإمامه، وهذا شيء يسير لا ينافي الإنصات.
الثاني: قوله وأما في صلاة الفرض فليس بسنة.
فالجواب قال الشافعي في الأم: (١) قال: أخبرنا ابن مهدي، عن سفيان، عن السدي، عن عَبْدِ خَيْرٍ: أن عليًا - ﵁ - قرأ في الصبح بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فقال: سبحان ربي الأعلى، وهم
_________________
(١) الأم للشافعي ٧/ ١٧٥.
[ ٢٦٢ ]
يكرهون هذا ونحن نستحبه وروي عن رسول الله - ﷺ - شيء يشبهه. ا. هـ.
قلت: وهذا إسناد حسن من أجل السدي، وهو الكبير إسماعيل بن عبد الرحمن. وهذا فعل خليفة راشد.
وأخرجه ابن أبي شيبة: (١) عن عبده ووكيع، كلاهما عن الثوري، به تحت باب: من كان إذا قرأ سبح أسم ربك الأعلى قال: سبحان ربي الأعلى.
وأخرج أيضًا: (٢) من طريقين: عن مسعر، عن عمير بن سعيد، قال: سمعت أبا موسى قرأ في الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، فقال: سبحان ربي الأعلى.
ولهذا قال النووي في المجموع (٣) ما نصه: قال الشافعي وأصحابنا: يسنّ للقاري في الصلاة وخارجها إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى الرحمة، أو بآية عذاب أن يستعيذ به من العذاب، أو بآية تسبيح أن يسبح، أو بآية مثل أن يتدبر، قال أصحابنا: ويستحب ذلك للإمام والمأموم والمنفرد، وإذا قرأ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]. قال بلى وأنا على ذلك من الشاهدين وإذا قرأ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. قال آمنا بالله وكل هذا يستحب لكل قارئ في صلاته أو غيرها، وسواء صلاة الفرض والنفل والمأموم والإمام والمنفرد - إلى أن قال - وقال بمذهبنا جمهور العلماء من السلف ممن بعدهم ا. هـ.
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٢٤٧.
(٢) (رقم: ٨٦٣٩).
(٣) المجموع ٤/ ٦٦.
[ ٢٦٣ ]
الثالث: قوله إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٢]. قال: سبحانك فبلى.
فإن كانت عمدته ما ورد هنا فلا يثبت. مع أن سياقه مختلف، وإن أراد أن الموضع هنا آية تسبيح في المعنى فنعم.
وهنا أنقل كلامًا للموفق أبي محمد من المغني (١) حيث قال ما نصه: وعن علي، أنه قال له رجل من الخوارج، وهو في صلاة الغداة، فناداه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] قال: فأنصت له حتى فهم، ثم أجابه وهو في الصلاة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠]. احتج به أحمد، ورواه أبو بكر النجاد، بإسناده. ولأن ما لا يبطل الصلاة ابتداء لا يبطلها إذا أتى به عقيب سبب، كالتسبيح لتنبيه إمامه. قال الخلال: اتفق الجميع، عن أبي عبد الله، على أنه - لا يرفع صوته - يعني: العاطس لا يرفع صوته - بالحمد، وإن رفع فلا بأس؛ بدليل حديث الأنصاري.
وقال أحمد، في الإمام يقول: «لا إله إلا الله». فيقول من خلفه: «لا إله إلا الله» يرفعون بها أصواتهم، قال: يقولون، ولكن يخفون ذلك في أنفسهم. وإنما لم يكره أحمد ذلك، كما كره القراءة خلف الإمام؛ لأنه يسير لا يمنع الإنصات، فجرى مجرى التأمين. قيل لأحمد: فإن رفعوا أصواتهم بهذا؟ قال: أكرهه. قيل: فينهاهم الإمام؟ قال: لا ينهاهم. قال القاضي: إنما لم ينههم؛ لأنه قد روي عن
_________________
(١) المغني ٢/ ٤٤.
[ ٢٦٤ ]
النبي - ﷺ - الجهر بمثل ذلك في صلاة الإخفاء، فإنه كان يسمعهم الآية أحيانًا.
فصل: قيل لأحمد - ﵀ -: إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]. هل يقول: «سبحان ربي الأعلى». قال: إن شاء قاله فيما بينه وبين نفسه، ولا يجهر به في المكتوبة وغيرها. وقد روي عن علي - ﵁ - أنه قرأ في الصلاة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]. فقال: سبحان ربي الأعلى،. وعن ابن عباس، أنه قرأ في الصلاة: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]، فقال: سبحانك، وبلى. وعن موسى بن أبي عائشة، قال: «كان رجل يصلي فوق بيته، فكان إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠]، قال: سبحانك فبكى، فسألوه عن ذلك، فقال: سمعته عن رسول الله - ﷺ -. رواه أبو داود. (١) ولأنه ذكر ورد الشرع به، فجاز التسبيح في موضعه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (رقم: ٨٨٤).
[ ٢٦٥ ]