الأصل في الذكر أن يكون سرًا، وإنما يشرع الجهر في مواضع، لأغراض صحيحة، قال الله جل وعلا: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] قال في زاد المسير (١) ما نصه: في هذا الذكر أربعة أقوال:
أحدها: أنه القراءة في الصلاة، قاله ابن عباس فعلى هذا، أمر أن يقرأ في نفسه في صلاة الإسرار.
والثاني: أنه القراءة خلف الإمام سرًا في نفسه، قاله قتادة.
والثالث: أنه ذكر الله باللسان.
والرابع: أنه ذكر الله باستدامة الفكر، لا يغفل عن الله تعالى، ذكر القولين الماوردي. ا. هـ.
قال النسفي في تفسيره: (٢) هو عام في الأذكار من قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتهليل وغير ذلك. ا. هـ.
_________________
(١) زاد المسير في علم التفسير ٢/ ١٨٤.
(٢) تفسير النسفي ١/ ٦٢٨.
[ ١٨٤ ]
وقال ابن كثير في تفسيره ما نصه: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ وهكذا يستحب أن يكون الذكر لا يكون نداء ولا جهرًا بليغًا؛ ولهذا لما سألوا رسول الله - ﷺ - فقالوا: أقريبِ ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]. (١)
وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري، قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النبي - ﷺ -: «أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا؛ إن الذي تدعونه سميع قريب» (٢).ا. هـ.
وقال شيخ الإسلام في كتاب الاستقامة ما نصه: (٣) الوجه السادس: أن رفع الأصوات في الذكر المشروع لا يجوز؛ إلا حيث جاءت به السنة؛ كالأذان والتلبية ونحو ذلك، فالسنة للذاكرين والداعين ألا يرفعوا أصواتهم رفعًا شديدًا؛ كما ثبت في الصحيح: (٤) عن أبي موسى أنه قال كنا مع رسول الله - ﷺ - فكنا إذا علونا على شرف كبرنا فارتفعت أصواتنا، فقال: «يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته».
وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره ٣/ ٤٨٠.
(٢) البخاري (رقم: ٤٢٠٥) ومسلم (رقم: ٢٧٠٤).
(٣) الاستقامة ١/ ٣٢٢.
(٤) سبق تخريجه.
[ ١٨٥ ]
وقالِ عن زكريا ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. وفي هذه الآثار عن سلف الأمة وأئمتها ما ليس هذا موضعه؛ كما قال الحسن البصري: رفع الصوت بالدعاء بدعة، وكذلك نص عليه أحمد بن حنبل وغيره، وقال قيس بن عباد: وهو من كبار التابعين من أصحاب علي - ﵁ - روى عنه الحسن البصري، قال: كانوا يستحبون خفض الصوت عند الذكر وعند الجنائز وعند القتال. ا. هـ.
وقال في الفتاوي الكبرى: (١) وهذا لأن الذكر قد تكون السنة المخافتة به، ويجهر به لمصلحة راجحة مثل تعليم المأمومين، فإنه قد ثبت في الصحيح: أن ابن عباس قد جهر بالفاتحة على الجنازة، ليعلمهم أنها سنة. (٢) إلى قوله: واتفق العلماء على أن الجهر بذلك ليس بسنة راتبة: لكن جهر به للتعليم، ولذلك نقل عن بعض الصحابة أنه كان يجهر أحيانًا بالتعوذ، فإذا كان من الصحابة من جهر بالاستفتاح والاستعاذة مع إقرار الصحابة له على ذلك، فالجهر بالبسملة أولى أن يكون كذلك. وأن يشرع الجهر بها أحيانا لمصلحة راجحة.
وقال: (٣) بل السنة في الذكر كله ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا
_________________
(١) الفتاوى الكبرى لابن تيمية ٢/ ١٢١.
(٢) البخاري (رقم: ١٣٣٥).
(٣) الفتاوى الكبرى لابن تيمية ٢/ ٢٠٠.
[ ١٨٦ ]
تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾.
[الأعراف: ٢٠٥]
وفي الصحيحين: (١) أن أصحاب رسول الله - ﷺ - كانوا معه في سفر. فجعلوا يرفعون أصواتهم فقال النبي - ﷺ -: «أيها الناس أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم، ولا غائبا، وإنما تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» وهذا الذي ذكرناه في الصلاة عليه والدعاء، مما اتفق عليه العلماء، فكلهم يأمرون العبد إذا دعا أن يصلي على النبي - ﷺ - كما يدعو، لا يرفع صوته بالصلاة عليه أكثر من الدعاء، سواء كان في صلاة، كالصلاة التامة، وصلاة الجنازة، أو كان خارج الصلاة، حتى عقيب التلبية فإنه يرفع صوته بالتلبية، ثم عقيب ذلك يصلي على النبي - ﷺ - ويدعو سرًا، وكذلك بين تكبيرات العيد إذا ذكر الله، وصلى على النبي - ﷺ - فإنه وإن جهر بالتكبير لا يجهر بذلك. ا. هـ.
وقال ابن القيم في كتابه الكلام على مسالة السماع (٢) ما نصه: الوجه العاشر: أن رفع الأصوات بالذكر المشروع مكروه؛ إلا حيث جاءت به السنة الخ.
وقال السرخسي في المبسوط (٣) ما نصه: والمستحب عندنا في الأذكار والدعاء الخفية إلا فيما تعلق بإعلانه مقصود كالأذان للإعلام، والخطبة للوعظ، وتكبيرات الصلوات لإعلام التحرم والانتقال والقراءة لإسماع المؤتم. ا. هـ.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) مسالة السماع ص ٣٤٨.
(٣) المبسوط ٤/ ٦.
[ ١٨٧ ]
وقال في بدائع الصنائع: (١) لأن المخافتة أصل في الأذكار والجهر بها بدعة. ا. هـ.
فائدة: أخرج البخاري (٢) في باب: قراءة فاتحة الكتاب في صلاة الجنازة، من طريق سعد بن إبراهيم عن طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: صليت خلف ابن عباس - ﵁ - على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، فقال: ليعلموا أنها سنة.
فائدة أخرى: سئل شيخنا ابن باز (٣) - ﵀ - عن جهره ﵊ بالقراءة في ركعتي الطواف مع أنها بالنهار: فقال لتعليم الصحابة مثل ما جهر ابن عباس بالفاتحة. ا. هـ.
ومما يجلي الأمر من السنة تشبيه الجهر بالقرآن؛ كالجهر بالصدقة فقد أخرج أحمد (٤) وغيره (٥): من طريق بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة، عن عقبة بن عامر - ﵁ - (٦)، قال:
_________________
(١) بدائع الصنائع ١/ ٢٠٤.
(٢) البخاري (رقم: ١٣٣٥).
(٣) مسائل ابن باز لعبد الله بن مانع ١/ ٤٢٥.
(٤) أحمد (رقم: ١٧٣٦٨) قال أبو عبد الرحمن- ابن الإمام أحمد-: قال أبي: كان حماد بن خالد حافظًا، وكان يحدثنا، وكان يخيط، كتبت عنه أنا ويحيى بن معين.
(٥) أخرجه الترمذي (رقم: ٢٩١٩) وقال: حسن غريب. وأبو داود (رقم: ١٣٣٥) والنسائي (رقم: ٢٣٤٢) وابن حبان (رقم: ٧٣٤) والطبراني في الشاميين (رقم: ١١٦٤) والبيهقي (رقم: ٤٤٨٨) والديلمي (رقم: ٢٦٢٣).
(٦) هو عقبة بن عامر بن عيسى الجهني، يكنى أبا حماد. وقيل غير ذلك. كان قارئًا عالمًا بالفرائض والفقه، قديم الهجرة والسابقة والصحبة. وهو أحد من جمع القرآن. روى عن النبي - ﷺ - وعمر، وروى عنه أبو أمامة وابن عباس وقيس بن أبي حازم وآخرون. ولي إمرة مصر من قبل معاوية سنة ٤٤ هـ. انظر: تهذيب التهذيب ٧/ ٢٤٢ والاستيعاب ٣/ ١٠٧٣.
[ ١٨٨ ]
قال رسول الله - ﷺ -: «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة».
قال في المرقاة (١) ما نصه: قوله: «الجاهر بالقرآن» أي بقراءته «كالجاهر بالصدقة» أي: كالمعلن بإعطاءها «والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة» وقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. فالظاهر من الحديث إن السر أفضل من الجهر؛ كما أشار إليه النسائي، حيث عقد على هذا الحديث باب فضل السر على الجهر؛ لكن الذي يقتضيه أمره - ﷺ - لأبي بكر: «ارفع من صوتك» (٢) إن الاعتدال في القراءة أفضل، فإما أن يحمل الجهر في الحديث على المبالغة والسر على الاعتدال، أو على أن هذا الحديث محمول على ما إذا كان الحال تقتضي السر، وإلا فالاعتدال في ذاته أفضل قاله السندي. وقال الترمذي: معنى هذا الحديث إن الذي يسر بالقراءة القرآن أفضل من الذي يجهر بقراءة القرآن؛ لأن صدقة السر أفضل عند أهل العلم من صدقة العلانية، وإنما معنى هذا عند أهل العلم لكي يأمن الرجل من العجب؛ لأن الذي يسرُّ بالعمل لا يخاف عليه بالعجب ما يخاف عليه في العلانية. انتهى. قلت: وردت أحاديث تقتضي استحباب رفع الصوت بالقراءة، وأحاديث تقتضي الأسرار وخفض الصوت، فمن الأول ما تقدم من حديث أبي هريرة - ﵁ - عند الشيخين: (٣) «ما أذن الله لشي ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به» ومن الثاني حديث عقبة هذا وحديث
_________________
(١) المرقاة ٧/ ٢٨٤.
(٢) أبو داود (رقم: ١٣٢٩) والترمذي (رقم: ٤٤٧) وقال: هذا حديث غريب، وصححه ابن خزيمة (رقم: ١١٦١).
(٣) البخاري (رقم: ٧٠٤٤) ومسلم (رقم: ٧٩٢).
[ ١٨٩ ]
معاذ بن جبل أخرجه الحاكم. (١) بلفظ: حديث عقبة وصححه على شرط البخاري ووافقه الذهبي.
قال النووي في الأذكار: (٢) والجمع بينهما إن الإسرار أبعد من الرياء فهو أفضل في حق من يخاف ذلك، فإن لم يخف الرياء فالجهر أفضل بشرط أن لا يؤذي غيره من مصل أو نائم أو غيرهما يعني إن الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء أو تأذى مصلون أو نيام بجهره، والجهر أفضل في غير ذلك لأن العمل فيه أكبر ولأنه يتعدى نفعه إلى غيره أي من استماع أو تعلم أو إقتداء أو انزجار أو كونه شعارًا للدين، ولأنه يوقظ قلب القاريء ويجمع همه إلى الفكر ويصرف سمعه إليه ولأنه يطرد النوم عنه ويزيد في النشاط ويوقظ غيره من نائم وغافل وينشطه فمتى حضره شيء من هذه النيات فالجهر أفضل- انتهى. قال السيوطي: ويدل لهذا الجمع حديث أبي داود (٣) بسند صحيح عن أبي سعيد - ﵁ -: اعتكف رسول الله - ﷺ - في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر. وقال: «ألا أن كلكم مناج لربه فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة» قلت: ويدل له أيضًا ما روى الديلمي (٤) في مسند الفردوس عن ابن عمر - ﵁ - مرفوعًا:
«السر أفضل من العلانية، والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء به» ذكره الذهبي في ترجمة عبد الملك بن مهران عن عثمان بن زائدة عن
_________________
(١) أخرجه الحاكم ١/ ٥٥٥.
(٢) الأذكار للنووي ص ١٠٧.
(٣) أبو داود (رقم: ١٣٣٤).
(٤) أخرجه الديلمي (رقم: ٣٥٧٢). وأورده أيضًا: الحكيم (٤/ ٧١) والعقيلي (٣/ ٢٠٢)، ترجمة (رقم: ١٢٠٣. عثمان بن زائدة) وقال: حديثه غير محفوظ. وابن الجوزي في العلل المتناهية (رقم: ١٣٧٧) وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ -.
[ ١٩٠ ]
نافع عن ابن عمر. قال السيوطي: (١) وقال بعضهم يستحب الجهر ببعض القراءة والأسرار ببعضها لأن المسر قد يميل فيأنس بالجهر والجاهر قد يكل فيستريح بالإسرار ا. هـ.
_________________
(١) الإتقان في علوم القرآن ١/ ٣٧٤.
[ ١٩١ ]