يشرع عند تدارس القرآن ودروس العلم التحلق وعدم التفرق، وأيضا الدنوُّ من المعلم وسد الفرج.
أخرج مسلم في صحيحه (١) وغيره: (٢) من طريق الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طَرَفة، عن جابر بن سمرة، قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمسِ؟ اسكنوا في الصلاة» قال: ثم خرج علينا فرآنا حلقا فقال: «مالي أراكم عزين» قال: ثم خرج علينا فقال: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟» فقلنا يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف».
قال الخطابي في معالم السنن ما نصه: (٣) قال الشيخ: قوله عزين يريد فرقًا
_________________
(١) مسلم (رقم: ٤٣٠).
(٢) أخرجه الطيالسي (رقم: ٧٨٦) وأحمد (رقم: ٢١٠٠١) وأبو داود (رقم: ١٠٠٠) والنسائي (رقم: ١١٨٤) وابن حبان (رقم: ١٨٧٨) وأخرجه أيضًا: ابن أبي شيبة (رقم: ٨٤٤٧) وأبو عوانة (رقم: ١٥٥٢) والطبراني (رقم: ١٨٢٦) والبيهقي (رقم: ٣٣٣٦).
(٣) معالم السنن ٤/ ١١٤.
[ ١٥٧ ]
مختلفين لا يجمعكم مجلس واحد.
وواحد العزين عزة يقال عزة وعزون كما قالوا ثبة وثبون، ويقال أيضًا ثبات وهي الجماعات المتميزة بعضها عن بعض ا. هـ.
قال النووي في شرح مسلم ما نصه: (١) «ما لي أراكم عزين» أي متفرقين جماعة جماعة.
وهو بتخفيف الزاي الواحدة عزة معناه النهي عن التفرق والأمر بالاجتماع. ا. هـ.
وأما ما يتعلق بسد فجوات الحلقات، فقد أخرج البخاري في باب الحلق والجلوس في المسجد: (٢) عن أبي واقد الليثي قال: بينما رسول الله - ﷺ - في المسجد، فأقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله - ﷺ - وذهب واحد، فأما أحدهما فرأى فرجة فجلس، وأما الآخر فجلس خلفهم، فلما فرغ رسول الله - ﷺ -، قال: «ألا أخبركم عن الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض الله عنه» وأخرجه أيضا مسلم. (٣)
وفي شرح ابن بطال ما نصه: (٤) وفيه سد الفرج في حلق الذكر، وقد جاء في سدِّها في صفوف الصلاة وفى الصف في سبيل الله، ترغيب وآثار، ومعلوم أن حلق الذكر من سبيل الله. وفيه: أن التزاحم
_________________
(١) شرح النووي على مسلم ٤/ ١٥٣.
(٢) البخاري (رقم: ٤٦٢).
(٣) مسلم (رقم: ٢١٧٦).
(٤) شرح صحيح البخاري لابن بطال ٢/ ١٢١.
[ ١٥٨ ]
بين يدي العالم من أفضل أعمال البر، ألا ترى قول لقمان لابنه: «يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتك، فإن الله يحيى القلوب بنور الحكمة، كما يحيى الأرض بوابل السماء. ا. هـ.
وقال في الاستذكار ما نصه: (١) وفي هذا الحديث معان من آداب مجالسة العالم والتحلق إليه والتخطي في حلقته إلى فرجة إن كانت فيها أو الجلوس حيث انتهى بالطلب المجلس وغير ذلك. ا. هـ.
فائدة في الاجتماع للقراءة: قال ابن القيم في الكلام على مسألة السماع ص٤٤٣ ما نصه: وهذه مسألة اختلف فيها أهل العلم، وهي قراءة الجماعة بصوت واحد فكرهها طائفة واستحبوا قراءة الإدارة وهي يقرأ هذا، ثم يسكت فيقرأ الآخر حتى ينتهوا، واستحبتها طائفة، وقالوا: تعاون الأصوات يكسو القراءة طيبا، وتجلالة وتأثيرا في القلوب، وتأمل هذا في تعاون الحركات بالآلات المطربة كيف يحدث لها كيفية أخرى؟ فإن الهيئة الاجتماعية لها من الحكم ما ليس لإفرادها وفصلت طائفة وقالوا: كان أصحاب النبي - ﷺ - إذا اجتمعوا أمروا واحدًا منهم يقرأ والباقون يستمعون، فلم يكونوا يقرأون جملة، ولم يكونوا يديرون القراءة بل القارىء واحد، والباقون مستمعون، ولا ريب أن هذا أكمل الثلاثة، والله أعلم. ا. هـ.
_________________
(١) الاستذكار ٨/ ٤٦٨.
[ ١٥٩ ]