سادات الصائمين
[ ١٠٩ ]
صوم الصالحين
وردت آثار كثيرة عن السابقين في علو هممهم وأخذهم بالعزائم في العبادات، وهم جبال في الاقتداء والتأسي برسول الله - ﷺ -.
يقول الشاطبيّ في "الاعتصام" (١/٤٠٤): "نحن نحمل ما داوم عليه الأولون من الأعمال على أنه لم يكن شاقًا عليهم، وإن كان ما هو أقل منه شاقًا علينا، فليس عمل مثلهم بما عملوا به حجة لنا أن ندخل فيما دخلوا فيه، إلَّا بشرط أن يمتد مناط المسألة فيما بيننا وبينهم، وهو أن يكون ذلك العمل لا يشق الدوام على مثله.
وليس كلامنا هذا لمشاهدة الجميع، فإن التوسط والأخذ بالرفق هو الأولى والأحرى للجميع، وهو الذي دلت عليه الأدلة دون الإيغال الذي لا يسهل مثله على جميع الخلق ولا أكثرهم؛ إلا على القليل النادر منهم، والشاهد لصحة هذا المعنى قوله - ﷺ -: "إني لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" (١)، يريد ﵇: أنه لا يشق عليه الوصال، ولا يمنعه عن قضاء حق الله وحقوق الخلق.
فعلى هذا؛ من رزق أنموذجًا مما أعطه ﵇، فصار يوغل في العمل مع قوته ونشاطه وخفة العمل عليه؛ فلا حرج" (٢) .
يقول الشاطبي: "كم من رجل صلى الصبح بوضوء العشاء كذا كذا سنة، وسرد الصيام كذا وكذا سنة، وكانوا هم العارفين بالسنة، لا يميلون عنها لحظة، وروي عن ابن عمر وابن الزبير: أنهما كانا يواصلان الصيام (٣) وأجاز مالك -وهو
_________________
(١) جزء من حديث صحيح.
(٢) "الاعتصام" (١/٤٠٤) .
(٣) قال في "الاعتصام" (١/٤٠٥): "ويكون عمل ابن الزبير وابن عمر وغيرهما في الوصال جاريًا على أنهم مما أعطيه رسول الله - ﷺ - وهذا بناء على أصل مذكور في كتاب "الموافقات" والحمد لله.
[ ١١١ ]
إمام في الاقتداء (١) - صيام الدهر؛ يعني إذا أفطر أيام العيد، والآثار في هذا المعنى كثيرة عن الأولين، وهي تدل على الأخذ بما هو شاق على الدوام ولم يعدهم أحد بذلك مخالفين للسُنة، بل عدوهم من السابقين -جعلنا الله منهم- وأيضًا فإن النهي ليس عن العبادة المطلوبة بل هو عن الغلوّ فيها غلوًا يدخل المشقة على العامل، فإذا فرضنا من فُقدت في حقه تلك العِلة فلا ينهض النهي في حقه؛ كما إذا قال الشارع: لا يقضي القاضي وهو غضبان، وكانت علة النهي تشويش الفكر عن استيفاء الحجج؛ اطّرد النهي مع كل مشوش، وانتهى عند انتفائه حتى أنه مع وجود الغضب اليسير الذي لا يمنع من استيفاء الحجج، وهذا صحيح جار على الأصول.
وحال من فقدت في حقه العِلة حال من يعمل بحكم منْ غلبه الشوق أو غلبه الرجاء أو المحبة، فإن الخوف سوط سائق، والرجاء حادٍ قائد، والمحبة سبيل حامل، فالخائف إن وجد المشقة، فالخوف مما هو أشق يحمله على الصبر على ما هو أهون وإن كان العمل شاقًّا، والراجي يعمل وإن وجد المشقة، لأن رجاء الراحة التامة يحمله على الصبر على بعض التعب، والمحب يعمل ببذل المجهود؛ شوقًا إلى المحبوب، فيسهل عليه الصعب، ويقرب عليه البعيد، فيوهن القوى ولا يرى أنه أوفى بعهد المحبة ولا قام بشكر النعمة، ويعصر الأنفاس ولا يرى أنه قضى نهمته.
وإذا كان كذلك صحَّ بين الأدلة، وجاز الدخول في العمل التزامًا مع الإيغال فيه! إما مطلقًا وإمَّا مع ظن انتفاء العِلة، وإن دخلت المشقة فيما بعد؛ إذا صحّ من العامل الدوام على العمل ويكون ذلك جاريًا على مقتضى الأدلة وعمل السلف الصالح" (٢) .
فالحاصل: جواز الاجتهاد في العبادة بشروط:
الأول: أن لا يحصل له ملل يفقده لذة العبادة بدليل "ليصل أحدكم نشاطه"
الثاني: أن يكثر حسب طاقته، ودليله: "عليكم من الأعمال ما تطيقون"
_________________
(١) قال الشافعي: إذا جاء الأثر فمالك النجم.
(٢) "الاعتصام" (١/٤٠٠-٤٠١) .
[ ١١٢ ]
الثالث: لا يفوت من الأعمال ما هو أهم، ويدل عليه قول عمر "لأن أشهد الصبح في جماعة أحبَّ إلي من أن أقوم ليلة".
الرابع: أن لا يضيع حقًّا شرعيًّا، كما حصل لابن عمرو وأبي الدرداء.
الخامس: أن لا يبطل رخصة شرعية، كما ظنَّ الرهط الذين تقالوا عمل النبي - ﷺ - في بيته.
السادس: أن لا يوجب ما ليس بواجب شرعي، كما أوجب ابن مظعون على نفسه.
السابع: أن يأتي بالعبادة المجتهد فيها بتمامها، بدليل: "لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث".
الثامن: أن يداوم على ما يختاره من العبادة، بدليل "أحب الأعمال إلا الله أدومها".
التاسع: أن لا يجتهد بحيث يورث الملل لغيره، أخذًا بحديث "إذا صلى أحدكم فليخفف".
العاشر: أن لا يعتقد أنه أفضل عملًا مما كان عليه - ﷺ - من تقليل العمل (١) .