الصوم جُنَّة
قال - ﷺ -: "الصوم جُنَّة" (١)
وقال - ﷺ -: "الصوم جنة"
* وقال - ﷺ -: "الصيام جنة، وإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث (٢)، ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم، إني صائم، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، [يقول الله: يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها] "
* وفي حديث جابر: "يا كعب بن عجرة، الصوم جنة، والصدقة تطفيء الخطيئة، والصلاة برهان -أو قال: قربان- يا كعب بن عُجْرة، الناس غاديان: فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها" (٣)
* وقال - ﷺ -: "خصاء أمتي الصيام" رواه أحمد، والطبراني في "الكبير" عن ابن عمرو وصححه الألباني.
* وقال - ﷺ -: "يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" (٤) .
قال ابن حجر: "الجنة الوقاية والستر، وتبين بالروايات متعلق هذا الستر وأنه من النار، وبهذا جزم ابن عبد البر، وأما صاحب "النهاية" فقال: معنى كونه جنة أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات".
_________________
(١) صحيح: رواه النسائي عن معاذ وصححه الألباني في "صحيح الجامع" رقم (٣٨٦٦)، وقال العامري: صحيح. الجنة: بضم الجيم: كل ما ستر، ومنه (المجن) وهو الترس، وإنما كان الصوم جنة لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات، قال ابن الأثير في "النهاية": معنى كونه جُنّة: أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات.
(٢) الرفث: الكلام القبيح، أو الجماع.
(٣) إسناده صحيح على شرط مسلم، رواه ابن حبان، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد، والحاكم في "المستدرك" وصحح إسناده ووافقه الذهبي.
(٤) الوجاء: رضّ أنثيي الفحل رضًَا شديدًا يذهب شهوة الجماع ويتنزل في قمة منزلة الخصي، قال ابن الأثير: نزل - ﷺ - كسر الصوم للشهوة منزلة رض الأنثيين في حسم الشهوة.
[ ٥٨ ]
وقال القرطبي: جنة أي سترة، يعني بحسب مشروعيته، فينبغي للصائم أن يصونه عن ما يفسده وينقص ثوابه، وإليه الإشارة بقوله: "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث"، ويصح أن يراد أن ستره بحسب فائدة وهو إضعاف شهوات النفس، وإليه الإشارة بقوله "يدع شهوته"، ويصح أن يراد أنه سترة بحسب ما يحصل من الثواب وتضعيف الحسنات.
وقال عياض في "الإكمال": معناه سترة من الآثام أو من النار أو من جميع ذلك، وبالأخير جزم النووي.
وقال ابن العربي: إنما كان الصوم جنة من النار لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة باالشهوات.
ولأحمد من حديث أبي عبيدة "الصيام جنة ما لم يخرقها".
وفي زيادة أبي عبيدة بن الجراح إشارة إلى أن الغيبة تضر بالصيام، وقال الأوزاعي: إن الغيبة تفطر الصائم وتوجب عليه قضاء ذلك اليوم، وأفرط ابن حزم فقال. يبطله كل معصية من متعمد لها ذاكر لصومه سواء كان فعلًا أو قولًا لعموم قوله فلا يرفث ولا يجهل، والجمهور خصوا الفطر بالأكل والشرب والجماع.
وأشار ابن عبد البر إلى ترجيح الصيام على غيره من العبادات فقال: حسبك أن يكون الصيام جنة من النار.
قال الشيخ عمر الأشقر: "الصيام جنة ووقاية يقي العبد الذنوب والمعاصي، والبغيض من الكلام والسيء من الفعال، وبذلك يتقي العبد النار".
"والصيام حصن منيع، يحصن الإنسان من الشيطان وخطواته ويمنع صاحبه من أن ينزلق في الأقذار والأرجاس" (١) .
قال القسطلاني في كلامه عن فضائل الصوم: "تهذيب النفس برياضتها وكسر شهواتها".
_________________
(١) "الصوم في ضوء الكتاب والسنة" (ص ١٠) .
[ ٥٩ ]
وقال: "تقليله لما يعرض من سلطان النزعات وشيطان التبعات".
وقد قال - ﷺ -: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مسالكه بالجوع" (١) .
قال المناوي في "فيض القدير" (٤/٢٤٢): "الصوم وقاية في الدنيا من المعاصي بكسر الشهوة لأنه يقمع الهوى ويردع الشهوات التي هي من أسلحة الشيطان فإن الشبع مجلبة للآثام منقصة للإيمان ولهذا قال ﵊: "ما ملأ آدمي وعاء شرًّا من بطنه" فإذا ملأ بطنه انتكست بصيرته وتشوشت فكرته، وقد يقع في مداحض فيروغ عن الحق، وغلب عليه الكسل والنعاس فيمنعه عن وظائف العبادات، وقويت قوى بدنه، وكثرت المواد والفضول فينبعث غضبه وشهوته وتشتد مشقته لدفع ما زاد على ما يحتاجه بدنه فيوقعه ذلك في المحارم.
قال بعض الأعلام: صوم العوام عن المفطرات، وصوم الخواص عن الغفلات، وصوم العوام جنة عن الإحراق، وصوم الخواص جنة لقلوبهم عن الحجب والافتراق".
* قال القارئ في "مرقاة المفاتيح" (٤/٢٢٩):
"ثالث أركان الإسلام شرعه سبحانه لفوائد أعظمها كونه موجبًا لشيئين أحدهما ناشئ عن الآخر: سكون النفس الأمارة وكسر شهوتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح من العين واللسان والأذن والفرج فإن به تضعف حركتها في محسوساتها، ولذا قيل إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء، وإذا شبعت جاعت كلها، والناشيء عن هذا صفاء القلب عن الكدر، فإن الموجب لكدوراته فضول اللسان والعين وباقيهما، وبصفائه تناط المصالح والدرجات".