إضافته لله تعالى تشريفًا لقدره وتعريفًا بعظيم فخره
* عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "قال الله ﷿: كل
_________________
(١) "تفسير الطبري" (١١/١٦٤-١٦٥) .
(٢) إسناده صحيح على شرط مسلم: رجاله ثقات رجال الشيخين غير رجاء بن حيوة فمن رجال مسلم. رواه ابن حبان في "صحيحه" واللفظ له، وأحمد، والنسائي، والطبراني، وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق.
(٣) صحيح: رواه النسائي، وابن خزيمة في "صحيحه" (هكذا بالتكرار وبدونه، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (١١/٤١٣) .
[ ٢٨ ]
عمل ابن آدم له، إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، الصيام جُنَّة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفُث ولا يصخب، فإنْ سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما؛ إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه" (١) .
وفي رواية للبخاري: "يترك طعامه وشرابه من أجلي، الصيام لي، وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها".
* الرواية الثانية:
قال - ﷺ -: "كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، وللصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك" (٢) .
* وفي أخرى له أيضًا ولابن خزيمة: "وإذا لقي الله ﷿ فجزاه فرح" (٣) الحديث.
* وعند الترمذي. قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن ربكم يقول: كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والصوم لي، وأنا أجزي به، والصوم جنة من النار، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وإنْ جَهِل على أحدكم جاهل وهو صائم فليقل: إني صائم، إني صائم (٤) .
* وعند ابن خزيمة قال رسول الله - ﷺ -: "قال الله: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فهو لي، وأنا أجزي به، الصيام جُنة، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه" (٥) .
_________________
(١) رواه البخاري، واللفظ له، ومسلم، وعند أحمد "وإذا لقي الله فجزاه فرح" وسنده صحيح على شرط مسلم.
(٢) رواه مسلم.
(٣) رواه مالك وأبو داود والنسائي بمعناه مع اختلاف بينهم في الألفاظ وهو صحيح.
(٤) حسن: حسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (١/٤٠٨) .
(٥) وهي عند أحمد، وكذا البخاري وهي هنا الرواية الأولى، لكن ليس فيها قوله "يوم القيامة" وهو عند النسائي في "الكبرى".
[ ٢٩ ]
قال: " كل عمل ابن آدم له حسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، قال الله: إلا الصيام، فهو لي وأنا أجزي به، يدع الطعام من أجلي يدع الشراب من أجلي ويدع لذته من أجلي، ويدع زوجته من أجلى، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه".
الصيام لي:
قال ابن عبد البر: كفى بقوله: "الصوم لي" فضلًا للصيام على سائر العبادات وقد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى: "الصيام لي وأنا أجزي به" مع أن الأعمال كلها له وهو الذي يجزي بها على أقوال:-
أحدها: أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره.
قال أبو عبيد في غريبه: قد علمنا أن أعمال البر كلها لله وهو الذي يجزي بها، فنرى والله أعلم أنه إنما خص الصيام لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله وإنما هو شيء في القلب وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات، إلا الصوم فإنما هو بالنية التي تخفى على الناس، وهذا وجه الحديث عندي".
قال القرطبي: "لما كانت الأعمال يدخلها الرياء، والصوم لا يَطّلع عليه بمجرد فعله إلا الله، فأضافه الله إلى نفسه، ولهذا قال في الحديث: "يدع شهوته من أجلي".
وعند مالك يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، فالصيام لي بزيادة الفاء وهي للسببية، أي سبب كونه لي أنه يترك شهوته لأجلي.
وقال ابن الجوزي: جميع العبادات تظهر بفعلها، وقلَّ أن يسلم ما يظهر من شوب، بخلاف الصوم.
وارتضى هذا الجواب المازري وقرره القرطبي بأن أعمال بني آدم لمَّا كانت يمكن دخول الرياء فيها أضيفت إليهم بخلاف الصوم، فإن حال الممسك شبعًا مثل حال الممسك تقربًا، يعني في الصورة الظاهرة.
ومعنى: "لا رياء في الصوم" أنه لا يدخله الرياء بفعله، وإن كان قد يدخله الرياء
[ ٣٠ ]
بالقول كمن يصوم ثم يخبر بأنه صائم، فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية، فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الإخبار، بخلاف بقية الأعمال، فإن الرياء قد يدخلها بمجرد فعلها.
وقد حاول بعض الأئمة إلحاق شيء من العبادات البدنية بالصوم فقال: إن الذكر بلا إله إلا الله يمكن أن لا يدخله الرياء، لأنه بحركة اللسان خاصة دون غيره من أعضاء الفم، فيمكن للذاكر أن يقولها بحضرة الناس ولا يشعرون بذلك" (١) .