الصوم سبيل إلى الجنات
قال رسول الله - ﷺ -: (١) .
قال المناوي: "أي من ختم عمره بصيام يوم بأن مات وهو صائم أو بعد فطره من صومه دخل الجنة مع السابقين الأولين، أو من غير سبق عذاب" (٢) .
وعن حذيفة ﵁ قال: أسندت النبي - ﷺ - إلى صدري فقال: "من قال لا إله إلا الله خُتم له بها دخل الجنة، ومن صام يومًا ابتغاء وجه الله خُتم له بها دخل الجنة، ومن تصدّق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة" (٣) .
ورواه الأصبهاني ولفظه: "يا حذيفة من ختم له بصيام يوم يريد به وجه الله ﷿ أدخله الله الجنة"
* قال ابن خزيمة: "إيجاب الله ﷿ الجنة للصائم يومًا واحدًا إذا جمع مع صومه صدقة، وشهود جنازة وعيادة مريض".
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ " فقال أبو بكر: أنا، فقال: "من أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ " قال أبو بكر: أنا،
_________________
(١) صحيح: رواه البزار عن حذيفة ورواه أحمد، وابن شاهين، وابن بشران، وأبو نعيم، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" رقم (٦٢٢٤) .
(٢) "فيض القدير" (٦/١٢٣) .
(٣) صحيح: قال المنذري: رواه أحمد بإسناد لا بأس به، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (١/٤١٢) .
[ ٤٥ ]
فقال: "من تبع منكم اليوم جنازة؟ " فقال أبو بكر: أنا، قال: "من عاد منكم اليوم مريضًا؟ " قال أبو بكر: أنا".
فقال رسول الله - ﷺ -: " ما اجتمعت هذه الخصال قط في رجل إلا دخل الجنة" (١) قال ابن خزيمة: " هذه فضائل لهذه الأعمال لا كما يدعي من لا يفهم العلم ولا يحسنه" (٢) .
* وعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها أعد الله لمن أطعم الطعام، وألان الكلام وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام" (٣) .
وعند ابن خزيمة عن أبي معانق، أو أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن في الجنة لغرفة قد يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام، وألين الكلام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام" (٤) .
الغرفات معدة للصائمين يا أخي، وما أدراك ما الغرفات؟
عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف في الجنة كما تراءون الكواكب في السماء" (٥) .
أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم" (٦) .
_________________
(١) رواه ابن خزيمة ومسلم.
(٢) قاله ابن خزيمة في: "صحيحه" (٣/٣٠٤) .
(٣) حسن: رواه أحمد في "مسنده"، وابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي في "شعب الإيمان"، والترمذي عن عليّ، وقال الترمذي: غريب. قال المناوي: هو وإن ضعفه ابن عدي لكن أقام له شواهد يعتضد بها، وقال الألباني: حديث حسن، "صحيح الجامع" رقم (٢١١٩)، و"تخريج المشكاة" (رقم ١٢٣٥) .
(٤) إسناده حسن لغيره: رواه ابن خزيمة في "صحيحه"، وقال الألباني في التعليق على صحيح ابن خزيمة: إسناده حسن لغيره (٣/٣٠٦-٣٠٧) .
(٥) رواه البخاري ومسلم وأحمد، عن سهل بن سعد.
(٦) رواه البخاري، ومسلم عن أبي سعيد، ورواه الترمذي عن أبي هريرة.
[ ٤٦ ]
لبعدهم ورفعتهم وصفاء لونهم وخلوص نورهم.
قال تعالى: (كلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية)
قال مجاهد وغيره: نزلت في الصائمين.
من ترك طعامه وشرابه وشهوته لله يرجو عنده عوض ذلك في الجنة من ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا مما تركه.
فكيف بمن قلصت شفاهه عطشًا؟!
قال يعقوب بن يوسف الحنفي: بلغنا أن الله تعالى يقول لأوليائه يوم القيامة: يا أوليائي طالما نظرت إليكم في الدنيا وقد قلصت شفاهكم عن الأشربة، وغارت أعينكم، وجفت بطونكم، كونوا اليوم في نعيمكم، وتعاطوا الكأس فيما بينكم.
وقال الحسن: تقول الحوراء لوليّ الله وهو متكئ معها على نهر العسل تعاطيه الكأس: إن الله نظر إليك في يوم صائف بعيد ما بين الطرفين وأنت في ظمأ هاجرة من جهد العطش فباهى بك الملائكة وقال: انظروا إلى عبدي ترك زوجته وشهوته ولذته وطعامه وشرابه من أجلي رغبة فيما عندي اشهدوا أني قد غفرت له فغفر لك يومئذ وزوجنيك.
* كان بعض الصالحين قد صام حتى انحنى وانقطع صوته فمات، فرآه بعض أصحابه الصالحين في المنام فسأله عن حاله فضحك وأنشد:
قد كسى حلة البهاء وطافت بالأباريق حوله الخدام
ثم حلى وقيل يا قاريء أرقه فلعمرك لقد براك الصيام
ياما خبأنا للصائمين:
أخي: من ترك لله في الدنيا طعامًا وشرابًا وشهوة مدة يسيرة عوّضه الله عنده طعامًا وشرابًا لا ينفد وأزواجًا لا يمتن أبدًا" (١) .
مهور الحور العين طول التهجد وكثرة الصيام.
_________________
(١) "لطائف المعارف" (١٧٧-١٧٨) .
[ ٤٧ ]
"كان بعض الصالحين كثير التهجد والصيام فصلى ليلة في المسجد ودعا فغلبته عيناه فرأى في منامه جماعة علم أنهم ليسوا من الآدميين بأيديهم أطباق عليها أرغفة بياض الثلج فوق كل رغيف در كأمثال الرمَّان فقالوا: كل، فقال: إني أريد الصوم، قالوا له: يأمرك صاحب هذا البيت أن تأكل، قال: فأكلت وجعلت آخذ ذلك الدر لاحتمله فقالوا له: دعه نغرسه لك شجرًا ينبت لك خيرًا من هذا، قال: أين؟ قالوا: في دار لا تخرب، وثمر لا يتغير، وملك لا ينقطع، وثياب لا تبلى، فيها رضوى، وعينًا، وقرة أعين، أزواج رضيات، مرضيات راضيات لا يغرن ولا يغرن فعليك بالانكماش فيما أنت، فإنما هي غفوة حتى ترتحل فتنزل الدار فما مكث بعد هذه الرؤيا إلا جمعتين حتى توفي، فرآه ليلة وفاته في المنام بعض أصحابه الذين حدّثهم برؤياه وهو يقول: لا تعجب من شجر غرس لي في يوم حدثتك، وقد حمل، فقال له: ما حمل؟ قال: لا تسأل لا يقدر أحد على صفته لم ير مثل الكريم إذا حلَّ به مطيع" (١) .
يا قوم ألا خاطب في الصوم إلى الرحمن، ألا راغب فيما أعده الله للطائعين في الجنان، ألا طالب لما أخبر به من النعيم المقيم مع أنه ليس الخبر كالعيان.
من يرد ملك الجنان فيلدع عنه التواني
وليقم في ظلمة الليـ ـل إلى نور القرآن
وليصل صومًا بصوم إن هذا العيش فاني
إنما العيش جوار الله في دار الأمان
* أخي أتطلب الحور العين ولا تصوم، وتنام!
أتطلب مثلي وعني تنام ونور المحبين عنا حرام
لأنا خلقنا لكل امرئ كثير الصلاة براه الصيام
_________________
(١) "لطائف المعارف" (ص ١٧٨) .
[ ٤٨ ]