تكثير الصدقات، والإحسان إلى ذوي الحاجات
قال عز الدين بن عبد السلام: "وأما تكثير الصدقات، فلأن الصائم إذا جاع تذكر ما عنده من الجوع، فيحثه ذلك على إطعام الجائع "فإنما يرحم العشّاق من عشقا"، وقد بلغنا أن سليمان أو يوسف ﵉ لا يأكل حتى يأكل جميع المتعلقين به، فسُئل عن ذلك؟ فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع" (٢) .
قال القسطلاني: "إعانته على بذل الصدقات فإن الصائم يجوع؛ فيعرف قدر ألم الجوع، فيحرضه ذلك على حرصه في الإحسان إلى الجياع، ويحمله على تدبر ما هم فيه من ضرر العجز والانقطاع، وإنما يجد ذوق التعب مَنْ نازله، ويعرف قدر الضرر مَنْ واصله، وفي مثل ذلك قيل:
لا يعرف الشوق إلا مَنْ يُكابِدُه ولا الصبابة إلَّا من يُعانيها (٣)
قال القاري في "مرقاة المفاتيح": "ومنها كونه موجبًا للرحمة والعطف على المساكين فإنه لمّا ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات ذكر من هذا حاله في عموم الساعات فتسارع إلى الرقة عليه، والرحمة حقيقتها في حق الإنسان نوع ألم باطن فيسارع لدفعه عنه بالإحسان إليه فينال بذلك ما عند الله من حسن الجزاء ومنها موافقة الفقراء بتحمل ما يتحملون أحيانًا وفي ذلك رفع حاله عند الله كما حكي عن بشر الحافي أنه دخل عليه رجل في الشتاء فوجده جالسًا يرعد وثوبه معلق على المشجب، فقال له: في مثل هذا الوقت تنزع الثوب أو معناه، فقال: يا أخي الفقراء كثير، وليس لي طاقة مواساتهم بالثياب فأواسيهم بتحمل البرد كما يتحملون. انتهى.
_________________
(١) "مدارك المرام في مسالك الصيام" (ص ٧٧-٧٨) .
(٢) "فوائد الصيام" (ص ٢٥) .
(٣) "مدارك المرام" (ص ٧٦) .
[ ٦٣ ]
ولهذا كان يقول بعض الأولياء العارفين عند كل أكلة: "اللهمَّ لا تؤاخذني بحق الجائعين"، وقد ثبت أن سيدنا يوسف ﵇ ما كان يشبع من الطعام في سنة القحط مع كثرة المأكول عنده في ذلك العام لئلا ينسى أهل الجوع والفاقة وليتشبه بهم في الخاصة والحاجة" (١) .
قال أحمد شوقي أمير الشعراء: "الصوم حرمان مشروع، وتأديب بالجوع، وخشوع لله وخضوع، لكل فريضة حكمة، وهذا الحكم ظاهره العذاب وباطنه الرحمة، يستثير الشفقة، ويحض على الصدقة، ويسن خلال البر، حتى إذا جاع من ألف الشبع، وعرف المترف أسباب المتع، عرف الحرمان كيف يقع، وألم الجوع إذا لذع".
يقول المنفلوطي: "فتّشت عن الفضيلة في قصور الأغنياء فرأيت الغني إما شحيحًا أو متلافا، أما الأول فلو كان جار البيت فاطمة ﵂ وسمع في جوف الليل أنينها وأنين ولديْها من الجوع ما مدّ أصبعيه إلى أذنيه ثقة منه أن قلبه المتحجر لا تنفذه أشعة الرحمة، ولا تمر بين طياته نسمات الإحسان، وأما الثاني: فمالُه بين ثغر الحسناء، وثغر الصهباء، فعلى يد أي رجل من هذين الرجلين تدخل الفضيلة قصور الأغنياء" (٢) .
ويقول ﵀: "لو أعطى الغني الفقير ما فضل عن حاجته من الطعام ما شكا واحد منهما سُقمًا ولا ألمًا، لقد كان جديرًا به أن يتناول من الطعام ما يشبع جوعته، ويُطفي غلته، ولكنه كان محبًا لنفسه مغاليًا بها فضمّ إلى مائدته ما اختلسه من صحفة الفقير فعاقبه الله على قسوته بالبِطنة حتى لا يَهنيءَ للظالم ظلمه ولا يطب له عيشه، وهكذا يصدق المثل القائل: بطنة الغني انتقام لجوع الفقير.
ما ضنّت السماء بمائها، ولا شحّت الأرض بنباتها، ولكن حسد القوي الضعيف عليهما فزواهما عنه واحتجنهما (٣) دونه فأصبح فقيرًا معدمًا، شاكيًا متظلمًا، غرماؤه المياسير الأغنياء لا الأرض والسماء".
_________________
(١) "مرقاة المفاتيح" (٤/٢٢٩) .
(٢) "أين الفضيلة" من كتاب النظرات (١/٧٢) لمصطفى لطفي المنفلوطي نشر دار الآفاق الجديدة.
(٣) احتجن الشيء إذا جذبه بالمحجن إلى نفسه، والمحجن الصولجان والمراد أنه استأثر به.
[ ٦٤ ]
ثم يقول يرحمه الله: "لا أستطيع أن أتصور أن الإنسان إنسان حتى أراه محسنًا، لأني لا أعتمد فصلًا صحيحًا بين الإنسان والحيوان إلا الإحسان، وإني أرى الناس ثلاثة، رجل يحسن إلى غيره ليتخذ إحسانه إليه سبيلًا إلى الإحسان إلى نفسه، وهو المستبد الجبار الذي لا يفهم من الإحسان إلا أنه يستعبد الإنسان، ورجل يحسن إلى نفسه ولا يُحسن إلى غيره، وهو الشره المتكالب الذي لو علم أن الدم السائل يستحيل إلى ذهب جامد لذَبح في سبيله الناس جميعًا.
ورجل لا يُحسن إلى نفسه ولا إلى غيره، وهو البخيل الأحمق الذي يجيع بطنه ليشبع صندوقه، أما الرابع الذي يحسن إلى غيره ويحسن إلى نفسه، فلا أعلم له مكانًا ولا أجد إليه سبيلًا، وأحسب أنه هو ذلك الذي كان يفتّش عنه الفيلسوف اليوناني ديوجين الكلبي حينما سئل ما يصنع بمصباحه وكان يدور به في بياض النهار، فقال: أفتش عن إنسان" (١) .
يقول المنفلوطي ﵀ في مقالة "الرحمة":
"سأكون في هذه المرة شاعرًا بلا قافية ولا بحر لأني أريد أن أخاطب القلب وجهًا لوجه ولا سبيل إلى ذلك إلا سبيل الشعر.
إن البذور تلقى في الأرض فلا تنبت إلا إذا حرث الحارث تربتها وجعل عاليها سافلها، وكذلك القلب لا تبلغ منه العظة إلا إذا داخلته وتخللت أجزائه، وبلغت سويدائه، ولا محراث للقلب غير الشِعر، أيها الرجل السعيد كن رحيمًا أَشعِر قلبك الرحمة، ليكن قلبُك الرحمةَ بعينها.
ستقول إني غير سعيد لأن بين جنبيّ قلبًا يُلم به من الهمّ ما يلم بغيره من القلوب، أجل فليكن ذلك كذلك، ولكن أطعم الجائع واكس العاري وعزّ المحزون، وفرّج كربة المكروب يكن لك من هذا المجتمع البائس خير عزاء يعزيك عن همومك وأحزانك، ولا تعجب أن يأتيك النور من سواد الحلك فالبدر لا يطلع إلا إذا شقّ رداء الليل، والفجر لا يَدْرُج إلا من مهد الظلام.
_________________
(١) "الغني والفقير" مقالة للمنفلوطي من كتاب النظرات (١/٧٦-٧٩) .
[ ٦٥ ]
لقد بَليت اللذات كلها ورثت حبالها وأصبحت أثقل على النفس من الحديث المعاد ولم يبق ما يعزى الإنسان عنها إلا لذة واحدة هي لذة الإحسان.
إن منظَر الشاكر منظر جميل جذاب ونغمة ثنائه وحمده أوقع في السمع وأعذب.
أحسن إلى الفقراء والبائسين وأعدك وعدًا صادقًا أنك ستمر في بعض لياليك على بعض الأحياء الخاملة فتسمع من يحدث جاره من حيث لا يعلم بمكانك منه أنك أكرم مخلوق وأشرف إنسان ثم يعقب الثناء عليك بالدعاء لك أن يجزيك الله خير بما فعلت فيدعو صاحبه بدعائه، ويرجو برجائه، وهنالك تجد من سرور النفس وحبورها بهذا الذكر الجميل في هذه الهيئة الخاملة ما يجده الصالحون إذا ذكروا في الملأ الأعلى.
ليتك تبكي كلما وقع نظرك على محزون أو مفؤود فنبتسم سرورًا ببكائك، واغتباطً بدموعك، لأن الدموع التي تتحدر على خديك في مثل هذا الموقف إنما هي سطور من نور تسجل لك في تلك الصحيفة البيضاء أنك إنسان.
إن السماء تبكي بدموع الغمام ويخفُق قلبها بلمعان البرق وتصرخ بهدير الرعد، وإن الأرض تئن بحفيف الريح وتضج بأمواج البحر، وما بكاءُ السماء ولا أنين الأرض إلا رحمة بالإنسان، ونحن أبناء الطيعة فلنجارها في بكائها وحنينها.
إن اليد التي تصون الدموع أفضل من اليد التي تُريق الدماء، والتي تشرح الصدور أشرف من التي تبقَر البطون، فالمحسن أفضل من القائد، وأشرف من المجاهد، وكم بين من يحيي الميت ومن يميت الحي.
إن الرحمة كلمة صغيرة ولكن بين لفظها ومعناها من الفرق مثل ما بين الشمس في منظَرها والشمس في حقيقتها.
إذا وَجد الحكيم بين جوانح الإنسان ضالته من القلب الرحيم وجد المجتمع ضالته من السعادة والهناء.
لو تراحم الناس لما كان بينهم جائع ولا عار ولا مغبون ولا مهضوم، ولأقفرت الجفون من المدامع، واطمأنت الجنوب في المضاجع، ولمحت الرحمةُ الشقاء من المجتمع كما يمحو لسان الصبح مداد الظلام.
[ ٦٦ ]
لم يخلق الإنسان ليقتّر عليه رزقه ولم يقذف به في هذا المجتمع ليموت فيه جوعًا، بل أرادت حكمته أن يخلقه ويخلق له فوق بساط الأرض وتحت ظلال السماء ما يكفيه مؤونته، ويسد حاجته، ولكن سلبه الرحمة فبغى بعضه على بعض وغدر القوي بالضعيف واحتجن دونه رزقَه فتغير نظام القسمة العادلة وتشوه وجهها الجميل، ولو كان للرحمة سبيل إلى القلوب لما كان للشقاء إليها سبيل.
الفرد هو المجتمع وإنما يتعدد بتعدد الصور، أتدري متى يكون الإنسان إنسانًا؟ متى عرف هذه الحقيقة حق المعرفة وأشعرها نفسَ فخفق قلبه لخفقان القلوب وسكن لسكونها، فإذا انقطع ذلك السلك الكهربائي بينه وبينها انفرد عنها واستوحش من نفسه، وإذا كان الأنس مأخذَ الإنسان المجتمع، فالوحشة مأخذ الوحش المنقطع.
وجِماع القول أنه لا يمكن أن تجتمع رحمة الرحماء وشقوة الأشقياء في مكان واحد إلا إذا أمكن أن يجتمع في بقعة واحدة الملَك الرحيم، والشيطان الرجيم.
إن من الناس من تكون عنده المعونة الصالحة للبر والإحسان فلا يفعل، فإذا مشى مشى متدفعًا مندلثًا (١) لا يلوي على شيء مما حوله من المناظر المؤثرة المحزنة، وإذا وقع نظره على بائس لا يكون نصيبه منه إلا الإغراق في الضحك سخرية به وببذاذة ثوبه ودمامة خلقه، وإن من الناس من إذا عاشر الناس عاشرهم ليعرف كيف يحتلب دِرتهم (٢) ويمتص دماءهم، ولا يعاملهم إلا كما يعامل شويهاته وبقراته، لا يقربها ولا يُطعمها ولا يَسقيها إلا لما يترقب من الربح في الاتجار بألبانها وأصوافها، ولو استطاع أن يهدم بيتًا ليربح حجرًا لفعل، وإن من الناس من لا حديث له إلا الدينار وأين مستقره وكيف الطريق إليه وما السبيل إلى حبسه والوقوفِ في وجهه والحيطة لفراره، ويبيت ليله حزينًا كئيبًا لأن خزانته ينقصها درهم كان يتخيل في يقظته أو يرى في منامه أنه سيأتيه فلم يُقيض له، وإن من الناس من يؤذي الناس لا يجلب بذلك لنفسه منفعة أو يدفع عنها مضرة بل لأنه شرير يدفعه طبعه إلى ما لا يعرف وجهه أو ليضرّي (٣) نفسه بالأذى مخافة أن ينساه عند الحاجة
_________________
(١) اندلث في الأمر: اندفع فيه.
(٢) الدرة: اللبن إذا كثر وسال.
(٣) يقال: أضرى فلان كلبه بالصيد وضرّاه إذا أغراه به وعوّده متابعته.
[ ٦٧ ]
إليه، حتى لو لم يبق في العالَم شخص غيره لكانت نفسُه مدبَّ عقاربه وغرض سهامه، وإن من الناس من إذا كشف لك عن أنيابه رأيت الدم الأحمر يترقرق فيها أو عن أظافره رأيت تحتها مخالب حادة لا تسترها إلا الصورة البشرية أو عن قلبه رأيت حجرًا صلدًا من أحجار الغرانيت لا يبض (١) بقطرة من الرحمة، ولا تَخْلُص إليه نسمة من العظة.
فيا أيها الإنسان احذر الحذر كله من أن تكون واحدًا من هؤلاء فإنهم سباع مفترسة وذئاب ضارية، بل أعظك ألا تدنو من أحدهم أو تعترض طريقَه فربما بدا له أن يأكلك فأكلك غير حافل بك ولا آسف عليك.
أيها الإنسان: ارحم الأرملة التي مات عنها زوجها ولم يترك لها غير صبية صغار، ودموع غزار، ارحمها قبل أن ينال منها ويعبث الهم بقلبها فتفضل الموت على الحياة.
أيها السعداء، أحسنوا إلى البائسين والفقراء، وامسحوا دموع الأشقياء، وارحموا من في الأرض ورحمكم من في السماء.