قال الحافظ ابن حجر: "المراد بقوله: "وأنا أجزي به" أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، وأما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس.
قال القرطبي: معناه أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله، إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير.
ويشهد لهذا السياق رواية الموطأ، وكذا رواية الأعمش عن أبى صالح حيث قال: "كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله" قال الله: "إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" أي أجازي عليه جزاءً كثيرًا من غير تعيين لمقداره، وهذا كقوله تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) انتهى، والصابرون الصائمون في أكثر الأقوال قلت: وسبق إلى هذا أبو عبيد في غريبه فقال: بلغني عن ابن عيينة أنه قال ذلك، واستدل له بأن الصوم هو الصبر لأن الصائم يصبر نفسه عن الشهوات، وقد قال تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) (٣) .
قال المناوي: "وأنا أجزي به" إشارة إلى عظم الجزاء عليه وكثرة الثواب لأن الكريم إذا أخبر بأنه يعطي العطاء بلا واسطة اقتضى سرعة العطاء وشرفه" (٤) .
_________________
(١) "فتح الباري" (ج٤ /١٢٩-١٣٠) .
(٢) وهي الوجه الثاني في معنى الحديث عند ابن حجر في "الفتح" (٤/١٣٠) .
(٣) "فتح الباري" (ج ٤ /١٣٠) .
(٤) "فيض القدير" للمناوي (٤/٢٥١) .
[ ٣١ ]
* قال ابن رجب الحنبلي:
"يكون استثناء الصوم من الأعمال المضاعفة فتكون الأعمال كلها تضاعف بعشر امثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فإنه لا ينحصر تضعيفه في هذا العدد بل يضاعفه الله ﷿ أضعافًا كثيرة بغير حصر عدد.
فإن الصيام من الصبر وقد قال الله تعالى: (إنما يوفى الصابرون) الآية، ولهذا ورد عن النبي - ﷺ - أنه سمى رمضان شهر الصبر، وقال - ﷺ -: "الصوم نصف الصبر"
والصبر على ثلاثة أنواع:
صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على الأقدار المؤلمة.
وتجتمع الثلاثة في الصوم فإن فيه صبرًا على طاعة الله، وصبرًا عما حرّم الله على الصائم من الشهوات، وصبرًا على ما يحصل للصائم فيه من ألم الجوع والعطش وضعف النفس والبدن، وهذا الألم الناشئ من أعمال الطاعات يثاب عليه صاحبه كما قال الله تعالى في المجاهدين: (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطأً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلًا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين) (١) .
قال ابن حجر: "يأتي في غير ما حديث أن صوم اليوم بعشرة أيام المراد أن صيام اليوم الواحد يكتب بعشرة أيام، وأما مقدار ثواب ذلك فلا يعلمه إلا الله تعالى".
ويؤيده أيضًا العرف المستفاد من قوله: "أنا أجزي به" لأن الكريم إذا قال: أنا أتولى الإعطاء بنفسي كان في ذلك إشارة إلى تعظيم ذلك العطاء وتفخيمه".
قال عز الدين بن عبد السلام: "أنا أجزي به" معناه تعظيم جزائه بأنه هو المتولي لإسدائه، وإن كان هو المجازي على الطاعات" (٢) .