قد تقرر في الشرع أنه لا يجوز للمسلمين رجالًا ونساء التشبه بالكفار سواءً في عباداتهم أو أعيادهم أو أزيائهم الخاص بهم، قال تعالى: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) [الجاثية: ١٨] .
وقال تعالى: (وكذلك أنزلناه حكمًا عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق) [الرعد: ٣٧]
وقال تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) [الحديد: ١٦] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ولا يكونوا] نهي مطلق عن مشابهتهم، وهو خاص أيضًا في النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم وقسوة القلوب من ثمرات المعاصي.
* وقال ابن كثير عن تفسير هذه الآية (٤/٣١١):
"ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية".
وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم) .
قال قتادة: كانت اليهود تقوله استهزاءً، فكره الله للمؤمنين أن يقولوا مثل قولهم، وقال أيضًا: كانت اليهود تقول للنبي - ﷺ -: راعنا سمعك يستهزءون بذلك، وكانت في اليهود قبيحة، فهذا يبين أن هذه الكلمة نهي المسلمون عن قولها، لأن اليهود كانوا يقولونها وإن كانت من اليهود قبيحة، ومن المسلمين لم تكن قبيحة، لما كان في مشابهتهم فيها من مشابهة الكفار وتطريقهم إلى بلوغ غرضهم.
عن أنس بن مالك: "إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي - ﷺ - النبي - ﷺ - فأنزل الله تعالى:
[ ١٠١ ]
(ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) إلى آخر الآية، فقال رسول الله - ﷺ -: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح".. فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه " (١) الحديث.
قال ابن تيمية في "الاقتضاء":
"فهذا الحديث يدل على كثرة ما شرعه الله لنبيه من مخالفة اليهود بل على أنه خالفهم في عامة أمورهم حتى قالوا:
ما يريد أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه.
قال الألباني ناقلًا لكلام ابن تيمية:
"ثم إن المخالفة تارة تكون في أصل الحكم، وتارة في وضعه، وقد ذكرنا حديث ليلى امرأة بشير بن الخصاصية".
وعن ابن عباس قال:
"حين صام رسول الله - ﷺ - يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع"، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله - ﷺ - (٢) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فهذا يوم عاشوراء يوم فاضل يكفر سنة ماضية، صامه رسول الله - ﷺ -، وأمر بصيامه، ورغب فيه، ثم لماّ قيل له (قبيل وفاته): إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، أمر بمخالفتهم، بضم يوم آخر إليه، وعزم على ذلك، ولهذا استحب العلماء أن يصوم تاسوعاء وعاشوراء وبذلك علّلت الصحابة ﵃" (٣) .
_________________
(١) رواه مسلم، وأبو عوانة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٢) رواه مسلم والبيهقي وغيرهما.
(٣) "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص ٤١) .
[ ١٠٢ ]