"كانت لابن الفارض أربعينيات متواصلة لا جمل ولا يشرب ولا ينام فيها، وهو في هذه الأربعينيات إنما كان يأخذ نفسه بالشدة التي لا تعرف لينًا أو هوادة، وبالزهد في كل شيء، والانصراف عن كل شيء، وما زال بها على هذه الحال حتى تهيأ له ما كان يطمح إليه من كمال -كما يزعمون- ويدل على هذا ما يحكى من أنه بينما كان في آخر أيام أربعينياته اشتهت نفسه لونًا من الطعام، فأخذ يطالبها بالصبر، ولكنها أخذت تلح عليه، فإذا هو يشتري هذا اللون، ويدخل به إلى قبة الشرابي، ولم يكد يرفع أول قطعة منه إلى فمه حتى انشق جدار القبة وخرج شاب جميل الوجه، حسن الهيئة، أبيض الثياب، عطر الرائحة، ولامه أن أكلها، فما كان من ابن الفارض إلا أن ألقى بهذه القطعة قبل أن تصل إلى فمه وتركها، وخرج إلى السياحة وأدّب نفسه بزيادة عشرة أيام في المواصلة على الأربعين لتتمة خمسين يومًا" (٢) .
هكذا صومهم خالفوا هدي رسول الله - ﷺ - وتشبهوا بالنصارى في الوصال، ويرحم الله ابن عيينة إذ يقول: "من فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى" (٣) .
* عن ليلى امرأة بشير بن الخصاصية ﵁ وعنها قالت:
_________________
(١) "البداية والنهاية" (١١/١٥١) .
(٢) "ابن الفارض والحب الإلهي" للدكتور محمد مصطفى حلمي (ص ٥٩) نقلًا عن ديباجة الديوان (ص ١٠) .
(٣) "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص ٩٧) .
[ ٨٨ ]
"أردت أن أصوم يومين مواصلة، فنهاني عنه بشير، وقال: إن رسول الله - ﷺ - نهاني عن ذلك، وقال: إنما يفعل ذلك النصارى، صوموا كما أمركم الله، وأتموا الصوم كما أمركم الله، و(أتموا الصيام إلى الليل) فإذا كان الليل فأفطروا (١) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فعلل النهي عن الوصال بأنه صوم النصارى، وهو كما قال رسول الله حق ويشبه أن يكون من رهبانيتهم التي ابتدعوها (٢) .
وروي الغزالي في "الإحياء": عن عيسى ﵇ أنه مكث يناجي ربه ستين يومًا فخطر بباله الخبز فانقطع عن المناجاة، فإذا رغيف موضوع بين يديه فجلس يبكي على فقد المناجاة (٣) .
كيف تصبح جائعًا:
يرشدك الغزالي إلى أنه يمكن ذلك بتقليل الطعام بالعادة شيئًا فشيئًا حتى تتعود الصبر عنه عشرة أيام (بل عشرين يومًا) !!.
وهو يحكي لك بأن الأمر قد انتهى ببعض الزهاد الاقتصار على حبة واحدة من الحمص كل يوم، وبعضهم في الوقت إلى عشرين يومًا، وقيل أربعين.
وهذه رتبة عظيمة يقل من يستقل بها (٤) .