"المبشر المحزون، المستتر المخزون، تجرد من الثلاد، وتشمر للمهاد، وقدّم العتاد للمعاد، العلاء بن زياد" (١) .
كان ربانيًّا تقيًا قانتًا لله، بكّاء من خشية الله.
قال قتادة: كان العلاء بن زياد قد بكى حتى غشي بصره، وكان إذا أراد أن يقرأ أو يتكلم، جهشه البكاء، وكان أبوه قد بكى حتى عمي.
قال الحسن لعلاء بن زياد وقد سله الحزن كيف أنت يا علاء؟ فقال: واحزناه على الحزن.
قال الحسن: قوموا فإلى هذا والله انتهى استقلال الحزن" (٢) .
وعن هشام بن حسان أن العلاء بن زياد كان قوت نفسه رغيفًا كل يوم وكان يصوم حتى يخضرّ أو يصلي حتى يسقط فدخل عليه أنس بن مالك والحسن فقالا: إن الله تعالى لم يأمرك بهذا كله، فقال: إنما أنا عبد مملوك لا أدع من الاستكانة شيئًا إلا جئته به" (٣) .
قال له رجل: رأيت كأنك في الجنة فقال له. ويحك أما وجد الشيطان أحدًا يسخر به غيري وغيرك (٤) .
وكان يقول: "لينزل أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه تعالى نفسه فأقاله فليعمل بطاعة الله ﷿" (٥) .
_________________
(١) "حلية الأولياء" (٢/٢٤٢) .
(٢) "الحلية" (٢/٢٤٢) .
(٣) "الحلية" (٢/٢٤٣) .
(٤) "الحلية" (٢/٢٤٥) .
(٥) "الحلية" (٢/٢٤٤) .
[ ١٢٧ ]
قال سلمة بن سعيد رئي العلاء بن زياد أنه من أهل الجنة فمكث ثلاثًا لا ترقأ له دمعة ولا يكتحل بنوم ولا يتذوق طعامًا فأتاه الحسن فقال: أي أخي أتقتل نفسك أن بُشرت بالجنة فازداد بكاء" فلم يفارقه حتى أمسى وكان صائمًا فطعم شيئًا" (١) .
عن هشام بن زياد العدوي قال: تجهز رجل من أهل الشام وهو يريد الحج فأتاه آت في منامه فقال: ائت العراق ثم ائت البصرة ثم ائت بني عدي فائت بها العلاء ابن زياد فإنه رجل أقصم الثنية بسام فبشره بالجنة، قال: فقال: رؤيا ليست بشيء حتى إذا كانت الليلة الثانية رقد فأتاه آت فقال: ألا تأتي العراق فذكر مثل ذلك حتى إذا كانت الليلة الثالثة جاءه بوعيد فقال: ألا تأتي العراق ثم تأتي البصرة ثم تأتي بني عدي فتلقى العلاء بن زياد رجل ربعة أقصم الثنية بسام فبشره بالجنة قال فأصبح وأخذ جهازه إلى العراق فلما خرج من البيوت إذا الذي أتاه في منامه يسير بين يديه ما سار، فإذا نزل فقده فلم يزل يراه حتى دخل الكوفة ففقده قال: فتجهز من الكوفة فرآه يسير بين يديه ما سار حتى قدم البصرة فأتى بني عدي فدخل دار العلاء ابن زياد فوقف الرجل على باب العلاء فسلم. قال هشام: فخرجت إليه فقال لي: أنت العلاء بن زياد؟ قلت: لا، وقلت: أنزل رحمك الله فضع رحلك وضع متاعك فقال: لا أين العلاء بن زياد؟ قلت: هو في المسجد، قال: وكان العلاء يجلس في المسجد ويدعو بدعوات ويحدث قال هشام: فأتيت العلاء فخفف من حديثه وصلى ركعتين ثم جاء فلما رآه العلاء تبسم فبدت ثنيته فقال: هذا والله صاحبي قال: فقال العلاء: هلا حططت رحل الرجل هَلَّا أنزلته؟ قال: قد قلت له فأبى، قال: فقال العلاء: انزل رحمك الله، قال: فقال الرجل: أدخلني قال، فدخل العلاء منزله وقال: يا أسماء تحولي إلى البيت الآخر قال فتحولت ودخل الرجل وبشره برؤياه ثم خرج فركب قال: وقام العلاء فأغلق بابه وبكى ثلاثة أيام وقال سبعة أيام لا يذوق فيهما طعامًا ولا شرابًا ولا يفتح بابه، قال هشام فسمعته يقول في خلال بكائه أنا أنا قال: فكنا نهابه أن نفتح بابه وخشيت أن يموت فأتيت الحسن فذكرت له ذلك وقلت لا أراه إلا ميتًا لا جمل ولا يشرب باكيًا قال: فجاء
_________________
(١) "السير" (٤/٢٠٣) .
[ ١٢٨ ]
الحسن حتى ضرب عليه بابه وقال: افتح يا أخي فلما سمع كلام الحسن قام ففتح بابه وبه من الضرّ شيء الله به عليم فكلمه الحسن ثم قال: رحمك الله ومن أهل الجنة إن شاء الله أفقاتل نفسك أنت، قال هشام: حدثنا العلاء لي وللحسن بالرؤيا وقال: لا تحدثوا بها ما كنت حيّا" (١) .
لك الله يا علاء أئن بشرت بالجنة صمت وبكيت حتى أشرفت على الموت، لك الله يا إمام ولك من اسمك أوفر نصيب.