الآيتان (٣٣ - ٣٤) من سورة محمد ﷺ
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن طاعة الله وطاعة رسوله عليها مدار السعادة في الدنيا والآخرة، لذا نادى الله ﷻ عباده المؤمنين به وبلقائه ليأمرهم بطاعته وطاعة رسوله ﷺ لعلمه تعالى أن السعادة في طاعته وطاعة رسوله، وأن الشقاء في معصية الله ومعصية رسوله، وهو تعالى يحب أولياءه وهم المؤمنون بما أمرهم أن يأمنوا به، والمتقون له بترك معاصيه. فبحبه لهم أمرهم بالطاعة الموجبة للسعادة حتى يسعدوا ولا يشقوا فله الحمد وله المنة.
ناداهم قائلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يا من أمنتم بي ربا وإلها وبديني الإسلام دينا حقا لا دين ينفع ويجدى سواه، وبنبي محمد خاتما ورسولا عاما ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ ربكم وإلهكم ووليكم فيما يأمركم به وينهاكم عنه. ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ نبيكم ورسولكم في كل ما يأمركم به وينهاكم عنه، فإن هذه الطاعة التي أمرتم بها هي سبيل نجاتكم، وسلم رقيكم وسعادتكم فلا تحرموا أنفسكم من سعادة الدارين. ولنعلم أن هذا الأمر بالطاعة لله ورسوله هو من باب ألزموا طاعة الله ورسوله واثبتوا عليها؛ لأنهم بإيمانهم مطيعون. وقوله تعالى لهم: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ يؤكد أن الأمر بالطاعة هنا معناه الثبات عليها وعدم التهاون فيها. وإبطال الأعمال الصالحة يكون بأمور أظهرها وأقواها الشرك والردة عن الإسلام، ثم الرياء وهى أن
[ ١٨٧ ]
يعمل المرء عملا صالحا فيرائي به غير الله من أجل أن يشكر عليه، أو من أجل أن يدفع عنه المذمة أو اللوم والعتاب. كما أن الصدقات تبطل بالمن لقوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾، والمن هو ذكر الصدقة للمتصدق عليه وتكرار ذلك عليه، والأذى قد يكون بلوم المتصدق عليه أو تعييره بقبح أو لفظ سيئ ومن مبطلات العمل ارتكاب كبائر الإثم والفواحش ومعنى إبطالها أن السيئات إذا غشت النفس وأحاطت بالقلب حجبت نور تلك الصالحات ذات الحسنات السابقة ولم يبق لها نور في النفس، فقد روى عن الحسن البصري وعن الزهري أن إحباط الأعمال الصالحة يكون بكبائر الذنوب إذ قلا: لا تبطلوا أعمالكم بالمعاصي. وليس معنى إبطالها إحباطها، فإحباط العمل لا يكون إلا بالشرك والكفر، لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢ ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ على انه من دخل في عبادة ينبغي أن يتمها ولا يخرج منها نافلة كانت أو فريضة فمن دخل في صلاة نافلة فليتمها. ومن شرع في طواف فليتمه، ومن دخل في صيام فليتمه، ومن أحرم بحج أو عمرة فليتمها ومن ائتم بإمام فليتم صلاته ولا يخرج عنه. لكنه لا على سبيل الإلزام والوجوب بل على سبيل الندب والاستحباب،. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي بالله ورسوله ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي عن الإسلام، والدخول فيه بأي سبب من الأسباب، ﴿ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ أي لم يتوبوا حتى ماتوا، فهؤلاء حكم الله تعالى بعدم المغفرة لهم إذ قال عز من قائل: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ أي كفرهم وصدهم عن سبيل الله، ولو كانوا قبل كفرهم وصدهم فعلوا كل بر وخير وعبدوا الله بكل ما شرع من أنواع العبادات؛ لأن موتهم على أكبر إثم وأقبح جريمة وهما الكفر بالله ولقائه وشرعه وصدهم غيرهم بوسائل الصد عن سبيل الله، فقد تكون الوسائل قتالا وضربا وتجريحا وقد تكون طعنا في الدين وتحريفا له، وتقبيحا فيه حتى يصرفوا الناس عنه. ويدخل في هذا الوعيد بدون شك اليهود والنصارى إذ حملوا راية الصد عن الإسلام والصرف عنه وبذلوا أموالا وجهودا لا حد لها. والعياذ بالله فمن مات منهم على ذلك فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين.
وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والخمد لله رب العالمين.
_________________
(١) ١ سورة الزمر: ٦٥ ٢ سورة المائدة: ٥
[ ١٨٨ ]
برأيي. فضرب رسول الله ﷺ في صدره أي صدر معاذ ﵁ وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ". ومن هذا الحديث الجليل الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجة ﵏ أجمعين. ومنه استخرج علماء الشريعة رحمهم الله تعالى من سلف هذه الأمة القاعدة الآتية " لا يحل لمؤمن القدوم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه ".
وهذه القاعدة تحث المؤمنين على طلب العلم؛ إذ لو أخذ بها المسلمون لما بقى فيهم ولا بنهم جاهل بحكم الله ورسوله في كل قضايا الحياة. ولكن للكتاب والسنة شأن عظيم بينهم لقوله تعالى: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُول﴾ . لا قولا ولا عملا ولا رأيا ولا فهما أو ذوقا كما يقولون حتى يعرض ما أراده على الكتاب والسنة فإن وجد طلبه فذاك وإلا سائل أهل العلم حتى يعلم الحكم بالمنع أو الجواز. فيصبح على بينة من أمره وكيف والله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١، فالمؤمن من كان عالما عمل بما علم وإلا سأل أهل العلم حتى يعلم فيعمل بما علم. والعالم إذا سئل يجب أن يعلم السائل ما سأل عنه، وبهذا لا يبقى بين المؤمنين جاهل ولا جاهلة. إلا أن يوجد المرء في بلد لا عالم فيه فحينئذ يجب أن يسافر إلى بلد فيه العالم حتى يسأل ولو كان في أقصى الشرق أو الغرب. أو يهاجر من بلد لا عالم فيه؛ إذ لا يمكنه أن يعبد الله تعالى بلا علم. ولو عرف المسلمون هذه الحقيقة لما أصبحوا جهلاء ضلالا إلا من رحم الله تعالى منهم. ألا فاذكر هذا أيها القارئ أو المستمع.
وقوله تعالى في ختام هذا النداء ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أمر بتقوى الله ﷿ وهى الخوف منه الحامل للعبد على طاعة الله ورسوله ﷺ. ومن جملة ما تدل عليه هذه الجملة ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ الالتزام بمبدأ: ﴿آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي سميع لأقوالهم عليم بأفعالكم ألا فاتقوه حق تقاته. بأن لا تخرجوا عن طاعته في المنشط والمكره، واليسر في حدود الطاقة البشرية إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) ١ سورة النمل ٤٣، سورة الأنبياء:٧
[ ١٩٠ ]