الآية (١١) من سورة المائدة
أعوذ بالله الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن الله تعالى لا ينادى عباده المؤمنين به وبلقائه إلا ليأمرهم بفعل ما يكملهم أدابا وأخلاقا، ودولة وسلطانا، ويسعدهم في دنياهم وأخراهم، لأنه ربهم ووليهم، والرب لا يريد لعبده ومملوكه إلا كماله وسعادته، والولي لا يريد لوليه إلا ما فيه خيره، وكماله وسعادته، وها هو ذا الله ﵎ ينادى عباده المؤمنين بهذا النداء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ليأمرهم بذكر نعمة عظيمة أنعم بها عليهم، هى أنه ما من مؤمن ولا مؤمنة من يوم تلك النعمة إلى يوم القيامة إلا وهو مأمور بشكر الله تعالى على تلك النعمة، والشكر متوقف على ذكر النعمة بعد معرفتها فلذا قال لهم: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ . وبين موقعها، وجلى لهم حقيقتها، فقال عز من قائل: ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ وقد تكررت محاولة قتل نبيهم ﷺ عدة مرات وفى كل مرة يكف الرب ﵎ أيدي الخادعين الماكرين، فلم يصلوا بالأذى لرسول الله ﷺ بالضرب أو القتل ومن تلك المرات محاولة غورث بن الحارث الواردة في الصحيح، وهى أن غورث الأعرابى رأى النبي ﷺ قد نزل منزلا وتفرق أصحابه عنه يستظلون بالأشجار للاستراحة من عناء الغزو والتعب والسير في سبيل الله وقد علق النبي ﷺ سيفه بشجرة واستراح كما استراح أصحابه وإذا غورث الأعرابي يأتى إلى النبي ﷺ وأخذ سيفه من
[ ٨٨ ]
الشجرة وسله من غمده وأقبل على الرسول ﷺ وقال له: من يمنعك منى؟ فقال الرسول ﷺ الله ﷿، قال الأعرابي: مقالاته ثلاث مرات والرسول ﷺ يرد عليه بقوله: الله ﷿ فسقط السيف من يد غورث وجلس إلى النبي ﷺ ساكتا لا يتكلم والرسول ﷺ معرض عنه ودعا النبي ﷺ أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه ولم يعاقبه ولعل الأعرابي كان مبعوثا من قوم مشركين ليقتلوا النبي ﷺ، فهذه نعمة وهى نعمة نجاة نبيهم من القتل على أيدي أعدائه وأعدائهم، وهى أكبر نعمة شملت المؤمنين عامة من عهده ﷺ إلى يوم القيامة.
ومرة أخرى وهى أن يهود بنى النضير تآمروا على رسول الله ﷺ أن يطلقوا عليه رحى من سطح المنزل الجالس تحته إذ ذهب إليهم مع بعض أصحابه لمهمة تطلبت الذهاب إليهم بمقتضى المعاهدة السلمية التي كانت بينه ﷺ وبينهم، لكن الله تعالى خيبهم حيث أوحى إليه ﷺ بالمؤامرة فقام سريعا مع أصحابه، وندم اليهود لما فضحوا وأمر الله رسوله بإجلائهم بحكم المعاهدة التي نقضوها، فحاصرهم ﷺ برجاله وأجلاهم عن المدينة فالتحقوا بالشام.
وثالثة: تآمر يهود عليه لعائن الله تعالى على قتله ﷺ بإطعامه سما فنجاه الله تعالى فهذه النعمة نعمة نجاة رسول الله ﷺ من القتل حتى يتم الله شرعه ويكمل دينه ولما نزلت آية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ توفاه الله في حجرته المشرفة التي دفن فيها، ودفن معه صاحباه الشيخان أبو بكر وعمر ﵄ وأرضاهما، لهذا نادى الله تعالى عباده المؤمنين بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي بإنجاء نبيكم من القتل المدبر له (ﷺ) من قبل أعداء التوحيد وأعداء الإسلام، اليهود، وبين ذلك بقوله: ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي بقتل نبيكم فكف أيديهم عنكم.
تأمل هذا أيها القارئ كيف نسب الله تعالى القتل إلى المؤمنين والمتآمر على قتله هو نبيهم ﷺ، فتفهم أن على كل مؤمن ومؤمنة أن يفدى رسول الله ﷺ بنفسه وولده ووالديه والناس أجمعين، وهو كذلك. وتأمل قول الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ . يتبين لك سر أمر الله تعالى عباده المؤمنين بذكر نعمة
[ ٨٩ ]
الله عليهم بنجاة نبيهم من مكر أعدائه به ليقتلوه، فكف أيديهم وصرفهم خائبين خاسرين.
وأخيرا أمره تعالى للمؤمنين بتقواه بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، وذلك لما في تقواه ﷿ من رضاه وولايته الموجبة للسعادة والكمال في الحياتين.
ألا فلنتق الله تعالى، وأمرنا بالتوكل عليه لا على غيره؛ إذ التوكل عليه يحقق المطلوب بدفع الأذى وتحقيق الخير الكثير، وأما التوكل على غيره فإنه يجلب الخيبة والمذلة والضياع.
ألا أيها المؤمن القارئ والمستمع اذكر هذا ولا تغفل عنه فإنه سلم سعادتكم ومفتاح كل نعيم يحصل لكم. وفقنا الله تعالى لذلك وزادنا رضاه آمين.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
[ ٩٠ ]