الآيتان (٧٠ - ٧١) من سورة الأحزاب
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .
الشرح:
اذكر أيها القارئ الكريم ما عرفته من سر نداء الله تعالى للمؤمنين بعنوان الإيمان، وأنه ما يناديهم إلا ليأمرهم أو ينهاهم، أو يبشرهم أو ينذرهم وذلك رحمة بهم وإحسانا إليهم من أجل أن يكملوا ويسعدوا. وها هو ذا تعالى يناديهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ويأمرهم بتقواه ﷿ إذ تقواه هي المحققة لولايته تعالى لهم بعد الإيمان ومن وليه الله لا يخاف ولا يحزن، ومن عاداه الله ما أمن ولا فرح أبدا.
هذا واعلم أن تقوى الله ﷿ حقيقتها: خوف من الله ﷿ يحمل الخائف على عدم معصيته ﷿ في فعل ولا ترك في الظاهر والباطن سواء. ويحمله ذلك على أن يطلب العلم ليعرف ما أمر الله تعالى به عباده المؤمنين وما نهاهم عنه من الاعتقادات والأقوال والعمال والصفات ويجاهد نفسه في ذلك حتى يبلغ بها درجة الطمأنينة فتصبح لا تفرح إلا بطاعة الله ﷿ ولا تحزن إلا من معصيته تعالى، وتصبح حالها: الإيمان بلقاء الله والرضا بقضاء الله والقناعة بعطاء الله. كما ورد في دعاء الصالحين: اللهم إني أسألك نفسا مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك وتقنع بعطائك. اللهم وفقنا لهذا المطلب واجعلنا من أهله آمين
وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ هذا أمر أخر بعد الأول وهو أن لا يقول
[ ١٨٣ ]
المؤمن إذا قال إلا ما كان صائبا صدقا نافعا غير ضار، هادفا مصيبا ذا أثر محمود. وقد عرفه بعضهم فقال: القول السديد هو لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهو القصد الحق وهو الذي يوافق ظاهره باطنه، وهو ما أريد به وجه الله دون سواه، إذ القول السديد الذي أمر تعالى به عباده المؤمنين يشمل كل هذه التعريفات ويزيد.
واعلم أن الله تعالى جعل ثمرة تقوانا له وقولنا لبعضنا القول السديد إصلاح أعمالنا ومغفرة ذنوبنا وفى تحقيق هذين المطلبين سعادة الدارين، وسر ذلك أيها القارئ الكريم أن تقوى الله ﷿ كفيلة بتطهير النفس وتزكيتها، وسعادة الآخرة تتم بزكاة النفس وطهارتها إذ قال تعال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾، ومعنى أفلح فاز والفوز هو النجاة من النار ودخول الجنان. كما أن القول السديد كفيل بإصلاح الأعمال الدنيوية من بيع وشراء وهدم وبناء، ونكاح وطلاق وسفر وإقامة، وإلى غير ذلك من أمور الحياة الدنيا الضرورية للإنسان فيها. فما أعظم إرشاد الله تعالى لأوليائه، وما أكرم الله تعالى على عباده المؤمنين إذ أمرهم بأمرين تقواه والقول السديد وجعل الجزاء أمرين إصلاح الأعمال ومغفرة الذنوب، وما بعد هذا المطلب من مطلب. وأخيرا زاد إنعامه وإفضاله على عباده المؤمنين إفضالا فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ . أما طاعة الله وطاعة رسوله فإنها في الأمر والنهى والترغيب والترهيب وفى النفل والمكروه، وأما الفوز العظيم فهو سعادة الدارين؛ أما في الدنيا فهي الأمن ورغد العيش مع انشراح الصدر وطيب الخاطر، وهدوء البال والعز والكرامة الدائمة وأما في الآخرة فهي النجاة من النار ومواكبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إذ قال تعالى من سورة النساء: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ . وفى ختام بيان هذا النداء أذكر لك أيها القارئ ما يزيد في تقواك ورضاك ما رواه بن أبى حاتم وذكره بن كثير في التفسير أن النبي ﷺ صلى يوما الظهر بأصحابه ثم أومأ إليهم أن اجلسوا فجلسوا ثم قال لهم: " أن الله أمرني بأمر أن آمركم أن تتقوا الله وتقولوا قولا سديدا، ثم أتى النساء فقال لهن: إن الله أمرني بأمر أن آمركن أن تتقين الله وتقلن قولا سديدا " فكان ختام هذا النداء كبداءته والحمد لله المتفضل على عباده.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
[ ١٨٤ ]