الحمد لله في العزة والإجلال والعظمة والبهاء والجمال والهيبة والسلطان والكمال الأزلي القديم
[ ٢ / ١٢٦ ]
بلا زوال الأبدي الباقي بلا انتقال المقدس عن النظير والشبيه والمثال المنزه عن الفوق والتحت واليمن والشمال الغالب في حكمه بلا نزاع ولا جدال القدير الذي قدر الأرزاق والآجال العادل في حكمه بالموت بين الدون والعال والصغير والكبير والسادة والموالى ولو فدى منه أحد لفدى محمدا العالي سوى بين الغني والفقير والشريف والحقير على التفصيل والإجمال فالفوز لمن رضي بحكمه وسلم له الفعال والزلفى لمن شكره في سائر الأحوال لأن الموت رحلة من دار الهوان والأهوال إلى دار السلامة والكرامة والنوال دار عيشها هنيء وطعامها مريء طيبة الظلال دار صفوها بلا كدر ولا نوم فيها ولا ضجر غرفها عوال دار ترابها الزعفران وحصباؤها اللؤلؤ والمرجان لا قيل فيها ولا قال دار لا تعب فيها ولا نصب ولا هم ولا غم ولا نصب وبنيانها من فضة وذهب وحورها يرفلن في حجال أنهارها جارية وثمارها ثانية وقصورها عالية ونعيمها لم يخطر على بال أهلها من مروج الصندل يضحكون وفي رياض العنبر يتبخترون أخوانا على أرائك الياقوت إقبال وأفضل ذا وذا كشف الحجاب عن وجه في الحلال أخي فلا من الموت تجزع ولا في البقاء تطمع فلنا أسوة بمن مضى ومثال فما ثم إلا التفويض والتضرع والإبتهال أحمده على بره المتوال وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنجينا جميعا من الاضلال والأهوال ونستعين بها جميعا تحت التراب في الجواب عند السؤال وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ومحو الضلال بالغدو والآصال قال الله تعالى وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل الآية قال القشيري في تفسيره والسلمي في حقائقه سقمت البصائر عند وفاة النبي ﷺ إلا رجل واحد وهو أبو بكر الصديق ﵁ فإن الله تعالى أيده بقوة السكينة فقال من كان يعبد محمد فإن محمدا قد مات فصار الكل مقهورين تحت سلطان ملته لما بسط الله عليه من نور جلالته كالشمس بطلوعها يندرج فيها شعاع أنوار الكواكب قال القشيري وإنما قال أفإن مات أو قتل لأنه مات وقتل أيضا بالسم الذي أكله يوم خيبر من الشاة المسمومة قال الرازي بين الله تعالى آيات كثيرة أن محمدا ﷺ لا يقتل قال تعالى إنك ميت وقال تعالى والله يعصمك من الناس والمقصود من الآية أن اتباع الرسل المتقدمين ما تغيروا عن دينهم بعد موت أنبيائهم فكذلك كونوا أنتم مثلهم قال الله تعالى وكأين من نجبي قاتل معه ربيون كثير أي قتل معه جماعات كثيرة فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله أي خافوا وما ضعفوا أي ما ضعفت قلوبهم وما استكانوا أي ما أظهروا البدع والآية نزلت في غزوة أحد قال القرطبي عرف الناس موت محمد لما قرأ أبو بكر وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل الآية ودلت على شجاعته ﵁ ولما مات أظلم من المدينة كل شيء ولما دخل على المدينة أضاء منها كل شيء قال البغوي في تفسيره عن الحسن علم النبي ﷺ اقتراب أجله بقوله تعالى إذا جاء نصر الله والفتح قال قتادة عاش بعدها عامين قال في روض الأفكار ما ضحك فيهما وهذه السورة تسمى سورة التوديع قال ابن
[ ٢ / ١٢٧ ]
عباس ﵄ ولما كان قبل موته بشهر نعى إلينا نفسه الكريمة ثم جمعنا في بيت عائشة ﵂ فبكى وقال مرحبا بكم آواكم الله هداكم الله أوصيكم بتقوى الله وأوصي الله بكم وأستحلفه عليكم أني لكم منه نذير مبين فقد دنا الأجل والمنقلب إلى الله تعالى وإلى سدرة المنتهى وإلى جنة المأوى وكان مرضه ﷺ إثنى عشر يوما أولها يوم الخميس وآخرها يوم الإثنين قال القرطبي في آل عمران مات يوم الإثنين بلا خلاف في الساعة التي دخل فيها المدينة حين اشتد الضحى من يوم الاثنين أيضا وهو يوم الولادة والرسالة أيضا لكن الرسالة كانت في رمضان والولادة والوفاة في ربيع الأول ثم خرج إلى أصحابه وقد عصب رأسه وصعد المنبر ثم قال من كنت جلدت له ظهرا أو شتمت له عرضا فهذا ظهري وعرضي فليقتص منهما ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه أو يحاللني فلقيت الله وأنا طيب النفس وأما قيام عكاشة ﵁ وطلبه القصاص من رسول الله ﷺ بالقضيب المشقوق فصرح ابن الجوزي وغيره بأنه
كذب وإنما الذي طلب القصاص يوم بدر سواد بن غزية ﵁ كما تقدم في باب فضل العدل وكان أول مرضه صداعا في رأسه في أيام صحته قال أعرابي يا نبي الله أخبرني عن الصداع فقال عروق تضرب الإنسان في رأسه فقال الرجل ما وجدت هذا فلما انصرف الرجل قال النبي من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا رواه الإمام أحمد ورأيت في كتاب البركة عن كعب الأحبار ﵁ قال شكا نبي من الأنبياء الصداع إلى ربه ﷿ فأمره أن يأكل الدباء باللبن وإذا أخذ من المسك وزن نصف عدسة من مثله من الزعفران وتسعط من صداع بارد نفعه وشم المسك يقطع الرياح من سائر الجسد وتقدم أول الكتاب زيادة في باب الدعاء قال ابن رجب لطائف كان عنده ﷺ في مرضه سبعة دنانير فأمرهم بالتصديق بها فاشتغلوا بوجعه فدعا بها وتصدق بها ثم قال ما ظن محمد بربه لو لقى الله وعنده هذا قال ابن رجب فكيف حال من يلقى الله بدماء المسلمين وأموالهم بغير حق ورأيت في الدر الثمين في خصائص الصادق الأمين أن الله تعالى كلم موسى ﵇ مائة ألف كلمة وأربعة عشر ألف كلمة يقول كل كلمة وقتلت نفسا بغير حق مع أنه كان كافرا بخبز عجين فرعون قال وهب أوحى الله إليه يا موسى النفس التي قتلتها لو أقرت لي طرفة عين إني خالق ورزاق لأذقتك طعم العذاب وسبب قتله أنه اشترى حطبا وأمر رجلا من شيعة موسى أن يحمله إلى مطبخ فرعون فامتنع من ذلك واستغاث بموسى فوكزه وكزة كان فيها أجله ثم قال ابن رجب أرسلت عائشة ﵂ بالمصباح ليلة الإثنين إلى إمرأة من الأنصار فقالت قطري لنا فيه عكة السمن فإن رسول الله ﷺ أمسى في شدة الموت وكان ﷺ يضع يده الكريمة في الماء ويمسح وجههه ويقول لا إله إلا الله إن للموت سكرات اللهم هون على محمد سكرات الموت فقالت فاطمة ﵂ واكرباه لكربك يا رسول الله فقال لا كرب على أبيك بعد اليوم قالت عائشة ﵂ فدعوت له بالشفاعة لما أغمي عليه فلما أفاق قال لا بل إسألي الله
[ ٢ / ١٢٨ ]
الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيل ثم قال إنه ليهون علي الموت أني رأيت بياض كف عائشة في الجنة قال في ورض الأفكار هبط جبريل وملك الموت وملك يقال له إسمائيل معه سبعون ألف ملك وذكره غيره أن عزرائيل وقف على الباب وقال السلام عليكم يا أهل بيت النبوة أأدخل ولابد من الدخول فقال رسول الله ﷺ هذا مفرق الجماعات هذا ملك الموت ثم أذن له في الدخول فقال أين تركت أخي جبريل قال تركه في سماء الدنيا والملائكة يعزونه فيك وإذا بجبريل قد دخل وسلم وقال هذا الموعد يستأذن عليك ولم يستأذن على أحد قبلك ثم قال جبريل السلام عليك يا رسول الله هذا آخر موطئي من الدنيا وإنما كنت حاجتي من الدنيا نعم جبريل لا ينزل بالوحي إلى الدنيا بعده وأما بغيره فيزل إلى الدنيا كليلة القدر فقال يا جبريل بشرني قال أبواب الجنة قد تفتحت بقدرة روحك قال ليس عن هذا أسأل بشرني يا جبريل قال قد اصطفت الملائكة لملاقاة روحك قال ليس عن هذا أسأل بشرني من لقراء القرآن من بعدي من لصوم رمضان بعدي قال أبشر فإن الجنة حرمت على جميع الأمم حتى تدخلها أنت وأمتك فقال الآن قد طاب الموت ادن مني يا ملك الموت فعالج روحه الطيبة فولى جبريل بوجهه فقال يا جبريل ولم تول بوجهك عني فقال ومن يستطيع النظر إليك وأنت تعالج سكرات الموت قالت عائشة ﵂ لما خرجت روحه الطيبة ما شممت ريحا أطيب منها ثم وقعت الظلمة في المدينة حتى لا يرى بعضهم بعضا واختلف حال الصحابة في هذه المصيبة فمنهم من أقعد ومنهم من أخرس لسانه إلى فراغ العزاء حتى تكلم ومنهم من أضنى كالمريض حتى مات وثبت أبو بكر الصديق ﵁ كما تقدم ثم بايعه الناس بالخلافة وذلك بتوفيق الله وأول من بايعه عمر بن الخطاب ﵁ وذكر القرطبي في تفسير آل عمران أن الرافضة انقسمت إثنتي عشرة فرقة كل فرقة في السعير فمن أراد أن يرى قبائح هذه الفرق فلينظر في تفسير القرطبي في قوله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا ثم بايع الناس أبا بكر الصديق ﵁ وأخذوا في تجهيز النبي ﷺ إلى قبره الشريف الذي هو أفضل من العرش والكرسي فغسله على بالماء البارد في ثوبه ومعه
العباس ومعه ولده الفضل وأسامة بن زيد يصب الماء ثم كفنوه في ثلاثة أثواب بيض تحت السقف وحول ستر ولم يخرج منه شيء كالأموات فقال علي ﵁ ما أطيبك حيا وميتا يا رسول الله ثم دخل الناس وصلوا عليه فرادى بغير إمام بعدهم النساء ثم الصبيان وقيل أول من صل عليه ربه ثم الملائكة ثم الأنبياء ثم ألحده أبو طلحة في ليلة الأربعاء في الموضع الذي مات فيه وقيل ليلة الثلاثاء وعمره ثلاث وستون سنة قال سفيان الثوري ﵁ من بلغ ثلاثا وستين سنة فليستعد للكفن فلما دفن ﷺ قال أبو بكر ﵁ هذه الأبيات وحكاه القرطبي عن صفية عمة النبي ﷺ: ومعه ولده الفضل وأسامة بن زيد يصب الماء ثم كفنوه في ثلاثة أثواب بيض تحت السقف وحول ستر ولم يخرج منه شيء كالأموات فقال علي ﵁ ما أطيبك حيا وميتا يا رسول الله ثم دخل الناس وصلوا عليه فرادى بغير إمام بعدهم النساء ثم الصبيان وقيل أول من صل عليه ربه ثم الملائكة ثم الأنبياء ثم ألحده أبو طلحة في ليلة الأربعاء في الموضع الذي مات فيه وقيل ليلة الثلاثاء وعمره ثلاث وستون سنة قال سفيان الثوري ﵁ من بلغ ثلاثا وستين سنة فليستعد للكفن فلما دفن ﷺ قال أبو بكر ﵁ هذه الأبيات وحكاه القرطبي عن صفية عمة النبي ﷺ:
ألا يا رسول الله كنت رجاءه كنت بنا برا ولم تك جافيا
وكنت بنا برأ رحيما وهاديا ليبك عليك اليوم من كان باكيا
[ ٢ / ١٢٩ ]
لعمرك ما أبكى لخل فقدته ولكن لهرج بعده كان آتيا
أفاطم صلى الله رب محمد على جسد أمسى بيثرب ثاويا
فما لرسول الله أمي وأخوتي وعمي وآبائي ونفسي وخاليا
فلو أن رب الناس أبقى نبينا سعدنا ولكن أمره كان ماضيا
عليك من الله السلام تحية وأدخلت جنات من العدن راضيا
قال القرطبي في روض الأفكار وقال عمر بن الخطاب يرثي النبي بعد وفاته: شعر:
ما زلت منذ وضع الفراش لجنبه وسوي عليه خائفا أتوقع
شفقا عليه أن يزول مكانه عنا فنبقى بعده نتفجع
ليت السماء تفطرت أكنافها وتناثرت منها النجوم فيسمع
لما رأيت الناس هد جميعهم موت ينادي بالنعي فيسمع
والناس حول نبيهم يدعونه يبكون أعينهم بماء تدمع
وسمعت صوتا قبل ذلك هدني عباس ينعاه بصوت يقطع
يبكيه من أهل المدينة كلهم والمسلمون بكل خطب يجزع
وقال القرطبي في آل عمران فإن قيل فلم أخر دفن النبي ﷺ وهو قد أمر بتعجيل تجهيز الميت فالجواب من وجوه الأول: أنهم اختلفوا في موته ﷺ فمنهم من أنكره حتى قال عمر ﵁ من قال أن محمد قد مات ضربت عنقه الثاني: أنهم اختلفوا في دفنه فمنهم من قال يدفن في البقيع ومنهم من قال يحبس حتى يحمل إلى أبيه إبراهيم ومنهم من قال يدفن في المسجد فقال الصديق ﵁ سمعته ﷺ يقول ما دفن نبي إلا حيث يموت الثالث: أن الأنصار والمهاجرين اختلفوا في الخلافة فلما وفق الله الفريقين لتولية أبي بكر ﵁ وبايعوه قاموا إلى تجهيزه ﷺ كما تقدم ثم بايع الناس أبا بكر ﵁ بيعة أخرى من الغد وكشف الله به الكربة من أهل الردة وأقام به الدين والحمد لله رب العالمين والبيعتان قبل دفنه ﷺ فنسأل الله العظيم بجاهه على ربه أن يجمع بيننا وبينه في الدار الآخرة في عافية بلا محنة ورأيت في السبعيات للهمداني قال أنس ﵁ مررت بباب عائشة ﵂ فسمعتها تقول في بكائها يا من لم يلبس الحرير ويا من لم ينم على فراش وثير ويا من لم يشبع من خبز الشعير يا من اختار الحصير على السرير يا من لم ينم الليل خوف السعير ثم حكى عن معاذ ﵁ أنه قال كنت ليلة نائما باليمن لما وجهني رسول الله ﷺ أعلم أهله الإسلام فرأيت قائلا يا معاذ أتنام ورسول الله ﷺ بين أطباق التراب فاستيقظت مرعوبا ثم نمت فرأيت كذلك في آخر الليل كذلك فأخذت المصحف نهارا فأول سطر قرأته إنك ميت وإنهم ميتون فبكى معاذ ورحل من اليمن إلى المدينة وهو يقول وامحمداه أين أنت فوق الأرض أم تحتها فلما قربت من المدينة سمعت هاتفا من بعض الأودية يقول كل نفس ذائقة الموت فدنا منه
[ ٢ / ١٣٠ ]
معاذ فإذا هو رجل من الأنصار فقال يا معاذ إن رسول الله ﷺ فارق الدنيا فوقع معاذ مغشيا عليه فلما أفاق ورفع له كتاب أبي بكر الصديق ﵁ وعليه ختم بخاتم رسول الله ﷺ قبله وبكى فلما دخل المدينة جاء إلى عائشة ﵂ وفاطمة ﵂ وقال السلام عليكم يا أهل البيت قالت فاطمة إن رسول الله ﷺ قال يا فاطمة أقرئي معاذا مني السلام وأخبريه أنه يأتي يوم القيامة أمام العلماء ثم زار قبر النبي ﷺ فقالت فاطمة ﵂ شعرا:
ماذا على من شم تربة أحمد أن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت علي مصائب لو أنها صبت على الأيام صرن لياليا
فائدة: رأيت في لقط المنافع لإبن الجوزي في الباب الثالث عشر في ذكر الطيب أن الغالية من مسك وعنبر وكافور يخلط الجميع بدهن البان واللبنوفر وشمها يسكن الصداع البارد وهي نافعة للدماغ البارد وشم المسك والعنبر تقدم أول الكتاب وشم الصندل ينفع من الصداع الحار ويقوي الكبد والمعدة الحارين إذا طلى عليهما من الخارج وتقدم أن دهن الحواجب قبل الرأس بأي دهن كان ومرور المشط عليها قبل الرأس واللحية أمان من الصداع ويبدأ من اليمين قال في لقط المنافع في الباب الثاني عشر من ذكر الباب من لبس خفه باليمين ونزعه باليسرى آمن وجع الطحال والله أعلم.