اعلم وفقني الله وإياك لما يرضى أنه يشترط لصحة الإيمان صحة العقيدة وهي أن نعلم أن الله تعالى حي عليم قادر سميع بغير أذن بصير بغير حدقة وأجفان متكلم بغير شفة ولسان مدبر للكائنات بأسرها ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه تعالى منزه عن فوق يرفعه وعن تحت ينزله وعن عرش يحمله وعن سماء تكتنفه وعن غمام يظله وعن جهة تحدده وعن مكان يقله قال الإمام أبو حنيفة ﵁ لما سئل عن قوله تعالى الرحمن على العرش استوى قال من حصر الله تعالى في الجهة الفوقية أو التحتية فقد كفر وقال الإمام مالك ﵁ الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عن ذلك بدعة وقال الإمام الشافعي ﵁ لما سئل عن ذلك قال آمنت بلا تشبيه وصدقت بلا تمثيل وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵁ استوى كما قال لا كما يخطر بالبال وقال الشبلي ﵁ الرحمن لم يزل والعرش محدث وهو الرحمن استوى، وسئل ذو النون المصري ﵁ عن ذلك فقال أثبت ذاته وأنف مكانه ومهما تصوره نفسك فالله بخلافه وقال الجنيد رحمه الله تعالى أشرف كلمة في التوحيد ما قاله أبو بكر الصديق ﵁ لم يجعل للخلق طريقًا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته وقال أبو محمد الجوني ﵁ العرش مخلوق من درة بيضاء وهو بالنسبة إلى الله تعالى أحقر من ذرة فكيف يكون مستقرًا عليه وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي ﵁ ذهب الأكثرون إلى أن معنى الاستواء هو القهر والغلبة أي الرحمن غلب العرش وقهره وخصه بالذكر لأنه أعظم المخلوقات وذكر أهل السنة للاستواء معنى آخر وهو العلو فقال تعالى عما يشركون ولم يصفه بالارتفاع لأنه كان ولا عرش ولا غيره وقال جعفر الصادق ﵁ من زعم أن الله تعالى في شيء أو من شيء أو على شيء فقد أشرك به إذ لو كان على شيء لكان محمولًا ولو كان من شيء لكان محدثًا ولو كان في شيء لكان محصورًا تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا والجواب: عن قوله تعالى أأمنتم من في الماء أن يخسف بكم الأرض إن كل شيء عال يسمى سماء وخاطبهم بذلك على زعمهم أن الآلهة في الأرض هي الأصنام وأنه تعالى إله السماء وليس مقصوده سماء الدنيا ولا غيرها بل معناه أأمنتم من في العلو وهو علو الجلال كما يقال السلطان أعلى من الأمير وإن كانا على فراش واحد ومثله قوله تعالى وهو القاهر فوق عبادة فالفوقية هنا فوقية عظمة ومنزلة ألا ترىإلى فرعون كيف وصف نفسه بالعظم على بني إسرائيل فقال وأنا فوقهم قاهرون ومعلوم أنه لم يكن مراده بالفوقية هنا فوقية المكان وذكر في الكشاف معنى آخر وهو أأمنتم من في السماء ملكوته فحذف المضاف وهو ملكوته وأقام المضاف إليه مقامه وهو السماء وهذا كثير في القرآن قال تعالى وجاء ربك أي أمر ربك واسألهم عن القرية أي أهل القرية قال الأكثرون وهي أيلة وقيل طبرية لأنها حاضرة البحر أي على شاطئه فائدة: قال الله تعال
[ ١ / ٧ ]
ى أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ثم قال أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبًا أي حجارة وقال تعالى في سورة الأنعام قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم أو من تحت أرجلكم فقدم في تبارك الذي أخره في الأنعام، جوابه: لما تقدم هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا ناسب أن يثني بالوعيد بالخسف للأرض ولما قدم في الأنعام وهو القاهر فوق عباده ناسب تقديم ما هو جهة الفوق للمشاكلة والجواب: عن قوله تعالى وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم من وجوه: الأول: إن كل ما في السموات والأرض ملك له قال تعالى. قل لمن في السموات والأرض قل لله وكلمة ما تدخل على من يعقل وغيره كقوله تعالى والماء وما بناها والأرض وما طحاها أي بسطها فلو كان الله تعالى في السموات لكل مالكًا لنفسه وهذا محال، الثاني: أن قوله في السموات إما أن يكون في سماء واحدة فلا يجوز أن يقال ذلك لأنه من خلاف ظاهر الآية وإما أن يكون في الجميع فإن كان كذلك كان الحاصل منه في إحدى السموات غير الحاصل في البواقي وهذا يلزم منه التركيب والتأليف وهذا محال وإن كان هو فيلزم منه حصول المتحيز في مكانين وهذا محال، الثالث: لو فرضنا أنه في السموات فهل يقدر على خلق عالم فوقها أم لا فإن فعل ذلك كان تحت العالم وهذا لا يقوله أحد وأن كان لا يقدر اقتفى التعجيز وهو محال فثبت أنه لا
يمكن إجراء الآية على ظاهرها فوجب تأويلها وهو من وجوه، الأول: أنه في تدبير السموات كما يقال في كنا أي في تدبيره الثاني: أن قوله وهو الله كلام تام ثم ابتدأ فقال في السموات والأرض يعلم سركم وجهركم أي يعلم سر الملائكة وجهرهم وكذا يعلم حال من في الأرض، الثالث: الآية فيها تقديم وتأخير تقديره وهو لله يعلم في السموات في الأرض سركم وجهركم والجواب: عن الحديث الصحيح ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا الخ قال القرطبي رحمه الله تعالى هذا الحديث يفسره الحديث الصحيح الذي رواه النسائي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄ قالا قال رسول الله ﷺ إن الله تعالى يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديًا يقول هل من داع فيستجاب له هل من مستغفر فيغفر له هل من سائل فيعطى سؤله وإنما أضاف المناداة إليه في الحديث الأول على جهة الاهتمام والتعظيم كما يقال نادى السلطان بكذا وإنما نادى بأمره وقد روى الترمذي وأبو داود في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السابعة لهبطتم على الله في حديث آخر أن ملكين التقيا بين السماء والأرض فقال أحدهما للآخر من أين قال من الأرض السابعة من عند ربي ثم قال الآخر لصاحبه وأنا من السماء السابعة من عند ربي وسئل إمام الحرمين ﵁ هل الحق ﷾ في جهة فقال لا قال من أين أخذت هذا قال من قوله ﷺ لا تفضلوني على يونس بن متى فإنه لما قال لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين وخاطب الله تعالى محمدًا ﷺ من فوق سبع سموات فسمع خطاب محمد كما سمع خطاب يونس على حد سواء فلو كان الحق في جبهة لسمع أحد الخطابين أبلغ من الآخر فائدة: قال أبو عبد الله المغربي رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت يا رسول الله
[ ١ / ٨ ]
لي حاجة إلى الله فبماذا أتوسل فقال من كانت له إلى الله حاجة فليسجد سجدتين وليقل في سجوده أربعين مرة لا اله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين وفي الحديث لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه وفي حديث آخر فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له رواه الترمذي والنسائي وقال الحاكم صحيح الإسناد، والجواب: عن قول الجارية لما سألها النبي ﷺ أين الله فقالت في الماء أنها كانت من قوم يعبدون الأحجار وينكرون الصانع فلما أقرت بوجود الله صارت بذلك مؤمنة ولو أنكر عليها ذلك لثبت عندها جحود الصانع من أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أنكروا عليها فقال ﷺ دعوها فإنها مؤمنة فعرف بإشارتها تعظيم الخالق كما عرف معنى قول الذين قالوا صبأنا وأنكر على خالد بن الوليد ﵁ قتلهم في صحيح البخاري عنه ﷺ إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصقن قبل وجهه فإن لله قبل وجهه إذا صلى فلو كان ﷾ في الجهة الفوقية لما كان للنص معنى والجواب عن قوله ﷺ يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده أنه قد ثبت بالدليل القاطع أن يد لله تعالى ليست بجارحة واليد عند العرب بمعنى القوة قال تعالى واذكر عبدنا لداود ذا الأيد أي ذا القوة وبمعنى الملك قال الله تعالى قل إن الفضل بيد الله وبمعنى النعمة يقال فلان له على فلان إياد أي له عليه نعمة وبمعنى الصلة قال الله تعالى أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح، والجواب: عن قوله ﷺ لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه ما قاله الحسن البصري ﵁ والقدم الذين قدمهم الله من شرار خلقه وأثبتهم لجهنم وقال غيره القدم خلق يخلقه الله تعالى ثم يطرحه في جهنم ويؤيده ما في الصحيح ولا تزال الجنة تفضل حتى ينشئ الله لها أهلًا فيسكنهم فضلة الحنة وقد جاء في رواية أخرى صحيحة قدمه بكسر القاف في رواية أخرى حتى يضع الجبار رجله والرجل عبارة عن جماعة تقول جاءنا رجل من الجراد قال ابن العماد بعضهم المراد بالجبار فرعون لقب للوليد بن مصعب وقيل اسمه قابوس فثبت بالعقل والنقل من الكتاب والسنة أن الحق ﷾ منزه عن الجارحة والجهة والحركة والسكون وفي الطبراني من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ من تقرب إلى
الله شبرًا تقرب الله منه ذراعًا ومن تقرب منه ذراعًا تقرب منه باعًا ومن أقبل إلى الله ماشيًا أقبل الله إليه مهرولًا ولله أعلى وأجل ثلاثًا، قال مؤلفه رحمه الله تعالى: قوله ﷺ ثلاثًا دليل على أنه ﷾ منزه عن الحركة وجمع ما جاء من الآيات والأحاديث التي يقتضي ظاهرها إثبات الجارحة والمكان مؤول عند أهل الحق والتأويل إما بقلوبهم وهم أهل السلامة وإما بألسنتهم وهم أهل التأويل ودليلهم على التأويل قوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا قوله ﷺ الحجر الأسود يمين لله فالعقل يشهد بأن الله لا يتحيز ولا يتبعض والحس يشهد بأن الحجر الأسود ليس يمين لله حقيقة بل هو من اليمن والبركة وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما سئل عن قوله تعالى يوم يكشف عن ساق إذا خفى عليكم شيء من القرآن فاطلبوه من الشعر فإنه ديوان العرب أما سمعتم قول الشاعر: الله شبرًا تقرب الله منه ذراعًا ومن تقرب منه ذراعًا تقرب منه باعًا ومن أقبل إلى الله ماشيًا أقبل الله إليه مهرولًا ولله أعلى وأجل ثلاثًا، قال مؤلفه رحمه الله تعالى: قوله ﷺ ثلاثًا دليل على أنه ﷾ منزه عن الحركة وجمع ما جاء من الآيات والأحاديث التي يقتضي ظاهرها إثبات الجارحة والمكان مؤول عند أهل الحق والتأويل إما بقلوبهم وهم أهل السلامة وإما بألسنتهم وهم أهل التأويل ودليلهم على التأويل قوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا قوله ﷺ الحجر الأسود يمين لله فالعقل يشهد بأن الله لا يتحيز ولا يتبعض والحس يشهد بأن الحجر الأسود ليس يمين لله حقيقة بل هو من اليمن والبركة وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما
[ ١ / ٩ ]
سئل عن قوله تعالى يوم يكشف عن ساق إذا خفى عليكم شيء من القرآن فاطلبوه من الشعر فإنه ديوان العرب أما سمعتم قول الشاعر:
قد سن قومك ضرب الأعناق وقامت الحرب على ساق
ثم قال هنا يوم كرب وشدة وفي رواية أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ في قوله تعالى يوم يكشف عن ساق يكشف عن نور عظيم في رواية عنه أيضًا فيكشف لهم الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فيخرون له سجدًا ويبقى أقوام يريدون السجود فلا يستطيعون والجواب عن قوله تعالى الله نزل أحسن الحديث.. إنا أنزلناه في ليلة القدر ونحو ذلك أنه نزل من اللوح المحفوظ على محمد ﷺ بواسطة جبريل أن يكون جبريل سمعه من الله كما سمع موسى كلام الله من اليمين والشمال والفوق والتحت لا من جهة واحدة فعبر عنه جبريل في لغة عربية فهمها محمد ﷺ لأمته بلسان عربي فالعبارة والمعبر عنه غير عربي فهذا معنى النزول ويدل على ذلك قوله تعالى إنا جعلناه قرآنًا عربيًا أي صيرناه قرآن هذا الكتاب عربيًا وقيل بيناه وقيل سميناه وقيل وصفناه كقوله تعالى وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن إناثًا وهي قراءة ثالثة أئمة واحد بالشام وهو ابن عامر وواحد بمكة وهو ابن كثير وواحد بالمدينة المنورة وهو نافع وقرأ الباقون عباد الرحمن بالباء ﵃ وليس معنى النزول انتقال كلام الله عنه بالانحطاط من علو إلى سفل فقد قال الله تعالى وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ومعلوم أنها ما نزلت من علو إلى سفل وقال تعالى وأنزلنا الحديد ومعلوم أن معدنه من الأرض.. والجواب: عن قوله ﷺ لما سأله أبو رزين أين كان الله قبل أن يخلق خلقه قال كان في عماء ولو سأله أين كان قبل العماء وهو السحاب لأخبره أنه كان ولا شيء معه وقال ﷺ كان الله ولم يكن شيء غيره رواه البخاري فهو آن على ما كان عليه أولًا من أزل الآزال إلى أبد الآباد وقال يهودي لعلي بن أبي طالب ﵁ أين ربنا قال الذي أوجد الأين لا يسئل عنه بأين قال كيف ربنا قلا ﵁ كيف الكيف لا يسئل عنه بكيف قال متى كان ربنا فال ويحك ومتى لم يكن والجواب عن قوله ﷺ أن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي فهو مكتوب عنده فوق العرش أنه علوي مكانة الإمكان لأن المكان لا يضاف إليه تعالى فإن قيل: ما بال الصحابة ﵃ لم يتكلموا في شيء من ذلك فالجواب: نعم تكلم فيه حبر الأمة ابن عباس وابن عمه كما تقدم قريبًا وسيأتي ما قاله علي بن أبي طالب ﵁ في المعراج مع أنه لم يكن ثم مجسم ولا معطل.. والله المستعان.