عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله الله ﷺ: من جلس مجلساَ فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا كفّر الله له ما كان في مجلسه ذلك.
وعن أبي هريرة عن النبي الله ﷺ: ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان لهم حسرة.
مأثرة من مآثر الرسول ﷺ، وفضل من الله عظيم فما أكثر هذه المجالس في عصرنا الحاضر!
إنه إرشاد نبوي أبوي، رحيم وعليم بضعف النفوس ورعوناتها.
[ ٩٦ ]
ففيها نلمس توجيه النبي ﵊ إلى أن المجالس التي لا وزر فيها هي فقط التي يذكر فيها الله، وما يقرّب إليه من قول أو فعل أو علم. وكل مجلس لا يذكر فيه اسم الله يكثر خطؤه، ويكون حسرة وندامة على حاضريه إلا رجلًا دعا واستغفر كما علّمه الحبيب الله ﷺ.
إن المجلس الذي لايذكر اسم الله تعالى كأن فيه جيفة حمار.
تشبيه بليغ، وصورة مقززة، هدفها كهدف الآية الكريمة في تشبيه ذم الغيبة وفعلها في المجتمع (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا)! .. هدفه أن يجتنب المسلم ذلك الفعل ولا يقربه. بل يفرّ منه ومن رائحته العفنة. فكم دقيقة من الممكن أن يتحمّل المرء في غرفة أو مجلس فيه رائحة جيفة حمار! فكذلك الجلسة التي تخلو من ذكر الله وما يقرّب إليه من قول أو علم أو فعل يجب أن لا تستمر أكثر من الدقائق التي تستطيع نفسك أن تصبر على الرائحة الكريهة للجيفة العفنة.
أدب رفيع، يرسم معالم المجتمع الراقي الذي ليس فيه مجال للنميمة والغيبة وإضاعة الوقت دون جدوى .. فكم تجرّ النميمة والغيبة وإضاعة الوقت على المجتمع من ويلات وخسائر نفسية واجتماعية
[ ٩٧ ]
ومادية أيضًا!
وفي نفس الوقت تدع الباب مواربًا لمن أخطأ، وهذا الذي عوّدنا إياه المولى الكريم .. فهو ﷻ يشير إلى الطريق القويم وينبه إلى مخارجه وعقباته، بوضوح جلي، ثم يفتح الباب على مصراعيه لمن أراد أن يتدارك خطأه أو يُصلح ما أفسد، في تنبيه لطيف، وإشارات قوية الأثر، عميقة المعنى. فله الحمد والفضل، ونستغفره من جميع الذنوب .. وحق لله علينا أن نذكره في كل الوقت، وهو الذي لم ينس ضعفنا، وكثرة نسياننا، فألهم الرسول الكريم تعليمنا هذه الأذكار لتكون لنا حصنًا حصينًا من الغفلة والذنوب، وركنًا منيعًا للمضي قدمًا في درب سعادة الدارين.
جعلنا الله ممن فازوا برضاه وكتبنا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات وصلى الله على خير البرية، ومعلّم البشرية، سيد المرسلين وإمام المربين.
[ ٩٨ ]