عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال:
«ما يمنع أحدكم إذا عسر عليه أمر معيشته أن يقول إذا خرج من بيته: بسم الله على نفسي ومالي وديني اللهم رضني بقضائك، وبارك لي فيما قُدّر لي حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت»
رجل مغموم، مشغول البال، مطرق الرأس، يضرب أديم الأرض طلبًا للرزق فكأنها صخرٌ، ويحفر التراب بكلتا يديه فكأنما جمادٌ، يذهب يمينًا تيمنًا لطلب العيش فكأن الرزق يفرّ منه يسارًا، حتى إذا ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وكاد اليأس يتسلل إلى داخله تذكر دعاء النبي ﷺ (بسم الله).
كل عمل لا يبدأ باسم الله فهو أبتر، لأنه بُتر عن مصدر القوة الحقيقية، وكأن الذي بدأ باسم الله يستفتح حصنًا باسم العظيم،
[ ٧٠ ]
فمثلًا لو أن مصنعًا كان مغلقًا فجاء أحدهم وقال لصاحبه افتح هذا المصنع باسم الحاكم أي بأمر الحاكم هل يستطيع أحد أن يمنع هذا الأمر؟
ولله المثل الأعلى، إن اسم الله يفتح كل باب ويفرّج كل عسير، إنه استفتاح بعظيم السموات والأرض وخالقها إنه استغاثة بخازن السموات والأرض ومن فيهن، بمن عنده مفاتيح الغيب.
ثم يأتي الدرس الأول للحال الواجب أن يكون المسلم عليه في هذا الموقف الشديد على النفس، إنه درس الرضا والتسليم حتى لا يُحب تعجيل ما أمسكه الله لحكمة بالغة هو وحده يعلمها، ولا يطلب تأخير أمر قد عجّله الله وقضاه، ولو كان الخير في تعجيله لعجّله ﷻ. هذا هو المفتاح الذي بإذن الله سيفتح مغاليق أبواب الرزق.
فالشطر الأول من الدعاء استغاثة واستفتاح باسم الله على نفسه وماله ودينه هذا الاستفتاح يحمل في طياته أن يكون ذا علاقة ودودة مع خالقه، أي أنه بعيد عن الذنوب، قصيٌ عن المعاصي. لأنه يستفتح باسم الله " إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيْبُهُ، وَلا يُرَدُّ الْقَدَرُ إِلا بِالدُّعَاءِ، وَلا يَزِيْدُ فِيْ الْعُمْرِ إِلا الْبِرُّ" (١) فهذا التذكير بالتوبة
_________________
(١) صحيح ابن حبان حديث: ٨٧٢
[ ٧١ ]
يفتح باب الرزق، والثقة بقدرة الله والبرء من حول الإنسان وقوته، لأنه يستفتح عمله باسم الله، لا بقدراته ولا بحسبه ولا بعمله.
أما الشطر الثاني فهو الرضا الذي يمنع الحسد، (الحسد: هو تمني زوال النعمة عن الآخرين) ويُذهب الحسرة في استعجال ما لم يقّدره الله أو دفع ما قضاه الله. وإن الرضا مفتاح القبول، فكأن باب الرزق يُفتح بالتوبة والرضا. وإن الرضا والتسليم يمنعان ظهور كثير من الآفات الاجتماعية التي قد نراها اليوم من تنافس غير شريف بين الأنداد وأصحاب المصلحة الواحدة أو المهنة ذاتها. ومردّ ذلك يعود إلى نقص في الإيمان بقضاء الله وحكمته، فيتغلغل الحسد في القلب، وتنقدح العقول في المكر والخديعة، وتشتعل الشرور لنيل ما قدّر الله لكل منهم من رزق مكتوب، فتكون النهاية خسران السرور.
إن الله ﷿ يعلم ضعف البشر فهو خالقهم وموجدهم .. وقد خُلق الإنسان عجولًا (ويدعُ الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولًا) (١) إذا مسه الخير منوعًا، وإذا مسه الشر جزوعًا .. إلا من رحم ربي .. وهؤلاء من استظلوا بحمى الرحمن وأناخوا عند أعتابه راضين
_________________
(١) سورة الإسراء: ١١
[ ٧٢ ]
مسلمين، مقيمين للصلاة، متصلين بأسباب السماء، عندها فقط تتفجر ينابيع الرزق وتزول الغمّة التي إما قد تكون امتحانًا في الرضا أو عقوبة لذنب كي يؤوب إلى خالقه ورازقه فإن رضي وتاب تُرفع الغمّة وينفرج الكرب. (مايفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرًا عليمًا). (١)
يقول الله تعالى: (إنّ الإنسان خلق هلوعًا (١٩) إذا مسّه الشرّ جزوعًا (٢٠) وإذا مسّه الخير منوعًا (٢١) إلا المصلين (٢٢) الذين هم على صلاتهم دائمون (٢٣) والذين في أموالهم حقٌ معلوم (٢٤) للسائل والمحروم (٢٥) والذين يصدّقون بيوم الدين (٢٦) والذين هم من عذاب ربهم مشفقون (٢٧» (٢)
يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى مخبرًا عن الإنسان وما هو مجبول عليه من الأخلاق الدنيئة: ﴿إِنَّ الإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ثم فسّره بقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ أي: إذا أصابه الضرّ فزع وجزع وانخلع قلبه من شدة الرعب، وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير.
_________________
(١) سورة النساء: ١٤٧
(٢) سورة المعارج: ١٩ - ٢٧
[ ٧٣ ]
﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ أي: إذا حصلت له نعمة من الله بخل بها على غيره، ومنع حق الله فيها.
وعن أبي هُرَيرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: "شر ما في رجل شُحٌ هالع، وجبن خالع".
ثم قال: ﴿إِلا الْمُصَلِّينَ﴾ أي: الإنسان من حيث هو متصف بصفات الذم إلا من عصمه الله ووفقه، وهداه إلى الخير ويسر له أسبابه، وهم المصلون ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ قيل: معناه يحافظون على أوقاتهم وواجباتهم. قاله ابن مسعود، ومسروق، وإبراهيم النخعي. وقيل: المراد بالدوام هاهنا السكون والخشوع. وقيل: المراد بذلك الذين إذا عملوا عملًا داوموا عليه وأثبتوه. (١)
إن هذه الأدعية وتلك الصلة بالخالق في أضيق اللحظات التي قد يصاب بها الإنسان البعيد عن تلك المعاني بما يسميه هذا العصر بمرض الاكتئاب الذي يكون علاجه عند أهل الطب دواء كيماويًا، إنّ هذه الأدعية هي البلسم الشافي ولو كان غير ذلك لأمرنا جل وعلا بالتداوي. أنا لا أطعن بالطب والعلم الحديث ولا أشكك بطبيعة الدماغ التي يمكن أن تؤثر فيه الأدوية الكيماوية. إنما أتعجب
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير. ج ٨.٢٢٦
[ ٧٤ ]
من الدواء السحري الشافي الذي زوّده الله عباده بالمجان وليس له مضارٍ جانبية تؤثر فيما بعد على الجهاز العصبي، ويزهد العباد بدواء رب العباد وخالقهم ويلجأ أحدهم لدواء من صنع عبد مثله لا يدرك أبعاد الروح. (ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم العلم إلا قليلًا) (١).
إن أي ضيق أو غمّ إنما هو ابتلاء من الله وامتحان ولا يكون الخروج من هذا الابتلاء إلا بعد الإجابة الصحيحة للامتحان الذي أصدره ربّ العباد والمخصص لهذا العبد. والجواب الصحيح هو في جنبات هذا الدعاء الشريف.
رحمن رحيم ﷻ، أعطى الأسئلة ومعها أجوبتها، والمغبون من حاول استراق النظر من غير مصدرها، عندها لا أضمن له النتائج!
_________________
(١) الإسراء: ٨٥
[ ٧٥ ]