عن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، إلا آجر الله تعالى في مصيبته وأخلف له خيرًا منها، قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله ﷺ فأخلف الله تعالى لي خيرًا منه رسول الله ﷺ. (صحيح مسلم)
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
يقول الله تعالى ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفِّيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة.
نحن الآن مع صورة جديدة فيها من الشدة والجزع والبكاء والألم، فقدان الأحبة من أصعب شدائد الدنيا، فما حال المسلم في ذاك الموقف العصيب؟
انهيار عصبي؟ أم صراخ وعويل؟ أم إعراض عن متابعة الحياة؟
[ ٨١ ]
إن ترداد (إنا لله وإنا إليه راجعون) تذكّره بحقيقة يعرفها جيدًا لكنه الآن في أمسّ الحاجة إليها، البداية من الله والنهاية إليه، فنحن ملك لله، عارية يستردها متى شاء.
هبّ أنك استعرت من جارك شيئًا لمدة طويلة ثم جاء يطلبه، ألك حقٌّ أن تصرخ في وجهه وتمنعه من أخذها؟ وهل من اللائق أن تبكي وتنزعج لفقدانك لها وهي ليست لك؟ إنك إن فعلت أيًا من ذلك فسيحكم عليك من يراك إما بنقص في عقلك أو لؤم في طبعك.
عن أسامة بن زيد ﵄ قال: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَسُوْلُ إِحْدَىْ بَنَاتِهِ، يَدْعُوْهُ إِلِىْ اِبْنِهَا فِيْ الْمَوْتِ، فَقَالَ النَبِيُّ ﷺ:
" اِرْجِعْ إِلَيْهَا فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَىْ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمَّىً، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ" (١)
إن تذكّر هذه الحقيقة على بداهتها ومعرفة كل إنسان لها لازمة في هذا الموضع لأنها تُعيد العقل إلى رشده أمام هول المُصاب، أما الدعاء (اللهم أجرني في مصيبتي ) ففيه من ملاطفة النفس وتمنيتها بالخير ما يفتح باب المؤانسة، ويخفف من عبء وثقل المصيبة فحال
_________________
(١) صحيح البخاري حديث: ١٢٣٧.
[ ٨٢ ]
من وقعت مصيبة الموت على أحد من أحبابه هو حال الرضا والتسليم لأمر الله، ولا يعين على ذلك إلا تذكّر هذه الحقيقة، ثم إن الجزاء على الرضا والحمد والتسليم كفيل بتهدئة النفس رجاء المثوبة (الجنة) وكل هذا وذاك هي أدوية مطيبة ومهدئة للنفس من عند طبيب القلوب وخالقها وما أظن أن دواءً من صنع بشر يمكنه أن يمسح عناء المصيبة إلا دواء بارئ النفس وخالقها فهو العليم الخبير، الرحيم الودود، الكريم القدير ﷻ.
ولمزيد من رحمة الله بعباده عند نزول البلاء أنه حثّ الناس بتعزية بعضهم بعضًا، فعن عمرو بن حزم ﵁ عن النبي ﷺ قال: " مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّيْ أَخَاهُ بِمُصِيْبَةٍ، إِلا كَسَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " (١).
ومما يروى في لطيف التعزية والتخفيف عن المصاب، عن الحسن البصري ﵀، أن رجلًا جزع على ولده وشكا ذلك إليه فقال الحسن: كان ابنك يغيب عنك؟ قال: نعم كانت غيبته أكثر من حضوره، قال: فاتركه غائبًا، فإنه لم يغب عنك غيبة الأجر لك فيها
_________________
(١) سنن ابن ماجة حديث: ١٥٩٦.
[ ٨٣ ]
أعظم من هذه. فقال: يا أبا سعيد هوّنت عني وجدي على ابني. (١)
وعَنْ اِبْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: اِشْتَكَىْ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ فَأَتَىْ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يَعُوْدُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بنِ أَبِيْ وَقَّاصَ وَعَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُوْدٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِيْ غَشِيَّةٍ فَقَالَ: أَقَدْ قَضَىْ؟ قَالُوْا: لا يَا رَسُوْلَ اللهِ، فَبَكَىْ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا رَأَىْ الْقَوْمُ بُكَاءَ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ بَكُوْا، فَقَالَ: أَلا تَسْمَعُوْنَ إِنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وِلا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا- وَأَشَارَ إِلَىْ لِسَانِهِ -أَوْ يَرْحَمُ. (٢)
وفي صحيح البخاري عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل على ابنه إبراهيم ﵁ وهو يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف: وَأَنْتَ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ فَقَالَ: يَا بنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَىْ فَقَالَ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ
يحْزَنُ، وَلا نَقُوْلُ إِلا مَا يُرْضِيْ رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيْمُ لَمَحْزُونُوْنَ. (٣)
_________________
(١) كتاب "الأذكار النووية ". ص ١٢٩
(٢) صحيح مسلم حديث: ١٥٨٣
(٣) صحيح بخاري حديث: ١٢٥٤
[ ٨٤ ]