وَاعْلَم أَنه لاطاعة إِلَّا لله سُبْحَانَهُ وَلِرَسُولِهِ ﷺ
فَيجب على كل أحد وضع الْأَشْيَاء على موَاضعهَا الَّتِى وَضعهَا الله ﷾ وَأمر بهَا رَسُوله ﷺ من إعزاز من أعزه الله وإهانة من أهانه الله
وَمن خَالف ذَلِك فقد أَسَاءَ وظلم وتعدى حُدُود الله وهتك وَالْحرم ﴿وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾
وَقد أعز الله سُبْحَانَهُ الْعلم وَأَهله وَشرف حامله وَأَبَان فَضله
فَلَيْسَ يُوجد فِي الدُّنْيَا أشرف مِنْهُ خلة وَلَا أكْرم مِنْهُ نحلة وَلم يزل صَاحبه مُعظما فِي كل مِلَّة وَفِي زمن الْجَاهِلِيَّة وَالزَّمَان قبله
قَالَ الشَّافِعِي ﵀ سَمِعت
[ ١٢٢ ]
سُفْيَان بن عُيَيْنَة ﵁ يَقُول لم يُعْط أحد فِي الدُّنْيَا شَيْئا أعظم من النُّبُوَّة وَلم يُعْط بعد النُّبُوَّة أفضل من الْعلم وَالْفِقْه
فَيَنْبَغِي للْعَالم أَن لَا يضع نَفسه فِي مَوضِع هوان وَلَا يذلها لأهل الْجَهْل والعدوان
بل ينزه نَفسه أَولا عَمَّا ينقص الْمُرُوءَة وَيذْهب الفتوة
ثمَّ يصونها ثَانِيًا عَن الأدناس ومخالطة الفسقة والأنجاس
ثمَّ يحملهَا ثَالِثا على الْهَيْئَة الْعلية وَالْأَفْعَال المرضية
ويجملها رَابِعا بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقار فِي الحضرة والأسفار وإطراق الرَّأْس وَضبط الْحَواس وتحسين الزي واللباس والهيبة الْحَسَنَة عِنْد النَّاس
فقد كَانَ أَوَائِل هَذِه الْأمة لَيْسَ لَهُم فِي طلب الزي همة إِذْ كَانُوا قد رسخ الْإِسْلَام فِي قُلُوبهم فَكَانَ الْعلم وَالدّين غَايَة مطلوبهم فزهدوا فِي الدُّنْيَا بالكثير واكتفوا من حطامها باليسير لما وَقع فِي قُلُوبهم من الْجد والتشمير
ثمَّ لما حدثت الفترة بعده فِي الطالبين ندب الشَّرْع إِلَى إِقَامَة صُورَة الإئمة المتصدرين وَالْعُلَمَاء والمدرسين والقضاة والمفتين
على خلاف مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه ﵃ أَجْمَعِينَ
وَسبب ذَلِك أَن الْمَقَاصِد والمصالح الشَّرْعِيَّة وقمع
[ ١٢٣ ]
الْمَفَاسِد والشبه البدعية لَا تحصل إِلَّا بعظمة الْقَائِم بذلك فِي نفوس النَّاس وَكَانُوا فِي زمن الصَّحَابَة ﵃ مُعظم تعظيمهم إِنَّمَا هُوَ الدّين وسابق الْهِجْرَة
فَلَمَّا ذهب ذَلِك الْقرن الَّذِي صحبوا الرَّسُول وشاهدوا هَيْبَة الْوَحْي والتنزيل حدث من مداخلة فَارس وَالروم وَنَحْوهم من الأغشام الَّذين داخلوا أهل الْإِسْلَام مَا تغير بِسَبَبِهِ شَيْء من حسن النظام إِذْ صَارُوا لَا يعظمون إِلَّا بالصور فَتعين تَعْظِيم الصُّور وتحسين الزي على الْوَجْه الشَّرْعِيّ
حَتَّى قَالَ الإِمَام الرَّافِعِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي كتاب الْفَتْح الْعَزِيز فِي شرح الْوَجِيز لَا يجب على الْأَئِمَّة الإكتفاء بِمَا اكْتفى بِهِ رَسُول الله ﷺ
وَالْخُلَفَاء الراشدون من بعده ﵃
قَالَ لِأَن النَّاس قد تغيرُوا بعدوا عَن الْعَهْد بِزَمَان النُّبُوَّة الَّذِي كَانَت النُّصْرَة فِيهِ بإلقاء الرعب والهيبة فِي الْقُلُوب
قَالَ وَلَو اقْتصر الإِمَام على مثل ذَلِك الْيَوْم لم يطع
وتعطلت الْأُمُور فَيَأْخُذ لنَفسِهِ مَا يَلِيق بِهِ من الْخَيل والغلمان وَالدَّار الواسعة
انْتهى كَلَامه ﵀
فَكَذَلِك الْعَالم والمفتي وَالْقَاضِي يَنْبَغِي أَن يتَّخذ كل وَاحِد مِنْهُم مَا يَلِيق بِحَالهِ وَحَال أَمْثَاله فيوسعوا الْقَمِيص
[ ١٢٤ ]
والأكمام ويعظموا العمائم والطيلسان ويحسنوا المركوب ويكثروا الأخدام بِحَسب الْحَال الَّذِي يَنْبَغِي من إشادة الْعلم وتجليله وتوقيره وتعظيمه وتبجيله كَمَا رُوِيَ عَن الإِمَام أبي حنيفَة ﵁ أَنه قَالَ عظموا عمائمكم ووسعوا أكمامكم
قَالَ أَبُو اللَّيْث ﵀ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك لِئَلَّا يستخف بِالْعلمِ وَأَهله
وَرُوِيَ عَن الإِمَام مَالك ﵁ أَنه كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يحدث بِحَدِيث رَسُول الله ﷺ تطيب وتلبس ثيابًا جدادا ويلبس تاجه ويتعمم وَيَضَع رِدَاءَهُ على رَأسه وتلقى لَهُ منصة فَيخرج وَيجْلس عَلَيْهَا
وَلَا يزَال يبخر بِالْعودِ حَتَّى يفرغ من حَدِيثه إعزازا لحَدِيث رَسُول الله ﷺ
وَكَانَ الشَّافِعِي ﵁ يَأْمر غُلَامه أَن يَأْتِي السارية الَّتِي كَانَ يقْعد عِنْدهَا الشَّافِعِي لتعليم الْفِقْه فيلطخها بالغالية كل يَوْم إِكْرَاما للْعلم وحاضريه فَفِي تَعْظِيم الْعلم يَقع تَعْظِيم الله وَفِي إعزازه طَاعَة الله
وَلِهَذَا قَالُوا إِن على كل أحد أَن يخْفض صَوته فِي مجَالِس أهل الْعلم وَأَن ينزهها
[ ١٢٥ ]
ويتواضع لَهَا وَلَا يتخطى حلقها
قَالَ رَسُول الله ﷺ (من غض صَوته عِنْد الْعلمَاء جَاءَ مَعَ الَّذين امتحن الله قُلُوبهم للتقوى من أَصْحَابِي)
رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي كِتَابه رياضة المتعلمين بِإِسْنَادِهِ
فَيَنْبَغِي لكل أحد أَن يستمع الْعلم وَالْحكمَة بالتعظيم والتوقير وَالْحُرْمَة
وَلَو رددت الْكَلِمَة وَالْمَسْأَلَة ألف مرّة
فَإِن لله سُبْحَانَهُ مَلَائِكَة كراما يحْضرُون مجَالِس الذّكر وَالْعُلَمَاء
قَالَ ابْن سِيرِين ﵀ أَتَانِي آتٍ فِي الْمَنَام فَقَالَ أما إِنَّك لَو أتيت الْحلقَة الَّتِي يذكر فِيهَا الْفِقْه لوجدت جِبْرِيل ﵇ مَعَهم جَالِسا
ذكره صَاحب تَنْبِيه الغافلين
ثمَّ قَالَ أَبُو اللَّيْث ﵀ وَإِنَّمَا يتَعَلَّم الْعلم بِوَاسِطَة ملك
فالعالم مَأْمُور بتحسين لبسته والتوقر فِي حركته وجلسته لِأَن مَلَائِكَة الرَّحْمَة تحضر حلقته وتحفه وتحف درسته كَمَا ورد فِي الحَدِيث الصَّحِيح فَيجب الإستحياء من الْمَلَائِكَة الْكِرَام الْحَاضِرين وتوقيرهم مِنْهُ وَمن السامعين وَالله المرشد بكرمه وَهُوَ خير معِين
وَلِأَن النَّاس مجبولون على تَعْظِيم الصُّور الظَّاهِرَة
[ ١٢٦ ]
فَيجب تفخيمها وتبجيلها حَتَّى لَا تختل الْمصَالح الموصلة إِلَى خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
قَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ ﵀ فِي أَوَائِل كتاب الْإِحْيَاء عَن أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ (أَرَادَ الْخُرُوج إِلَى الْجَمَاعَة فَجعل يُسَوِّي من رَأسه ولحيته فَقلت أَو تفعل ذَلِك يَا رَسُول الله قَالَ نعم يَا عَائِشَة إِن الله يحب من عَبده أَن يتجمل لإخوانه إِذا خرج إِلَيْهِم
قَالَ الْغَزالِيّ ﵀ وَكَانَ من وظائفه ﷺ أَن يسْعَى فِي تَعْظِيم أَمر نَفسه فِي قُلُوب النَّاس كي لَا تزدريه نُفُوسهم وَفِي تَحْسِين صورته فِي أَعينهم كي لَا تستصغره أَعينهم فينفرهم ذَلِك عَنهُ وَهُوَ مَأْمُور بدعوتهم
قَالَ الْغَزالِيّ ﵀ وَهَذَا الْقَصْد وَاجِب على كل عَالم يتَصَدَّى لدَعْوَة الْخلق إِلَى الله تعال وَهُوَ أَن يُرَاعِي من ظَاهره مَا لَا يُوجب نفرة النَّاس عَنهُ
انْتهى كَلَامه ﵀
وَكَانَ عمر بن الْخطاب ﵁ يَقُول أحب أَن يكون الْقَارئ أَبيض الثِّيَاب يَعْنِي ليعظم فِي نفوس النَّاس فيعظم مَا لَدَيْهِ من الْحق وَقد أَمر الْقَارئ أَيْضا
[ ١٢٧ ]
والمؤذن بتحسين الصَّوْت فِي الْقُرْآن وَالْأَذَان ليؤثر فِي قُلُوب السامعين وَأمر الْكَاتِب بتحسين الْخط
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (الْخط الْحسن يزِيد الْحق وضوحا)
رَوَاهُ الثعالبي بِإِسْنَادِهِ فِي تَفْسِير سُورَة الْمَلَائِكَة فَثَبت أَن لكل شَيْء من هَذِه الْأَشْيَاء وَقعا فِي الْقُلُوب
وَكَانَ عمر ﵁ يَأْكُل خبز الشّعير وَالْملح ويفرض لعامله فِي كل يَوْم نصف شَاة وَذَلِكَ لعلمه ﵁ بِأَن الْحَالة الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا لَو عَملهَا غَيره لهان فِي نفوس النَّاس وَلم يحترموه ولتجاسروا عَلَيْهِ بالمخالفة وَلم يعظموه فَاحْتَاجَ ﵁ إِلَى أَن يضع غَيره فِي صُورَة أُخْرَى لحفظ النظام وَإِقَامَة شَرِيعَة الْإِسْلَام
وَلِهَذَا لما قدم ﵁ الشَّام وجد مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان قد اتخذ الْحجاب والمراكب النفيسة وَالثيَاب والهائلة الرفيعة وسلك مَا سلكه الْمُلُوك فَسَأَلَهُ عمر ﵁ عَن ذَلِك فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة إِنَّا بِأَرْض نَحن محتاجون لهَذَا
فَقَالَ عمر ﵁ لَا آمُرك وَلَا أَنهَاك
قَالَ الإِمَام شهَاب الدّين الْقَرَافِيّ ﵀ مَعْنَاهُ أَنْت أعلم بحالك هَل أَنْت مُحْتَاج إِلَى هَذَا فَيكون حسنا
[ ١٢٨ ]
أَو أَنْت غير مُحْتَاج إِلَيْهِ قَالَ فَدلَّ هَذَا من عمر ﵁ وَغَيره على أَن أَحْوَال الْأَئِمَّة وولاة الْأُمُور والقضاة تخْتَلف باخْتلَاف الْأَمْصَار والأعصار والقرون وَالْأَحْوَال
وَكَذَلِكَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَجْدِيد زخارف وسياسات لم تكن قَدِيما وَرُبمَا وَجَبت فِي بعض الْأَحْوَال
انْتهى كَلَامه ﵀
وروى أَبُو نعيم الْحَافِظ فِي حليته عَن سُفْيَان الثَّوْريّ ﵀ قَالَ دخلت على جَعْفَر بن مُحَمَّد يَعْنِي الصَّادِق ﵄ وَعَلِيهِ جُبَّة خَز وَكسَاء خَز قَالَ فَجعلت أنظر إِلَيْهِ مُتَعَجِّبا فَقَالَ لي يَا ثوري مَا لَك تنظر إِلَيّ لَعَلَّك تعجب مِمَّا ترى قلت يَا ابْن رَسُول الله لَيْسَ هَذَا من لباسك وَلَا لِبَاس آبَائِك
فَقَالَ يَا ثوري كَانَ ذَلِك زَمَانا مقترا وَكَانُوا يعْملُونَ على قدر إقفاره وإقتاره
وَهَذَا زمَان قد أسبل كل شَيْء عز إِلَيْهِ ثمَّ حسر عَن ردن جبته فَإِذا تحتهَا جُبَّة صوف بَيْضَاء ثمَّ قَالَ يَا ثوري هَذَا لله وَهَذَا لكم فَمَا كَانَ لله أخفيناه وَمَا كَانَ لكم أبديناه
انْتهى كَلَامه ﵀
فَعرف بِهَذَا أَن لكل مقَام مقَالا وَلكُل مُبَاح ومستحب ومكروه حَالا فحالا يخْتَلف ذَلِك باخْتلَاف الْأَحْوَال
[ ١٢٩ ]
وَالْأَيَّام كَمَا قَالَ الإِمَام ابْن عبد السَّلَام رَحمَه الله تَعَالَى إِن لله سُبْحَانَهُ أحكاما تحدث بحدوث أَسبَاب لم تكن فِي الْعَصْر الأول
فَيَنْبَغِي لكل عَاقل أَن يعرف الْحَال الْمُوجبَة للتحليل وَالتَّحْرِيم وَالْكَرَاهَة والإستحباب حَتَّى يعْمل بِمُوجب مَا يحدث من الْأَسْبَاب على مَا جرت بِهِ الْقَوَاعِد وتمشت بِهِ الشواهد
وَهَذِه الْأَشْيَاء لَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ وَلَا ينكرها إِلَّا الجهلة الغافلون وَالله الْمُوفق بمنه وَكَرمه
[ ١٣٠ ]