وَمن تمسك بِسنة رَسُول الله ﷺ وبالعلم الشريف وَأحب الْعلم وَالْعُلَمَاء وَأهل الدّين الحنيف وصبر على مَا يلقاه من الْجَاهِل السخيف فقد نَالَ الْحَظ الْكَامِل والشرف المنيف لَا يضرّهُ كيد كايد وَلَا يشينه حسد حَاسِد إِن شَاءَ الله وَله الْمِنَّة وَسَيَعُودُ كيد كائده عَلَيْهِ وَيرجع وبال ظالمه إِلَيْهِ ﴿وَلَا يَحِيق الْمَكْر السيء إِلَّا بأَهْله﴾
وسيحيق بالظالم سوء فعله
وَقد وعد الله الصابرين على الْفِتْنَة العاكفين على السّنة والمحبة بالنصر الْحسن ونيل المُرَاد
فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَهُوَ الْكَرِيم الْجواد الصَّادِق الْعلي الَّذِي لَا يخلف الميعاد ﴿إِنَّا لننصر رسلنَا وَالَّذين آمنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيَوْم يقوم الأشهاد﴾
[ ١٤٤ ]
)
فَكُن من المنتظرين لوعده الواقفين عِنْد أمره وَحده فقد وعد سُبْحَانَهُ الْمُؤمنِينَ بالنصر فِي دنياهم وبالأجر فِي أخراهم وَالْحَمْد لله الَّذِي لم يَجْعَل لجبار سَبِيلا إِلَى نزع مَا أعْطى من الْعلم وَجعل الْعلم شرفا لأَهله فِي الْحَرْب وَالسّلم وأعزه الله فِي كل مِلَّة على كل حَال وَفضل حامليه على سَائِر الرِّجَال فَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي الْآيَات المحكمات ﴿يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات﴾
قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ للْعُلَمَاء دَرَجَات فَوق الْمُؤمنِينَ بسبعمائة دَرَجَة مَا بَين كل دَرَجَتَيْنِ مسيرَة خَمْسمِائَة عَام
ذكره الْغَزالِيّ ﵀ فِي الْإِحْيَاء وَغَيره
فَيَنْبَغِي لمن لم يكن عَالما وَلَا عَاملا أَن فليحب الْعلمَاء العاملين وَمن لم يكن صَالحا فلحب الصَّالِحين فَمن أحب قوما فَهُوَ مِنْهُم وَمن تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم
قَالَ رَسُول الله ﷺ (الْمَرْء مَعَ من أحب)
وَرُوِيَ (من أحب الْعلم وَالْعُلَمَاء لم تكْتب عَلَيْهِ
[ ١٤٥ ]
خَطِيئَة أَيَّام حَيَاته) رَوَاهُ الْمُقْرِئ أَبُو بكر النقاش فِي تَفْسِيره شِفَاء الصُّدُور
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (عَلَيْكُم بحب علمائكم وَلَا تبغضوهم وَلَا تحسدوهم وَلَا تطعنوا فيهم أَلا من أحبهم فقد أَحبَّنِي وَمن أَحبَّنِي فقد أحب الله وَمن أبْغضهُم فقد أبغضني وَمن أبغضني فقد أبْغض الله اللَّهُمَّ هَل بلغت)
رَوَاهُ أَبُو اللَّيْث السَّمرقَنْدِي ﵀ بِإِسْنَادِهِ قَالَ وَلَو لم يكن فِي حُضُور مجْلِس الْعلم مَنْفَعَة سوى النّظر إِلَى وَجه الْعَالم لَكَانَ الْوَاجِب على الْعَاقِل أَن يرغب فِيهِ
قَالَ وَقد أَقَامَ النَّبِي ﷺ الْعلمَاء مقَام نَفسه
فَقَالَ (من زار عَالما فَكَأَنَّمَا زارني وَمن صَافح عَالما فَكَأَنَّمَا صَافَحَنِي وَمن جَالس عَالما فَكَأَنَّمَا جالسني وَمن جالسني فِي الدُّنْيَا أجلسه الله تَعَالَى معي يَوْم الْقِيَامَة فِي الْجنَّة)
انْتهى كَلَامه
وَقَالَ ﷺ (الْعلم خَزَائِن ومفتاحها السُّؤَال فاسألوا يَرْحَمكُمْ الله فَإِنَّهُ يُؤجر فِيهِ أَرْبَعَة السَّائِل والمعلم والمستمع والمحب لَهُم)
ذكره فِي كتاب الْفَقِيه
[ ١٤٦ ]
والمتفقه وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي حليته بِإِسْنَادِهِ
وَعَن أبي بكرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (اغْدُ عَالما أَو متعلما أم مستمعا أَو محبا وَلَا تكن الْخَامِس فتهلك)
رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي كِتَابه بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ فِيهِ قَالَ عَطاء قَالَ لي مسعر أحد رُوَاة الحَدِيث ويل لمن لم يكن فِيهِ وَاحِدَة من هَذِه
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ يَا بني جَالس الْعلمَاء فَإنَّك إِن لم تعْمل بعملهم أخذت من أَخْلَاقهم وَإِن لم تَأْخُذ من أَخْلَاقهم نزلت الرَّحْمَة وَأَنت فيهم)
ذكره فِي كتاب التَّرْغِيب والترهيب فَالْحَمْد لله الَّذِي جعلنَا للْعلم وَالْعُلَمَاء محبين وصيرنا بهم وإليهم منتسبين وجعلهم لنا نسبا وَعزا وعدة بَين الْعَالمين نفتخر بذكرهم ونزداد وَنَرْجُو ببركتهم نيل المُرَاد كَمَا قيل
(أحب الصَّالِحين وَلست مِنْهُم أرجي أَن أنال بهم شَفَاعَة)
وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ (يشفع يَوْم الْقِيَامَة الْأَنْبِيَاء ثمَّ الْعلمَاء ثمَّ الشُّهَدَاء)
رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن مَاجَه الْقزْوِينِي ﵀ فِي سنَنه وَأعظم بمرتبة هِيَ وَاسِطَة بَين الْأَنْبِيَاء وَالشُّهَدَاء
وَقَالَ ﷺ (إِن لطَالب الْعلم شَفَاعَة كشفاعة الْأَنْبِيَاء)
ذكره الْفَقِيه مُوسَى فِي كتاب الْحجَّة وَقَالَ
[ ١٤٧ ]
رَسُول الله ﷺ (يجاء بالعالم وَالْعَابِد فَيُقَال للعابد ادخل الْجنَّة وَيُقَال للْعَالم قف حَتَّى تشفع للنَّاس)
روينَاهُ فِي كتاب التَّرْغِيب والترهيب لأبي الْقَاسِم الْأَصْبَهَانِيّ وَفِي كتاب ابْن عبد الْمجِيد الميانشي ﵀ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِذا اجْتمع الْعَالم وَالْعَابِد على الصِّرَاط قيل للعابد أَدخل الْجنَّة وتنعم بعبادتك وَقيل للْعَالم قف اشفع لمن أَحْبَبْت)
وَقَالَ الإِمَام الْحَافِظ ابْن الْجَوْزِيّ ﵀ اصحب الصَّالِحين وَإِن لم تكن مِنْهُم فَإِن الله سُبْحَانَهُ لما أَحْيَا عُزَيْرًا أَحْيَا حِمَاره وَلما بعث أهل الْكَهْف بعث كلبهم
وَقَالَ قَتَادَة ﵀ فِي كِتَابه إِن عليا كرم الله وَجهه قَالَ كن عَالما أَو متعلما أَو مستمعا أَو محبا وَلَا تكن الْخَامِس فتهلك
وَإِن رَسُول الله ﷺ قَالَ (كونُوا عُلَمَاء صالحين فَإِن لم تَكُونُوا عُلَمَاء صالحين فجالسوا الْعلمَاء فَاسْتَمعُوا علما يدلكم على الْهدى أَو يردعكم عَن الردى)
وَذكر الإِمَام الْغَزالِيّ فِي الْإِحْيَاء أَن رجلا قَالَ
[ ١٤٨ ]
لعمر بن عبد الْعَزِيز ﵀ إِنَّه كَانَ يُقَال إِن اسْتَطَعْت أَن تكون عَالما فَكُن عَالما وَإِن لم تستطع أَن تكون عَالما فَكُن متعلما فَإِن لم تستطع أَن تكون متعلما فأحبهم فَإِن لم تستطع أَن تحبهم فَلَا تبغضهم فَقَالَ سُبْحَانَ الله لقد جعل الله مخرجا
وَقيل للفضيل ﵀ إِن سُفْيَان بن عُيَيْنَة قبل جَائِزَة السُّلْطَان فَقَالَ الفضيل مَا أَخذ مِنْهُم إِلَّا دون حَقه ثمَّ خلا بِهِ وعاتبه بِرِفْق فَقَالَ يَا أَبَا عَليّ إِن لم نَكُنْ من الصَّالِحين فَإنَّا نحب الصَّالِحين
وَيُقَال كفى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَن لَا يكون صَالحا وَيَقَع فِي الصَّالِحين وَمعنى يَقع فيهم أَي يغتابهم ليظْهر للنَّاس معايبهم وَقيل
(وَمَا عبر الْإِنْسَان عَن نقص نَفسه بِمثل اعْتِقَاد النَّقْص فِي كل فَاضل)
نسْأَل الله الْكَرِيم أَن ينفعنا بهم وَأَن يحشرنا على حبهم ويجعلنا فِي زمرتهم بمنه وَكَرمه وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
[ ١٤٩ ]